ثورة كبرى.. في عالم «بلوتوث»

تقنية اتصال لاسلكي مطورة تؤمن التواصل بين مختلف الأجهزة

ثورة كبرى.. في عالم «بلوتوث»
TT

ثورة كبرى.. في عالم «بلوتوث»

ثورة كبرى.. في عالم «بلوتوث»

الوصل بين الهاتف الجوال وجهاز آخر، أو سيارة عبر «بلوتوث»، عملية تدعى الاقتران أو التزاوج، وهي غالبا ما تكون صعبة ومزعجة وغير مفهومة.
وحتى داخل السيارة حيث تتيح «بلوتوث» تحرير اليدين أثناء التكلم على الهاتف، يكون الأمر محبطا أحيانا، ومع ذلك فقد أصبحت هذه العملية من النظم الأساسية لوصل أجهزتنا لاسلكيا. وهي باتت مسؤولة حاليا عن وصل هواتفنا، مع الأجهزة التي نضعها على أجسامنا، مثل تلك التي تتعقب لياقتنا الجسدية، وتراقب أقفال بيوتنا، وحتى فراشي تنظيف أسناننا، ومصابيح الإضاءة في منازلنا؛ فقد انضوت «بلوتوث» بهدوء في صلب التقنيات الذكية جدا.

* نسخة محدّثة
* «بلوتوث» هي تقنية لا سلكية قصيرة المدى أطلقت في عام 1999، والمنتج هذا يدار من قبل مجموعة خاصة بحقوقها، تدعى «بلوتوث سبيشال إنترست غروب» التي لا تبغي ربحا، وتضم بين جناحيها 24 ألف شركة، وبمقدور أي شركة استخدام هذه التقنية، شرط الموافقة على شروط ومواصفات محددة. وكانت هذه المجموعة مع رهط من الأفراد الذين يقررون ما هي مواصفات «بلوتوث» وشروطها، قد وافقوا قبل سنوات عدة على إنتاج نسخة من النظام يمكنه ليس وصل سماعات الرأس اللاسلكية وتحرير اليدين أثناء المكالمات الهاتفية فحسب، بل التواصل أيضا مع الأجهزة التي توضع على الجسم، وإقفال أبواب المنازل الذكية، وفراشي الأسنان، والإعلانات التي تبث لاسلكيا.
وهذه النسخة الجديدة التحديث من «بلوتوث» تأتي تحت أسماء مختلفة، مثل «بلوتوث سمارت» Bluetooth Smart: «بلوتوث4.0» Bluetooth 4.0. و«بلوتوث لو إنيرجي» Bluetooth Low Energy. فهذه نسخة أقل طاقة بكثير من «بلوتوث» العادية التي تقوم بإرسال معلومات أقل من النسخ الأخرى، التي تدعى حاليا «بلوتوث كلاسيك».
«وكان دور (بلوتوث) قد تغير»، كما يقول سيوك جاواندا الناطق بلسان مجموعة «بلوتوث سبيشال غروب». فالعالم بدأ اليوم يرى أن (بلوتوث) أصبحت في كل مكان في هذا العالم المتصل بعضه ببعض، حيث يستخدم الجميع فيه «بلوتوث سمارت». والمقصود من هذه النسخة الجديدة من «بلوتوث» استخدامها في إطلاق دفقات سريعة جدا من المعلومات المرسلة عبر مسافات قصيرة نسبيا، مثل عدد الخطوات التي مشيتها، أو إرسال رمز معين ينشط تطبيقا على الهاتف. ويطلق جاواندا على «بلوتوث» هذا وصف «الممكن القاتل» للأجهزة المتصلة بعضها ببعض.
وعلى الرغم من طرح «بلوتوث سمارت» الذكية في عام 2010، فإنها شرعت الآن تشق طريقها عبر المزيد من الأجهزة المختلفة. كما أنه على الرغم من أن النموذج الجديد هذا يستخدم طاقة أقل، موفرا من حياة البطارية، فإن التغيير البارز هنا ربما هو في كيفية تقارنه أو تزاوجه مع الأجهزة الأخرى.
ومثال على ذلك يمكن الآن مزاوجة الأجهزة عن طريق استخدام تطبيق بدلا من استخدام ضوابط الهاتف. ولنأخذ الساعة الذكية «موتو 360» مثالا، فلدى إدارتها تسألك أن تنزل تطبيقا على هاتف «أندرويد». ولدى قيامك بذلك، يقوم التطبيق بالبحث عن الساعة والعثور عليها عن طريق اسمها، مع إبراز رمز شفري للتثبت من صحة المزاوجة.
ويقول بعض المطورين إن سهولة استخدام هذا النظام مع حياة البطارية الطويلة، من الأسباب التي جعلت بمقدور «بلوتوث» تشغيل ما يسمى بـ«إنترنت الأشياء»، أو مبدأ عالم الأجهزة الموصول بعضها ببعض لخدمتنا وفائدتنا.
ويقول جوكوين بريندس مؤسس الشركة الناشئة «جايستير» في ولاية فلوريدا في أميركا «فورت لوردايل»: «إن ما يعنيني هو إنترنت الأشياء»، إذ تستخدم شركته «بلوتوث سمارت» لوصل هاتف المستخدم بسلسلة مفاتيحه، كما أنه يجمع المال لوصل الهاتف بالمحفظة في نهاية المطاف. وسيكون بمقدور شحنة البطارية الموجودة في سلسة مفاتيح الشركة، وفي المحفظة، أن تدوم سنتين، أو أكثر، مع سهولة المزاوجة مع الهاتف.

* تقنية ذكية
* ويقول بريندس إنه كان يعمل مهندسا في شركة «موتورولا» عندما برز نموذج «بلوتوث» المنخفض الطاقة، وأدرك فورا أهمية ذلك: «فهذه تقنية كاملة لجعل كل الأشياء ذكية، التي لم تكن ذكية قبل ذلك». ومع ذلك هنالك بعض القصور. وأهم جانب فيه هو المدى، فإذا وصلت هاتفك بضابط الحرارة في المنزل عن طريق «بلوتوث»، فعليك أيضا وصله به عن طريق «واي - فاي» لضبطه من خارج المنزل. أما إذا كنت تتحكم بضابط الحرارة عن طريق «بلوتوث» فقط، وكان منزلك كبيرا واسعا، فقد تكون خارج نطاق المدى وأنت بداخله. ويصل مدى «بلوتوث» إلى ما بين 50 و150 قدما، ليصل إلى 300 قدم، إذا كان الجهازان في خط «النظر» المباشر. وطبعا تعتمد قوة الإشارة على الجدران والعوائق الأخرى، والتداخل الناتج عن الأجهزة الأخرى.
الجانب السلبي الآخر هو الأمن، فقد أفاد بعض الباحثين بأنهم تمكنوا من تجاوز التشفير المشيد داخل «بلوتوث سمارت»، رغم أن جاواندا يؤكد أن «بلوتوث» توفر الكثير منه. لكن «بلوتوث سمارت» ليس التقنية الوحيدة المتوفرة لأغراض الاتصالات، فهنالك منافستها القوية «واي - فاي دايركت»، التي تقدم سرعات عالية في نقل البيانات، وربما أمنا أقوى.

* «واي - فاي دايركت»
* «واي - فاي دايركت» تعتمد على مبدأ «واي - فاي»، لكنها تتيح وصل جهازين من دون الحاجة إلى موجه للإشارات اللاسلكية (روتر)، ومثال على ذلك هنالك بعض الكاميرات، مثل «غو برو هيرو4» يمكنها التواصل مع الهواتف الذكية عن طريق «واي - فاي دايركت». وهذا ما يتيح إدارة الكاميرا من بعيد، أو تصفح الصور وتحميلها من الهاتف، تماما كما لو أن الكاميرا مزودة بوصلة «واي - فاي» للإنترنت.
وكانت «واي - فاي دايركت» قد خضعت لبعض التحديثات والتعديلات أخيرا، ما يتيح للمستخدمين إرسال وتلقي المحتويات بين الأجهزة الموصولة بعضها ببعض بأسلوب سهل، والطباعة من الهاتف أو الجهاز اللوحي، وبث الموسيقى، وإرسال الفيديوهات إلى شاشة أخرى.
«وتبرز القيمة الحقيقية لهذه الأشياء الجديدة عندما يكون لديك تواصل مع الإنترنت»، يقول كيلي دايفز - فيلنر نائب رئيس قسم التسويق في «واي - فاي اللاينس» الجمعية التجارية التي ترخص لـ«واي - فاي» وتروج لها. فكل هذه الأمور الجذابة التي ترغب في القيام بها، تصبح أكثر جاذبية عندما تقوم بها وترصدها من بعيد. فإذا كنت تستخدم «بلوتوث»، فقد يكون ذلك مناسبا لمسافة 10 أقدام، لكنك في النهاية قد تستخدم «واي - فاي».
وفي نهاية المطاف قد نجد أنفسنا ربما في عالم مليء بـ«واي - فاي دايركت»، و«بلوتوث سمارت». والسؤال الصعب الإجابة عليه هو ما إذا كانت هنالك نماذج وصل أخرى قد تؤثر على هيمنة هذين الأسلوبين، مثل تقنية الاتصالات في المجال القريب، وكذلك «زغ بي» ZigBee، وهي نموذج آخر يتيح للأجهزة التحادث بعضها مع بعض.
لكن مثل تلك التقنيات الأخرى تواجه تلا كبيرا عليها تسلقه، فـ«بلوتوث» و«واي - فاي» هما كل شيء في هذه الأيام، كما أن «بلوتوث» بصورة خاصة هي رخيصة الكلفة، ويمكن الاعتماد عليها.
ومع تواصل المزيد من الأجهزة بعضها ببعض، تحلم «بلوتوث» بالمزيد من الإنجازات؛ إذ يقول جاواندا إن «بلوتوث» في السيارات شرعت تتغير من شريحة واحدة تتولى البث الصوتي، إلى شرائح متعددة منخفضة الطاقة يمكنها مشاركة المعلومات حول أمور كثيرة، مثل ضغط الإطارات ودرجة الحرارة.
وأضاف: «حاليا كل هذه الأمور موصولة بأسلاك، مثل جهاز مراقبة ضغط الإطارات، فإذا ما أزلت مثل هذه الكابلات، ووضعت مكانها هذه المستشعرات والمجسات، فأنت تخفف من وزن السيارة، وبذلك تزيد من المسافة المقطوعة بخزان الوقود الواحد، فضلا عن أنه يمكن للمستشعرات التحدث لاسلكيا مباشرة مع هاتفك».

* خدمة «نيويورك تايمز»



مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
TT

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي عالمياً، لم تعد المشكلة الأساسية دائماً في تصميم الشرائح أو توفر الطلب حتى التمويل، بل في الكهرباء والتبريد وسرعة الربط بالشبكات والحصول على التصاريح. من هنا بدأت تظهر فكرة مراكز البيانات المدارية، لا بوصفها خيالاً علمياً خالصاً، بل باعتبارها محاولة للالتفاف على اختناقات البنية التحتية الأرضية التي باتت تؤخر توسيع قدرات الحوسبة. لكن السؤال الأهم ليس هل الفكرة جذابة نظرياً؟ بل هل هي قادرة فعلاً على التحول إلى جزء عملي من بنية الذكاء الاصطناعي، أم أنها ستبقى حلاً محدوداً في تطبيقات متخصصة؟!

يضع شون ماكديفيت، الشريك في «آرثر دي ليتل»، النقاش في إطاره الأكثر واقعية. ماكديفيت لا يتعامل مع المدار باعتباره بديلاً شاملاً للأرض، بل كطبقة قد تستفيد من مزايا يصعب تكرارها على اليابسة، مثل الطاقة الشمسية المستمرة، والتبريد الإشعاعي السلبي، وبعض حالات المعالجة داخل المدار نفسه. ويقول، خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» بوضوح، إن أقوى حجة اليوم ليست «وضع كل الذكاء الاصطناعي في الفضاء»، بل استخدام الفضاء، حيث يمنح «ميزة هيكلية حقيقية». هذه الصياغة مهمة لأنها تخفف من المبالغة الشائعة في الخطاب المحيط بالبنية الفضائية، وتنقل النقاش من فكرة الاستبدال الكامل إلى فكرة التخصيص الذكي.

شون ماكديفيت الشريك في «آرثر دي ليتل»

حوسبة تصطدم بالطاقة

ما يمنح هذه الفكرة بعض الجدية هو أن عنق الزجاجة في الذكاء الاصطناعي تغيّر فعلاً. فبحسب ماكديفيت: «الرقائق موجودة، ورأس المال متاح، والطلب قوي»، لكن النشر يتباطأ بسبب شراء الطاقة، والتصاريح، وتوصيل البنية التحتية، ما يعني أن الاختناق العملي انتقل من سؤال: «هل يمكننا بناء القدرة الحاسوبية؟» إلى سؤال: «هل يمكننا تشغيلها بسرعة؟».

وهنا يبرز مفهوم «سرعة الوصول إلى الطاقة» كعامل أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى الحوسبة نفسها. في سوق تتحرك فيه دورات النماذج بسرعة، قد يعني تأخر منشأة في الوصول إلى طاقتها التشغيلية أن نافذتها الاستراتيجية أغلقت قبل أن تبدأ.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو مراكز البيانات المدارية وكأنها تحاول حلّ مشكلة أرضية من خلال بيئة غير أرضية. فالفكرة الأساسية تقوم على أن المدار قد يخفف بعض القيود المتعلقة بالطاقة والتبريد واستخدام المياه حتى طول دورات الترخيص. إلا أن ذلك لا يجعل التحول الواسع إليها قريباً أو سهلاً. ماكديفيت يحسم هذه النقطة بوضوح حين يقول إن «التحول الواسع في المدى القريب من البنية التحتية الأرضية إلى المدارية غير واقعي». السيناريو الأقرب، برأيه، هو نشر انتقائي لعقد حوسبة مدارية في حالات استخدام ضيقة، خصوصاً عندما تكون البيانات أصلاً مولودة في الفضاء، أو حين تكون المرونة التشغيلية أهم من انخفاض زمن الاستجابة. كما يقدّر أن المنصات التجارية لا تزال على بعد 5 إلى 7 سنوات، وذلك إذا انخفضت تكاليف الإطلاق بشكل حاد فقط، ربما إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف ثلاثينات هذا القرن.

أعباء تناسب المدار

هنا تبدأ الحدود التقنية والاقتصادية في الظهور بوضوح. فليست كل أعباء العمل متساوية، وليس كل ما يُشغَّل على الأرض قابلاً للنقل إلى الفضاء. الأعمال التي تبدو منطقية في المدار هي المعالجة الطرفية في الفضاء، والمعالجة المسبقة لبيانات مراقبة الأرض والاستشعار، والتحليلات الدفعية المتسامحة مع التأخير، وبعض المحاكاة، والتخزين المصمم للمرونة أو للأرشفة السيادية المقاومة للعبث. أما ما لا يبدو مناسباً بوضوح، فهو السحابة المؤسسية التقليدية، والتطبيقات الاستهلاكية التي تحتاج إلى زمن استجابة منخفض، والاستدلال التفاعلي المكثف، ومعظم أعمال التدريب التي تعتمد على حركة بيانات كثيفة وتجديد سريع للمعدات وسهولة الصيانة. وبكلمات ماكديفيت: «الأعباء الثقيلة من ناحية النطاق الترددي، لكنها متسامحة مع التأخير هي مرشحة أفضل من الأعباء الحساسة للزمن والتعاونية بكثافة».

هذا التمييز مهم، لأنه يعيد ضبط التوقعات. فإذا كان كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية اليوم قائمة على التفاعل السريع مع المستخدمين، فإن المدار لا يقدم بديلاً عملياً لها، على الأقل في المستقبل المنظور. حتى في المدارات الأرضية المنخفضة، التي تعد أفضل من المعماريات الأبعد، تبقى الكمونات الزمنية عاملاً حاسماً يحدّ من القدرة على منافسة البنية الأرضية في التطبيقات اللحظية الموجهة للمستخدم. لذلك، فإن أفضل ما يمكن للمدار أن يقدمه حالياً ليس استضافة «السحابة الذكية» العامة، بل تقليل الحاجة إلى تنزيل كل البيانات الخام إلى الأرض من خلال معالجتها عند المصدر، ثم إرسال الرؤى أو النتائج فقط. وهذه نقطة بالغة الأهمية في عالم تزداد فيه أحجام بيانات الأقمار الصناعية بوتيرة سريعة.

البنية الأرضية ستبقى الخيار الأساسي لأنها أكثر نضجاً وأسهل في الصيانة والتوسع وأوضح من حيث الجدوى الاقتصادية (شاترستوك)

تفوق الأرض اقتصادياً

اقتصادياً، لا تزال الأرض تتفوق بوضوح. فالتوسع في مراكز البيانات الأرضية يبقى الخيار الافتراضي لأنه يستفيد من منظومات قائمة بالفعل كسلاسل توريد، وقابلية إصلاح وصيانة، وتمويل معروف، وبنية تشغيلية ناضجة. لذلك، كما يشير ماكديفيت، تصبح النماذج المدارية مثيرة للاهتمام فقط عندما تكون «التكلفة المتجنبة لتأخير البنية الأرضية مرتفعة جداً»، أو عندما يحل المدار مشكلة لا تستطيع الأرض حلّها «بأناقة». حتى مع الإشارة إلى تحليلات منشورة من «غوغل» تفترض إمكان الوصول إلى نوع من التكافؤ الاقتصادي إذا انخفضت تكاليف الإطلاق إلى أقل من نحو 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف الثلاثينات، يبقى الاستنتاج الحالي واضحاً؛ نحن أمام نشر مداري محدود وموجّه، لا أمام إحلال واسع.

وإذا كان الجانب الاقتصادي لا يزال حذراً، فإن الجانب التقني أكثر تعقيداً. فالقائمة التي يذكرها ماكديفيت طويلة، تشمل توليد الطاقة وتخزينها في المدار والتحكم الحراري ومقاومة الإشعاع وإدارة الأعطال بشكل ذاتي وشبكات ضوئية عالية السعة وبوابات أرضية قابلة للتوسع وإدارة الحطام الفضائي والتجميع الروبوتي، ثم قبل كل شيء تحديث الأجهزة. وهذه النقطة الأخيرة قد تكون من أكثر العقبات حسماً، لأن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي تتحرك بسرعة شديدة، وأي منصة لا يمكن ترقيتها أو صيانتها بكفاءة قد تصبح قديمة قبل أن تسترد رأسمالها. لذلك، فإن التجارب الحديثة، مهما بدت لافتة، يجب أن تُفهم باعتبارها «إثباتات مفهوم»، لا دليلاً على نضج منظومة متكاملة جاهزة للسوق.

التوسع المداري الواسع لا يبدو واقعياً قريباً بسبب تعقيدات الإطلاق والتشغيل والتحديث التقني والتنظيم (شاترستوك)

تنظيم يحدّ التوسع

قد يكون البعد التنظيمي والجيوسياسي بطيئاً لكنه مؤثر. فحين تتحول الحوسبة المدارية إلى جزء من بنية رقمية ذات أهمية استراتيجية، تبدأ أسئلة السيطرة والاختصاص والسيادة في الظهور بقوة؛ من يملك هذه البنية؟ من ينظمها؟ من يضمن أمنها؟ ومن يملك حق تشغيل قدرة حاسوبية قد تصبح حيوية لقطاعات مثل الاستشعار الدفاعي أو النسخ الاحتياطي السيادي أو معالجة بيانات الأقمار الصناعية؟

ماكديفيت يشير إلى طيف واسع من العوائق، من تخصيص الطيف وإدارة الحركة المدارية وقواعد الحطام، إلى ضوابط التصدير، والهواجس الأمنية، وحوكمة الأمن السيبراني. هذه العوائق قد لا تمنع التبني، لكنها قد تبطئه وتجزئ السوق جغرافياً وسياسياً.

لهذا كله، تبدو المبالغة أكبر خطر يواجه هذا التصور اليوم. ماكديفيت يقرّ بأن هناك «خطراً حقيقياً» من أن يبالغ القطاع في تقدير الدور الذي ستلعبه البنية المدارية في الذكاء الاصطناعي إذا انزلق النقاش من الاستخدامات الانتقائية إلى سردية الاستبدال الشامل. لكن هذا التحفظ لا يلغي وجود فرصة فعلية. فربما لا يصبح المدار موطناً للطلب الرئيسي على الذكاء الاصطناعي، لكنه قد ينجح تجارياً في شريحة محددة من التطبيقات التي تتضرر بشدة من اختناقات الأرض أو تملك أفضلية طبيعية حين تتم معالجتها في الفضاء. وبذلك، فإن القضية ليست ما إذا كانت مراكز البيانات المدارية «المستقبل» كله، بل ما إذا كانت ستصبح جزءاً من المستقبل في أماكن بعينها.

يمكن الاستخلاص من حديث ماكديفيت أن المدار قد يصبح جزءاً من البنية الطبيعية لقطاعات مثل مراقبة الأرض والاستشعار المرتبط بالدفاع والنسخ السيادي الاحتياطي وبعض أعباء الذكاء الاصطناعي المتسامحة مع التأخير. أما البنية الأرضية فستبقى القلب الرئيسي للحوسبة العالمية، لأنها أسهل في الصيانة، وأسهل في التوسع التدريجي، وأكثر ملاءمة للجزء الأكبر من الطلب منخفض الكمون. بذلك، لا تبدو مراكز البيانات المدارية حلاً سحرياً لأزمة بنية الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مجرد خيال تقني أيضاً. الأقرب أنها ستظل، في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل، طبقة متخصصة ذات قيمة حقيقية، ولكن ضمن حدود واضحة لا ينبغي تجاهله.


بقدرات مُحسَّنة ودعم أوسع للعربية... «أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
TT

بقدرات مُحسَّنة ودعم أوسع للعربية... «أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0»، في خطوة تعكس تسارع وتيرة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ خصوصاً في مجال إنتاج المحتوى البصري داخل بيئات المحادثة الذكية.

ويأتي هذا التحديث ضمن جهود الشركة لتعزيز تكامل قدرات إنشاء الصور مع الفهم اللغوي والسياقي؛ حيث يقدِّم النموذج الجديد تحسينات ملحوظة في دقة توليد النصوص داخل الصور، وهي من أبرز التحديات التي واجهت النماذج السابقة، إلى جانب تطوير قدرته على التعامل مع أوامر أكثر تعقيداً وتفصيلاً.

فهم أعمق وسياق أكثر دقة

وحسبما أعلنته الشركة، يعتمد النموذج الجديد على آليات متقدمة لفهم التعليمات النصية، ما يتيح له إنتاج صور أقرب إلى المطلوب، سواء من حيث التفاصيل أو التكوين العام. كما يدعم النموذج لغات متعددة بشكل أفضل، مع تحسينات واضحة في دعم اللغة العربية، ما يعزِّز استخدامه في الأسواق الناطقة بها.

وتشير هذه التحسينات إلى توجه متزايد نحو جعل أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر توافقاً مع الاستخدامات اليومية؛ سواء في مجالات الإعلام، أو التسويق، أو صناعة المحتوى الرقمي.

نحو تكامل مع مصادر المعلومات

وفي سياق متصل، لفتت تقارير تقنية إلى أن النموذج الجديد قد يستفيد -في بعض أوضاع التشغيل- من معلومات حديثة لتعزيز دقة النتائج، وهو ما يعكس توجُّهاً أوسع نحو ربط نماذج الذكاء الاصطناعي بمصادر بيانات محدَّثة، بما يرفع من موثوقية المخرجات ويحدُّ من الأخطاء.

ومع ذلك، لم توضح الشركة بشكل تفصيلي آلية هذا التكامل ولا نطاق استخدامه، ما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التحديثات المستقبلية.

سباق متسارع في سوق الذكاء الاصطناعي

يأتي إطلاق «Images 2.0» في وقت يشهد فيه سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي منافسة محتدمة بين الشركات التقنية الكبرى التي تسعى إلى تقديم أدوات أكثر دقة وسرعة وسهولة في الاستخدام؛ خصوصاً مع تنامي الطلب على المحتوى المرئي عالي الجودة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثِّل جزءاً من تحول أوسع نحو ما يمكن تسميته «الإنتاج البصري الذكي»؛ حيث تصبح عملية إنشاء الصور أقرب إلى حوار تفاعلي يعتمد على الفهم العميق للسياق، بدلاً من مجرد تنفيذ أوامر نصية مباشرة.

نموذج تم تصميمه عن طريق «إيمجز 2.0» (chatgpt)

تأثيرات متوقعة على صناعة المحتوى

من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على صُنَّاع المحتوى بشكل مباشر؛ إذ يتيح لهم إنتاج مواد بصرية أكثر احترافية خلال وقت أقصر، مع تقليل الحاجة إلى أدوات تصميم تقليدية معقدة.

كما يعزِّز دعم اللغة العربية فرص استخدام هذه التقنيات في المنطقة؛ خصوصاً في ظل النمو المتسارع لاقتصاد المحتوى الرقمي في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن مستقبل إنتاج الصور يتجه نحو مزيد من التكامل بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الحية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الاستخدامات الإبداعية والمهنية على حد سواء.


ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.