برتراند رسل... أحد الضمائر الكبرى للقرن العشرين

50 عاماً على رحيل العالم الرياضي والفيلسوف الأخلاقي

برتراند رسل
برتراند رسل
TT

برتراند رسل... أحد الضمائر الكبرى للقرن العشرين

برتراند رسل
برتراند رسل

نحاول هنا تقديم لمحة عامة عن حياة برتراند رسل، وأعماله وانخراطه في معمعة الحياة السياسية لعصره. فرغم تخصصه بالرياضيات وفلسفة العلوم البعيدة جداً عن القضايا الاجتماعية والسياسية، فإن برتراند رسل لم يجلس منعزلاً في برجه العاجي -كما يفعل بعض الفلاسفة- وإنما نزل إلى الشارع، وتدخل في الأحداث الجارية. فالرجل كان ذا نزعة إنسانية عميقة، ويهمه مصير الشعوب والإنسانية ككل؛ كان أحد الضمائر الكبرى للقرن العشرين. كان يحس بآلام المعذبين والمضطهدين وكأنها آلامه. من هنا عظمة برتراند رسل وأهميته في تاريخ الفكر. نقول ذلك دون أن نهمل بالطبع ضخامة الإنجازات التي حققها في مجال فلسفة العلوم والرياضيات والفيزياء والمنطق... إلخ. فمن هو برتراند رسل يا ترى؟
لقد ولد عام 1872 في عائلة أرستقراطية إنجليزية كبيرة، ومات عام 1970 عن عمر يقارب المائة عام! وكان عالماً رياضياً وفيلسوفاً أخلاقياً من الطراز الأول. وهناك إجماع على كونه أحد كبار فلاسفة القرن العشرين. وقد ساهم في تبسيط مبادئ الفلسفة وأفكارها لكي يفهمها الجمهور الواسع العريض. ورغم أصوله الأرستقراطية وغناه، فإنه كان مناضلاً إنسانياً من أجل العدالة الاجتماعية. كما كان منخرطاً في الهموم السياسية والقضايا الكبرى ضد مصلحة الرأسمالية الغربية والقوى المهيمنة. وكان قريباً من الخط الاشتراكي ذي الاتجاه الديمقراطي، لا الشيوعي الماركسي التوتاليتاري. ومعلوم أنه شكل المحكمة الدولية «رسل - سارتر» لمحاكمة جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام. وكان ذلك بالتعاون مع الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر.
وقد تلقى جائزة نوبل عام 1950 تقديراً لمنجزاته في مجال العلوم والفلسفة، ثم بشكل أخص تقديراً لانخراطه في المجال السياسي الإنساني التحرري. وبالتالي، فقد جمع المجد من كل أطرافه: مجد العلم الرياضي الفيزيائي، ومجد الفلسفة، ومجد السياسة وخدمة البشرية. لكن لنعد إلى طفولته الأولى؛ من المعلوم أن برتراند رسل فقد أمه وأخته عام 1875، أي وهو في الثالثة من عمره، ثم فقد أباه بعد عام واحد فقط، أي وهو في الرابعة من عمره. وبالتالي، فقد كان يتيم الأب والأم، ولم يتح له أن يتعرف على والديه اللذين أنجباه، فربته جدته وعائلته الكبيرة. وكان متوحداً جداً في شبابه الأول وذا ميول انتحارية. من يصدق ذلك؟ نقول ذلك، وبخاصة عندما نعرف تطوراته اللاحقة، وكيف انقلب من النقيض إلى النقيض، وأصبح رجلاً اجتماعياً جداً منخرطاً كل الانخراط في شؤون العالم وهمومه وقضاياه. ولكن ربما كانت انطوائيته الأولى عائدة إلى أنه تربى في جو ديني قمعي يقتل الشخصية، ثم عشق الرياضيات ووقع في غرامها، كما تقع أنت في غرام امرأة حسناء فاتنة. وقال عندئذ عبارته الشهيرة: «عندما اكتشفت أقليديس، شعرت بالانخطاف والذهول، تماماً كما حصل لي عندما اكتشفت أول قصة حب في حياتي»! وفي عام 1890، دخل إلى جامعة كامبردج لدراسة الرياضيات والعلوم الأخلاقية أو الإنسانية. وفي عام 1910، نشر كتاباً مهماً تحت عنوان «مبادئ علم الرياضيات». ثم أصبح أحد كبار ممثلي الفلسفة التحليلية الإنجليزية.
وهذا يعني أنه كان يستخدم المنطق الرياضي الدقيق لتوضيح المشكلات الفلسفية وتحليلها أو تشريحها من أجل حلها. وبالتالي، فهو أحد مؤسسي علم المنطق الحديث. كما أنه الأب الشرعي للفلسفة العلمية أو التحليلية، وهي المضادة لفلسفة هيغل، ومجمل الفلسفة المثالية الألمانية القائمة على المفاهيم التجريدية العويصة الغامضة غير الدقيقة، بحسب رأيه. إنها قائمة على الشطحات الفلسفية العمومية، لا على العلم الفيزيائي أو الرياضي، بحسب زعمه. وهذه وجهة نظر يمكن الدفاع عنها ونقدها في الوقت ذاته. فلا أحد يشك في أن هيغل كان أحد عمالقة الفلسفة على مدار التاريخ، ولا يستطيع برتراند رسل أن يطيح به.
على أي حال، فلهذا السبب نجد أن الفلسفة الإنجليزية تختلف كثيراً عن الفلسفة الألمانية والفلسفة الفرنسية في آن معاً.
فهي فلسفة علمية إذا جاز التعبير، أي تابعة للعلم الفيزيائي الرياضي، وليست مستقلة بذاتها. ويبدو أن المشكلة الأساسية التي كانت تهمه هي التالية: هل يمكن للإنسان أن يتوصل إلى المعرفة اليقينية المطلقة في هذا العالم؟ أقصد المعرفة التي لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يشك فيها أو ينقضها. بمعنى آخر: هل يمكن للفلسفة أن تتوصل إلى يقينيات قطعية كيقينيات علم الفيزياء والرياضيات والعلوم التجريبية؟ ثم هناك نقطة مهمة جداً: وهي أن برتراند رسل كان يكتب مؤلفاته بلغة بسيطة واضحة قابلة للفهم. وكان يفعل ذلك عن قصد بغية نشر الفلسفة العقلانية الهادفة إلى تحقيق السلام والمحبة في شتى أرجاء المجتمع، والعالم ككل إذا أمكن. وبالتالي، فالرجل كان ذا نوايا طيبة من دون أدنى شك.
أما من حيث الانخراط السياسي، فيبدو أن برتراند رسل كان من أتباع التيار السلمي المضاد للحروب والنزعة العسكرية. ولهذا السبب فإنه وقف ضد انخراط بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وكلفه ذلك غالياً لأنهم أقالوه من منصب الأستاذية في جامعة كامبردج، كما سجنوه لمدة ستة أشهر بتهمة العصيان المدني.
وفي السجن، كتب برتراند رسل كتاباً تحت عنوان «مدخل إلى فلسفة الرياضيات». وبالتالي، فإن فترة السجن كانت خصبة منتجة، ولم تذهب سدى. وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، دافع برتراند رسل عن سياسة السلام في أوروبا، ولكنه اعترف بأنه من المشروع محاربة شخص مجرم مثل هتلر. وبالتالي، فموقفه كان يشبه موقف غاندي الذي اشتهر بميله إلى السلام، واتباع سياسة اللاعنف. ولكنه أجاز محاربة هتلر لأنه لا تنفع معه أي سياسة سلمية؛ من يستطيع أن يفاوض هتلر أو «داعش»؟
وبالتالي، فبرتراند رسل لم يكن مسالماً بأي ثمن. فقد كان يعتقد أن الحرب يمكن أن تمثل ضرورة إيجابية في بعض الظروف، ولكن إذا كان بالإمكان تحاشيها فينبغي تحاشيها بأي شكل.
وفي أوائل العشرينيات من القرن الماضي، زار برتراند رسل، مع بعض أعضاء حزب العمال البريطاني، الاتحاد السوفياتي لكي يرى الشيوعية كما هي مطبقة على الأرض. وهناك التقى بلينين وتروتسكي. وبعد أن حيا الثورة البلشفية التي حررت الشعب الروسي من نير القياصرة والإقطاعيين الذين استعبدوا الفلاحين كأقنان، راح يهاجمها بعنف لأنها ديكتاتورية تضحي بالحريات الفردية. وهذا ما أزعج زملاءه الاشتراكيين الذين اتهموه بخيانة المبادئ الاشتراكية.
ولكن كيف يمكن لهذا الليبرالي الإنجليزي الأرستقراطي الحريص على حريته الشخصية أن يؤيد نظاماً شيوعياً شمولياً توتاليتارياً لا يعترف بأي حرية شخصية؟ مستحيل. ولهذا السبب انتقد التجربة الشيوعية، رغم أنه كان يتمنى أن تكون أفضل لكي تقدم بديلاً عن الأنظمة الرأسمالية التي يكرهها. مهما يكن من أمر، فإن الشيوعيين اتهموه عندئذ بأنه من عبيد البورجوازية وكلابها النابحين ضد الاشتراكية الحقيقية المطبقة في الاتحاد السوفياتي العظيم! وهذه هي طريقة الشيوعيين في الرد على خصومهم أو كل من يختلف معهم. وهكذا وجد برتراند رسل نفسه بين نارين: نار الرأسماليين، ونار الشيوعيين. ثم زار الفيلسوف الإنجليزي بعدئذ الصين عام 1921، ولم تكن قد أصبحت شيوعية بعد؛ كانت لا تزال فلاحية إقطاعية متخلفة. وعندئذ، اقتنع بميزات الغرب رغم رأسماليته ونواقصه، وعرف أنه يمثل مركز الحضارة العالمية، وقال إنه سيقدم النموذج الذي يحتذى للبشرية إذا ما اهتم بالعدالة الاجتماعية، وقلل من أنانيته ورأسماليته وحبه للربح والفائدة بشكل جشع لا يشبع. فالغرب هو وحده الذي يسيطر على العلم والتكنولوجيا والصناعة وكل وسائل التقدم. كما أنه يوفر الحريات الفردية للناس، رغم كل نواقص هذه الحرية. يضاف إلى ذلك أن حرية الفكر والتعددية السياسية، وكذلك حرية الصحافة، كلها أشياء غير متوافرة إلا في الغرب المستنير. ولكن الشيء الذي كان يكرهه برتراند رسل في الغرب هو النزعة القوموية الشوفينية والأنانية الضيقة التي أدت إلى انفجار حربين عالميتين في ظرف عشرين سنة (1914-1918) و(1939-1945). وقد أدى ذلك إلى قتل عشرات الملايين من البشر بشكل وحشي (بين قوسين، لحسن الحظ، فإن الاتحاد الأوروبي تشكل لاحقاً، وأثلج قلب برتراند رسل. لماذا؟ لأنه قضى على كل هذه النعرات القوموية الشوفينية المتعصبة التي أشعلت الحروب بين الأمم الأوروبية من إنجليزية وفرنسية وألمانية).
على أي حال، فقد كان من أتباع التيار السلمي، تيار اللاعنف في السياسة. ولهذا السبب لم يفهمه الآخرون، فأدانوه بتهمة الانهزامية والسلبية والجبن. يضاف إلى ذلك أن برتراند رسل كان ضد الأسلحة الذرية لأنها فتاكة مدمرة. وقد وقع مع ألبرت آينشتاين بياناً بهذا الخصوص، سجنوه عليه عام 1961.
وبالتالي، ففي كل مرة كان يدفع ثمن مواقفه السياسية الجريئة. وربما لهذا السبب أطلقوا عليه لقب: فولتير الإنجليزي. لماذا؟ لأن فولتير ضُرب به المثل على «المثقف المنخرط» في قضايا العصر؛ لم أقل «المثقف الملتزم» لأن هذا المصطلح فقد بريقه ومشروعيته وسقط بسقوط الشيوعية. هذا وقد نظم محكمة عالمية ضد جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الأميركي في فيتنام، كما قلنا سابقاً. وقد عابوا عليه ذلك، وقالوا له: لا يحق لك أن تنظم أي محكمة بهذا الخصوص؛ ألا تنظر إلى الخطر الشيوعي الزاحف على أوروبا؟ لماذا لا ترى إلا الخطر الأميركي الرأسمالي؟



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.