بيروت... مدينة لا تموت

كتاب وشعراء لبنانيون: ستنهض مجدداً من كبوتها وتتجاوز الكوارث

نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
TT

بيروت... مدينة لا تموت

نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح

عن وجعهم وآلامهم وما يتعرض له وطنهم الحبيب من خراب ودمار، خصوصاً بعد الانفجار المروع الذي دمر مرفأ المدينة، عن شعبهم البطل الشجاع الذي لا يكف عن التظاهر والاحتجاح، مطالباً بتغيير النظام الذي نخر في عظامه الفساد والفوضى... عن بيروت الأمل والحرية والجمال وصورة الطفولة، يتحدث كتاب وشعراء لبنانيون... هنا نص شهاداتهم:

د. نادر سراج
كاتب وباحث أكاديمي

معنى أن تكون بيروتياً
العنوانُ مستلهمٌ من الكاتب النهضوي أنيس النصولي الذي أودع كتيّبَه عن دار الكشاف في بيروت بعنوان «موطني بيروت»؛ الصادر عام 1947 عن دار الكشاف ببيروت عام حقائقَ ومشاعرَ عن مسقط رأسه. رغبتُ في أن يكون مظلةً لخواطر راودتني بعد زلزال الثلاثاء الأسود العاتي، الذي نزل بها وبأهلها بتاريخ 4/8/2020، وحفزني لأجيبَ عن سؤالٍ «ما معنى أن تكون بيروتياً اليوم؟»، وها أنا أشركُ قراءَ «الشرق الأوسط» بها.
المجتمعاتُ المدينية في عالم العروبة والإسلام مجتمعاتٌ عريقة؛ لها تقاليدها وأعرافها وأساليب تنظيمها لحياتها الخاصّة والعامّة، وشخصياتها العامة ورموزها الثقافية هي عنوان خصوصيتها في فضائه الثقافي الاجتماعي؛ أي صورة المدينة عن نفسها وطرائق فهمها لعلاقتها بمجتمعها.
وهذا كله ينتج عن الحراك الاجتماعي للأفراد والجماعات، ويُقرأ في ضوء منظومة القيم والموروثات التي اختزنوها على مرِّ السنين، وتتمظهر في شتى أشكال تواصلهم مع الآخر.
بيروت مدينةٌ عريقة، ومجتمعها مجتمعٌ عريق. وللعراقة تقاليد وأعراف بارزة في بيروت. وقد اضطربت هذه الأعراف أو ضعُفَ انتظامها في سنوات الحرب والفتنة. الصراع الناشب على هوية المدن - ورمزية ساحاتها وميادينها العامة - في عالمنا العربي يستتبع الحديث عن منظومات قيمها. لذا نضيف: ليست المسألة في مدننا التاريخية من يملك المدينة أو من هو صاحبها؟ بل القضية قضية حق واستحقاق معاً. فللمدينة قيم وحياة وعمران وانتظام، وكلها أمورٌ تحتاج إلى بذل الجهد للتعلّم والتدرّب والدخول في المدينة وتقاليدها.
وقد كان من بين طموحاتنا في تكوين منظومة كتبنا عن بيروت التي تناولت كلاً من إثنوغرافيا المدينة ولسانها وزمانها وتحولاتها وتاريخها الاجتماعي ومدارسها، مطلع القرن الماضي («محكية بيروت العربية»، و«تراث بيروت في الحفظ والصون»، و«أفندي الغلغول»، و«الخطاب الاحتجاجي»، وقيد الطبع «المدرسة والمدينة») النفاذُ إلى أعماق المدينة، وليس البقاء على سطحها وظواهرها.
في كنف «باشورتها» أبصرتُ النور، وفي «مدرسة المعارف» اكتسبت علومي ونسجت شبكة علاقاتي المدرسية، واكتشفت الآخر المختلف، وبين حنايا مناطقها وأحيائها (البسطة والمزرعة والطريق الجديدة ورأس بيروت، والأشرفية حالياً)، ترسّخت ملامح هُويّتي، وبالأحرى بيروتيتي.
هذه الحيّزات الحضرية شكّلت مجتمعةً إرهاصاتِ وعيي لذاتي المختلفة، مثلما لمشاعري المؤتلفة مع أبناء بيئتي المدينيّة، ومحيطي اللبناني الشديد الخصب والتنوّع، وانتمائي العربي الرحب على حدّ سواء. الحديثُ عن هذه المكوّنات المتجاورة والمتحاورة هو حديث في العمق عن الإنسان وثقافته وتأثير عنصري الزمان والمكان عليه، وعلى طرائق تفكيره وأسلوب كلامه وانتظام أنماط عيشه.
روحُ المدينة انتقلت إليّ وإلى أبناء جيلي من خلال وسائل التواصل اللّغويّة المتاحة - لم يكن «الواتساب» متوفراً - بما فيها التحدّث بمحكيّة بيروت العربيّة التي اكتست بحلّة حديثة و«بيضاء»، والتي لطالما صدحت إيقاعاتها المحبّبة في الآذان، وتناغمت ألفاظها على ألسنة الأهل.
وأسهمت مفاتيح كلامها وتعابيرها وزادها اللّغوي في تسهيل اتصالهم بالآخر، مثلما في تشكيل وعيهم الثقافي والاجتماعي بأنفسهم وبالعالم من حولهم.
أنيسةُ المدن ليست محصّنةً من الأقدار التي تصيب جميع المدن الكبرى التي تشهد في مرحلةٍ ما من تاريخها أوقاتاً تزدهر فيها، وتعرف تغيّرات ديموغرافية واجتماعيّة ولغوية تأتي كنتيجة حتميّة للتحرّكات السكانيّة، وتعيش مآسي كارثية وكبوات. «مُرضِعَة العُلوم» ما غرّدت خارج السّرب، والمصائبُ لم تأتِها فرادى. فبعد انهيار عملتها الوطنية واكتساح جائحة كورونا للبلاد والعباد وللعالم (2020)، ها هو انفجارُ مرفئها المدمّر يزلزل كيانها ويحوّلها إلى «بيروشيما». وسبق لـ«ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019» أن أعادت إلى شارعها الوطني والشبابي دينامية الاحتجاج وألق الانتفاض في وجه الظلم والفساد.
حيويةُ أهلها وساكنيها وزخمُ شباب لبنان ردّا إليها الروح. ها هي تنهض مجدداً من كبوتها، وتتجاوز المعوقات والكوارث، لتستعيد ألقها ودورها في المشهدين العربي والدولي.
فصلُ المقال أن بيروتَ سافرةٌ ضاحكةٌ لمن يُقبلُ عليها بالنية الطيبة والقصد الشريف، يعاشر أهلها المطبوعين على التسامح والاعتدال، يرتاد وسطها الساحر الفاتن. وهي شديدةُ التحجّب والإعراض عمَّن تتوسّم فيه الجفوة والترهيب والابتزاز.

ندى حطيط
شاعرة وكاتبة وإعلامية

من أين أفتحُ أزرار رئتيكِ؟!
من أين أفتحُ أزرار رئتيكِ لأبكيكِ، لأغسل بحركِ من الدماء، لأغسل أقدام قمحكِ من الاختناق؟
يا بيروت، يا أنثى الحزن الباذخ، يا مدينةٌ تقطرت من وجه الله،
كيف صارت شوارعك من دون شوارع، ومقاهيك من دون مقاهٍ؟ والمارة فيك جثث، والأحياء فيك أموات.
كيف صرت تنامين كما يمامة مسلولة، وفيك ينغل ساسة من نمل، وتقودك عناكب تمشي في جواربها السوداء.
هل قتلوكِ؟
هل قتلوكِ؟
هل قتلوكِ؟
أم هي غوايتك في مغازلة الموت لاستدراجه إلى ياسمينكِ، ثأراً من خيانته لفتنتك؟
إذ، كيف تموت مدينة مثلك وهي في جبين الأبد؟
إذ كيف تموت «المدينة - الآلهة» فما ذكر أهلوك اسمك «بيروت» إلا موصوفة بالأبيّة، فأنت لست كأي من مدائن البشر. لقد شربت وأنت على خاصرة رفيق عمرك البحر الأبيض شيئاً من روحه وهو المتوسط الشاهد الباقي على قيام الإمبراطوريات واندثارها، وجبروت العواصم وفنائها، فصرت مثله كما جزيرة سرمديّة للحياة في قلب سلّة الدّول المتعاقبة.
«أم الشرائع» التي أنجبت أفضل الحقوقيين للإمبراطوريّة الرومانيّة عبر ثلاثة قرون، لم تغرب عندما غربت روما العظمى، وقامت كما شمس الشرق الساطعة من كل كارثة صنعتها الطبيعة العمياء التي لا ترى البهاء، أو أطلقها عليها الرّجال قساة القلوب. ما سرّك وقانون التاريخ ومنطقه لا يعفيان أيّ مدينة من الموت؟ هل تذكرين البتراء المشقوقة في الصخر الوردي، بابل الأمجد، طروادة الشعراء؟ كلّها صارت في ضمير العالم، أوراق صفراء بالية في مكتبات الأيّام فيما أنت ما زلت فتيّة غضّة كصبيّة لمّا تبلغ عشرينها بعد.
نسجتِ روحك قطبة قطبة كما تنسج جدّة صوفاً لحفيدها ابن الشهيد، وتآمرت الجغرافيا مع التاريخ على رعايتك في نقطة تقاطعهما ناحية أطراف المشرق، واتفقت اليابسة مع البحر عليكِ مقهى للتلاقي، واختارت الشمس أن تأتي من فوق كتفك لتسجد أمامك، فتكاملت طعماً ولوناً ورائحة وصوتاً وملمساً وعنفواناً وغاراً وسنديان.
الذين يأتونك من مدن بلا روح يقولون ثمّة ما يجعل من هذه البيروت كأنها الحياة، فيما وحدك في المشرق تمنحين البشر فضاء لأن يكونوا أنفسهم، بشراً لا أكثر. المؤدلجون عندك يضعون أدلجتهم جانباً، ويشربون القهوة المغليّة مع أعدائهم الآيديولوجيين.
الجواسيس العابرون منك يلعنون حظّهم من استحالة العودة إليك بعد انتهاء مهماتهم، ويخترعون الأحداث ويلفقون الوقائع كي يطول بقاؤهم فيك، وعند الثائرين أنت عصيّة على السّقوط والذل. الفقراء يرمقونك بحسد ثم يقضون ما تبقى من أعمارهم وهم يبنون على طيفك أحلام صعودهم المستحيل.

أمراء الطوائف
ينزلون إليك كي تكون لهم دولة، ومنك يستمدون سلطتهم على أقطان إقطاعاتهم التائهة على سفوح الجبال المنزوية. المهجرون رسموك خيمتهم الأخيرة قبل موسم عودتهم إلى حيفاهم، وغادرك الغزاة العبرانيون المتجبرون وهم يرجونك ألا تطلقي عليهم الرصاص.
كيف أنفض النار عن أطفالك، وكيف أستجوب الأئمة عن طحينك المسروق، وكيف أقطّب فتق سمائك التي انكسرت، ومن أين أفتح أزرار رئتيك لأبكيك؟
يا بيروت، يا مدينة لا تعرف أن تموت.

محمود شريح
كاتب ومترجم

وردة الفردوس
بيروت، وردة الفردوس، تفاحة الأزل، قرطاس الهوى، مهبط الحرف ونقش القاموس، نفير سورية، مسقط الريحاني وجبران وسعادة، دعوة القومية سورية وعربية، مُلتقى قبّاني الشام ودرويش فلسطين، مطبعة شعر ومواقف والآداب وحوار وشؤون فلسطينية، نافذة فلسطين على الدنيا، وسادة الغرام في صورته الأولى، بساط الريح فوق الهلال الخصيب ووادي النيل وبلاد المغرب، عصيّة على الخراب.
بيروت، مدرج القراءة، ملعب الصبا، بيروت الرحيل في البهجة والهناء، لقاء الرومانسية بالرمزية، نِعمة القاهرة وبَركة القدس، قنطرة النوى ولقاء الصبيّة في المقهى، غناء فيروز وشكوى وليدها، وصل بغداد بالرباط، صفحة الجريدة وقهوة الصباح على شرفة المنفى، انبلاج الفجر وانغلاق المساء، خفّة النقلة من زهر الليمون إلى عطر القصيدة، مصيف أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب، جسر حاوي، أنشودة السيّاب، جحيم أبي شبكة، ثلاثون توفيق صايغ، عصيّةٌ على النسيان.



تسهيلات ائتمانية لدعم منشآت ثقافية سعودية بـ17 مليون دولار

5 اتفاقيات تسهيلات ائتمانية وقَّعها الصندوق الثقافي خلال «مؤتمر التمويل التنموي» الأربعاء (واس)
5 اتفاقيات تسهيلات ائتمانية وقَّعها الصندوق الثقافي خلال «مؤتمر التمويل التنموي» الأربعاء (واس)
TT

تسهيلات ائتمانية لدعم منشآت ثقافية سعودية بـ17 مليون دولار

5 اتفاقيات تسهيلات ائتمانية وقَّعها الصندوق الثقافي خلال «مؤتمر التمويل التنموي» الأربعاء (واس)
5 اتفاقيات تسهيلات ائتمانية وقَّعها الصندوق الثقافي خلال «مؤتمر التمويل التنموي» الأربعاء (واس)

وقّع الصندوق الثقافي السعودي، الأربعاء، 5 اتفاقيات تسهيلات ائتمانية ضمن «التمويل الثقافي» بقيمة تتجاوز 63 مليون ريال (16.8 مليون دولار) لتمويل عدة مشاريع ثقافية.

جاء ذلك خلال «مؤتمر التمويل التنموي» الذي ينظمه صندوق التنمية الوطني بمركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات في الرياض، تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي.

وتهدف هذه التسهيلات إلى دعم نمو مجموعة مشاريع مميزة تستهدف 4 قطاعات ثقافية فرعية تشمل: فنون العمارة والتصميم، والمسرح والفنون الأدائية، والموسيقى، والفنون البصرية.

تهدف الاتفاقيات دعم نمو مجموعة مشاريع مميزة تستهدف 4 قطاعات ثقافية فرعية (واس)

وتركَّز هذه المشاريع على عدة مجالات بينها: دعم البنى التحتية للقطاعات الثقافية كتأسيس معهد للموسيقى، وإنشاء مجمع إبداعي، إضافة إلى خدمات مساندة، وتطوير المواهب والكفاءات الوطنية.

وجاء ضمن المشاريع التي شملتها التسهيلات الائتمانية مجمع «صِفْر» الإبداعي؛ وهو وجهة ثقافية مبتكرة تحتضن المبدعين، وتوفر لهم بيئة متكاملة للإنتاج والتطوير.

ويُسهم المجمع في تعزيز البنية التحتية الثقافية عبر منظومة متكاملة تدعم العمل الإبداعي، وبرامج تُعنى بتمكين المواهب والقطاع، ليكون منصة تُثري المشهد الثقافي، وتفتح آفاقاً أوسع للابتكار والإنتاج المحلي.

شملت التسهيلات الائتمانية مجمع «صِفْر» الإبداعي الذي يوفر بيئة متكاملة للإنتاج والتطوير (واس)

ويأتي توقيع الصندوق لهذه التسهيلات الائتمانية ضمن دوره باعتباره مركزاً للتميز والتمكين المالي في القطاع الثقافي، وجزءاً من دعمه للمنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، لتعزيز دورها في تنويع الاقتصاد الوطني، وتنمية المواهب الثقافية، ورفع جودة الحياة؛ إسهاماً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».


عمره 415 ألف سنة... علماء يعثرون على أقدم دليل لإشعال الإنسان النار

موقع تنقيب عن رواسب بركة عمرها 400 ألف عام في بارنهام يظهر فيه أقدم موقد (أ.ب)
موقع تنقيب عن رواسب بركة عمرها 400 ألف عام في بارنهام يظهر فيه أقدم موقد (أ.ب)
TT

عمره 415 ألف سنة... علماء يعثرون على أقدم دليل لإشعال الإنسان النار

موقع تنقيب عن رواسب بركة عمرها 400 ألف عام في بارنهام يظهر فيه أقدم موقد (أ.ب)
موقع تنقيب عن رواسب بركة عمرها 400 ألف عام في بارنهام يظهر فيه أقدم موقد (أ.ب)

اكتشف علماء أقدم دليل معروف حتى الآن على إشعال النار على يد إنسان ما قبل التاريخ في مقاطعة سوفوك الإنجليزية، حيث عثروا على موقد يبدو أن إنسان نياندرتال صنعه منذ نحو 415 ألف سنة، مما يكشف عن أن هذا الحدث المفصلي في سلالتنا التطورية حدث قبل وقت كبير من المعروف سابقاً، وفق «رويترز».

وفي حفرة طينية قديمة لصنع الطوب قرب قرية بارنهام، عثر الباحثون على قطعة من الطين المتفحم وبعض الفؤوس المصنوعة من الحجر الصوان والمحطمة بفعل الحرارة وقطعتين من البيريت الحديدي، وهو معدن يحدث شرارات عند ضربه بالحجر الصوان لإشعال المواد القابلة للاشتعال، ووصفوا ذلك الاكتشاف بأنه موقد نار استخدم مراراً.

ويقع الموقد قرب مسطح مائي صغير كان أولئك البشر يخيمون عنده. وقال عالم الآثار نيك أشتون، القيم على مجموعات العصر الحجري القديم في المتحف البريطاني في لندن وقائد فريق البحث المنشور اليوم (الأربعاء) في دورية (نيتشر) العلمية: «نعتقد أن البشر جلبوا البيريت إلى الموقع بقصد إشعال النار. وهذا له تبعات هائلة، إذ يدفع إلى الوراء تاريخ أقدم إشعال متعمد للنار».

موقد نار قديم في موقع أثري بالقرب من قرية بارنهام في إنجلترا (رويترز)

وحتى الآن، فإن أقدم دليل معروف على إشعال النار يعود إلى نحو 50 ألف سنة مضت في موقع في شمال فرنسا، وينسب أيضاً إلى إنسان نياندرتال.

وكان استخدام النار بشكل يخضع للسيطرة حدثاً مفصلياً في تاريخ السلالة البشرية، ليس فقط من أجل الطهي والحماية من الحيوانات المفترسة، بل أيضاً لتوفير الدفء الذي مكن الصيادين من العيش في البيئات الأكثر برودة. وقال روب ديفيس عالم الآثار في المتحف البريطاني وأحد المشاركين في الدراسة: «في أماكن مثل بريطانيا، على سبيل المثال»، مشيراً إلى أنها من المناطق ذات البيئات الباردة.

ومن خلال الطهي، تمكن أسلافنا من القضاء على مسببات الأمراض في اللحوم والسموم في الجذور والدرنات الصالحة للأكل. وجعل الطهي هذه الأطعمة أكثر طراوة وأسهل هضماً، ما أتاح للجسم توفير قدر من الطاقة في الجهاز الهضمي لتغذية تطور الدماغ.

ويعود تاريخ موقع بارنهام المنتمي للعصر الحجري القديم إلى ما قبل أقدم الحفريات المعروفة للإنسان العاقل (هومو سابينز) في أفريقيا. ويعتقد الباحثون أن أفراد إنسان نياندرتال، الأقرب تطورياً للبشر المعاصرين، هم من أشعلوا النار وهو دليل آخر يظهر ذكاء وبراعة هؤلاء البشر القدماء خلافاً للصورة النمطية المشوهة عنهم في الثقافة الشعبية.

وقال كريس سترينجر المتخصص في علم دراسة الإنسان القديم والباحث المشارك في الدراسة إنهم لم يعثروا على بقايا أحافير بشرية في موقع بارنهام.

لكن سترينجر أشار إلى العثور في منتصف القرن العشرين على أجزاء من جمجمة بشرية عمرها نحو 400 ألف سنة تحمل سمات إنسان نياندرتال على بعد أقل من 160 كيلومتراً إلى الجنوب.

وقال سترينجر إن أجزاء الجمجمة المكتشفة تتطابق مع أحافير إنسان نياندرتال من موقع يسمى سيما دي لوس هويسوس، أي «حفرة العظام»، قرب بورجوس في إسبانيا، ويعود تاريخها إلى نحو 430 ألف سنة. وأضاف سترينجر: «لذا فمن المرجح جداً أن مشعلي النار في بارنهام كانوا من أوائل إنسان نياندرتال، مثل سكان سوانسكومب وسيما».

وانقرض إنسان نياندرتال منذ ما يقرب من 39 ألف عام بعد فترة ليست طويلة من اجتياح الإنسان العاقل للأراضي الأوروبية التي كانوا يعدونها وطناً لهم. لكن إرثه باق في الجينات الوراثية لمعظم البشر على الأرض، بفضل التزاوج بين الإنسان العاقل وإنسان نياندرتال قبل انقراضه.


«اﻟﻮﻟﻴﻤﺔ» في الرياض... الاحتفاء بهوية اﻟﻤﺎﺋﺪة اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ

موروث ﺛﻘﺎفي ﻣﺘﻨوع ﻳﻤﺜﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻨﺎطق السعودية الـ13 (هيئة فنون الطهي)
موروث ﺛﻘﺎفي ﻣﺘﻨوع ﻳﻤﺜﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻨﺎطق السعودية الـ13 (هيئة فنون الطهي)
TT

«اﻟﻮﻟﻴﻤﺔ» في الرياض... الاحتفاء بهوية اﻟﻤﺎﺋﺪة اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ

موروث ﺛﻘﺎفي ﻣﺘﻨوع ﻳﻤﺜﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻨﺎطق السعودية الـ13 (هيئة فنون الطهي)
موروث ﺛﻘﺎفي ﻣﺘﻨوع ﻳﻤﺜﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻨﺎطق السعودية الـ13 (هيئة فنون الطهي)

يحتفي ﻣﻬﺮﺟﺎن اﻟﻮﻟﻴﻤﺔ، الذي احتضنه مدينة الرياض، بهوية اﻟﻤﺎﺋﺪة اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ، ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ موروثاً ﺛﻘﺎﻓﻴاً ﻣﺘﻨﻮﻋاً ﻳﻤﺜﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻨﺎﻃﻖ السعودية اﻟـ13، وبتجارب رواد ورائدات أعمال سعوديين، حوّلوا قصصهم الخاصة إلى مشاريع ناجحة وفريدة في حكاياتها ومنتجاتها.

احتضنت جامعة الملك سعود النسخة الخامسة من مهرجان الوليمة للطعام السعودي، الذي هو من تنظيم هيئة فنون الطهي التابعة لوزارة الثقافة، ويهدف إلى إبراز تنوع المائدة السعودية، حيث ضمّت فعاليات المهرجان 13 قسماً رئيسياً للأطباق المحلية، بمشاركة أكثر من 200 جهة دولية، وجاءت دولة تايلاند ضيفاً رئيسياً، ضمن جناح مخصص يعكس هوية وثقافة المطبخ التايلاندي التقليدي.

تحتضن جامعة الملك سعود النسخة الخامسة من مهرجان الوليمة للطعام السعودي (هيئة فنون الطهي)

من مزرعة عائلية إلى مصنع يصدّر العطور

وضمن المهرجان، استعرض مشروع «بيت الورد الطائفي» حكاية سعودية، امتدت من أرض زراعية محدودة إلى مشروع صناعي متكامل، ينتج أحد أغلى الزيوت العطرية في العالم، حيث يصل سعر لتر دهن الورد الطائفي إلى 120 ألف ريال.

بدأت الحكاية عند سفوح مدينة الطائف، حيث نشأ نايف الخالدي وأسرته في مزرعة عريقة اشتهرت بزراعة الورد الطائفي، وتحدث الخالدي لصحيفة «الشرق الأوسط» عن ملامح رحلة نجاح «بيت الورد الطائفي»، وقال: «كنا نملك مزرعة تقليدية في الطائف، نهتم بزراعة الورد الطائفي، ومنذ ولادتي وأنا أرى والدي يزرع الورد ويعتني به»، ويمثل ذلك للخالدي هويته وإرثه العائلي؛ إذ تربت الأسرة على هذه الأرض منذ الصغر، واصفاً المشروع بأنه «مسؤولية تجاه إرث عائلي، وليس مجرد تجارة»، مستحضراً جانباً من بداياته: «وُلدت في المزرعة وفي ظروف بسيطة، حيث كانت الأسرة تقضي معظم وقتها في العمل بالأرض».

«بيت الورد الطائفي» حكاية سعودية امتدت من أرض زراعية محدودة إلى مشروع صناعي متكامل (الشرق الأوسط)

وأضاف الخالدي: «مع مرور الوقت طوّرنا آليات العمل في المزرعة، وتوسع نشاطنا لنؤسس مصنع التقطير لاستخراج الزيوت العطرية والمياه المركزة المخصصة لمستحضرات التجميل، وذلك عام 2018. ثم انتقلنا إلى استخراج زيت بذور التين الشوكي، إلى أن أصبح لدينا مصنع لمستحضرات التجميل ومصنع للعطور داخل المزرعة نفسها».

وأكد الخالدي أن الجهات الحكومية قدّمت دعماً كبيراً، أسهم في انتقال المشروع من مزرعة إلى مصنع متكامل، موضحاً: «وزارة الصناعة وقفت معنا وقدمت تسهيلات مهمة، إلى جانب الدعم المقدم من هيئة الدواء والغذاء بمعايير صارمة، ويمثل وجود مختبرات معتمدة داخل المزرعة مصدر ثقة وفخر لنا».

ويمتد عمر المزرعة لأكثر من 50 عاماً، بينما تمتد خبرة العائلة في زراعة الورد الطائفي لأكثر من 100 عام، ويعدّ تأسيس المصنع عام 2018 استثماراً للتسهيلات الحكومية وبداية مرحلة جديدة من التصنيع الاحترافي.

وأشار الخالدي إلى أن نقطة التحول بدأت مع «رؤية السعودية 2030»، حيث كانت المصانع تتركز في المدن، لكن المزرعة حصلت على تصريح خاص لتصبح أول مصنع في الطائف يحصل على اعتماد إنتاج مستحضرات التجميل، تحت إشراف وزارة الصناعة وهيئة الدواء والغذاء، داخل الأرض نفسها.

وأضاف: «وصلنا اليوم إلى مرحلة التصدير لدول الخليج، وسنبدأ التوجه نحو أوروبا الشرقية وآسيا والولايات المتحدة، فهناك اهتمام لافت بالعطر السعودي، وتركيزنا الأول حالياً على الأسواق الخليجية، إلى جانب سعينا نحو المشاركة في (إكسبو 2030)».

مهرجان الوليمة للطعام السعودي منصة تجمع بين التراث والابتكار في المطبخ المحلي (هيئة فنون الطهي)

من طلب مريض السكري إلى مصنع شوكولاتة

قصة أخرى تبرز وسط أجنحة «مهرجان الوليمة» للطعام السعودي؛ إذ لفتت فاطمة السالم، صانعة الشوكولاتة وخريجة حاضنة «كون» لفنون الطهي والأكاديمية العالمية لفنون الطهي، الأنظار بعلامتها «سمراء شوكولاتة» ومشروعها الذي بدأ من مطبخ المنزل، قبل أن يتحول إلى مصنع متكامل، مخصص لإنتاج شوكولاتة صحية مصنوعة من الصفر، وجاءت البداية حين طلب أحد أفراد عائلتها، الذي يعاني من السكري، شوكولاتة مناسبة لحالته الصحية، في وقت تمتلئ فيه السوق بمنتجات عالية بالسكر المكرر والمواد الحافظة.

ووجّهت فاطمة السالم تساؤلاتها في التعلم والتجربة، مشيرةً إلى أن تحول المادة السائلة إلى شوكولاتة صلبة أثار فضولها، وفي ذلك الوقت صنعت أول وصفة مخصصة لمرضى السكري، واصفةً بأنها «فرحة لا تقدر... وزادت ثقتي بنفسي وبقدراتي»، وبدأت صناعة الشوكولاتة من بداية حبوب ثمرة الكاكاو باستخدام بدائل صحية مثل سكر التمر، وموضحةً صعوبة البدايات ومراحل التعلم حتى طوّرت عملها من آلة إذابة بسيطة إلى معدات طحن وتعديل حرارة الشوكولاتة متخصصة داخل طابق كامل في منزلها، لتؤسس مصنعاً صغيراً يلبي الطلب المتزايد.

«سمراء شوكولاتة» مشروع بدأ من مطبخ المنزل قبل أن يتحول إلى مصنع متكامل لإنتاج شوكولاتة صحية (الشرق الأوسط)

وكشفت السالم، خلال حديثها لصحيفة «الشرق الأوسط»، عن أن «الإقبال نحو الشوكولاتة الصحية جعلني أدرك تجاوز مرحلة التجربة ليكون نشاطاً تجارياً حقيقياً، حيث شريحة واسعة من مرضى السكري والمهتمين بالخيارات الصحية ظلوا يشكلون جزءاً كبيراً من عملائي».

ونتيجةً للوعي المتنامي، صارت المنتجات الصحية عاملاً مهماً في توسع المشروع، وخاصةً بعد مشاركتها في نسخة سابقة من مهرجان الوليمة.

وأضافت: «أهدف إلى رفع الوعي والذائقة بالشوكولاتة الحرفية، من المهم أن يتعرف المستهلك على الشوكولاتة الحقيقية المصنوعة من الصفر، حيث سعيتُ لإنتاجها بنكهات سعودية لاقت إعجاب الزوار، مثل الورد الطائفي مع جناش الفانيليا، ونكهة الكليجة المميزة».

ويعدّ مهرجان الوليمة للطعام السعودي منصة تجمع بين التراث والابتكار في المطبخ المحلي، يمنح رواده تجربة متنوعة تشمل الأطعمة التقليدية، والأسواق التراثية، والحرف اليدوية، والعروض الموسيقية والفلكلورية، ومتحف العسل، ويسهم في تمكين الهوية الوطنية وإبراز الموروث الغذائي السعودي، كما يعزز التبادل الثقافي مع ضيوف الدول المختلفة، ويُعرّف بالمطبخ السعودي على الخريطة الدولية، من خلال إقامة ورش تعليمية وتفاعلية لجميع الفئات العمرية.