موجة تفاؤل باتفاق نووي في إيران يخشى المحافظون أن تتحول إلى «فتنة»

أصحاب الأعمال بدأوا يخططون لازدهار على أساس أن المفاوضات مع الغرب ستنتهي بإيجابية

وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الشهر الماضي (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

موجة تفاؤل باتفاق نووي في إيران يخشى المحافظون أن تتحول إلى «فتنة»

وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الشهر الماضي (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الشهر الماضي (إ.ب.أ)

حملت الرسالة النصية، التي وصلت مع لحظات وصول الموعد الزمني النهائي للمحادثات النووية، معها شعورا بالإثارة لفاطمة موغيمي كانت تنتظره لسنوات. وجاء نص الرسالة كالتالي: «تم عقد الاتفاق».
واستغرق الأمر بضعة ثوان حتى تستوعب فاطمة، مالكة شركة رائدة بمجال شاحنات النقل، فحوى الرسالة، وعندما استوعبتها انطلقت منها صرخة عفوية داخل مكتبها في طهران، قائلة: «لقد عدنا للعمل!»
بيد أنه اتضح لاحقا أن الرسالة كانت مجرد مزحة سخيفة، وأن المفاوضات النووية مع إيران تم مدها في واقع الأمر 7 أشهر أخرى، وهي أنباء سيئة لاقتصاد إيران المتردي والمتضخم بدرجة بالغة. ومع ذلك، لم تتأثر فاطمة بالأمر؛ حيث أكدت مبتسمة: «لن أفقد الأمل. سينتهي هذا الأمر قريبا. الأمر يبدو وكأن الشمس بدأت في السطوع من خلف السحب بعد عاصفة رهيبة».
إلا أن تفاؤل فاطمة القوي، الذي يشاركها به كثير من كبار أصحاب الأعمال هنا، تراجع قليلا الشهر الماضي عندما اتفق المفاوضون النوويون على تمديد المحادثات للمرة الثانية رغم عدم وجود إطار عمل لمزيد من المفاوضات، ورغم ذلك، هناك قناعة راسخة هنا بأن التمديد الأخير مجرد إرجاء لأمر حتمي، وهو تحسن العلاقات بين إيران وبقية العالم. وقد أعرب المحافظون والمعتدلون عن القلق بخصوص التصاعد القوي للتوقعات في هذا الصدد، بين الرأي العام ونخبة أصحاب الأعمال، وحذروا من أن الحماس قد يتحول لخيبة أمل مريرة إذا فشلت المفاوضات، التي من المقرر استئنافها في جنيف الأسبوع المقبل، الأمر الذي قد يشعل اضطرابات أو ما يطلق عليه رجال الدين «فتنة أخرى»، في إشارة للتوتر الذي اندلع في أعقاب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل عام 2009.
من جهته، علق فارشاد غوربانبور، المحلل السياسي، بقوله: «الأمل بقدوم مستقبل أفضل كفيل بجعلهم ينسون مشكلاتهم في الوقت الراهن. لاحقا، سنرى إذا كان أسلوب التفكير هذا سيكلفنا كثيرا».
الملاحظ أن روح الثقة بدأت تدب في أرجاء مختلفة، مع اتخاذ المسؤولين التنفيذيين داخل الصناعات التصديرية الكبرى (النفط، والغاز، والنقل، والسجاد) ترتيبات حثيثة استعدادا لما يعتبرونه أيام الرخاء المقبلة، ويحرص هؤلاء المسؤولون على عقد لقاءات مع أصحاب أعمال أجانب خلال مؤتمرات تعقد من حين لآخر داخل طهران، ويوقعون مذكرات تفاهم، بل وبعض العقود تحمل جميعها بنودا تحذيرية تفيد بضرورة رفع العقوبات أولا.
في هذا الصدد، أشار محمد جواد حسن نجاد، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات بمجال النفط والغاز الطبيعي تدعى «بتروساديان»، إلى أنه وقع «عقودا مع أوروبيين وعرب لتصميم 5 منشآت تكرير». وقال إن قيمة العقود عدة ملايين من الدولارات بالنسبة لشركته، ومن شأنها ضخ مليارات الدولارات داخل الاقتصاد الإيراني الراكد. وأضاف: «الروح المعنوية مرتفعة وهناك ثقة متنامية. وبعد إبرام الاتفاق، سنشهد ازدهارا مذهلا».
من ناحيتها، أوضحت فاطمة موغيمي أن «غرفة التجارة بطهران تنظم خلال الشهور المقبلة مؤتمرا دوليا للمستثمرين الأجانب».
وقالت: «سنخطرهم أين وكيف يمكن للأجانب الاستثمار، ونعاونهم على القدوم لإيران. جميعنا هنا على استعداد للبدء في العمل».
وعندما تنظر فاطمة لمستقبل إيران، ترى أمة مزدهرة في قلب ملتقى طرق يربط آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. واستطردت أن هذا سيساهم في تنامي أسطول الشاحنات الذي تملكه لما يفوق خيالها. كما توقعت أن تفضل الشركات الأجنبية طهران على دبي لاستضافة مقراتها الرئيسية الإقليمية.
وقالت: «ينبغي أن نبدأ في الاستعداد من الآن، وبذلك نكون متأهبين فور رفع العقوبات».
يذكر أن موجة التفاؤل بدأت مع انتخاب الرئيس المعتدل حسن روحاني الذي وعد بإصلاح علاقات إيران مع العالم، ولا يزال روحاني يشجع على هذا النمط من التفكير. وقال الأسبوع الماضي فقط إن «القضية النهائية ستصل لمصيرها». أما وزير خارجيته والمفاوض الإيراني الرئيسي، محمد جواد ظريف، فوعد بعد آخر تمديد للمفاوضات بإمكانية إبرام اتفاق نووي «في غضون أسابيع».
اللافت أن موجة التفاؤل لا تقتصر على الإيرانيين، وإنما تمتد أيضا لتدفقات الوفود الأجنبية التي تفد لإيران بوتيرة ثابتة، حاملة معها أصحاب أعمال متحمسين أثنوا خلال مؤتمرات على الموقع الجغرافي الإيراني الفريد واستقرار إيران وسوقها من المستهلكين متوسطي الدخل الذي لم يدخل إليه الكثيرون بعد.
وخلال إحدى هذه المؤتمرات التي عقدت أخيرا، وضمت مجموعة كبيرة من ممثلي صناعة السيارات الإيرانيين الذين حملت وجوههم ابتسامات واثقة، اعترف مسؤول تنفيذي فرنسي أن «الإمكانات التجارية داخل إيران مذهلة»، وشاهد هو وآخرون فيلما ثلاثي الأبعاد يظهر خلاله عمال يديرون مجموعة من الرجال الآليين داخل مصنع خودرو الإيراني الذي ينتج مئات الآلاف من السيارات سنويا.
وقال المسؤول التنفيذي أرنو دي ديفيد بيرغار: «كلما بدأنا العمل معا مبكرا، كان ذلك أفضل، ونأمل أن ينتظرنا زملاؤنا الأعزاء».
وتبدو مشاعر الثقة بادية على هذه الشركة الوطنية الإيرانية المصنعة للسيارات، والمملوكة للدولة جزئيا، وتتباهى الحكومة بصناعة السيارات باعتبارها نموذجا على الإمكانات الإيرانية، وكنزا سيباع للأجنبي صاحب العرض الأكبر.
ورغم أن العقوبات تسببت في تقليص إنتاج السيارات لنسبة 40 في المائة مقارنة بالذروة التي بلغتها الصناعة عام 2011 عندما كانت تنتج 1.6 مليون سيارة، فإن الآمال في تصاعد مستمر حاليا. من جهته، قال هاشم يكيهازاري، رئيس شركة خودرو الإيرانية: «نخطط للمستقبل بغض النظر عن أي مواعيد نهائية».
وعلى امتداد أكثر من عقد، دخلت شركته في شراكة مع شركة «بي إس إيه بيجو سيتروين» الفرنسية عبر اتفاق بقيمة تتجاوز 2.5 مليار دولار سنويا، لكن الفرنسيين اضطروا للانسحاب عام 2012 بسبب العقوبات التي قادتها الولايات المتحدة.
الواضح أن الفرنسيين متعطشون للعودة، لكن يكيهازاري قال إن الشركة الآن أمامها مجموعة من العروض لها أن تختار منها. وقال: «(جنرال موتورز)، و(فورد)، وكبريات شركات إنتاج السيارات الأميركية تبدي جميعها اهتماما بالتعاون معنا. إن مستقبلنا مشرق».
ويتعارض التفاؤل حيال المستقبل مع الواقع الكئيب للاقتصاد الإيراني، خصوصا أن تراجع أسعار النفط بنسبة 40 في المائة أجبرت الحكومة على خفض الدعم الشعبي وبرامج حكومية أخرى.
مفصلا، شهد الثلاثاء ارتفاع أسعار الخبز، أهم السلع المدعومة بالبلاد، بنسبة 30 في المائة. وأشارت وكالة أنباء «فارس»، الأربعاء، إلى أن الحكومة بدأت - بهدوء - في إلغاء تقديم إعانات نقدية شهرية بقيمة 11 دولارا للفرد لبعض فئات المجتمع الإيراني.
حتى العملة المحلية المتداعية، الريال، التي تدعمها الحكومة، تراجعت بنسبة 8 في المائة أخيرا، قبل أن تتعافى قليلا. في الجزء الأكبر منهم، يحاول الإيرانيون تجاهل الأخبار السيئة. لكن ماذا لو فشلت المفاوضات النووية واستمرت العقوبات أو حتى زادت صرامة؟ تقول فاطمة: «في هذه الحالة سأشعر بخيبة أمل كبرى، لكن لدي شعور بأن هذا لن يحدث».
ويرى كثير من المعنيين بالقطاع الخاص أن الدعم المستمر من المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، للمحادثات النووية يمثل بارقة أمل قوية. وعن ذلك، قال حسن نجاد: «المرشد الأعلى للثورة لن يدعم مشروعا فاشلا». وأشار إلى أنه قام بتعيين موظفين جدد في الشهور الأخيرة توقعا للتوصل إلى اتفاق نووي وما سيليه من ازدهار في الأعمال. وأضاف: «السنوات السابقة كانت عصيبة للغاية، وكلما انتهت المحادثات سريعا، تمكنا من البدء في وقت مبكر».
من جانبه، قال المستثمر مسعود رناجي، الذي أبدى تفاؤله أيضا: «كي أكون صادقا، لقد بعت كل أسهمي في الشركة»، يقصد (إيران خودرو)، واستطرد بأنه «إذا وقعوا اتفاقا مع شركة أجنبية، ربما أفكر في معاودة الشراء، لكن في الوقت الراهن، هذا الأمر ينطوي على مخاطرة وشكوك بالغة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.