الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

بعد النزوح المتزايد للشعراء باتجاه الرواية

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

لطالما كانت الإشكالية المتعلقة بقدرة الكاتب أو الفنان على الجمع بين شكلين أو أكثر من أشكال التعبير، مثار جدل واسع بين النقاد والدارسين وذوي الاختصاص. ولكن ما حفزني على مقاربة هذا الموضوع من جديد، هو تزايد حالات «الصبأ» الإبداعي من فن إلى فن، ومن حقل أدبي إلى حقل آخر. واللافت في هذا السياق أن مثل هذا النزوح لم يكن ملحوظاً من قبل، ولم تشهده الحياة الثقافية العربية إلا في العقدين الفائتين، وبعد أن باتت الرواية دون غيرها ديوان العرب، والعالم استتباعاً. إذ في ظل كساد الشعر وتراجعه اللافت، لا ينفك هذا النوع الأدبي يجتذب إليه المزيد من القراء، ويحقق أرقاماً عالية من المبيعات، ويحصد النسبة الأعلى من الجوائز القيمة، في المجالين المادي والمعنوي، ويحظى بالنصيب الأوفر من الترجمات إلى العديد من لغات العالم الحية.
وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهو يعني أن هجرة الشعراء، وسائر المشتغلين بالفنون الأخرى، باتجاه الرواية، لم تتم بشكل عفوي، ولا هي ثمرة إلحاح داخلي يفرض نفسه على الكاتب، بل هي بنسبة عالية وليدة إرادة وتصميم واعيين ومعلومي الأهداف. وإذا كنت قد حرصت على تجنب التعميم فلكي أتجنب الأحكام اليقينية والقاطعة من جهة، ولمعرفتي الشخصية بأن هناك شعراء، ولو قلة، يمتلكون موهبة السرد بشكل جلي، بحيث كان ذهابهم باتجاه الرواية محصلة طبيعية لشغفهم بها وتوقهم إلى كتابتها.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه في هذا السياق، لا يتعلق بحق الكاتب في مقاربة ما يشاء من ضروب الكتابة والفن، وهو حق بديهي نابع من حرية الفرد الكاملة في التعبير عن نفسه، كما في اختيار مسيرته وأهدافه، بل يتعلق بقدرة أي منا على توزيع نفسه بين نوعين أدبيين أو لونين من الفنون، دون أن يعرضها للتشتت والفصام النفسي والتعبيري.
وإذا اعتبرنا، استتباعاً، بأن توفّر الموهبة هو الشرط المسبق والأساسي لكل نشاط إبداعي، فهل يمكن لأحد من المشتغلين بالأدب والفن أن يحظى بموهبتين اثنتين، أو بالعديد من المواهب، وبالمستوى نفسه من التأجج والاضطرام؟ على أن مثل هذه التساؤلات ليست منبتّة بأي حال عن أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة الكتابة وشروطها، وما نجم عن ذلك من تباينات وفروق في الرؤية والمفهوم بين المدارس الأدبية والنقدية، التي يركز بعضها على ربط الإبداع بعناصر خارجة عن إرادة صاحبه كالموهبة والإلهام، كما يذهب الرومانسيون، وبين من يقفون على الطرف النقيض من هذه الرؤية، كما يفعل الرمزيون الذين أكدوا على أن في داخل كل فرد قابليات للتعلم وإمكانيات قابلة للتحقق، شرط أن يقرن الإرادة والتصميم، بعوامل الدربة والكدح والتحصيل المعرفي.
وإذا كانت كل مدرسة من المدارس النقدية تصر على الإمساك بطرف واحد من الحقيقة دون سواه، فإن الحقيقة الإبداعية تظل في مكان بعيد الغور، وتظل النصوص الإبداعية نفسها عصية على التدجين.
ومع ذلك فإننا لا نُعدم في الحقبة الأخيرة من يؤكد على الطبيعة «الحِرَفية» للفنون، بحيث ارتفعت أصوات الاعتراض على النخبوية الفاقعة للكتاب والفنانين، الذين أعلت حركة الحداثة من شأنهم، واعتبرتهم رسل الوحي وصفوة الجنس البشري.
وقد بدت حقبة ما بعد الحداثة بمثابة احتجاج صارخ على نزعة التمييز الحداثوي ذي النكهة «العنصرية»، منتصرة للفولكلور والتعبيرات الشارعية وفنون الكيتش والتجهيز والموسيقى والغناء الشعبيين، ومضيقة المسافة بين الفنون «العليا»، وبين السلع والأدوات التي تنتج بغرض الزينة أو الترفيه، أو الاستهلاك العادي. وقد بدأنا نلمس التأثير البارز لهذه المفاهيم، ليس فقط عبر عدد من المحترفات والورش الفنية التي قامت مؤخراً للتدرب على الرواية والقصة وفنون السرد، بل عبر ورش مماثلة لتعليم الشعر والتدرب على كتابته.
ومع الاعتراف بوجاهة هذه التجارب الرائدة وجرأتها، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن ما نحصل عليه بواسطتها لا يتعدى في أحسن الأحوال ما تقدمه لنا معاهد الرسم والموسيقى والمسرح من أسماء وتجارب متوسطة المستوى، في حين أن التحليق عالياً يتطلب أجنحة من نوع مختلف وإنصاتاً مرهفاً إلى مكابدات الداخل وأنين الأعالي.

الموهبة والكدح
وإذا كانت إشكالية العلاقة بين حصة الموهبة من العمل الفني وحصة الكدح والتصميم والتحصيل المعرفي، ليست موضع إجماع الدارسين والمهتمين، فإن ما تهدف هذه المقالة إلى مقاربته هو أمر آخر، يتعلق بثنائية الموهبة لدى بعض الكتاب والفنانين، من جهة، وبنزوح الكثيرين من حقل إبداعي إلى حقل آخر، من جهة أخرى.
ولو سلمنا جدلاً بأن كائناً ما، يشعر منذ الطفولة بأنه موزع بين نوعين من الميول الفنية، فهل بوسع هذه الثنائية أن تستمر طويلاً، أم أن غبار الحيرة لا بد أن ينجلي فيما بعد عن تثبت الشخص المعني من حقيقة نفسه، ومن الكنز الحقيقي الذي يمتلكه.
وهو إذ يقطع الشك باليقين، يشرع في تنكب المغامرة التي لا حدود لمباهجها ومشقاتها. وهو لكي يفعل ذلك يحتاج إلى كامل أعصابه وكامل تصميمه وكامل حياته. وإذا كان هذا الأمر ينسحب على الفنون كلها، فهو يصبح مع الشعر أكثر ضراوة ووطأة، ليس فقط لأن هذا الأخير يعمل على التكثيف والمجاز والإيماء، بل لأنه أقرب إلى رمية النرد، وفق مالارميه، ولأن نظام المصادفات اللانهائية، يحول اللغة إلى متاهة حقيقية، وإلى سلسلة من الاحتمالات، لا تكفي لاستنفادها حياة واحدة ومحدودة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالنص المفتوح، أو بالتداخل بين الفنون داخل النص الواحد، وبسائر الأنماط المركبة التي اقترحتها الحداثة على المتعاطين بشؤون الكتابة والفن في العقود المنصرمة، بل بقدرة المبدع الفعلية على الجمع، وبالمستوى نفسه، بين شكلين أو أكثر من أشكال التعبير.
والحال أن ما نملكه من شواهد ملموسة يحيلنا إلى واقع مغاير، حيث يتعذر على الكاتب والفنان، أن يحقق فرادته، بالمعنى العميق للكلمة، إلا في مجال إبداعي واحد، فيما لا يتجاوز المستويات المتوسطة في المجالات الأخرى. وإذا كانت الأسماء المعنية بتعدد الهويات أغزر من أن تتسع لذكرها هذه المقالة، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بعضها إلى الأقل، حيث بدت الفوارق واضحة بين «متن» المشروع الأصلي لهذه الأسماء وبين ما استتبعه من هوامش وتفرعات.
فالقصائد التي كتبها هايدغر، لا تقارن بأي حال مع أعماله الفلسفية والنقدية التي تجمع بين الحفر المعرفي واللغة المتوقدة. والأمر نفسه ينسحب على بورخيس الذي تفتقر أشعاره إلى ذلك الشرر الأخاذ الذي ينبثق عن قصصه القصيرة وكتاباته السردية والنقدية الأخاذة. كما أن رسوم لوركا وجبران على شفافيتها، لا تمتلك الفرادة نفسها التي يجسدها شعر الأول ونثر الثاني. أما رائد الحركة السوريالية أندريه بريتون فهو يبدو في روايته «نادجا» مجرد سارد عادي، بالقياس إلى لغته الشعرية الجامحة.
وإذا كانت ظاهرة الجمع بين الأنماط التعبيرية لا تختلف كثيراً على الصعيد العربي، فإن أكثر ما يلفت في هذه المرحلة هو نزوح الكثير من الشعراء باتجاه الكتابة السردية، والروائية على وجه الخصوص، والتي حاز بعضها على جوائز مرموقة، مثل «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري، و«حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله، و«خريف البراءة» لعباس بيضون.
ومع أنه لم يتسن لي حتى الآن قراءة مجمل الأعمال الروائية للشعراء العرب، فإن ما تيسرت لي قراءته يؤكد، عدا استثناءات قليلة، على أن الهوية الإبداعية تظل مفردة في عمقها الأخير. وهي ولو قبلت القسمة على اثنين أو أكثر من الأنواع فغالباً ما يحدث الأمر على حساب واحد منها. وهو ما ينسحب بشكل واضح على الهوية المركبة لجبرا إبراهيم جبرا، وهو المثقف والناقد والمترجم والروائي والشاعر، والذي لم يتردد رغم ذلك في العزوف عن كتابة الشعر والتوجه نحو الرواية، بعد أن بدت تجربته الشعرية أقرب إلى التأليف والاشتغال الذهني منها إلى التفجر الروحي الداخلي.
ولعل الكاتب اللبناني رشيد الضعيف هو واحد من القلائل الذين أدركوا استحالة الاستمرار حتى النهاية في الجمع بين الهويتين الروائية والشعرية، ولهذا السبب فإن صاحب «لا شيء يفوق الوصف» ما لبث أن تخلى عن الشعر، على أهمية ما أنجزه من أعمال، لينقطع إلى لغة السرد التي ذهب بها إلى عوالم وكشوف أكثر رحابة واتساعاً. وقد لا أكون مجافياً للحقيقة إذا قلت إن الفلسطيني إبراهيم نصر الله هو الكاتب العربي الوحيد الذي وزع نفسه بالتساوي بين الشعر والرواية، ودون أن يطغى أي جانب منهما على الآخر بشكل حاسم.
وإذا كان قراء نصر الله ومتابعوه قد لاحظوا أن الشاعر الكاتب، قد أفرد لتجربته الروائية في الآونة الأخيرة، المساحة الأوسع من وقته وجهده لتجربته، إلا أنهم يدركون في الآن نفسه أن تلك الانعطافة قد حدثت على حساب الشعر بالذات، حيث كان يمكن لصاحب «الفتى النهر والجنرال» أن يذهب في هذا الإطار إلى التخوم الأخيرة التي يشتهي بلوغها.
لا يعني ذلك بالطبع أننا لا نعثر فيما أصدره الشعراء العرب من مؤلفات سردية على أعمال متميزة ورفيعة المستوى، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة كون الإنجاز الأهم للشعراء الحقيقيين، يتمثل في دواوينهم ومجموعاتهم الشعرية بالذات، حيث تلمع النواة الماسية الصلبة لبروق اللغة واستعاراتها الأخاذة.
وعلينا ألا نغفل في هذا الإطار أن بعض الشعراء يوظفون لغتهم الشعرية بشكل خاطئ ومتعسف داخل العمل الروائي، ودون أي مسوغ مشروع، بما يشبه «وضع الندى في موضع السيف»، بما يفضي إلى إعاقة السرد وتهجين العمل برمته.
وثمة من ناحية ثانية عامل آخر لا يصب في مصلحة الغالبية من الشعراء الروائيين، وهو التضخم النرجسي المرضي الذي يحول دون تخفف الأنا من «أنويتها» الطاغية، ودون تواريها بالكامل خلف أبطال الرواية وهواجسهم وأزمنتهم المغايرة.
وأنا أعتقد تبعاً لذلك، وحتى يثبت العكس، بأن أفضل الاستثمارات التعبيرية للشعراء، تتجلى في الإطار النقدي الذي يتيح لثقافتهم الواسعة ولاختباراتهم الإبداعية والروحية أن تأخذ طريقها إلى التوهج والانبثاق، وهو ما بدا جلياً في الكتابات النقدية لأدونيس وعبد المعطي حجازي وأنسي الحاج وتوفيق صايغ ومحمد بنيس وعلي جعفر العلاق وعز الدين المناصرة وعلوي الهاشمي وعباس بيضون ومنصف الوهايبي، وكثر غيرهم.
أما في الجانب السردي، فقد تكون كتابة السيرة والمذكرات والاعترافات، هي المجال الحيوي الأكثر ملاءمة لطبائع الشعراء ونوازعهم، حيث تعمل الأنا الفردية على الحفر في ترابها الحميم، متسلحة بالشواهد الحية والأدلة الملموسة في صراعها مع النسيان.
ولعل ضرب هذا النوع من الكتابة على الوتر الأكثر حساسية لافتتان الشعراء بأنفسهم، هو الذي يجعل من سيرهم الشخصية التي تولوا كتابتها بأنفسهم أيقونات أدبية رفيعة، كما هو حال بابلو نيرودا في سيرته الرائعة «أعترف أنني قد عشت»، ورسول حمزاتوف في سيرته المماثلة «داغستان بلدي»، ومحمود درويش في سيرته الموزعة بين «يوميات الحزن العادي» و«ذاكرة للنسيان»، ومريد البرغوثي في «رأيت رام الله»، على سبيل المثال لا الحصر.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟