بيروت... مدينة لا تموت

كتاب وشعراء لبنانيون: ستنهض مجدداً من كبوتها وتتجاوز الكوارث

نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
TT

بيروت... مدينة لا تموت

نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح

عن وجعهم وآلامهم وما يتعرض له وطنهم الحبيب من خراب ودمار، خصوصاً بعد الانفجار المروع الذي دمر مرفأ المدينة، عن شعبهم البطل الشجاع الذي لا يكف عن التظاهر والاحتجاح، مطالباً بتغيير النظام الذي نخر في عظامه الفساد والفوضى... عن بيروت الأمل والحرية والجمال وصورة الطفولة، يتحدث كتاب وشعراء لبنانيون... هنا نص شهاداتهم:

د. نادر سراج
كاتب وباحث أكاديمي

معنى أن تكون بيروتياً
العنوانُ مستلهمٌ من الكاتب النهضوي أنيس النصولي الذي أودع كتيّبَه عن دار الكشاف في بيروت بعنوان «موطني بيروت»؛ الصادر عام 1947 عن دار الكشاف ببيروت عام حقائقَ ومشاعرَ عن مسقط رأسه. رغبتُ في أن يكون مظلةً لخواطر راودتني بعد زلزال الثلاثاء الأسود العاتي، الذي نزل بها وبأهلها بتاريخ 4/8/2020، وحفزني لأجيبَ عن سؤالٍ «ما معنى أن تكون بيروتياً اليوم؟»، وها أنا أشركُ قراءَ «الشرق الأوسط» بها.
المجتمعاتُ المدينية في عالم العروبة والإسلام مجتمعاتٌ عريقة؛ لها تقاليدها وأعرافها وأساليب تنظيمها لحياتها الخاصّة والعامّة، وشخصياتها العامة ورموزها الثقافية هي عنوان خصوصيتها في فضائه الثقافي الاجتماعي؛ أي صورة المدينة عن نفسها وطرائق فهمها لعلاقتها بمجتمعها.
وهذا كله ينتج عن الحراك الاجتماعي للأفراد والجماعات، ويُقرأ في ضوء منظومة القيم والموروثات التي اختزنوها على مرِّ السنين، وتتمظهر في شتى أشكال تواصلهم مع الآخر.
بيروت مدينةٌ عريقة، ومجتمعها مجتمعٌ عريق. وللعراقة تقاليد وأعراف بارزة في بيروت. وقد اضطربت هذه الأعراف أو ضعُفَ انتظامها في سنوات الحرب والفتنة. الصراع الناشب على هوية المدن - ورمزية ساحاتها وميادينها العامة - في عالمنا العربي يستتبع الحديث عن منظومات قيمها. لذا نضيف: ليست المسألة في مدننا التاريخية من يملك المدينة أو من هو صاحبها؟ بل القضية قضية حق واستحقاق معاً. فللمدينة قيم وحياة وعمران وانتظام، وكلها أمورٌ تحتاج إلى بذل الجهد للتعلّم والتدرّب والدخول في المدينة وتقاليدها.
وقد كان من بين طموحاتنا في تكوين منظومة كتبنا عن بيروت التي تناولت كلاً من إثنوغرافيا المدينة ولسانها وزمانها وتحولاتها وتاريخها الاجتماعي ومدارسها، مطلع القرن الماضي («محكية بيروت العربية»، و«تراث بيروت في الحفظ والصون»، و«أفندي الغلغول»، و«الخطاب الاحتجاجي»، وقيد الطبع «المدرسة والمدينة») النفاذُ إلى أعماق المدينة، وليس البقاء على سطحها وظواهرها.
في كنف «باشورتها» أبصرتُ النور، وفي «مدرسة المعارف» اكتسبت علومي ونسجت شبكة علاقاتي المدرسية، واكتشفت الآخر المختلف، وبين حنايا مناطقها وأحيائها (البسطة والمزرعة والطريق الجديدة ورأس بيروت، والأشرفية حالياً)، ترسّخت ملامح هُويّتي، وبالأحرى بيروتيتي.
هذه الحيّزات الحضرية شكّلت مجتمعةً إرهاصاتِ وعيي لذاتي المختلفة، مثلما لمشاعري المؤتلفة مع أبناء بيئتي المدينيّة، ومحيطي اللبناني الشديد الخصب والتنوّع، وانتمائي العربي الرحب على حدّ سواء. الحديثُ عن هذه المكوّنات المتجاورة والمتحاورة هو حديث في العمق عن الإنسان وثقافته وتأثير عنصري الزمان والمكان عليه، وعلى طرائق تفكيره وأسلوب كلامه وانتظام أنماط عيشه.
روحُ المدينة انتقلت إليّ وإلى أبناء جيلي من خلال وسائل التواصل اللّغويّة المتاحة - لم يكن «الواتساب» متوفراً - بما فيها التحدّث بمحكيّة بيروت العربيّة التي اكتست بحلّة حديثة و«بيضاء»، والتي لطالما صدحت إيقاعاتها المحبّبة في الآذان، وتناغمت ألفاظها على ألسنة الأهل.
وأسهمت مفاتيح كلامها وتعابيرها وزادها اللّغوي في تسهيل اتصالهم بالآخر، مثلما في تشكيل وعيهم الثقافي والاجتماعي بأنفسهم وبالعالم من حولهم.
أنيسةُ المدن ليست محصّنةً من الأقدار التي تصيب جميع المدن الكبرى التي تشهد في مرحلةٍ ما من تاريخها أوقاتاً تزدهر فيها، وتعرف تغيّرات ديموغرافية واجتماعيّة ولغوية تأتي كنتيجة حتميّة للتحرّكات السكانيّة، وتعيش مآسي كارثية وكبوات. «مُرضِعَة العُلوم» ما غرّدت خارج السّرب، والمصائبُ لم تأتِها فرادى. فبعد انهيار عملتها الوطنية واكتساح جائحة كورونا للبلاد والعباد وللعالم (2020)، ها هو انفجارُ مرفئها المدمّر يزلزل كيانها ويحوّلها إلى «بيروشيما». وسبق لـ«ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019» أن أعادت إلى شارعها الوطني والشبابي دينامية الاحتجاج وألق الانتفاض في وجه الظلم والفساد.
حيويةُ أهلها وساكنيها وزخمُ شباب لبنان ردّا إليها الروح. ها هي تنهض مجدداً من كبوتها، وتتجاوز المعوقات والكوارث، لتستعيد ألقها ودورها في المشهدين العربي والدولي.
فصلُ المقال أن بيروتَ سافرةٌ ضاحكةٌ لمن يُقبلُ عليها بالنية الطيبة والقصد الشريف، يعاشر أهلها المطبوعين على التسامح والاعتدال، يرتاد وسطها الساحر الفاتن. وهي شديدةُ التحجّب والإعراض عمَّن تتوسّم فيه الجفوة والترهيب والابتزاز.

ندى حطيط
شاعرة وكاتبة وإعلامية

من أين أفتحُ أزرار رئتيكِ؟!
من أين أفتحُ أزرار رئتيكِ لأبكيكِ، لأغسل بحركِ من الدماء، لأغسل أقدام قمحكِ من الاختناق؟
يا بيروت، يا أنثى الحزن الباذخ، يا مدينةٌ تقطرت من وجه الله،
كيف صارت شوارعك من دون شوارع، ومقاهيك من دون مقاهٍ؟ والمارة فيك جثث، والأحياء فيك أموات.
كيف صرت تنامين كما يمامة مسلولة، وفيك ينغل ساسة من نمل، وتقودك عناكب تمشي في جواربها السوداء.
هل قتلوكِ؟
هل قتلوكِ؟
هل قتلوكِ؟
أم هي غوايتك في مغازلة الموت لاستدراجه إلى ياسمينكِ، ثأراً من خيانته لفتنتك؟
إذ، كيف تموت مدينة مثلك وهي في جبين الأبد؟
إذ كيف تموت «المدينة - الآلهة» فما ذكر أهلوك اسمك «بيروت» إلا موصوفة بالأبيّة، فأنت لست كأي من مدائن البشر. لقد شربت وأنت على خاصرة رفيق عمرك البحر الأبيض شيئاً من روحه وهو المتوسط الشاهد الباقي على قيام الإمبراطوريات واندثارها، وجبروت العواصم وفنائها، فصرت مثله كما جزيرة سرمديّة للحياة في قلب سلّة الدّول المتعاقبة.
«أم الشرائع» التي أنجبت أفضل الحقوقيين للإمبراطوريّة الرومانيّة عبر ثلاثة قرون، لم تغرب عندما غربت روما العظمى، وقامت كما شمس الشرق الساطعة من كل كارثة صنعتها الطبيعة العمياء التي لا ترى البهاء، أو أطلقها عليها الرّجال قساة القلوب. ما سرّك وقانون التاريخ ومنطقه لا يعفيان أيّ مدينة من الموت؟ هل تذكرين البتراء المشقوقة في الصخر الوردي، بابل الأمجد، طروادة الشعراء؟ كلّها صارت في ضمير العالم، أوراق صفراء بالية في مكتبات الأيّام فيما أنت ما زلت فتيّة غضّة كصبيّة لمّا تبلغ عشرينها بعد.
نسجتِ روحك قطبة قطبة كما تنسج جدّة صوفاً لحفيدها ابن الشهيد، وتآمرت الجغرافيا مع التاريخ على رعايتك في نقطة تقاطعهما ناحية أطراف المشرق، واتفقت اليابسة مع البحر عليكِ مقهى للتلاقي، واختارت الشمس أن تأتي من فوق كتفك لتسجد أمامك، فتكاملت طعماً ولوناً ورائحة وصوتاً وملمساً وعنفواناً وغاراً وسنديان.
الذين يأتونك من مدن بلا روح يقولون ثمّة ما يجعل من هذه البيروت كأنها الحياة، فيما وحدك في المشرق تمنحين البشر فضاء لأن يكونوا أنفسهم، بشراً لا أكثر. المؤدلجون عندك يضعون أدلجتهم جانباً، ويشربون القهوة المغليّة مع أعدائهم الآيديولوجيين.
الجواسيس العابرون منك يلعنون حظّهم من استحالة العودة إليك بعد انتهاء مهماتهم، ويخترعون الأحداث ويلفقون الوقائع كي يطول بقاؤهم فيك، وعند الثائرين أنت عصيّة على السّقوط والذل. الفقراء يرمقونك بحسد ثم يقضون ما تبقى من أعمارهم وهم يبنون على طيفك أحلام صعودهم المستحيل.

أمراء الطوائف
ينزلون إليك كي تكون لهم دولة، ومنك يستمدون سلطتهم على أقطان إقطاعاتهم التائهة على سفوح الجبال المنزوية. المهجرون رسموك خيمتهم الأخيرة قبل موسم عودتهم إلى حيفاهم، وغادرك الغزاة العبرانيون المتجبرون وهم يرجونك ألا تطلقي عليهم الرصاص.
كيف أنفض النار عن أطفالك، وكيف أستجوب الأئمة عن طحينك المسروق، وكيف أقطّب فتق سمائك التي انكسرت، ومن أين أفتح أزرار رئتيك لأبكيك؟
يا بيروت، يا مدينة لا تعرف أن تموت.

محمود شريح
كاتب ومترجم

وردة الفردوس
بيروت، وردة الفردوس، تفاحة الأزل، قرطاس الهوى، مهبط الحرف ونقش القاموس، نفير سورية، مسقط الريحاني وجبران وسعادة، دعوة القومية سورية وعربية، مُلتقى قبّاني الشام ودرويش فلسطين، مطبعة شعر ومواقف والآداب وحوار وشؤون فلسطينية، نافذة فلسطين على الدنيا، وسادة الغرام في صورته الأولى، بساط الريح فوق الهلال الخصيب ووادي النيل وبلاد المغرب، عصيّة على الخراب.
بيروت، مدرج القراءة، ملعب الصبا، بيروت الرحيل في البهجة والهناء، لقاء الرومانسية بالرمزية، نِعمة القاهرة وبَركة القدس، قنطرة النوى ولقاء الصبيّة في المقهى، غناء فيروز وشكوى وليدها، وصل بغداد بالرباط، صفحة الجريدة وقهوة الصباح على شرفة المنفى، انبلاج الفجر وانغلاق المساء، خفّة النقلة من زهر الليمون إلى عطر القصيدة، مصيف أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب، جسر حاوي، أنشودة السيّاب، جحيم أبي شبكة، ثلاثون توفيق صايغ، عصيّةٌ على النسيان.



حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)

أعلن الفنان المصري حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي»، عن شراكة إعلامية موسعة مع «مجموعة الصين للإعلام» (CMG). وجاء ذلك خلال وجوده حالياً في الصين؛ حيث التقى فان يون، نائب رئيس التحرير في المجموعة، لبحث أطر شراكة إعلامية تضمن تغطية الدورة السابعة والأربعين من المهرجان، المقرَّر إقامتها في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

وأشار فهمي إلى أهمية هذه الخطوة، مؤكداً أن الإعلام يُمثّل الجناح الآخر لنجاح أي حدث ثقافي، وأن مهرجان القاهرة يحرص على تجاوز الحدود الجغرافية.

وقال في بيان، الخميس، إن العمل مع «مجموعة الصين للإعلام» يوفر منصة استثنائية لنقل رسالة المهرجان وأجوائه إلي ملايين المشاهدين بالقارة الآسيوية، فيما قال فان يون إن القاهرة السينمائي يحظى بمكانة تاريخية، متطلعاً لبناء شراكة قوية تتيح للجمهور الصيني التعرف عن قرب على المشهد الفني العربي.

وتجاوز حسين فهمي شائعات انطلقت حول استبعاده من رئاسة «مهرجان القاهرة السينمائي»، وترشيح فنان آخر لرئاسة الدورة المقبلة، وكانت وزارة الثقافة المصرية (الجهة المنظمة للمهرجان) قد أعلنت في تصريحات صحافية للوزيرة الدكتورة جيهان زكي عدم صحة هذه الشائعات، وأكدت تجديد الثقة في الفنان حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، الذي التقته قبل سفره لتصوير فيلم سينمائي بالصين، وناقشت معه خطط تطوير المهرجان بما يُعزز مكانته بوصفه أحد أبرز المهرجانات السينمائية.

فهمي خلال لقائه وزيرة الثقافة (وزارة الثقافة)

وأثارت هذه الشائعات قدراً من البلبلة في الأوساط الصحافية، لكنها لم تؤثر على المهرجان؛ حيث يجري العمل بشكل طبيعي استعداداً للدورة المقبلة. وأكد الناقد محمد طارق، المدير الفني لـ«مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» لـ«الشرق الأوسط» أن العمل يتم وفق الخطط التي جرى وضعها لتنفيذ المهام المختلفة؛ حيث تقوم لجان المشاهدة بعملها منذ بداية العام، كما تعقد اجتماعات فريق البرمجة بشكل دائم، ويتابع الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان خلال سفره كل كبيرة وصغيرة تتعلق بما يتم إنجازه يومياً.

وأضاف طارق أن الخبر الذي نشره أحد المواقع لا أساس له من الصحة، وأرى أن أكبر نفي له صدر من الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، مبدياً ضيقه ممن يحاولون إثارة البلبلة بنشر شائعات لا أساس لها من الصحة.

حسين فهمي والمخرجة الصينية شيو وي خلال تصوير الفيلم (حسابه على «فيسبوك»)

في السياق؛ يواصل الفنان حسين فهمي تصوير الفيلم الصيني «The Story I Found In China» أو «القصة التي عثرت عليها في الصين»، وهو فيلم يجمع بين الوقائع الحقيقية والأداء التمثيلي، ويجري تصويره بعدة مدن صينية، من بينها، بكين، وهانغتشو، وسوتشو، ويطرح الفيلم نظرة مختلفة عن الثقافة الصينية من خلال تجارب البطل التي يمر بها في رحلته بين المدن، وهو من إخراج شيو وي، وإنتاج شبكة تلفزيون الصين الدولية.

وقال فهمي في تصريحات لشبكة «CGTN» العربية التي تصدر من الصين، إن «هذا الفيلم يُمثل تحدياً جديداً في مسيرته»، وعَدّه فرصة لتعزيز التبادل الثقافي بين مصر والصين، كاشفاً عن أنه يؤدي شخصية رجل من الشرق يروي قصصاً من «ألف ليلة وليلة»، معبراً عن سعادته بهذا العمل.


نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

استقطبت مجموعة فنية مكسيكية عريقة من القرن العشرين، تضمّ كنزاً من لوحات الفنانة فريدا كاهلو، عشرات الآلاف من الزوار إلى متحف الفن الحديث في مكسيكو سيتي خلال الأسابيع الأخيرة. وتوافد حشود قياسية لمشاهدة نحو 70 قطعة من مجموعة جيلمان المرموقة، التي لم تُعرض في المكسيك منذ ما يقارب 20 عاماً. لكن بالنسبة للعديد من عشاق الفن، لا يُمثّل المعرض عزاءً يُذكر؛ ذلك لأنّ الأعمال الفنية مُقررٌ نقلها من المكسيك في يوليو (تموز)، حيث ستُشحن إلى إسبانيا بموجب اتفاقية بين مالكها المكسيكي، عائلة زامبرانو الصناعية البارزة، وبنك سانتاندير الإسباني، الذي سيتولى إدارة المجموعة خلال فترة وجودها في الخارج.

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

وأثار اتفاق نقل المجموعة الفنية، التي جمعها في الأصل جاك وناتاشا غيلمان، وهما زوجان مهاجران من أوروبا الشرقية يتمتعان بشهرة واسعة، غضب النخبة الثقافية في المكسيك. ويقولون إن هذا الاتفاق يحرم المكسيكيين من كنز فني ثمين، ويخالف قوانين التراث الثقافي التي تمنع خروج الأعمال الفنية المهمة من البلاد على المدى الطويل. ووقّع نحو 380 أكاديمياً وفناناً وشخصية ثقافية أخرى رسالة نُشرت على موقع «دي موسيوس» الفني المكسيكي في مارس (آذار)، مطالبين حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم بتوضيح أسباب السماح لهذه الأعمال بمغادرة البلاد. وفي رسالة منفصلة، ​​دعوا المتاحف في النرويج وسويسرا وألمانيا، التي تستضيف معارض قادمة لأعمال فريدا كاهلو، إلى «التضامن» في الدفاع عن حقوق المكسيكيين. وكتبت المجموعة في الرسالة الثانية، المنشورة على منصة «إي-فلوكس» الفنية: «لقد حُرم جيل كامل في المكسيك من الحضور الدائم الذي كان يطمح إليه المالكون الأصليون لهذه المجموعة».

وفي إطار الاتفاقية المبرمة بين بنك سانتاندير وعائلة زامبرانو من شمال المكسيك، ستُعرض الأعمال الفنية في متحف فارو سانتاندير، الواقع في شمال إسبانيا، والمقرر افتتاحه في يونيو (حزيران). وستُعرض إلى جانب أعمال فنية من مجموعة مؤسسة «سانتاندير» التي تضم نحو ألف قطعة. وقال مصدر مُقرّب من عائلة زامبرانو، طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم تخويله بالتصريح علناً في هذا الشأن، إن قيمة مجموعة جيلمان تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. وأضاف المصدر أن قيمة التأمين عليها «أقل من مليار دولار». وتتمحور الاعتراضات على اتفاقية «سانتاندير» حول القواعد التي تهدف إلى الحفاظ على أعمال نحو عشرة فنانين مكسيكيين بارزين من القرنين التاسع عشر والعشرين داخل البلاد.

وقد أُعلن فن فريدا كاهلو «معلماً فنياً» عام 1984، ولا يُمكن لأي عمل من أعمالها الموجودة في المكسيك آنذاك أن يُغادر البلاد نهائياً، مع إمكانية إعارته لمؤسسة أجنبية لمدة تصل إلى عامين. ويمكن بيع الأعمال الفنية شريطة بقائها في المكسيك. ولسنوات ظل مصير المجموعة غامضاً إلى أن كشف بنك سانتاندير في يناير (كانون الثاني) أن عائلة زامبرانو قد اشترتها عام 2023.

ومن جانبه، قال جيراردو إسترادا، المدير العام السابق للمعهد الوطني للفنون الجميلة والآداب في المكسيك، إن خطة نقل مجموعة جيلمان إلى إسبانيا «مؤسفة للغاية». وأضاف أن تصريحات مسؤولين إسبان ومكسيكيين حول إمكانية بقاء المجموعة في إسبانيا لخمس أو عشر سنوات قد أثارت «شكوكاً وشائعات»، مفادها أن المجموعة قد لا تعود لسنوات عديدة. وأوضح إسترادا أن المجموعة أصبحت «أسطورة» بالنسبة للمكسيكيين؛ فهي «عزيزة عليهم جداً».

وفي الواقع، استقطب معرض «حكايات حديثة» في متحف الفن الحديث ما يقرب من 120 ألف زائر منذ افتتاحه في منتصف فبراير (شباط)، وفقاً لما ذكرته أليخاندرا دي لا باز، المديرة العامة الحالية للمعهد الوطني للفنون الجميلة والعمارة. وتشمل معالم الجذب لوحة زيتية على خشب مضغوط من عام 1943 للفنانة كاهلو بعنوان «صورة ذاتية (دييغو في ذهني)»، ولوحة «صورة ذاتية (مع قلادة)» من عام 1933، بالإضافة إلى أعمال دييغو ريفيرا، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، وديفيد ألفارو سيكيروس، وغونتر جيرزو، وماريا إزكويردو، وجميعهم أعضاء رئيسيون في الحركة الحديثة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«الإغلاق المبكر» في مصر... رابحون وخاسرون

شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)
شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)
TT

«الإغلاق المبكر» في مصر... رابحون وخاسرون

شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)
شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)

كان الشاب العشريني حسين عبد الله يذهب يومياً للسهر مع أصدقائه بمقاهي وسط القاهرة بعد انتهاء عمله بإحدى شركات بيع الأجهزة الكهربائية بمدينة نصر في السادسة مساء، حيث يتناول الغداء، ويقضي جزءاً كبيراً من الليل بالمقهى قبل أن يذهب إلى منزله بحي بولاق الدكرور بالجيزة (غرب القاهرة)، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إغلاق المقاهي في التاسعة مساء سبب لي الكثير من الارتباك، لكن أحد أصدقائي وجد لنا بديلاً، وهو كافيه في (روف) أحد الفنادق بوسط البلد يعمل 24 ساعة، فنقلنا السهر إليه يومياً».

مفارقة لافتة للانتباه أشار إليها حسين من حالة الظلام والهدوء التي تلف شوارع وسط القاهرة منذ التاسعة مساء، إلى الأنوار المتلألئة، والزحام، والصخب في المكان الذي يسهر فيه مع أصدقائه، لما يحظى به هذا المكان من ميزة سياحية.

وعزز استثناء بعض القطاعات من قرارات «الإغلاق المبكر» للمحلات في مصر فرص بعض الأنشطة التجارية لتحقيق الأرباح، ومع بحث الكثيرين عن بدائل لأماكن احتساء المشروبات، والسهر للتحايل على قيود الإغلاق المبكر، اجتذبت «كافيهات» الفنادق رواد المقاهي الشعبية التي تغلق أبوابها يومياً في التاسعة مساء.

المقاهي بالقاهرة تشهد إقبالاً في الظروف العادية (أ.ف.ب)

وقررت الحكومة إجراءات «استثنائية» لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي ضمن حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية، والكافيهات في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق، وفي مقار المصالح الحكومية»، و«العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، مع استثناء بعض الأنشطة من قرار «الإغلاق المبكر»، منها الصيدليات، ومحلات البقالة، والمنشآت السياحية، وأفران الخبز، والمطاعم المصنفة منشآت سياحية.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن «الإغلاق المبكر» أعاد توزيع العوائد التجارية بين الأنشطة المختلفة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث جراء (الإغلاق المبكر) هو إعادة توزيع العائد المالي من كافة الأنشطة ليقتصر على بعض الأنشطة المستثناة من الإغلاق، فالذي يبحث عن مكان للسهر بديلاً للمقهى ذهب إلى كافيهات الفنادق، والباحث عن مشروب ما ذهب إلى الكافيهات الموجودة داخل سلاسل السوبر ماركت في محطات البنزين، أو المولات التجارية»، ويعتقد النحاس أن «بحث الناس عن بدائل لكسر روتين الإغلاق أدى إلى رواج بعض الأنشطة»، لكن «توجد بعض الأنشطة المستثناة من الإغلاق تواجه تراجعاً في حركة البيع بسبب عدم وجود زبائن»، وفق قوله.

بعض مرتادي المقاهي بحثوا عن بدائل بسبب «الإغلاق المبكر» (أ.ف.ب)

الأربعيني علي محمد، صاحب «سوبر ماركت» بمنطقة وسط البلد، يشكو من تراجع حركة البيع بعد موعد الإغلاق، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أننا نفتح المحل 24 ساعة يومياً، فإن حركة البيع تراجعت كثيراً بعد التاسعة مساء، فلا يوجد زبائن إلا نادراً، وكأنه حظر تجوال وليس إغلاقاً».

وخلال الأيام الأولى لتطبيق قرارات «الإغلاق المبكر» للمحلات، والذي طال المقاهي، واجه الشاب الثلاثيني إسحاق يوسف (يعيش في حي حلوان بجنوب القاهرة، بينما يعمل في إحدى الشركات الخاصة بمنطقة المعادي) مشكلة مع إيجاد مكان لاحتساء القهوة بعد ساعات الإغلاق، وأخيراً وجد ضالته بالصدفة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «في الأيام الأولى للإغلاق كانت مشكلتي إيجاد مكان لشرب القهوة، وبالصدفة دخلت محطة بنزين بجوار مقر عملي، وعثرت على سوبر ماركت يقدم مشروبات، ومن وقتها أذهب إليه يومياً بعد الإغلاق».

ميرفت فريد، مديرة فندق أوديون بوسط القاهرة تقول إن «مطعم وكافيه الفندق الموجود على السطح يشهد إقبالاً كبيراً منذ بدء تطبيق قرار إغلاق المحلات»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنها لاحظت «وجود زبائن غير معتادين من فئات مختلفة، ويبدو أنهم من رواد المقاهي الذين يبحثون عن أماكن بديلة للسهر، خاصة أننا نعمل 24 ساعة يومياً».

ويرى الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ أن مطاعم وكافيهات الفنادق شهدت بالفعل إقبالاً لافتاً منذ بدء تطبيق قرار الإغلاق المبكر للمحلات، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة معروفة بكونها مدينة السهر، لذلك مع إغلاق المقاهي مبكراً، بدأ الناس البحث عن بدائل للسهر، وهو ما وجدوه في كافيهات فنادق وسط البلد، التي جذبت نوعيات جديدة من الزبائن»، وفي رأي الشيخ فإنه «رغم الأضرار التي تسبب بها قرار الإغلاق المبكر للكثير من الأنشطة، فإن فنادق وسط البلد جذبت أيضاً الكثير من السائحين بجانب المصريين الذين يبحثون عن بديل للمقاهي».