مالي... عندما تتقاطع دوائر الأزمات!

جائحة «كوفيد ـ 19» فاقمت الضائقات السياسية والاجتماعية المزمنة

ابراهيم كيتا
ابراهيم كيتا
TT

مالي... عندما تتقاطع دوائر الأزمات!

ابراهيم كيتا
ابراهيم كيتا

تعيش مالي منذ مطلع يونيو (حزيران) الماضي على وقع احتجاجات شعبية متصاعدة، سقط فيها الكثير من القتلى وأدخلت البلاد في أزمة سياسية واجتماعية مستعصية. والمعارضة التي تقود الاحتجاجات، ترفع مطلباً وحيداً ترفض التنازل عنه، هو «استقالة» الرئيس إبراهيم بابكر كيتا، بينما يرفض الأخير الاستقالة ويعرض جملة من التنازلات التي يبدو أنها غير كافية لإنهاء الأزمة. هذه الأزمة جاءت لتعكس مستوى الغضب الشعبي تجاه حالة «فشل الدولة» في هذه الجمهورية الأفريقية الفقيرة التي تحاصرها الأزمات منذ عام 2011، عندما سيطرت جماعات إرهابية على ثلثي مساحتها في الشمال، وهو ما استدعى تدخلاً عسكرياً دولياً بقيادة فرنسا.
إلا أن التدخل الدولي لم ينجح حتى الآن في القضاء على الخطر الإرهابي، بل إن انعدام الأمن اقترب أكثر من العاصمة باماكو في جنوب البلاد، بعدما فقدت الدولة السيطرة على مناطق واسعة من وسطها لصالح ميليشيات عرقية تقتتل فيما بينها. وهكذا ظلت دائرة الأزمات تتسع وتتقاطع فيما بينها، من دون أن يجد نظام الرئيس كيتا أي حلول لها، وبقي الشباب، الذين يشكلون غالبية السكان، يعانون البطالة والفقر وانعدام الأمل في المستقبل، وهم الذين يقودون الاحتجاجات العنيفة منذ قرابة شهرين، وكم من صفوف الشباب سقط حتى الآن، أكثر من عشرين قتيلاً.
بذور الأزمة التي تشهدها جمهورية مالي، في غرب أفريقيا، متنوعة، ويمكن وصف ما يجري بأنه انفجار لتراكم الكثير من مسببات الاحتقان. إذ إن الشارع ظل في حالة غليان دائم طيلة السنوات السبع الأخيرة، رافعاً مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية، لكن حراك الشارع هذه المرة كان أكثر شراسة، فمسح طاولة المطالب، وطالب برأس الرئيس، باعتباره رمزاً لكل تلك المشاكل المتراكمة.
يمكن القول، إن الانتخابات التشريعية التي أجريت بنهاية مارس (آذار) الماضي، كانت الشرارة التي فجّرت الوضع، خاصة، أنه قبل يومين من موعدها اختطف مسلحون مجهولون زعيم المعارضة سوميلا سيسي، عندما كان في جولة انتخابية في منطقة تمبكتو، بوسط البلاد. وما زالت أخباره مقطوعة حتى اليوم، وهو ما أشعل فتيل غضب عارم بين أنصار واحد من أكثر السياسيين شعبية في مالي.
ثم أن ما صبّ الزيت على نار الغضب الشعبي، قرار المحكمة العليا في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، إلغاء فوز المعارضة بعدد من مقاعد البرلمان لصالح الحزب الحاكم. وهو ما وصفته المعارضة بأنه «تزوير»، رافضة على الأثر الاعتراف بنتائج الانتخابات. وهكذا فقدت المحكمة العليا مصداقيتها، واستقال عدد من قضاتها، لتأخذ الأزمة أبعاداً دستورية، بالإضافة إلى بداياتها السياسية والاجتماعية.
- الإمام محمود ديكو
مع نهاية شهر مايو (أيار) الماضي، وفي ظل غياب زعيم المعارضة المختطَف، ظهر تحالف سياسي جديد يقوده الإمام محمود ديكو، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى، الذي يعتقد أن أسباب الأزمة في مالي لا يمكن اختزالها في السياسة. وبالتالي، فهو يعطي لنفسه الحق في تحريك الجماهير من أجل «إنقاذ مالي»، ولقد نجح بالفعل في ذلك بسبب شعبيته الكبيرة.
أكثر من هذا، تحالف الإمام ديكو، الذي يتمتع بشخصية قوية وقبول في الشارع، مع هيئات المجتمع المدني وحركات سياسية وناشطين شباب ناقمين على الوضع المتردي، فأصبحت الاحتجاجات التي بدأت يوم الخامس من يونيو الماضي، أقرب إلى التعبير عن تطلعات الشارع الغاضب.
وهنا يقول محفوظ ولد السالك، الباحث في الشأن الأفريقي، إن ما تشهده مالي هو «صراع سياسي - اجتماعي كان في الأساس قائماً، لكنه انفجر بشكل مفاجئ، وفي سياق حرج، حين كانت البلاد تعاني انتشار فيروس جائحة (كوفيد – 19)، والوضع الأمني يزداد اضطراباً في الشمال والوسط». ويرى ولد السالك، أن المعارضة استغلت «الوضع الحرج» لصالحها فركبت موجة الغضب الشعبي والاحتقان لتحشر الرئيس في الزاوية، مضيفاً أن «كل العوامل تضافرت ضد الرئيس كيتا، فضاق عليه الخناق، رغم أنه لا يزال يناور».
ويوضح الباحث في الشأن الأفريقي شارحاً، أن «الاضطراب السياسي والاجتماعي قديم جديد في مالي. وبالنسبة للوضع الاجتماعي بالذات، فإنه كثيراً ما كان محتقناً بسبب الفقر، وتسخير معظم الموارد لمواجهة الإرهاب - أو هكذا يقول النظام - . أما فيما يخصّ الوضع السياسي، فإنه كان دائماً ما يتأزم بعد كل انتخابات. وبالتالي، لو لم يكن السياق العام استثنائياً، وجرى استغلال ذلك، لكان الأمر مألوفاً ولا جديد فيه».
المأزق الذي يوجد فيه الرئيس المالي كيتا ظهر فعلياً منذ أشهر عدة، عندما قرّر تنظيم الانتخابات التشريعية في نهاية مارس الماضي، متجاهلاً التحذير من تفاقم الوضع الصحي بسبب «كوفيد - 19»، إلا أن كيتا كان في موقف صعب جداً، كما يقول ولد السالك «فلو لم ينظم الاقتراع لتسبب في أزمة سياسية واتهم بخرق الدستور والقانون، وربما اعتبر خصومه أن قرار تأجيل الانتخابات له دوافع وغايات أخرى»، لا سيما، وأنه سبق لمالي أن نظمت الكثير من الانتخابات رغم الحرب وتردي الأوضاع الأمنية.
في المقابل، يقول ولد السالك، إن المعارضة استغلت قرار تنظيم الانتخابات ضد الرئيس، واتهمته بتعريض حياة الناخبين للخطر وبالتزوير، أي أنها كانت مستعدة لاستغلال أي قرار يتخذه بهذا الخصوص. ويضيف «مجرد رفض المعارضة النتائج واعتبار الانتخابات مزوّرة، أيضاً مشهد مألوف في أفريقيا، لكن السياق العام حوّل الأزمة إلى أزمتين: سياسية متمثلة في رفض النتائج واعتبارها مزوّرة، واجتماعية تمثلت في انتقاد تسيير الأزمة الصحية».
- أئمة سياسيون
لقد كان من اللافت أن يقود الأئمة والفقهاء الاحتجاجات في مالي، وهي الدولة العلمانية التي تؤكد في دستورها على الفصل بين الدين والدولة. ومع أن الغالبية الساحقة من سكان مالي مسلمون متدينون، فإن رجال الدين فيها ظلوا دوماً أداة تستخدمها أنظمة الحكم، حتى أن الأئمة الذين يتصدّرون الاحتجاجات ضد الرئيس كيتا، كانوا قبل أشهر قليلة من كبار داعميه والمدافعين عنه.
ويعتقد محفوظ ولد السالك، أن «المؤسسة الدينية في غرب أفريقيا تتمتع بنفوذ قوي، والنظام السياسي في غرب أفريقيا، إذا لم تكن لديه حاضنة دينية قوية فلن يصمد أمام الأزمات السياسية والاجتماعية، وقد يُطاح به إما من طرف الشارع، أو عبر صناديق الاقتراع». لكن
المعطى الجديد الذي غير المعادلة لصالح دخول الأئمة والفقهاء على خط المعارضة، هو النفوذ المتزايد للإمام محمود ديكو. وللعلم، سبق لهذا الرجل أن كسب معارك كثيرة ضد الحكومة، خاصة عندما رفض مدوّنة الأحوال الشخصية لأنها في رأيه تعارض الشريعة الإسلامية، وكذلك حين رفض إدراج الثقافة الجنسية في المناهج التربوية، وسن قانون للمثلية، فأرغم الدولة على التراجع حين حرّك الشارع ضدها.
وهكذا، مع تزايد نفوذه، عرض الإمام ديكو مقاربة مقترحة لحل الأزمة الأمنية والاجتماعية في مالي، تقوم على مبدئين أساسيين: إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، والدخول في حوار مع الجماعات الإرهابية. وبدأت هذه المقاربة حقاً تنال دعم الشارع، في ظل تزايد الرفض الشعبي للتدخل العسكري الأجنبي، الذي يعتقد عدد كبير من الماليين أنه فشل في كسب الحرب ضد الإرهاب.
يعتقد ولد السالك أن الإمام ديكو استفاد من «شعبيته الكبيرة، وعلاقاته القوية ببعض المؤثرين دينياً واجتماعياً، كشريف نيورو، الذي يعتبره معلمه... وكثيراً ما جمعتهما مع غيرهما مواقف مشتركة من نظام كيتا، كانت في مرحلة من المراحل مساندة له، ثم تحوّلت إلى معارضة له». بيد أن ولد السالك يشدد على أنه من الخطأ الظن أن الحضور المتزايد للأئمة دليل على ضعف الطبقة السياسية، مشيراً إلى أن «الحضور الطاغي للأئمة والعلماء في السياسة بمنطقة غرب أفريقيا، حيث الغالبية المسلمة، لا يعني بالضرورة فشل الطبقة السياسية، بقدر ما يتعلق الأمر بطريقة البنية الثقافية والاجتماعية لشعوب المنطقة، ومكانة الدين وأصحابه عندهم».
- أخطاء كيتا
وصل إبراهيم بابكر كيتا إلى الحكم في انتخابات رئاسية عام 2013، نظمت إبّان الحرب ضد الجماعات الإرهابية في شمال مالي. وكان الرهان الأكبر أمامه هو استعادة الأمن والاستقرار في مناطق واسعة من البلاد، بالإضافة إلى إنعاش الاقتصاد المنهك، والخروج من الأزمة السياسية التي أحدها الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي عام 2012.
غير أن كيتا، الذي أخفق في كل هذه الرهانات، ظل رغم كل ذلك ممسكاً بخيوط المعادلة السياسية، ففاز بالانتخابات الرئاسية عام 2018، ليخلف نفسه في فترة رئاسية جديدة مدتها خمس سنوات. لكنه واجه فيها حتى الآن الرهانات السابقة نفسها، ولكن مع مشاكل جديدة تهدد الوحدة الوطنية في ظل الاقتتال العرقي وتفكك الجبهة الداخلية.
عودة إلى الباحث محفوظ ولد السالك، الذي يعتقد أن «الخطأ الأكبر الذي ارتكبه كيتا هو أنه في محاولته خلال العامين الماضيين لمعالجة الأزمات، لم يشرك المعارضة والمجتمع المدني والمؤسسة الدينية، وهذا بالإضافة إلى أنه لم ينفذ النتائج التي أسفر عنها حوار وطني قدم مقترحات لتوحيد الجبهة الوطنية الداخلية».
ويضيف الباحث «لقد اعتبر كيتا أن النظام وحده المسؤول عن ذلك، فتصرف بأحادية، متجاهلاً أن إدارة الملفات ذات المصير المشترك، تستدعي إشراك الجميع سعيا للإجماع، ووضع للجميع كذلك أمام مسؤولياتهم»، خاصة، أنه عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي حسمها في الشوط الثاني - وبشق الأنفس - أمام زعيم المعارضة سوميلا سيسي، رفض تشكيل «حكومة وحدة وطنية» تشارك فيها المعارضة. ويعتقد ولد السالك أن كيتا، الآن بعدما تأزم الوضع، «بدأ يعي ضرورة التشارك في القرار والتسيير، وأهمية التشاور مع الجميع، لكن إدراكه جاء متأخراً. قد يجدي ذلك، لكن بصعوبة وبتقديم تنازلات كبيرة... فهو بات في موقف ضعف؛ لأن الشارع ضده والأزمات تحاصره. وبالتالي سيضطر إلى الانحناء كثيراً حتى تمر العاصفة بأقل الخسائر».
- لا مؤشرات لمرور العاصفة
في غضون ذلك، لا يبدو أن العاصفة توشك على أن تنتهي؛ ذلك بسبب غياب أرضية مشتركة بين طرفي الأزمة. فالمعارضة مطلبها الوحيد «استقالة الرئيس»، وهي مستعدة بعد ذلك لمناقشة كل التسويات الممكنة. وفي المقابل، يعرب كيتا عن استعداده للمساهمة في جميع التسويات باستثناء أي تسوية تتضمن استقالته، وأمام هذه الوضعية يصعب التوفيق بين الموقفين.
وهكذا، أمام تفاقم الأزمة وفشل محاولات كيتا في إقناع خصومه بالامتناع عن النزول إلى الشارع، والدخول معه في «حكومة وحدة وطنية»، دخلت على الخط «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) التي تضم 15 بلداً من ضمنها مالي. وبدأت «المجموعة» وساطة بين أطراف الأزمة قادها رئيس نيجيريا السابق غودلاك جوناثان، بيد أنه سرعان ما فشل في المهمة في أعقاب رفض المعارضة مقترحاته للخروج من الأزمة.
مع هذا، لم تستسلم مجموعة «إيكواس»، بل أرسلت وفداً رفيعاً يضم رؤساء خمس دول، هي: النيجر، والسنغال، ونيجيريا، وكوت ديفوار، وغانا، أمضوا ساعات عدة في العاصمة باماكو، التقوا خلالها بالرئيس كيتا وبقادة المعارضة، بمن فيهم الإمام محمود ديكو. ولكن الأخير خرج من اللقاء ليعلن فشل الوساطة؛ لأن قادة دول «إيكواس» يحاولون حماية كيتا ويسعون لفرض قرارات على الشعب المالي.
وحول هذه النقطة، يعتقد ولد السالك أن «إيكواس» بدأت مقاربتها لحل الأزمة في مالي انطلاقاً من كونها «أزمة سياسية بحتة»، لكن المعارضة رفضت ذلك معتبرة أن «حصر الأزمة في الجانب السياسي خطأ». وعلى الأثر، حاولت دول «إيكواس» معالجة هذا النقص خلال قمة استثنائية الاثنين الماضي، أسفرت عن مقترحات تتضمن «إلغاء انتخاب 31 نائباً من نواب الغالبية بينهم رئيس البرلمان، بسبب النزاع الانتخابي القائم بشأنهم، كما دعت لتشكيل «حكومة وحدة وطنية»، وإعادة تشكيل أعضاء المحكمة الدستورية، وهدّدت بمعاقبة الرافضين للخطة، لكن لغة التهديد قد لا يكون لها كبير وقع»، وفق تعبير ولد السالك.
ومن جديد رفضت المعارضة مقترحات دول «إيكواس»؛ وذلك لسبب بسيط، وهو أنها تبقي على كيتا في السلطة. لكن، مع هذا يعتقد ولد السالك أن وساطة دول غرب أفريقيا لم تفشل بعد، مستطرداً «أعتقد أنها قد تنجح إذا اقتنع زعيم الحراك الإمام محمود ديكو، بجدية النظام في تجاوز الأزمة، وإشراك قادة الحراك في الحكومة، وإعادة تنظيم انتخابات تشريعية جزئية». ولكنه يرى، في الوقت نفسه، أن «سيناريوهات» أخرى قد تبرز في حال فشلت الوساطة الغرب أفريقية؛ إذ «قد يعمد كيتا وأنصاره في الموالاة، على إحداث شرخٍ كبير داخل صفوف الحراك المعارض، فينقسم إلى مؤيد للاحتجاج ومعارض له، وهو ما سيحدّ من حجم تأثيره». ويشير إلى أنه سبق أن ظهرت بوادر ذلك قبل فترة، إلا أن فشل تفكيك الحراك من الداخل سيقلص كثيراً الخيارات أمام الرئيس كيتا.
- السيناريو المالي... ودول الجوار
> يعتقد مراقبون أنه إذا نجح الشارع في مالي بإرغام الرئيس إبراهيم بابكر كيتا على الاستقالة؛ فإن العدوى ستنتقل إلى دول أخرى في شبه المنطقة. ثم إنه في حال استقال فلن تكون تلك المرة الأولى التي يرغم فيها الشارع إحدى دول غرب أفريقيا رئيسها على الاستقالة؛ إذ حدث ذلك عام 2015 في بوركينا فاسو، عندما غادر الرئيس بليز كومباوري الحكم على وقع احتجاجات شعبية غاضبة.
لكن «انتقال العدوى» إلى دول غرب أفريقيا، وفق الباحث محفوظ ولد السالك، «سيدشن عهداً جديداً من انعدام الاستقرار السياسي في المنطقة، يُضاف إلى الاضطراب الأمني، وستكون النتائج بلا شك وخيمة. ويشير إلى أنه، في أي حال، فرنسا تبقى هي اللاعب القوي في المنطقة، «ولن تكون خارج اللعبة، فما تريده باريس سيكون حاضراً بقوة على الأجندات. هذه مستعمراتها السابقة، وفيها توجد قواتها لمحاربة الإرهاب... وبالتالي، لن تغيب عن المشهد وإن لم تحضر بشكل مباشر، لكن المخرج النهائي سيكون مخرجها، وتصورها هو المأخوذ به».
- الدور الدولي... وأولوية مكافحة «القاعدة» و«داعش»
> على الرغم من أن الوساطة في أزمة مالي كانت إقليمية، فإن المجموعة الدولية تتابع الأزمة عن كثب. إذ إن مالي تعد منذ سنوات ساحة لمعركة طاحنة ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وأي انفجار فيها كان سيقود إلى انفجار الوضع في منطقة غرب أفريقيا عموماً، وبالتالي فكل ما يجري فيها يحظى باهتمام كبير.
الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أعربا عن دعم المقاربة التي قدمتها دول غرب أفريقيا لحل الأزمة، والشيء نفسه ينطبق على اهتمامات فرنسا والاتحاد الأوروبي. وحدها «مجموعة دول الساحل الخمس» لم تعلق على ما يجري، مع أن مالي دولة عضو في المجموعة، وهي الدول الأكثر قرباً مما يجري في مالي، وتأثراً به.
وتعليقاً على صمت دول الساحل، يقول الباحث محفوظ ولد السالك «ربما نشهد وساطة لدول الخمس في الساحل في قادم الأيام، إذا لم تنجح وساطة إيكواس»، مشيراً إلى أن دور يمكن أن يلعبه الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني «أولاً، لكونه يرأس مجموعة الخمس في الساحل، ومالي عضو فاعل فيها، وثانياً لكون موريتانيا تتأثر سلباً وإيجاباً بما يقع في مالي، وكانت لها في السابق أدوار وساطة بين الأطراف المالية».
وبالفعل، تبدو الوساطة الموريتانية منطقية بالنسبة لكثير من المحللين، خاصة مع الحضور القوي للأئمة والفقهاء في الأزمة المالية. ثم إن معظم هؤلاء الأئمة بمن فيهم الإمام محمود ديكو، تلقوا تعليمهم في المعاهد الموريتانية، ويكنون احتراماً وتقديراً كبيراً للموريتانيين، وهذا بالإضافة إلى علاقات اجتماعية وروحية وثقافية قوية تربط الموريتانيين والماليين.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.