حفيدات شهرزاد يقلّصن المسافة بين الرواية والملحمة

أليف شافاك وإيزابيل ألليندي وماريز كوندي في أعمال ثلاثة

أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
TT

حفيدات شهرزاد يقلّصن المسافة بين الرواية والملحمة

أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي

لعلهم لا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يعتقدون أن الرواية دون سواها هي ملحمة العصر الحقيقية، بعد أن كان لواء هذا الفن منعقداً للشعر في الحقب السابقة من التاريخ. وسواء كان الأمر متعلقاً بحيوات البشر العاديين وتفاصيلها الصغيرة، أو بالتحولات المفصلية للدول والجماعات، فإن لغة السرد هي الأقدر في الحالتين، على رصد هذه التحولات، أو على انتشال ما هو مهمل وعادي ويومي من قاع النسيان. وإذا كانت هذه المقالة تتصدى لأعمال روائية ثلاثة، صدرت مترجمة إلى العربية عن «دار الآداب»، فإن الأمر لا يأتي عن الصدفة المجردة أو المزاج الشخصي، بل لأن هذه الأعمال على تنوعها تتسم بالنفس الملحمي في مقاربتها للوقائع والأحداث، كما أن كلاً منها تعكس الروح القومية لكاتبته، إضافة إلى البعد الإنساني الجامع الذي يحولها إلى صرخة احتجاج مؤثرة ضد القهر والاستبداد والتمييز العرقي والاجتماعي.
في عملها المشوق «أنا تيتوبا: ساحرة سالم السوداء»، تكشف الكاتبة الغوادولوبية ماريز كوندي، عن قدرات روائية عالية، وحبكة أسلوبية متقنة لا تترك للقارئ فرصة لالتقاط الأنفاس، فثمة انصهار تام داخل الزمن الروائي الذي يعود إلى نهايات القرن السابع عشر، تماهٍ تام مع بطلة الرواية التي لا قِبل للقارئ بنسيانها. ورغم أن ثلاثة قرون كاملة تفصل بين زمن الكاتبة وزمن بطلتها، وما استتبع ذلك من حروب وثورات دموية آلت في النهاية إلى إلغاء الرق وإعلان شرعية حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، فقد تمكنت المؤلفة من أن تنتشل من قاع النسيان ذلك العالم المر الغارق في وحشيته العنصرية، وفي ملذاته الحسية المختلسة من خلف ظهر الألم. والواقع أننا كقراء لم نكن بحاجة إلى التنويه الذي أوردته كوندي في مستهل الرواية: «تيتوبا وأنا عشنا في صحبة حميمة مدة عام، وأثناء حواراتنا التي لم تكن تنقضي باحت لي بهذه الأمور التي لم تبح بها لأحد»، لكي نعاين لطخات الدم المتيبسة فوق سطوح اللغة، وأنين البشر الذين سيقوا من أحشاء أفريقيا السوداء لكي يباعوا بالمزاد في أسواق النخاسة التي قامت على أنقاضها حضارة أميركا «البيضاء».
عرفت المؤلفة، دون أن تقع فريسة التحريض والوعظ الأخلاقي، أن تقدم شهادتهم الموثقة بالأدلة ضد ذلك العصر القاسي والمفتقر إلى العدالة. وتمكنت ماريز كوندي من أن تقدم لنا من خلال عملها السردي المتوهج كل ما تحتاجه الرواية لتتحول إلى ملحمة حقيقية صنعها البشر المهانون والموصوفون بالعبيد، من تخثر دمهم النازف على قارعة المدن الجديدة، وتشقق لحومهم تحت شمس الظهيرة اللاهبة، وانكسار ظهورهم تحت لفح السياط «البيضاء».
تختزل حكاية تيتوبا «الساحرة» حكاية شعبها المهان بأسره. فالطفلة البائسة التي جاءت إلى العالم من صُلب خطيئتين أصليتين، هما لونها الأسود، وحادثة اغتصاب تاجر الرقيق البريطاني لأمها أبِنا، تنتقل من عهدة مالك مفلس إلى مالك آخر موسر، بعد أن قضت أمها شنقاً بسبب الحادثة، وبعد انتحار الأب الأسود البديل الذي تربت في عهدته. إلا أن الفتاة التي حُملت إلى ضاحية سالم القريبة من بوسطن، بعد أن ضمها تاجر جديد إلى مقتنياته، كانت ككثيرات من السود، قد تعلمت من قريبتها مان يايا العجوز، وقبل رحيلها هي الأخرى، طرق التحدث مع الطبيعة، واستحضار أرواح الموتى، والمعالجة بالتعاويذ والأعشاب، وغيرها من فنون السحر. ومع أن تيتوبا عقدت العزم على ألا تسخر مواهبها إلا في الأعمال الخيرة وشفاء المرضى والتقريب بين الأحياء وأحبائهم من الموتى، فقد وجدت نفسها بالمقابل تواجه تهماً بالسحر والشعوذة قادتها إلى السجن والاضطهاد، بعد أن غدر بها كل من جهدت في مساعدتهم، وتخلى عنها زوجها جون الهندي الذي لم تستطع نسيانه، حتى نهاية حياتها القصيرة. ومع أن تيتوبا وجدت نفسها أمام فرصة نادرة للظفر بحياة طويلة هانئة بعد خروجها من السجن، وبعد أن أعتقها من العبودية التاجر اليهودي الذي اتخذها خليلة له، لتتمكن أخيراً من تحقيق حلم العودة إلى جزيرتها الأم في منطقة الكاريبي، إلا أن قدرها المنكود كان يهيئ لها نهاية أكثر قتامة. فقد أدى انضمامها إلى ثورة العبيد الآبقين في تلك الفترة إلى أن تقضي مع عشيقها الجديد برصاص الأسياد البيض، لتتحول بذلك إلى واحدة من الأساطير المؤسسة لمناهضة التمييز العنصري والنضال من أجل الحرية.
لست متيقناً، إذا كانت الكاتبة التركية أليف شافاك قرأت رواية ماريز كوندي التي سبقت عملها الأخير «10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب» بأكثر من ثلاثين عاماً، أم لم تفعل. لكن هذا السؤال لا يتم طرحه من باب الفضول المجرد، بل بسبب التشابه الغريب في «تقنية» السرد الروائي الذي تتولاه في صيغة أنا المتكلم امرأتان مقتولتان، بما يضيف إلى مقولة الراوي «كلي القدرة» قدرات إعجازية أخرى تمكّنه من عبور الجدار الفاصل بين الحياة والموت. وكما تحولت تيتوبا إلى رمز لروح السلالة السوداء في نزوعها الأبدي إلى الانعتاق، تحولت ليلى تيكيلا، بطلة شافاك الجديدة إلى مجسد مماثل لروح إسطنبول التي تبحث عن خلاصها عبر إرساء قيم العدالة والحرية والمساواة بين البشر. أما الذريعة الروائية التي ابتكرتها شافاك لتمكين بطلتها المقتولة من تولي مهمة السرد، فهي افتراضها أن دماغ المرأة المقتولة والملقاة في حاوية النفايات، لا يزال قادراً أن يعمل لدقائق عشر إضافية، رغم توقف قلبها عن الخفقان. ومن خلال ذلك البرزخ الأخير الفاصل بين الحياة والموت. تستعرض المرأة الأربعينية المقتولة حياتها كاملة، منذ ولادتها في قرية تركية نائية، وحتى فرارها من منزلها العائلي لتستقر في المدينة الساحرة والقاسية والحافلة بالتناقضات، التي جعلتها شافاك المكان الأثير لمعظم أعمالها الروائية.
ومع أن شافاك قد عُرفت من قبل بجرأتها البالغة التي كلفتها الابتعاد شبه القسري عن وطنها الأم، إلا أنها تتجاوز في روايتها الأخيرة مختلف الخطوط الحمراء التي تفرضها المجتمعات الشرقية على كتابها وكاتباتها. إذ ليس من السهل على صاحبة «لقيطة إسطنبول» أن تختار امرأة تعمل في الدعارة بطلة لروايتها، حتى لو جهدت على لسان بطلتها في استعادة كل الظروف القاهرة التي دفعت البطلة إلى الوقوع في شرك الانحراف، ابتداء من إلحاقها القسري بأمّ أخرى، مروراً بانتهاك عمها الفظ لبراءتها الطفولية، وليس انتهاء بوفاة شقيقها «المنغولي»، وانعطافة أبيها المفاجئة نحو التيار الديني المتشدد، وما تبعه من محاولات قهرها والتحكم بمصيرها. لا تنتهي الرواية بمقتل ليلى المأساوي في إطار سلسلة من عمليات القتل المماثلة التي يأمر بها أحد الأثرياء النافذين، كتعبير عن سخطه البالغ على مثلية ابنه الشاب، بل ثمة فصل آخر تفاجئ به شافاك قراءها من خلال تصميم أصدقاء ليلى الخمسة على إخراج جثتها من مقبرة الغرباء، ومن ثم دفنها قرب حبيبها الماركسي الذي قتل في إحدى تظاهرات اليسار الصاخبة ضد السلطة الحاكمة، في سبعينات القرن الفائت. وليس من قبيل الصدفة بالطبع أن يكون الأصدقاء الخمسة بمجملهم من المهمشين والمرذولين والمتحولين جنسياً، والمقيمين في حزام المدينة الفقير. ذلك أن هدف الرواية في الأساس كان البحث عن القاع الإنساني المقهور للمدينة العريقة التي تحاول أن تخفي وجهها البائس خلف أبراجها الشاهقة وفنادقها الفخمة وأحيائها الباذخة الجاذبة لملايين السياح. وإذا كان ثمة من تشابه واضح بين كلّ من عملي ماريز كوندي وأليف شافاك، من حيث تقنية استنطاق الموتى، والتركيز بتأثير فرويدي واضح على ثنائية الجنس والموت، والبعد الملحمي للسرد وتوظيف العمل الروائي في إعادة كتابة التاريخ الحقيقي للمجتمعات والفئات المقهورة، فإن الفصل الأخير من رواية شافاك لا بد أن يحيل القارئ إلى تقاطع آخر مع رواية جورج أمادو «كانكان العوام الذي مات مرتين». ليس فقط من خلال رغبة أصدقاء البطل المتوفى في كلتا الروايتين في الاحتفاظ بجثته أطول وقت ممكن، بل من خلال تشابه النهايات، حيث يتم رمي العجوز المتوفى في مجرى النهر، بينما يتم رمي المرأة المقتولة في مياه البوسفور.
أما الكاتبة التشيلية إيزابيل ألليندي، فتستكمل من خلال روايتها الأخيرة «سفينة نيرودا» مشروعها الروائي المميز الذي يربط بين تاريخ التشيلي الحديث وبين مصائر أبطالها المنعطفة بشكل دراماتيكي، وبتأثير من أنظمة الاستبداد، نحو مآلات غير متوقعة... ألليندي صاحبة «بيت الأرواح» التي اتخذت من الحادثة المأساوية التي تعرضت لها مع ابنتها باولا الذريعة الملائمة لعرض تاريخ بلادها على الابنة الواقعة في الغيبوبة، عثرت على ضالتها هذه المرة، من خلال السفينة التي أعدّها بابلو نيرودا لنقل الثوار الإسبان الناجين من مذابح فرانكو إلى بلاده التشيلي، متمكنة من خلال هذه الرحلة الغريبة للسفينة التي نقلت ألفي لاجئ إسباني، أن تستعيد فصولاً مرعبة من الحرب الأهلية الإسبانية التي انتهت بانتصار الفاشية العسكرية. بينما يتمحور الصراع بشكل أساسي حول شخصية الطبيب الإسباني فكتور دالماو، وروز عازفة البيانو زوجة أخيه الحامل الذي قتل في الحرب، واضطر للزواج منها لأسباب عملية تتعلق بشروط الرحلة نفسها، وإنسانية تستوجب حمايتها مع الجنين. لكن الطبيب والعازفة سيحتاجان بعد الإقامة في التشيلي لسنوات عدة كي يتحولا إلى زوجين حقيقيين ومتحابين. كما سيختبر كل منهما علاقة عاطفية أخرى، تتجاوزها روز بأقل الأثمان، فيما يواجه فكتور في علاقته العابرة بالفتاة الثرية أوفيليا دي ظروفاً أصعب تنتهي بافتراقهما الحتمي، وإنجاب أوفيليا مولودة أنثى، لن يتعرف إليها الأب إلا في نهاية الرواية. وخلال ذلك سيتعرف فكتور على سلفادور ألليندي، عم المؤلفة الحقيقي، الذي سيتسلم رئاسة تشيلي بعد سنوات، وسيكتب عليه أن يشهد مرة أخرى انقلاباً دموياً آخر يقوم به العسكريون بقيادة بينوشيه، وبتحريض ودعم أميركيين، وسيزج به في السجن بحجة علاقته بالرئيس المقتول. يتمكن فيكتور مع زوجته من الفرار إلى فنزويلا لسنوات، قبل أن يقررا العودة إلى إسبانيا مرة أخرى، ليكتشفا أن لا مكان لهما هناك، بعد أن أحكم فرانكو قبضته الحديدية على البلد المنكوب. وكان قدر الزوجين أن يعودا في النهاية إلى تشيلي، حيث الوطن والمنفى يتبادلان الأدوار، ثم يمكثان هناك حتى الرمق الأخير.
في الختام، ثلاث كاتبات أرهفن السمع لتاريخ شعوبهن، وما يتمخض عنه من تحولات اجتماعية وفكرية وسياسية. ورغم اختلاف المقاربة والأسلوب، استطعن أن يكن حفيدات شهرزاد المنصهرات بروح أوطانهن الأم.



دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».