السيول تقتل 100 يمني خلال أسبوع وسط استنفار حكومي

تهدم منازل في صنعاء والحديدة وريمة... والميليشيات تتجاهل الكارثة

الأضرار طالت عدداً كبيراً من المنازل في صنعاء (أ.ف.ب)
الأضرار طالت عدداً كبيراً من المنازل في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

السيول تقتل 100 يمني خلال أسبوع وسط استنفار حكومي

الأضرار طالت عدداً كبيراً من المنازل في صنعاء (أ.ف.ب)
الأضرار طالت عدداً كبيراً من المنازل في صنعاء (أ.ف.ب)

قدرت مصادر يمنية رسمية ومحلية ارتفاع عدد ضحايا السيول والأمطار إلى نحو 100 شخص خلال أسبوع في محافظات مأرب وصنعاء وريمة وإب وعمران والحديدة، في وقت تسعى فيه الحكومة الشرعية إلى تكثيف عمليات الإغاثة والإيواء بالتزامن مع تجاهل الميليشيات الحوثية لحجم الكارثة في مناطق سيطرتها.
وأفادت مصادر محلية في محافظة ريمة لـ«الشرق الأوسط» بأن الأمطار المتواصلة والسيول أدت إلى تهدم منزلين في مديريتي الجبين والجعفرية ما أدى إلى وفاة 11 شخصا جلهم من النساء والأطفال في ظل عجز الأهالي عن عمليات الإنقاذ.
وقالت المصادر إن السيول التي تدفقت في أنحاء المحافظة ذات التركيبة الجبلية والمنحدرة تسببت في تجريف مساحات زراعية واسعة، وسط مخاوف من أن تؤدي السيول المستمرة إلى كارثة إنسانية، بسبب انهيار الطرقات وعجز السكان عن التنقل للحصول على حاجياتهم من المؤن الغذائية. وفي العاصمة صنعاء الخاضعة لحكم الميليشيات الحوثية أفادت مصادر محلية بأن ثلاثة أشخاص لقوا حتفهم غرقا بسبب السيول التي غمرت حارة السد في منطقة نقم شرق المدينة.
وبينما أكدت المصادر التابعة للجماعة الحوثية استمرار تهدم المنازل الأثرية في المدينة التاريخية (صنعاء القديمة) لقي تجاهل الحوثيين للمأساة سخطا واسعا بين أوساط السكان والناشطين.
وبث الناشطون بمن فيهم الموالون للجماعة الحوثية صورا أظهرت حجم الدمار التي تسببت به السيول في الشوارع الرئيسية والأحياء، في الوقت الذي تواصل فيه الجماعة الاستعداد لحشد السكان اليوم (السبت) في تظاهرات بأنحاء متفرقة من العاصمة لإحياء ما تسميه «يوم الولاية».
وفي حين قدرت المصادر الحكومية والأهلية وفاة أكثر من 100 شخص خلال أسبوع فقط من السيول والأمطار في مختلف المحافظات، قدرت منظمات دولية تضرر أكثر من 30 ألف أسرة بسبب السيول التي ضربت مخيمات النزوح والأكواخ المبنية من القش بخاصة في محافظتي الحديدة وحجة. وعلى وقع هذه الخسائر في الأرواح والممتلكات، قال برنامج الغذاء الدولي في بيان على «فيسبوك» إن «آلاف الأسر في مناطق عديدة من اليمن تضررت نظراً للأمطار الغزيرة والسيول المتدفقة التي دمرت العديد من المنازل، وسُبل المعيشة».
وأشار البرنامج إلى أن «العديد من الأسر النازحة بسبب الصراع والتي تعيش في مأوى مؤقت، اضطرت للنزوح مجدداً بسبب السيول». مؤكدا أنه «يعمل بالتنسيق الوثيق مع المجتمع الإنساني لضمان سرعة حصول الأسر المتضررة على الدعم الذي تحتاج إليه».
وأوضح أنه «قام بتوزيع الحصص الغذائية للاستجابة الفورية للأسر في مأرب وسيتم الوصول لمناطق إضافية في الأيام المقبلة، ويتم إعطاء الأولوية في توزيع المساعدات الغذائية للمناطق الأكثر تضرراً من السيول».
وأبدى البرنامج الأممي «استعداده للاستجابة الطارئة ومتابعة الوضع عن كثب، خصوصاً في ظل توقع هطول المزيد من الإمطار».
وكانت مصادر حكومية في محافظة مأرب أكدت ارتفاع الضحايا جراء السيول إلى 21 شخصا، إلى جانب تضرر 17 ألف أسرة منها أكثر من 3666 عائلة باتت في العراء.
وأكدت الإحصائية الحكومية أن السيول جرفت ستة كيلومترات من الإسفلت و8 كيلومترات أخرى من الطرق المعبدة، فضلا عن تدميرها 43 بئرا وثلاثة محولات كهرباء والإضرار بشبكة الصرف الصحي وتدمير العشرات من المزارع وعزل المديريات عن بعضها.
في غضون ذلك أكد وزير الإدارة المحلية رئيس اللجنة العليا للإغاثة عبد الرقيب فتح، حرص الحكومة على تسخير كافة الجهود والإمكانيات المتاحة والتنسيق مع المانحين والمنظمات من أجل تقديم الدعم الإنساني العاجل للمتضررين من السيول في كافة المحافظات.
وأوضح في تصريحات رسمية أنه «بناء على التنسيق المستمر بين الحكومة ممثلة باللجنة العليا للإغاثة ومنسقية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بهدف التدخل الإنساني العاجل في المحافظات التي تعرضت لآثار السيول والأمطار، في عدد من المحافظات قامت إحدى الوكالات الأممية في محافظة مأرب ببناء جدار بطول كيلومترين في موقع «جفينة» للتخفيف من مخاطر الفيضانات التي تهدد 3500 شخص، إضافة إلى تقييم الأوضاع في مديريتي صرواح والوادي وتوزيع المواد الإيوائية والغذائية للمتضررين في مديرية رغوان بمأرب.
وأشار إلى أنه تم في محافظة أبين (شرق عدن) توزيع مواد الإيواء والمواد غير الغذائية للمتضررين، وتقديم المساعدات الغذائية لـ60 أسرة وأنه سيتم استكمال التوزيع لعدد 780 أسرة متضررة إضافة إلى إعادة إصلاح الخيم المدمرة في محافظة الضالع.
وفي محافظة الحديدة، أكد الوزير اليمني توزيع مخيمات الإيواء والمواد غير الغذائية لعدد 822 أسرة نازحة في مديريتي الزهرة والقناوص، كما وعد بتوزيع مخيمات إيواء ومواد غير غذائية لعدد 1012 أسرة متضررة في القناوص والمنيرة، إضافة إلى توزيع المساعدات الغذائية لعدد 122 أسرة نازحة في الزهرة واستكمال توزيع المساعدات للمديريات المتضررة في المحافظة نفسها.
وشملت المساعدات المقدمة من قبل الوكالات الأممية توزيع مواد إيوائية ومواد غير غذائية لعدد 53 أسرة نازحة ومتضررة من مديرية بني قيس في محافظة حجة بالتزامن مع بدء في التدخل الإنساني لتغطية الاحتياجات في مديرية عبس والمواقع المتضررة في مديرية أسلم، وبين فتح أن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بادر منذ اليوم الأول للآثار الناتجة عن الأمطار والسيول في عدد من المحافظات بتوزيع المساعدات الإنسانية العاجلة في محافظات مأرب وحجة والحديدة، وتم التنسيق بين المركز ومنظمات الأمم المتحدة لتقديم الدعم العاجل للمتضررين في محافظات (الحديدة وعمران ومأرب وأبين والضالع وحجة والمحويت).
في السياق نفسه كان رئيس الحكومة المكلف معين عبد الملك وجه بإعطاء جهود الإنقاذ والإغاثة للمواطنين والنازحين المتضررين من سيول الأمطار الأولوية القصوى، وتوفير البدائل اللازمة لهم في المناطق الأكثر تضررا، وتنفيذ التدابير العاجلة لتصريف مياه السيول، وتحشيد كل الإمكانات والوسائل المتوافرة لذلك.
وذكرت المصادر الرسمية أن عبد الملك هاتف محافظ حجة عبد الكريم السنيني، واطلع منه على حجم الأضرار التي حدثت للمواطنين والنازحين والممتلكات العامة والخاصة جراء سيول الأمطار، في عدد من مديريات المحافظة، والتقييم الأولي للأضرار بناء على الزيارات الميدانية لهذه المديريات.
وشدد رئيس الوزراء اليمني - بحسب ما نقلته وكالة «سبأ» - على ضرورة تكثيف الجهود الميدانية ومعالجة الاحتياجات العاجلة أولا بأول وفي مقدمها الأضرار البشرية، وتوفير مأوى للنازحين ومن تضررت منازلهم، وفتح الطرقات الرئيسية والفرعية وتصريف مياه الأمطار، ورفع المخلفات.


مقالات ذات صلة

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.