سباق اللقاحات يحتدم... وتشكيك أميركي في مشاريع بكين وموسكو

روسيا تستعد لإطلاق حملة تطعيم جماعي ضد «كورونا» في أكتوبر

الرئيس الصيني لدى تفقده أبحاث لقاح «كورونا» في مارس الماضي (أ.ب)
الرئيس الصيني لدى تفقده أبحاث لقاح «كورونا» في مارس الماضي (أ.ب)
TT

سباق اللقاحات يحتدم... وتشكيك أميركي في مشاريع بكين وموسكو

الرئيس الصيني لدى تفقده أبحاث لقاح «كورونا» في مارس الماضي (أ.ب)
الرئيس الصيني لدى تفقده أبحاث لقاح «كورونا» في مارس الماضي (أ.ب)

يشتد السباق العالمي لتطوير لقاحات ضد فيروس كورونا المستجد، الذي أصاب قرابة 18 مليون شخص حول العالم وتسبب في وفاة 670 ألفا منهم، مع اقتراب فصلي الخريف والشتاء.
وفيما تتسع لائحة الدول التي أعادت فرض تدابير صحية للحد من ارتفاع إصابات ووفيات «كوفيد - 19»، تراقب الحكومات عن قرب تطور مشاريع اللقاحات وتستثمر ملايين الدولارات لـ«حجز» جرعات حتى قبل ظهور النتائج النهائية.
وأظهرت عدة مشاريع لقاحات نتائج مشجعة، بينها مشروع صيني يتم بالتعاون بين معهد أبحاث عسكرية ومجموعة «كانسينو بيولوجيكس» لإنتاج الأدوية. وأجاز الجيش الصيني نهاية يونيو (حزيران) استخدام اللقاح في صفوفه، حتى قبل بدء المراحل الأخيرة لتجربته. كما بلغت ثلاثة لقاحات تُطور في الدول الغربية المرحلة الأخيرة في تجاربها السريرية على البشر، وهي لقاح لشركة «موديرنا» الأميركية، ولقاح تطوره جامعة أوكسفورد البريطانية بالتعاون مع مختبر «أسترازينيكا»، ولقاح ثالث لتحالف «بايو إن تيك - بفايزر» الألماني - الأميركي.
- فاوتشي يحذر من بعض اللقاحات
شكك خبير الأمراض المعدية أنتوني فاوتشي، عضو خلية مكافحة فيروس كورونا في الولايات المتحدة، الجمعة، في سلامة اللقاحات التي يتم تطويرها حاليا في روسيا والصين.
وقال مدير المعهد الأميركي للأمراض المعدية، الذي يحظى باحترام كبير إن «الإعلان عن تطوير لقاح يمكن توزيعه حتى قبل اختباره يطرح في رأيي مشكلة، لكي لا أقول أكثر من ذلك»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية. وتابع في جلسة استماع أمام الكونغرس الأميركي: «آمل حقا في أن يختبر الصينيون والروس لقاحاتهم قبل استخدامها على أي فرد»، لافتا إلى أن الولايات المتحدة لن تضطر للاعتماد على لقاحات تطورها دول أخرى.
وفي هذا الصدد، جدد فاوتشي القول إنه «متفائل بحذر» بأن اللقاح الآمن والفعال ممكن هذا العام، فيما أعلن مدير مراكز السيطرة على الأمراض المعدية والوقاية منها روبرت ريدفيلد أنه «يأمل أنه مع دخولنا في أواخر الخريف وبداية الشتاء، سيكون لدينا في الواقع لقاح يمكننا القول إنه آمن وفعال». وأضاف «لا يمكن للمرء أن يضمن السلامة أو الفعالية ما لم نقم بالتجارب لكننا متفائلون بحذر». يذكر أن تجربة المرحلة الثالثة للقاح الذي تطوره شركة مودرنا قد بدأت للتو بالتعاون مع المعاهد الوطنية للصحة. وقال فاوتشي إنه حتى ليلة الخميس، تطوع 250 ألف شخص للمشاركة في التجارب السريرية.
جاءت التصريحات الأميركية بعدما أعلنت روسيا، هذا الأسبوع، أنها ستبدأ اعتبارا من شهر سبتمبر (أيلول) وأكتوبر الإنتاج الصناعي للقاحين ضد «كوفيد - 19» طورهما باحثون من مراكز حكومية. وشبه كيريل ديميترييف، رئيس الصندوق السيادي الروسي يمول تطوير أحد اللقاحين، السباق الحالي لإيجاد لقاح لكوفيد - 19. بـ«استكشاف الفضاء». وقال لشبكة «سي إن إن» إن «الأميركيين فوجئوا عندما سمعوا إشارة سبوتنيك»، أول قمر اصطناعي أطلقه الاتحاد السوفياتي في 1957. وأضاف: «سيكون الأمر نفسه مع اللقاح. سنكون في الطليعة» لتطويره. ولم تكشف موسكو البيانات العلمية التي تثبت فعالية لقاحاتها وسلامتها.
- لقاح روسي
من جهتها، ذكرت وكالات أنباء محلية أمس (السبت) أن وزير الصحة الروسي ميخائيل موراشكو يجهز لحملة تطعيم جماعي ضد فيروس كورونا المستجد في أكتوبر، بعد استكمال التجارب السريرية لأحد اللقاحات، وفق وكالة رويترز. ونقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء عن الوزير قوله إن معهد جاماليا البحثي التابع للدولة في موسكو، استكمل التجارب السريرية للقاح ويجري حاليا الاستعداد لإجراءات تسجيله. وقال إن الأطباء والمعلمين سيكونون أول من يجري تطعيمهم باللقاح. وأضاف: «نعتزم التطعيم على نطاق أوسع في أكتوبر».
وكانت «رويترز» قد نقلت عن مصد، الأسبوع الماضي، قوله إن أول لقاح محتمل ضد مرض «كوفيد - 19» في روسيا سيحصل على الموافقة التنظيمية المحلية في أغسطس (آب)، وسيجري تطعيم العاملين في مجال الصحة به بعد ذلك بقليل. وكان معهد جاماليا يعمل على لقاح باستخدام الفيروسات الغدية. لكن السرعة التي تتحرك بها روسيا لطرح اللقاح دفعت بعض وسائل الإعلام في الغرب إلى التساؤل إن كانت موسكو تعطي الأولوية لهيبتها الوطنية، على حساب العلم والسلامة.
- عقود مليارية مع مختبرات الأدوية
في دلالة على المنافسة الشديدة بين الدول، يزداد الإعلان عن توقيع عقود مع شركات الأدوية لضمان الحصول على لقاح لـ«كوفيد - 19»، وكان آخرها الجمعة بين «سانوفي» و«غلاكسو سميث كلاين» والولايات المتحدة، بتمويل يزيد عن ملياري دولار. وأعلنت سانوفي الفرنسية، في بيان الجمعة، أن اللقاح التجريبي الذي يجري تطويره بالاشتراك مع شركة غلاكسو سميث كلاين البريطانية اختير للبرنامج الأميركي «أوبيريشن وارب سبيد» الحكومي الذي يهدف إلى تزويد الأميركيين بإمكانية الحصول على اللقاح في أسرع وقت ممكن، من خلال عدد من الاتفاقيات الموقعة مع مختبرات الأدوية. ووفق تفاصيل العقد، ستحصل الشركتان على ما يصل إلى 2.1 مليار دولار أميركي مقابل تسليمها 100 مليون جرعة من اللقاح ككمية أولية. وقالت سانوفي إن التعاون «سيساعد في تمويل أنشطة تطوير وزيادة القدرة التصنيعية لشركتي سانوفي وغلاكسو سميث كلاين في الولايات المتحدة لإنتاج اللقاح». وأوضح المختبر الفرنسي الذي سيحصل على القسم الأكبر من التمويل من حكومة الولايات المتحدة، إن واشنطن سيكون لديها أيضاً خيار الحصول على 500 مليون جرعة إضافية على المدى الطويل.
يعتمد لقاح الشركتين التجريبي على تقنية البروتين المؤتلف، التي استخدمتها سانوفي لإنتاج لقاح مضاد للإنفلونزا، وعلى المادة المساعدة لتعزيز الاستجابة المناعية والتي تستخدم في حالة حدوث جائحة وطورتها غلاكسو سميث كلاين، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وتتوقع سانوفي بدء تجربتها على متطوعين للمرحلتين الأولى والثانية في سبتمبر، قبل المرحلة الثالثة وهي الأخيرة، بحلول نهاية العام، للحصول على موافقة على تسويق اللقاح، والتي يمكن أن تتم في النصف الأول من عام 2021.
قبل هذا الاتفاق الجديد، كانت الولايات المتحدة قد أنفقت أكثر من 6 مليارات دولار منذ مارس (آذار)، لتمويل مشاريع متنافسة لإنتاج لقاح لفيروس كورونا المستجد لدى مختبرات عريقة مثل «جونسون أند جونسون» و«فايزر» و«أسترازينيكا»، ولدى شركتين صغيرتين للتكنولوجيا الحيوية هما «نوفافاكس» و«موديرنا».
وقال أليكس آزار وزير الصحة الأميركي، كما نقل عنه بيان سانوفي «إن مجموعة اللقاحات التي تم الاتفاق بشأنها في إطار البرنامج الحكومي تزيد من فرص الحصول على لقاح واحد على الأقل آمن وفعال بحلول نهاية السنة».
وتزداد مثل هذه العمليات في جميع أنحاء العالم، لأنه في إطار مكافحة الوباء، يجب على المختبرات تسريع مراحل تطوير اللقاح وإعداد وحدات الإنتاج الخاصة بها، دون معرفة نتائج التجارب الإكلينيكية، ومن ثم دون معرفة ما إذا كان اللقاح سيُنتج بالفعل. ويسمح لها إبرام اتفاقيات مع الدول لتقاسم المخاطر، بينما في المقابل، تضمن الحكومات الحصول على إمدادات اللقاح إذا نجح البحث. وهكذا، أعلنت شركة سانوفي وغلاكسو سميث كلاين، الأربعاء الماضي، عن اتفاق بشأن 60 مليون جرعة مع المملكة المتحدة. ومن المتوقع أيضا أن توقعا اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي قريبا تشمل 300 مليون جرعة. ولكن لم تكشف الأطراف عن قيمة العقد بعد.
وتثير هذه المنافسة الجدل لأنها تطرح مسألة حصول البلدان النامية على اللقاح، نظراً لأنها لا تمتلك الوسائل لتمويل مثل هذه العقود الكبيرة، وهذا يغذي المخاوف من أنها قد لا تحصل عليه بكميات مناسبة.
في منتصف يوليو (تموز)، تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً يؤكد على أن أي لقاح ضد وباء كوفيد - 19 يجب أن يعتبر «منفعة عامة عالمية»، مشدداً على الحاجة إلى «الوصول السريع والمنصف ودون عوائق إلى الأدوية واللقاحات والتشخيص والعلاجات الآمنة والميسورة والفعالة وذات الجودة».


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.