الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

بعد النزوح المتزايد للشعراء باتجاه الرواية

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

لطالما كانت الإشكالية المتعلقة بقدرة الكاتب أو الفنان على الجمع بين شكلين أو أكثر من أشكال التعبير، مثار جدل واسع بين النقاد والدارسين وذوي الاختصاص. ولكن ما حفزني على مقاربة هذا الموضوع من جديد، هو تزايد حالات «الصبأ» الإبداعي من فن إلى فن، ومن حقل أدبي إلى حقل آخر. واللافت في هذا السياق أن مثل هذا النزوح لم يكن ملحوظاً من قبل، ولم تشهده الحياة الثقافية العربية إلا في العقدين الفائتين، وبعد أن باتت الرواية دون غيرها ديوان العرب، والعالم استتباعاً. إذ في ظل كساد الشعر وتراجعه اللافت، لا ينفك هذا النوع الأدبي يجتذب إليه المزيد من القراء، ويحقق أرقاماً عالية من المبيعات، ويحصد النسبة الأعلى من الجوائز القيمة، في المجالين المادي والمعنوي، ويحظى بالنصيب الأوفر من الترجمات إلى العديد من لغات العالم الحية.
وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهو يعني أن هجرة الشعراء، وسائر المشتغلين بالفنون الأخرى، باتجاه الرواية، لم تتم بشكل عفوي، ولا هي ثمرة إلحاح داخلي يفرض نفسه على الكاتب، بل هي بنسبة عالية وليدة إرادة وتصميم واعيين ومعلومي الأهداف. وإذا كنت قد حرصت على تجنب التعميم فلكي أتجنب الأحكام اليقينية والقاطعة من جهة، ولمعرفتي الشخصية بأن هناك شعراء، ولو قلة، يمتلكون موهبة السرد بشكل جلي، بحيث كان ذهابهم باتجاه الرواية محصلة طبيعية لشغفهم بها وتوقهم إلى كتابتها.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه في هذا السياق، لا يتعلق بحق الكاتب في مقاربة ما يشاء من ضروب الكتابة والفن، وهو حق بديهي نابع من حرية الفرد الكاملة في التعبير عن نفسه، كما في اختيار مسيرته وأهدافه، بل يتعلق بقدرة أي منا على توزيع نفسه بين نوعين أدبيين أو لونين من الفنون، دون أن يعرضها للتشتت والفصام النفسي والتعبيري.
وإذا اعتبرنا، استتباعاً، بأن توفّر الموهبة هو الشرط المسبق والأساسي لكل نشاط إبداعي، فهل يمكن لأحد من المشتغلين بالأدب والفن أن يحظى بموهبتين اثنتين، أو بالعديد من المواهب، وبالمستوى نفسه من التأجج والاضطرام؟ على أن مثل هذه التساؤلات ليست منبتّة بأي حال عن أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة الكتابة وشروطها، وما نجم عن ذلك من تباينات وفروق في الرؤية والمفهوم بين المدارس الأدبية والنقدية، التي يركز بعضها على ربط الإبداع بعناصر خارجة عن إرادة صاحبه كالموهبة والإلهام، كما يذهب الرومانسيون، وبين من يقفون على الطرف النقيض من هذه الرؤية، كما يفعل الرمزيون الذين أكدوا على أن في داخل كل فرد قابليات للتعلم وإمكانيات قابلة للتحقق، شرط أن يقرن الإرادة والتصميم، بعوامل الدربة والكدح والتحصيل المعرفي.
وإذا كانت كل مدرسة من المدارس النقدية تصر على الإمساك بطرف واحد من الحقيقة دون سواه، فإن الحقيقة الإبداعية تظل في مكان بعيد الغور، وتظل النصوص الإبداعية نفسها عصية على التدجين.
ومع ذلك فإننا لا نُعدم في الحقبة الأخيرة من يؤكد على الطبيعة «الحِرَفية» للفنون، بحيث ارتفعت أصوات الاعتراض على النخبوية الفاقعة للكتاب والفنانين، الذين أعلت حركة الحداثة من شأنهم، واعتبرتهم رسل الوحي وصفوة الجنس البشري.
وقد بدت حقبة ما بعد الحداثة بمثابة احتجاج صارخ على نزعة التمييز الحداثوي ذي النكهة «العنصرية»، منتصرة للفولكلور والتعبيرات الشارعية وفنون الكيتش والتجهيز والموسيقى والغناء الشعبيين، ومضيقة المسافة بين الفنون «العليا»، وبين السلع والأدوات التي تنتج بغرض الزينة أو الترفيه، أو الاستهلاك العادي. وقد بدأنا نلمس التأثير البارز لهذه المفاهيم، ليس فقط عبر عدد من المحترفات والورش الفنية التي قامت مؤخراً للتدرب على الرواية والقصة وفنون السرد، بل عبر ورش مماثلة لتعليم الشعر والتدرب على كتابته.
ومع الاعتراف بوجاهة هذه التجارب الرائدة وجرأتها، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن ما نحصل عليه بواسطتها لا يتعدى في أحسن الأحوال ما تقدمه لنا معاهد الرسم والموسيقى والمسرح من أسماء وتجارب متوسطة المستوى، في حين أن التحليق عالياً يتطلب أجنحة من نوع مختلف وإنصاتاً مرهفاً إلى مكابدات الداخل وأنين الأعالي.

الموهبة والكدح
وإذا كانت إشكالية العلاقة بين حصة الموهبة من العمل الفني وحصة الكدح والتصميم والتحصيل المعرفي، ليست موضع إجماع الدارسين والمهتمين، فإن ما تهدف هذه المقالة إلى مقاربته هو أمر آخر، يتعلق بثنائية الموهبة لدى بعض الكتاب والفنانين، من جهة، وبنزوح الكثيرين من حقل إبداعي إلى حقل آخر، من جهة أخرى.
ولو سلمنا جدلاً بأن كائناً ما، يشعر منذ الطفولة بأنه موزع بين نوعين من الميول الفنية، فهل بوسع هذه الثنائية أن تستمر طويلاً، أم أن غبار الحيرة لا بد أن ينجلي فيما بعد عن تثبت الشخص المعني من حقيقة نفسه، ومن الكنز الحقيقي الذي يمتلكه.
وهو إذ يقطع الشك باليقين، يشرع في تنكب المغامرة التي لا حدود لمباهجها ومشقاتها. وهو لكي يفعل ذلك يحتاج إلى كامل أعصابه وكامل تصميمه وكامل حياته. وإذا كان هذا الأمر ينسحب على الفنون كلها، فهو يصبح مع الشعر أكثر ضراوة ووطأة، ليس فقط لأن هذا الأخير يعمل على التكثيف والمجاز والإيماء، بل لأنه أقرب إلى رمية النرد، وفق مالارميه، ولأن نظام المصادفات اللانهائية، يحول اللغة إلى متاهة حقيقية، وإلى سلسلة من الاحتمالات، لا تكفي لاستنفادها حياة واحدة ومحدودة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالنص المفتوح، أو بالتداخل بين الفنون داخل النص الواحد، وبسائر الأنماط المركبة التي اقترحتها الحداثة على المتعاطين بشؤون الكتابة والفن في العقود المنصرمة، بل بقدرة المبدع الفعلية على الجمع، وبالمستوى نفسه، بين شكلين أو أكثر من أشكال التعبير.
والحال أن ما نملكه من شواهد ملموسة يحيلنا إلى واقع مغاير، حيث يتعذر على الكاتب والفنان، أن يحقق فرادته، بالمعنى العميق للكلمة، إلا في مجال إبداعي واحد، فيما لا يتجاوز المستويات المتوسطة في المجالات الأخرى. وإذا كانت الأسماء المعنية بتعدد الهويات أغزر من أن تتسع لذكرها هذه المقالة، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بعضها إلى الأقل، حيث بدت الفوارق واضحة بين «متن» المشروع الأصلي لهذه الأسماء وبين ما استتبعه من هوامش وتفرعات.
فالقصائد التي كتبها هايدغر، لا تقارن بأي حال مع أعماله الفلسفية والنقدية التي تجمع بين الحفر المعرفي واللغة المتوقدة. والأمر نفسه ينسحب على بورخيس الذي تفتقر أشعاره إلى ذلك الشرر الأخاذ الذي ينبثق عن قصصه القصيرة وكتاباته السردية والنقدية الأخاذة. كما أن رسوم لوركا وجبران على شفافيتها، لا تمتلك الفرادة نفسها التي يجسدها شعر الأول ونثر الثاني. أما رائد الحركة السوريالية أندريه بريتون فهو يبدو في روايته «نادجا» مجرد سارد عادي، بالقياس إلى لغته الشعرية الجامحة.
وإذا كانت ظاهرة الجمع بين الأنماط التعبيرية لا تختلف كثيراً على الصعيد العربي، فإن أكثر ما يلفت في هذه المرحلة هو نزوح الكثير من الشعراء باتجاه الكتابة السردية، والروائية على وجه الخصوص، والتي حاز بعضها على جوائز مرموقة، مثل «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري، و«حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله، و«خريف البراءة» لعباس بيضون.
ومع أنه لم يتسن لي حتى الآن قراءة مجمل الأعمال الروائية للشعراء العرب، فإن ما تيسرت لي قراءته يؤكد، عدا استثناءات قليلة، على أن الهوية الإبداعية تظل مفردة في عمقها الأخير. وهي ولو قبلت القسمة على اثنين أو أكثر من الأنواع فغالباً ما يحدث الأمر على حساب واحد منها. وهو ما ينسحب بشكل واضح على الهوية المركبة لجبرا إبراهيم جبرا، وهو المثقف والناقد والمترجم والروائي والشاعر، والذي لم يتردد رغم ذلك في العزوف عن كتابة الشعر والتوجه نحو الرواية، بعد أن بدت تجربته الشعرية أقرب إلى التأليف والاشتغال الذهني منها إلى التفجر الروحي الداخلي.
ولعل الكاتب اللبناني رشيد الضعيف هو واحد من القلائل الذين أدركوا استحالة الاستمرار حتى النهاية في الجمع بين الهويتين الروائية والشعرية، ولهذا السبب فإن صاحب «لا شيء يفوق الوصف» ما لبث أن تخلى عن الشعر، على أهمية ما أنجزه من أعمال، لينقطع إلى لغة السرد التي ذهب بها إلى عوالم وكشوف أكثر رحابة واتساعاً. وقد لا أكون مجافياً للحقيقة إذا قلت إن الفلسطيني إبراهيم نصر الله هو الكاتب العربي الوحيد الذي وزع نفسه بالتساوي بين الشعر والرواية، ودون أن يطغى أي جانب منهما على الآخر بشكل حاسم.
وإذا كان قراء نصر الله ومتابعوه قد لاحظوا أن الشاعر الكاتب، قد أفرد لتجربته الروائية في الآونة الأخيرة، المساحة الأوسع من وقته وجهده لتجربته، إلا أنهم يدركون في الآن نفسه أن تلك الانعطافة قد حدثت على حساب الشعر بالذات، حيث كان يمكن لصاحب «الفتى النهر والجنرال» أن يذهب في هذا الإطار إلى التخوم الأخيرة التي يشتهي بلوغها.
لا يعني ذلك بالطبع أننا لا نعثر فيما أصدره الشعراء العرب من مؤلفات سردية على أعمال متميزة ورفيعة المستوى، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة كون الإنجاز الأهم للشعراء الحقيقيين، يتمثل في دواوينهم ومجموعاتهم الشعرية بالذات، حيث تلمع النواة الماسية الصلبة لبروق اللغة واستعاراتها الأخاذة.
وعلينا ألا نغفل في هذا الإطار أن بعض الشعراء يوظفون لغتهم الشعرية بشكل خاطئ ومتعسف داخل العمل الروائي، ودون أي مسوغ مشروع، بما يشبه «وضع الندى في موضع السيف»، بما يفضي إلى إعاقة السرد وتهجين العمل برمته.
وثمة من ناحية ثانية عامل آخر لا يصب في مصلحة الغالبية من الشعراء الروائيين، وهو التضخم النرجسي المرضي الذي يحول دون تخفف الأنا من «أنويتها» الطاغية، ودون تواريها بالكامل خلف أبطال الرواية وهواجسهم وأزمنتهم المغايرة.
وأنا أعتقد تبعاً لذلك، وحتى يثبت العكس، بأن أفضل الاستثمارات التعبيرية للشعراء، تتجلى في الإطار النقدي الذي يتيح لثقافتهم الواسعة ولاختباراتهم الإبداعية والروحية أن تأخذ طريقها إلى التوهج والانبثاق، وهو ما بدا جلياً في الكتابات النقدية لأدونيس وعبد المعطي حجازي وأنسي الحاج وتوفيق صايغ ومحمد بنيس وعلي جعفر العلاق وعز الدين المناصرة وعلوي الهاشمي وعباس بيضون ومنصف الوهايبي، وكثر غيرهم.
أما في الجانب السردي، فقد تكون كتابة السيرة والمذكرات والاعترافات، هي المجال الحيوي الأكثر ملاءمة لطبائع الشعراء ونوازعهم، حيث تعمل الأنا الفردية على الحفر في ترابها الحميم، متسلحة بالشواهد الحية والأدلة الملموسة في صراعها مع النسيان.
ولعل ضرب هذا النوع من الكتابة على الوتر الأكثر حساسية لافتتان الشعراء بأنفسهم، هو الذي يجعل من سيرهم الشخصية التي تولوا كتابتها بأنفسهم أيقونات أدبية رفيعة، كما هو حال بابلو نيرودا في سيرته الرائعة «أعترف أنني قد عشت»، ورسول حمزاتوف في سيرته المماثلة «داغستان بلدي»، ومحمود درويش في سيرته الموزعة بين «يوميات الحزن العادي» و«ذاكرة للنسيان»، ومريد البرغوثي في «رأيت رام الله»، على سبيل المثال لا الحصر.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.