قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

حكّام طهران يعرضون بلدهم للبيع... وعقوبات واشنطن تهدد «صفقتهم» مع بكين

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني
TT

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن «اتفاق استراتيجي» بين الصين وإيران مدته 25 سنة. وقالت بعض التعليقات، إنه يكشف عن حسابات مشتركة بين البلدين، تعتبر أن الولايات المتحدة باتت ضعيفة، وأن خياراتها تضيق في مواجهة التحديات الدولية، خصوصاً مع قرب انتهاء قرار الحظر الدولي للسلاح عن إيران. فهل لا تزال الولايات المتحدة، حقاً، قادرة على الوقوف في وجه التحديات التي تشكلها سياسات الصين الدولية والإقليمية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط؟ ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، وسواءً فاز الرئيس دونالد ترمب أو خسر أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن، هل يمكن للاتفاق الصيني - الإيراني أن يشكل تهديداً استراتيجياً للولايات المتحدة، ويجبرها على العودة للاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط، وليس فقط بمنطقة بحر الصين، بحسب الاستراتيجية الدفاعية الأميركية؟
تتعرّض سياسة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على خصومها الدوليين لانتقادات من الداخل والخارج، ويشكك مراقبون فيما إذا كانت لا تزال سلاحاً ناجعاً لمعاقبة الدول، مع ظهور المزيد من القوى الدولية القادرة على الأقل، على التهرّب من العقوبات الأميركية؛ ما يعني أن الأمر بات يتطلب مقاربة جديدة من قبل واشنطن. وبالفعل، يرى البعض أن تراجع الاستثمارات الأميركية الدولية والتنموية في العالم، سمح لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية بالتقدم نحو فرض حضور عالمي لبكين.
وفي هذا الشأن، نتطرق إلى جملة أسئلة طرحتها «الشرق الأوسط» في ملف خاص عن الاتفاق الصيني - الإيراني، تلقت فيه مساهمات من متحدث باسم الخارجية الأميركية، ومن محللين متخصّصين في الشأنين الإيراني والصيني.
- الصين «ستشتري» إيران
يقول وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، إن استراتيجية الدفاع الوطني هي مفتاح نجاح الولايات المتحدة للمضي قدما في منافسة القوى العظمى. إذ أن «التحديات التي تشّكلها لنا الصين أولاً، ثم روسيا ثم دول أخرى، تفرض علينا مواصلة جهودنا على مسارات ثلاثة: بناء المزيد من الأسلحة الفتاكة وضمان الجهوزية، وتعزيز حلفائنا وبناء الشراكات، وأخيراً، تأهيل وإصلاح وترشيق وزارة الدفاع».
ووصفت بعض التعليقات «تسريب» الأنباء عن الاتفاق، بأنه قد يكون جزءاً من لعبة «عض الأصابع» الجارية بين القوى الكبرى، قبيل انتهاء صلاحية القرار الدولي 2231 في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الذي يحظر السلاح عن إيران. ويطرح البعض تساؤلات عن الأسباب التي تمنع كشف تفاصيل هذا الاتفاق الذي مضى نحو أربع سنوات على تداوله للمرة الأولى، أو على الأقل تنفيذ اتفاقاتهما الكثيرة السابقة التي لا تزال حبراً على ورق. وهو ما يعزّز الاعتقاد برغبة القوى المنافسة للولايات المتحدة في ممارسة الضغوط عليها في هذا الوقت بالذات، للوصول إلى «تسويات» معها، ستدفع إيران ثمنها في نهاية المطاف؛ لأن ما تعرضه الصين ليس أقل من «شراء البلد» ورهنه لأكثر من ربع قرن.
ولكن ثمة مَن يرى أسباباً أخرى تقف وراء هذا المشروع الصيني - الإيراني. ومن هؤلاء مَن يتحدّث عن «رعونة» غير مسبوقة للقيادة الصينية الحالية، التي باتت ترى أن بإمكانها المضي في مخطّطاتها التوسعية، حتى ولو انتهت بكارثة على الشعب الصيني في ظل ملفات كبيرة مفتوحة في وجهها.
الأمر لا يقتصر على ما يحيط بمشروع «الحزام والطريق» من مُلابسات، بل وحول ممارسات الصين التجارية غير المقبولة والحرب التجارية التي دخلتها مع واشنطن، وملفات التجسّس الإلكتروني واستخدام منصاتها وشركاتها الكبرى في هذه الجهود وحرب القنصليات، وضربها عرض الحائط للاتفاقات الدولية حول هونغ كونغ، وتهديدها للملاحة البحرية والسيطرة على الجزر في بحر الصين الجنوبي ولجزيرة تايوان، وممارساتها اللاإنسانية تجاه أقلية الإيغور المسلمة، وصولاً إلى مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن أزمة فيروس «كوفيد – 19» التي قد يكون للعالم حساب آخر معها، عندما تهدأ عاصفة الجائحة.
- ابتزاز سياسي أم حقيقة
صحيفة «النيويورك تايمز» التي أفادت بأنها اطلعت على نسخة من الاتفاق الواقع في 18 صفحة، لم تكشف عن جديد في علاقة الصين وإيران المعقدة أصلاً. إلا أنها أبرزت العامل السياسي الذي يندرج ضمن خانة الاختلاف القائم مع سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عدد من الملفات الخارجية والداخلية، فقالت إن من شأن هذا الاتفاق «أن يقوّض جهودها لفرض عزلة على الحكومة الإيرانية بسبب طموحاتها النووية والعسكرية».
لكن التسريبات المفصلة عن هذا «الاتفاق الاستراتيجي» جاءت في تقرير مطوّل نشره موقع «أويل برايس دوت كوم» الأميركي، الذي استقى معلوماته من مصادر «رسمية إيرانية»؛ ما يرفع من شبهة المناورة والاستخدام السياسي والابتزاز الذي تمارسه الصين وروسيا وإيران، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، بل تجاه العالم كله أيضاً، وبخاصة، دول المنطقة.
- نظام مفلس يبيع البلد
يقول ريتشارد غولدبرغ، كبير المستشارين في «معهد الدفاع عن الديمقراطيات»، الذي شغل العام الماضي منصب مدير «قسم محاسبة إيران عن أسلحة الدمار الشامل» في مجلس الأمن القومي «ليس من المستغرب أن يبيع نظام مفلس آيديولوجياً كنظام إيران، الأصول الاقتصادية للشعب الإيراني إلى الحزب الشيوعي الصيني لدرء الانهيار المالي». ويضيف غولدبرغ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأمر يبدو وكأنه عمل يائس أكثر منه تحد؛ إذ من الصعب معرفة مقدار ما يتضمنه من تأطير لأغراض الدعاية وكم هو حقيقي. لقد رأينا الكثير من الإعلانات على مدى سنوات من الاستثمارات الصينية في إيران التي فشلت بسبب التهديد بفرض عقوبات أميركية. والأخبار السيئة لكل من إيران والصين هي أن هذه العقوبات، حقاً، تجعل غالبية الصفقات صعبة للغاية، وبمجرد ترجمة الاتفاق المسرّب وتحليله، سيتحوّل «خريطة طريق» للمفتشين الماليين الأميركيين في وزارتي الخزانة والخارجية.
غولدبرغ يعتقد أن الصين لا تزال ضعيفة نسبياً في قدرتها على نشر قوتها العسكرية بعيداً عن حدودها؛ لذا فإن هدفها الاستراتيجي هو بناء علاقة مع «دولة - زبون» في المنطقة تحكم بلداً مفلساً تسلمها موارده الطبيعية مقابل الاستثمار في البنية التحتية ومبيعات الأسلحة. ويرى أنه إذا استطاعت واشنطن إعادة فرض العقوبات على إيران في مجلس الأمن الدولي واستعادة حظر الأسلحة إلى أجل غير مسمى، وواصلت حملتها القصوى للضغط، سيكون من الصعب للغاية على الصين تهديد الأمن الأميركي في المنطقة. وإذا قررت بكين الانفتاح «الشامل» على إيران فهذا سيكون دافعاً لواشنطن وغيرها من صانعي السياسة الخارجية إلى تسليط الضوء على سياساتها. وتاريخياً، كان للصين دائماً شبكات غير مشروعة تبيع قطع الصواريخ إلى إيران، وسمحت لبعض العملاء والشركات الفاعلة غير المملوكة من الدولة باستيراد النفط الإيراني. لكن مع هذا الاتفاق سيتحول الوضع إلى علاقة حكومية ودفاعا كاملا عن نظام طهران، وسيسهم ذلك فقط في عزلة بكين الدولية خلال الشهور والسنوات المقبلة.
- لا كسر للعقوبات الأميركية
حتى الآن لم تتمكن الصين من كسر العقوبات الأميركية بأي طريقة ذات معنى، والاتفاق على الورق مع تطلعات تجارية، لا يعادل تفادي العقوبات. وإذا كانت الصين ترغب في تعريض نظامها المصرفي والمؤسسات الكبرى الأخرى المملوكة من الدولة لسلطة العقوبات الأميركية، فسيعاني الاقتصاد الصيني بشدة، وهذا هو السبب في أنها لم تفعل حتى الآن.
ويؤكد غولدبرغ، أن وزارة الخارجية الأميركية و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ما زالتا رائدتين في المساعدات الخارجية وأعمال التنمية، و«ما من دولة في العالم ساعدت المزيد من الناس على الخروج من براثن الفقر والحصول على المياه النظيفة والبقاء على قيد الحياة وتحقيق التعليم الأساسي أكثر من الولايات المتحدة. وبخلاف الصين، نحن لا نبتز الدول المتلقية ولا نصفي الموارد الطبيعية للبلدان. ونأمل أن تنضم المزيد من الدول ذات التفكير المماثل إلى (شبكة النقطة الزرقاء) التي أطلقت حديثاً لمواجهة مبادرة (الحزام والطريق) الصينية».
متحدث باسم الخارجية الأميركية – طلب إغفال اسمه – قال في مساهمته بهذا الملف، إن الولايات المتحدة «قوة من أجل الخير» في المنطقة، وهي تسعى إلى معالجة مشاكلها من خلال العمل مع شركائها عبر تعزيز مصالحهم، وبما يراعي مصالحها أيضاً. لكن بكين تدعم جهود طهران الخبيثة لإثارة الفتنة والإرهاب عبر المنطقة بتوفيرها شرياناً حيوياً لاقتصاد إيران، ما يقوّض الجهود الدولية للضغط على طهران لتغيير سلوكها المزعزع للاستقرار. وذكر المتحدث، أن واشنطن «ساهمت منذ عام 2011 فقط بأكثر من 58 مليار دولار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعملت في جميع القطاعات لتعزيز الاستقرار والازدهار، ونشطت مع الحكومات لمكافحة الأعداء المشتركين الساعين إلى بث الفوضى والدمار. وفي المقابل تقوم بكين بتعزيز مصالحها الخاصة، وغالباً على حساب شركائها. إن ثمة تاريخاً صينياً محبطاً ومخيّباً للآمال من الالتزامات وانتهاك المعايير الدولية التي ساءت في السنوات الأخيرة بدلاً من أن تتحسن، في حين تلتزم واشنطن برؤية مختلفة تقوم على الازدهار المشترك والأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي والشراكة الدائمة».
ثم قال «هذه مساهمات لا يمكن للصين مجاراتها، بينما هي تدعم التدخل الإيراني الخبيث في الشؤون الداخلية لجيرانها وتقويض المبدأ الأساسي للسيادة، وعدم التدخل الذي تدّعي الصين حرصها عليه. علاوة على ذلك، هناك كيانات وأفراد صينيون لهم أيضاً تاريخ مقلق في دعم برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، فضلاً عن مواصلة تحدي القرار الدولي الرقم 2231؛ لذا فرضنا أخيراً عقوبات على أكثر من 12 من أفراد وكيانات صينية». وتابع «خارج منطقة الشرق الأوسط، أنتم على دراية بالكثير من الاعتداءات على مدى الأسابيع القليلة الماضية وحدها، من توسيع جهاز الأمن الصيني إلى هونغ كونغ وخارجها إلى التقارير عن عمليات التعقيم القسري وغيرها من ممارسات تنظيم الأسرة القسرية في إقليم شينجيانغ، حيث أقلية الإيغور المسلمة». ثم أردف «بعض ما يحدث الآن هناك من قمع ثقافة ودين معيّن بوحشية؛ لأنه لا يتناسب مع رؤية بكين الشيوعية للعالم، حدث أيضاً على مدى عقود في إقليم التيبت. لذلك؛ لم نقف مكتوفي الأيدي في وجه هذا العداء. لقد فرضنا عقوبات مالية وقيوداً على التأشيرات، وأصدرنا إرشادات تجارية، ونفكّر في اتخاذ تدابير إضافية لفرض تكاليف على انتهاكات بكين. وحيال إيران، فإن عقوباتنا أوسع، لكنها واضحة في نطاقها، وبالتأكيد سنفعل ذلك فيما يتعلق بالنشاط الخاضع للعقوبات بين إيران والصين. العقوبات أدوات مهمة وسنواصل استخدامها بالتنسيق الوثيق مع شركائنا وحلفائنا الدوليين، كما أن العمل معهم لتمديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران أولوية قصوى».
- نظامان... وضغط واحد
المتحدث دافع عن السياسة الخارجية الأميركية واستراتيجية الدفاع للنهوض بمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، قائلاً إنها «لم تكن استجابة لاتفاقيات اسمية من قبل نظامين يجدان نفسيهما تحت ضغط متزايد بسبب انتهاكاتهما الداخلية والخارجية... نحن لا نتوقع من الدول أن تختار بين الولايات المتحدة والصين، بل يجب وينبغي عليها أن تقيم علاقات قوية معنا. نريد من الدول أن تعي التكاليف التي ستتكبدها لقاء ارتباطات معينة مع الصين الشعبية، من سيادتها واستقرارها الإقليمي، وتأثيرها على النظام الدولي القائم على القواعد الذي وفر الأمن والازدهار لعقود». وأضاف «يجب ألا نخلط القروض الصينية بالاستثمارات الأميركية التي يقودها القطاع الخاص. أساس مبادرة (الحزام والطريق) هو تمويل القروض الذي يتعين على البلد المتلقي سدادها. وهذا يختلف تماماً عن الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تبقى الأموال في الدولة. والكثير من ردود الفعل السلبية التي واجهتها الصين في تلك الدول في السنوات الأخيرة يعود إلى أن الشركات الصينية المملوكة من الحكومة الصينية، والتي تنفذ مشاريع البنية التحتية في الخارج، أولاً، لا تقدّم بنية تحتية ذات قيمة وجودة عالية مقابل المال على المدى الطويل... وثانياً، تتجاهل الحوكمة الرشيدة وحماية البيئة والأوضاع الاجتماعية، ولا تيسر نقل التكنولوجيا وبناء القدرات التي تحتاج إليها البلدان النامية».
وتابع المتحدث «... ثم إن الشفافية مشكلة كبيرة أخرى. فبكين تحافظ عمداً على سرية تفاصيل هذه القروض، مفضلة التفاوض عليها عبر صفقات مبهمة في الغرف الخلفية التي تضع الدول المتلقية في مواقف ضعيفة. ونتيجة لذلك؛ تركت بكين سلسلة من الفساد في الكثير من بلدان (الحزام والطريق). وهو ما يتعارض مع أساليب الولايات المتحدة في إدارة عملها، التي لا مجال لمقارنتها مع الأساليب القسرية الاقتصادية للصين. إن ما نقدمه بديلٌ إيجابي شفاف يقوده القطاع الخاص مع سجل حافل في تحقيق النمو المستدام، والحد من الفقر وتعزيز الابتكار التكنولوجي. والبلدان النامية تفهم هذا التمييز. لذا؛ ليس من قبيل المصادفة أن هذه الصفقة المفترضة تواجه معارضة قوية من الطيف السياسي في إيران، حيث يعارض الناس بشدة فكرة الاعتماد المتزايد على الصين».
- استثمارات في البنى التحتية... ومعالم استراتيجية ـ عسكرية بمشاركة روسية
> يقول تقرير «أويل برايس دوت كوم» المشار إليه سابقاً «إن أحد العناصر السرية للصفقة الموقعة العام الماضي هو أن الصين ستستثمر 280 مليار دولار أميركي في تطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وسيوضع هذا المبلغ مقدماً في فترة السنوات الخمس الأولى من صفقة الـ25 سنة الجديدة، أما المبالغ الإضافية فستكون متاحة في كل فترة خمس سنوات لاحقة، بشرط موافقة الطرفين». ويضيف التقرير، «سيكون هناك استثمار آخر بقيمة 120 مليار دولار أميركي، يمكن تحميله مرة أخرى في فترة السنوات الخمس الأولى، لتطوير البنية التحتية للنقل والتصنيع في إيران، وسيخضع مرة أخرى للزيادة في كل فترة لاحقة إذا وافق الطرفان. في المقابل بداية، ستُمنح الشركات الصينية الخيار الأول للمزايدة على أي مشاريع جديدة - أو متوقفة أو غير مكتملة - للنفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وستتمكن الصين أيضا من شراء جميع منتجات النفط والغاز والكيماويات بتخفيض مضمون بحد أدنى 12 في المائة لمتوسط سعر ستة أشهر للمنتجات القياسية القابلة للمقارنة، بالإضافة إلى ما بين 6 و8 في المائة أخرى من هذا المقياس لتعويض المخاطر المعدلة. كما ستمنح الصين الحق في تأخير السداد لمدة تصل إلى سنتين، والأهم من ذلك أنها ستكون قادرة على الدفع بعملات ميسّرة حصلت عليها من ممارسة الأعمال التجارية في أفريقيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق».
ويضيف التقرير، أنه وفق المصدر الإيراني نفسه، «بالنظر إلى أسعار الصرف المرتبطة بتحويل هذه العملات الناعمة إلى عملات صعبة يمكن أن تحصل عليها إيران من بنوكها الغربية الصديقة، تبحث الصين عن حسم آخر يتراوح بين 8 و12 في المائة، ما يعني حسماً إجمالياً يبلغ نحو 32 في المائة للصين على كل النفط والغاز ومشتريات البتروكيماويات».
جزء رئيسي آخر من العنصر السري للاتفاق هو أن الصين ستشارك بشكل متكامل في بناء البنية التحتية الأساسية لإيران، ما سيكون في توافق تام مع مشروع «الحزام والطريق». إذ تعتزم الصين الاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة حالياً في إيران لبناء المصانع التي ستموّل وتصمم وسيُشرف عليها من قبل شركات التصنيع الصينية الكبيرة ذات المواصفات والعمليات المماثلة لتلك الموجودة في الصين. وستتمكن المنتجات المصنعة النهائية بعد ذلك من الوصول إلى الأسواق الغربية عبر خطوط نقل جديدة، ستخططها الصين وتموّلها وتديرها.
أيضاً، أضيف للصفقة بعدٌ عسكري من شأنه «تغيير التوازن الكامل للقوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط». إذ ادعى المصدر الإيراني لموقع «أويل برايس» أن ذلك سيشمل تعاوناً عسكرياً جوياً وبحرياً كاملاً بين إيران والصين، مع لعب روسيا أيضاً دوراً رئيسياً. وأردف المصدر «هناك اجتماع مقرّر في الأسبوع الثاني من أغسطس (آب) المقبل بين الخبراء الإيرانيين ونظرائهم الصينيين والروس، للموافقة على التفاصيل المتبقية ولكن، شريطة إتمام ذلك كما هو مخطط. واعتباراً من 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، سيتاح للقاذفات الصينية والروسية والمقاتلات وطائرات النقل الوصول غير المقيد إلى القواعد الجوية الإيرانية. واستطرد «ستبدأ هذه العملية بمنشآت ذات الاستخدام المزدوج بنيت لهذا الغرض بجوار المطارات الحالية في همذان وبندر عباس وتشابهار وعبادان». وفي الوقت نفسه، ستكون السفن العسكرية الصينية والروسية قادرة على استخدام منشآت مزدوجة الاستخدام بنتها حديثاً الشركات الصينية في الموانئ الإيرانية الرئيسية تشابهار وبوشهر وبندر عباس.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».