حكاية مواطن تختزل ترحال غالبية اللبنانيين إلى «جنّة» الفقر

مع ترنح المعالجات والتحذيرات الدولية من التضخم المفرط وتواصل انهيار العملة المحلية

محتجون ضد الحكومة يقطعون طريقاً في بيروت الأسبوع الماضي (أ.ب)
محتجون ضد الحكومة يقطعون طريقاً في بيروت الأسبوع الماضي (أ.ب)
TT

حكاية مواطن تختزل ترحال غالبية اللبنانيين إلى «جنّة» الفقر

محتجون ضد الحكومة يقطعون طريقاً في بيروت الأسبوع الماضي (أ.ب)
محتجون ضد الحكومة يقطعون طريقاً في بيروت الأسبوع الماضي (أ.ب)

يروي سمير، الموظف في إحدى الشركات الخاصة في بيروت، والتي تعاني حالياً من تدهور كبير في حجم أعمالها جراء الأزمات الحادة التي تلاحق اللبنانيين، أفراداً ومؤسسات، أنه اشترى قبل عامين سيارته الخاصة من إحدى الوكالات الحصرية لماركة يابانية شهيرة، بدفعة أولى من مدخرات شخصية وبتمويل مصرفي للأقساط الموزعة على 5 سنوات، بما يصل إلى نحو 20 ألف دولار كانت توازي حينها نحو 30 مليون ليرة لبنانية.
جرت الأمور لاحقاً بصورة مُرضية ومن دون الإخلال بالتوازن المعيشي. فالسيارة الخاصة ضرورية جداً في بلد يفتقر إلى النقل العام. ووجودها يسهم في توفير نقل الأولاد الثلاثة إلى المدرسة والأب إلى عمله. بينما القسط الشهري الذي يزيد قليلاً على المليون ليرة وفقاً للسعر الرسمي للدولار البالغ 1520 ليرة، كان يوازي أقل من ربع الراتب الموطّن في البنك ذاته، وتتم العملية دونما عناء الصرف وبشكل تلقائي شهرياً.
«صحيح أننا لم نكن من الميسورين، لكننا كنا هانئين بعيشنا المعزز بقليل من الرفاهية في نهاية كل أسبوع وبتوزيع المدخول على المصاريف بشكل وافٍ ويقينا العوز أو الاقتراض». يتحسر سمير متابعاً: «المنزل موروث من الأهل، والتأمين الصحي متوفر عبر الشركة، والمدرسة الرسمية خيار مقبول لأمثالنا حيث تتكفل المساعدة الاجتماعية المضافة إلى الراتب بالمصاريف الأساسية والكتب والقرطاسية وسواها. شعورنا بالاستقرار حفّز تلبية حاجتنا الملحّة لاقتناء السيارة الخاصة، وفي حساباتنا الدقيقة أنها ستسهم بتوفير كلفة انتقال الأولاد إلى المدرسة، فنزيد ما أمكن من فرحهم بسياحة داخلية لم نحلم يوماً بتخطيها إلى العالم الكبير».
فجأة، هبّت العواصف. تغيرت أحوال البلد وانقلبت رأساً على عقب، مع اندلاع موجات الاحتجاجات الشعبية في خريف العام الماضي، وتدحرجت كرة نار الأزمات المالية والنقدية بقفزات خيالية وبوتيرة قياسية لم يشهدها لبنان طوال مئوية قيامه بحدوده الحالية. ثم بدأت الضربات تتوالى وتعنف لتنقل سمير وعائلته وعشرات الآلاف أمثالهم من الصفوف المعتدلة للطبقة المتوسطة التي يزيد دخلها اليومي على 100 دولار إلى الخانة الأقرب للفقراء بعدما هبط مدخول يومه عن 19 دولاراً (تم احتساب الدولار بمتوسط 8 آلاف ليرة) وتدنى دون 15 دولاراً يومياً بعد حسم قسط السيارة.
مع ذلك، كان الصمود ممكناً حتى إشعار آخر. مدخرات محدودة من مصاريف السنوات السمان استحق صرفها علّها تفي بتقطيع وقت في الأشهر العجاف، وتستقر بعدها أحوال الناس والبلاد. لم يصب حلم ليلة الصيف الحار واقع الحال. بل صار الوضع السابق ذكرى لآخر الأيام «الجميلة» لهذا المواطن الذي تختصر حكايته أوجاع مئات آلاف الموظفين في القطاع الخاص بشكل فاقع، وبدرجة أقل نسبياً في القطاع العام.
فمع تواصل تفاقم الأوضاع المالية والنقدية، ومصادفة خضوع اقتصادات العالم أجمع للضغوط الشديدة التي ولّدها وباء «كورونا»، توالى سريعاً فرز العاملين في الشركات ومؤسسات الأعمال الخاصة إلى خانتي البطالة و-أو حسم من الراتب بمتوسط يصل إلى 50% وإيقاف عقود التأمين عند استحقاق العقد السنوي والاكتفاء بتقديمات صندوق الضمان الاجتماعي الذي يغطي الحد الأدنى من التغطية الصحية، بينما تذوب في صناديقه قيم تعويضات نهاية الخدمة بالليرة، والتي تستحق بمعدل شهر واحد لكل سنة بعد مضيّ 20 عاماً في العمل.
التدبير الطارئ شبه جماعي من غير اتفاق مسبق بحق أغلب العاملين في القطاع الخاص والذين تقارب أعدادهم 800 ألف بين موظفين دائمين ومياومين في أغلب ميادين العمل والإنتاج. القطاعات كافة، بما فيها الأساسية كالتجارة والسياحة بكل مرافقها، والخدمات والسيارات والإعلام وسواها، تتساقط تباعاً تحت الضغوط المتولدة من أزمتي النقد والوباء. الانهيار دراماتيكي للعملة الوطنية ومتواصل بلا تحديد للقعر، والصعود متفلت للدولار بلا سقف، بعدما تعدى ما يماثل ستة أضعاف السعر الرسمي المعتمد في بلد تسيطر فيه العملة الصعبة على 80% من اقتصاده.
كان سمير «محظوظاً» في انضمامه إلى لوائح العاملين بنصف راتب. إنما المصائب لم تأتهِ فرادى. انكمش المدخول اليومي إلى أقل من 10 دولارات، وبصدفة مرتقبة تبلّغ من البنك أن بدل التأمين الإلزامي على السيارة أصبح بالدولار حصراً وليستعد لتدبير مشابه قد يسري لاحقاً على القسط، الذي صار يستهلك تلقائياً نحو 45% من الراتب الشهري المحسوم نصفه سلفاً. وحكم وباء «كورونا» باللوذ بالمنازل واستكمال العمل والعام الدراسي عن بُعد، بما يفرضه ذلك من ضرورات زيادة مصاريف الكهرباء والإنترنت وسواها. الحسبة بسيطة. يقتضي العيش بنحو 5 دولارات أو 40 ألف ليرة يومياً، أو ما يوازي دولاراً واحداً لكل فرد من العائلة التي كانت لأشهر خلت من فئة «متوسطي الحال».
بمعزل عن الإحصاءات الرسمية التي رصدت ارتفاع أسعار الغذاء الأساسية بما يصل إلى 190% خلال الأشهر القليلة الماضية ضمن مسار تصاعدي يطابق تدهور قيمة العملة الوطنية بالنسبة للسلع المستوردة ويتفشى إلى السلع المحلية بذرائع مختلفة، يتكبد المواطن اللبناني فواتير مزدوجة أو مثلثة تستنزف المداخيل في أغلب الخدمات الحيوية كالكهرباء والمياه والاتصالات (خدمة الخطوط الخليوية المسبقة الدفع محددة بشهر واحد مهما كانت قيمة الرصيد المتبقية). وما من سبيل للاستغناء عن هذه الخدمات «المضافة» ما دامت الدولة تفشل في تأمينها، بل هي تمعن في تقطيرها إلى حدود الانقطاع التام. ففي الأيام الأخيرة، سيطرت العتمة على لبنان من أقصاه إلى أقصاه بما شمل العاصمة، وتمددت المعاناة سريعاً إلى خدمات المياه والاتصالات الهاتفية والإنترنت وإشارات السير الضوئية، واستعادت الشوارع مشاهد أكوام النفايات.
نصف الحقيقة التي يصدقها اللبنانيون اختصرها أستاذ الاقتصاد في جامعة جونز هوبكنز ستيف إتش هانكي، في تقرير نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، وفيه أن معدل التضخم في لبنان يزيد على 500% على أساس سنوي، و124% على أساس شهري خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي وحده. وتوقعه أن يحقق لبنان رقماً غير مسبوق في معدلات التضخم بدول الشرق الأوسط، حيث إن البلاد على بُعد أسابيع فقط من التضخم المفرط الرسمي، لتصبح أول دولة في الشرق الأوسط تتعرض للتضخم المفرط، والدولة الحادية والستين على مستوى العالم، ومحذراً من أن «لبنان في دوامة الموت» واقترب من وضعية تشابه فنزويلا.
أما النصف الآخر فهو مروع في مضمونه وتداعياته. فكيف ستكون أحوال الناس والاقتصاد إذا ما صدقت ترقبات «بنك أوف أميركا»، في تقريره الأخير، بأن يلامس الدولار الأميركي عتبة 46.5 ألف ليرة نهاية العام الجاري، أو ما يوازي نحو 31 ضعف السعر الرسمي الحالي ونحو 6 أضعاف متوسط السعر السائد في السوق السوداء؟ حينها سيصبح الحد الأدنى للأجور نحو 15 دولاراً شهرياً أو نصف دولار يومياً. غرابة الرقم لا تقلل من ارتكاز البنك إلى وقائع موضوعية يستمدها من خطة الحكومة للتعافي الاقتصادي التي حددت الفجوة المالية المحققة بنحو 241 تريليون ليرة، ومن مؤشرات علمية تتقدمها مواصلة عمليات طباعة النقود الوطنية وبكثافة من دون أي تغطية مقابلة أو وافية بالعملة الأجنبية، حيث تشير الأرقام الصادرة عن البنك المركزي إلى أن المعروض النقدي والذي يشمل الودائع تحت الطلب بالإضافة إلى الكتلة النقدية المتداولة بالليرة قد بلغ نحو 25 تريليون ليرة لبنانية لغاية نهاية الشهر الخامس من العام الحالي.
مع هذه المعطيات التي قضت تماماً على الطبقة الوسطى، وستتكفل سريعاً بضم ما يزيد على 70% من المواطنين إلى خانة الفقر والفقر المدقع، استبشر بعض الناس، وبينهم سمير، بإعادة فتح الملاحة الجوية، قائلاً: «ستحصون تباعاً أعداد المغادرين طوعاً وكرهاً، فالوطن يكون حيث تتأمن سبل الحياة والعيش بكرامة ولا خيار متاح سوى الهجرة أو البحث عن فرصة عمل في بلاد الله الواسعة».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».