سلوكيات «سي آي إيه» في التعذيب تنال حصة الأسد في التغطية الأسبوعية للصحافة البريطانية

الإعلام الأميركي: تركيز على تقرير الكونغرس عن تعذيب «سي آي إيه» للمتهمين بالإرهاب

سلوكيات «سي آي إيه» في التعذيب تنال حصة الأسد في التغطية الأسبوعية للصحافة البريطانية
TT

سلوكيات «سي آي إيه» في التعذيب تنال حصة الأسد في التغطية الأسبوعية للصحافة البريطانية

سلوكيات «سي آي إيه» في التعذيب تنال حصة الأسد في التغطية الأسبوعية للصحافة البريطانية

بدأت التغطية الإعلامية الأميركية في الأسبوع الماضي بالتركيز على مظاهرات السود (وآخرين يؤيدونهم) ضد ما يسمونها «قسوة الشرطة البيضاء»، وأنهت الأسبوع بالتركيز نفسه. وأيضا، بدأت التغطية الإعلامية بالتركيز على تقرير الكونغرس عن تعذيب وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) للمتهمين بالإرهاب، وأنهت الأسبوع بالتركيز نفسه.
لكن، اهتمت التغطية بمواضيع أخرى.
في بداية الأسبوع، نقلت القنوات الإخبارية التلفزيونية المواجهة بين الرئيس باراك أوباما والكونغرس، التي كانت تأزمت في الأسبوع الماضي بعد أن أعفى أوباما 5 ملايين مهاجر موجودين في الولايات المتحدة بطرق غير قانونية. وفي مجلس النواب، مر بصعوبة مشروع قانون الإنفاق في الميزانية، وجنب ذلك إغلاق الحكومة. لكن، أقسم عدد كبير من النواب الجمهوريين بأنهم لم يستسلموا، وأن الميزانية مرت بأصوات قليلة، وأنهم سيعملون على عرقلة تنفيذها.
وفي بداية الأسبوع، استرعت مجلة «تايم» الاهتمام عندما اختارت الذين يحاربون مرض «إيبولا» في غرب أفريقيا في موضوعها السنوي عن «شخصية العام». وكانت هذه واحدة من مرات قليلة تختار فيها المجلة مجموعة ناس، لا شخصية واحدة، في عادة «شخصية العام» السنوية.
وفي بداية الأسبوع، اهتمت قناة «بلومبيرغ» الاقتصادية بمجموعة أخبار اقتصادية، منها: قرار المحكمة العليا (9-0) بأن من حق الشركات عدم دفع رواتب للموظفين والعاملين فيها عن الوقت الذي يقضونه في عمليات التفتيش الأمني (بسبب زيادة الخوف من الإرهاب، زادت أخيرا هذه العمليات). وكان هذا خبرا سعيدا للشركات والبنوك والمؤسسات الخاصة. ونشرت «بلومبيرغ» خبرا آخرا كان سعيدا لهؤلاء، وهو هجوم شرطة السويد على مكاتب موقع «بايريت باي» (خليج القراصنة) الذي تخصص في تزوير حقوق النشر، وذلك بتوزيع أفلام ومسلسلات وكتب تتمتع بحقوق النشر. وكانت شركات أميركية شنت حملة عشواء ضد الموقع. وركزت «بلومبيرغ» أيضا على قرار المحكمة العليا الأميركية ضد شركة «بي بي» البترولية البريطانية التي كانت اشتكت من كثرة التعويضات التي تدفعها بسبب التسرب النفطي في خليج المكسيك قبل 4 أعوام، والتي وصلت إلى أكثر من 20 مليار دولار. وطبعا، لم يكن هذا خبرا سعيدا بالنسبة للشركة، وبالنسبة لشركات أخرى تشتكي من زيادة قوة المستهلكين والمواطنين المطالبين بتعويضات عن أخطاء الشركات.
وفي منتصف الأسبوع، عاد الاهتمام الإعلامي بالأحوال الجوية، مع زيادة موجة برد الشتاء في الولايات الشمالية، والأمطار الغزيرة في الولايات الجنوبية، وفي كاليفورنيا. وتخصصت قنوات تلفزيونية في متابعة طقس ولاية كاليفورنيا، وهي تستعد، ثم هي تواجه، أسوأ عاصفة تشهدها منذ 5 أعوام. ونقلت هذه القنوات التلفزيونية مناظر المدارس وهي مغلقة في منطقة سان فرانسيسكو، وغيرها. ونقلت تصريحات المواطنين عن العاصفة، ومناظر هجماتهم على الأماكن التجارية لشراء مواد غذائية، أو مواد طوارئ.
وفي منتصف الأسبوع، اهتمت صحف الفضائح، مثل «ناشيونال إنكوايارار» و«غلوب» بفضائح جنسية، لا أميركية، ولكن بريطانية. مثل الحكم بالسجن 25 عاما على نجم التلفزيون البريطاني راي تريت بسبب سلسلة اعتداءات جنسية على 11 فتاة بين الأعوام 1960 و1970، ومثل اتهام بالاكريشنان (الرفيق بالا) بجملة 25 تهمة في قضية اغتصاب بنات، ومعاملتهن كرقيق.
ومع نهاية الأسبوع، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرا طويلا عن خطة هيلاري كلينتون للحملة الانتخابية الرئاسية المقبلة. ومع أن الموضوع ليس جديدا، أوضح التقرير أن كلينتون، بينما ينشغل آخرون بالإرهاب، ومظاهرات السود، تخطط، في تأنٍّ ودقة، ليس فقط لكسب ترشيح الحزب الديمقراطي لها لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2016، ولكن، أيضا، للفوز على أي مرشح سيختاره الحزب الجمهوري.
ومع نهاية الأسبوع، أذاع تلفزيون «سي إن إن» حلقات عن نهاية الوجود العسكري لحلف الناتو في أفغانستان (ستبقى بعض القوات الأميركية). وقال التلفزيون إن نشاطات طالبان زادت أخيرا، لهذا السبب. وصور التلفزيون مناظر مهاجم انتحاري من طالبان يقتل 6 من جنود الجيش الأفغاني، ومناظر على مشارف كابل لمفجر انتحاري يهاجم مركزا ثقافيا كان قدم مسرحية تنتقد الهجمات الإرهابية، مما أسفر عن مقتل مواطن ألماني وإصابة 16 آخرين، ومناظر عن قرار الرئيس أوباما بإغلاق أقدم سجن تديره الولايات المتحدة في أفغانستان، في مطار باغرام، قرب كابل.
ومع نهاية الأسبوع، عادت «بلومبيرغ» إلى موضوع اقتصادي مهم، واهتمت بالموضوع أجهزة إعلامية أخرى، وهو زيادة المواجهة الأوروبية ضد شركة «غوغل». كان الخبر عن قانون في إسبانيا يعتبر كل ما تنشره الصحف والتلفزيونات هناك حقا قانونيا من حقوق النشر. وبالتالي، لا تقدر «غوغل» على استعماله في موقعها، وكسب أرباح من وراء ذلك، من دون إذن من أصحاب حقوق النشر.
يعنى هذا أن «غوغل» يجب أن تدفع لهذه الأجهزة الإعلامية، ويعني أن الحرب الأوروبية ضد «غوغل»، وشركات إنترنت أخرى (مثل «مايكروسوفت») بتهم الاحتكار لن تنتهي.
في الصحافة البريطانية كان تقرير لجنة مجلس الشيوخ الأميركي حول أساليب التعذيب التي استخدمتها وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ضد المعتقلين المشكوك في انخراطهم مع تنظيم القاعدة حصل على حصة الأسد في التغطية الأسبوعية في الصحافة البريطانية المكتوبة.
لكن تميزت صحيفة «الغارديان» المعروفة بميولها اليسارية الليبرالية بهذه التغطية، التي استمرت بها لأيام بعد التقرير الرئيس بوسط الأسبوع الذي جاء في مقال على الصفحة الأولى تحت عنوان «التعذيب: وصمة عار على جبين أميركا»، كتبت عما تواجهه الحكومة البريطانية من ضغوط لتعيين قاض للتحقيق بشأن ما إذا كانت وكالات الاستخبارات التابعة لها متواطئة في عمليات تعذيب لأشخاص يشتبه في تورطهم في الإرهاب قامت بها «سي آي إيه» بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001.
وبينت الصحيفة بإسهاب ردة فعل الرئيس باراك أوباما على التقرير وكذلك التباين في الموقف بين الأحزاب البريطانية الرئيسة، وقالت إن نائب رئيس الوزراء نيك كليغ في الحكومة الائتلافية سيدعم تحقيقا قضائيا بعدما تبين أن مسؤولين بريطانيين عقدوا عشرات الاجتماعات مع نظرائهم الأميركيين.
وذكر مجلس الشيوخ الأميركي هذا الأسبوع في تقرير أن تقنيات الاستجواب التي انتهجتها وكالة الاستخبارات المركزية ترقى إلى التعذيب مما ترتب عليه حملة إدانات موسعة، ولم تتم الإشارة إلى بريطانيا ولا حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في التقرير.
وقال متحدث باسم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون للصحيفة إنه لم يتم طلب إجراء أي تنقيح لإزالة أي إشارة إلى مشاركة بريطانية في أي من عمليات التعذيب المزعومة أو تورط، وأن أي تعتيم «كان سيستند إلى أسباب متعلقة بالأمن القومي بالطريقة التي ربما فعلناها مع أي تقرير آخر». وأضافت الصحيفة أن كليغ سيؤيد تحقيقا بقيادة أحد القضاة إذا ذكرت لجنة الاستخبارات والشؤون الأمنية في البرلمان البريطاني التي تجري تحقيقاتها أن هناك تواطؤا مع الـ«سي آي إيه» مما يترك تساؤلات من دون إجابة. ويمكن أن يضر تقرير مجلس الشيوخ بحزب «العمال» المعارض الذي كان في الحكومة خلال برنامج الاستجوابات للـ«سي آي إيه» الذي أنهاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2009.
على الصعيد الاقتصادي تناولت الصحف تراجع الأسهم الأوروبية مع نهاية الأسبوع مسجلة أكبر هبوط أسبوعي لها منذ منتصف عام 2011 مع تضرر أسهم شركات الطاقة بشدة من جراء هبوط أسعار النفط. وانخفض مؤشر يورو ستوكس 600 الواسع النطاق 8.‏5 في المائة خلال الأسبوع وهو ما يعني فقدان نحو 524 مليار دولار من رسملة السوق، كما كتبت صحيفة «الفاينانشيال تايمز». وربطت الصحيفة اللندنية وضع سوق الأسهم مع هبوط أسعار النفط إلى مستويات متدنية جديدة لم تشهد منذ منتصف عام 2009، مع تزايد مشاعر القلق بسبب وفرة المعروض العالمي من النفط وضعف الطلب. وانخفضت أسعار النفط الخام قرابة 50 في المائة منذ يونيو (حزيران) فأجبرت بعض شركات الخدمات النفطية الأوروبية على إلغاء توزيع أرباح الأسهم لأن شركات النفط الكبرى عجلت بإجراءات خفض النفقات.
وعلقت صحيفة «إندبندنت» البريطانية ذات التوجه الليبرالي اليساري هي الأخرى على خطر الانكماش الذي يهدد الاقتصاد في دول منطقة العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، قائلة في عدد اليوم الخميس: «علينا أن نعرف معنى كلمة انكماش لأنه يبدو أن منطقة اليورو مهددة بالانزلاق العام المقبل بدرجة أكثر في هذه الحالة غير المباركة». ورأت الصحيفة أنه على أوروبا إذا أرادت العودة لمعدلات النمو السابقة أن تحرر أسواق العمل وترفع الرقابة عن أسواق السلع وأسواق رأس المال وأن تعزز المنافسة. وأضافت الصحيفة: «طالما تحدث الأوروبيون في زمن الرخاء عن هذه الأفكار، ولكننا نعدل عنها في عالم يتجه نحو الانكماش». وتوقعت الصحيفة ألا يكون عام 2015 عاما طيبا لتقليص الموازنات وقالت: «على البنك المركزي البريطاني أن يرجئ خطط التقشف لتجنيب كابوس انكماش أوروبا». وأظهر مسح نشر يوم الخميس، وهذا ما تناولته جميع الصحف، أن نمو أسعار المساكن في بريطانيا تباطأ الشهر الماضي إلى أدنى مستوى في عام ونصف، لكن خفضا مزمعا للضرائب العقارية من المرجح أن يخفف ركود المبيعات. وقال المعهد الملكي للمساحين القانونيين إن مؤشره الشهري لأسعار المساكن هبط إلى زائد 13 في نوفمبر (تشرين الثاني) من زائد 20 في أكتوبر (تشرين الأول) مسجلا أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2013 عندما بدأت سوق المساكن في بريطانيا تنتعش بقوة.



جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».


«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».