العالم يدين الهجمات الإرهابية في مصر

عشرات الضحايا عشية ذكرى ثورة 25 يناير * السعودية: محاولة يائسة من قبل جماعة مجرمة

مصري يقف وسط الركام مذهولا بعد الانفجار الذي استهدف مديرية أمن القاهرة أمس (أ.ب)
مصري يقف وسط الركام مذهولا بعد الانفجار الذي استهدف مديرية أمن القاهرة أمس (أ.ب)
TT

العالم يدين الهجمات الإرهابية في مصر

مصري يقف وسط الركام مذهولا بعد الانفجار الذي استهدف مديرية أمن القاهرة أمس (أ.ب)
مصري يقف وسط الركام مذهولا بعد الانفجار الذي استهدف مديرية أمن القاهرة أمس (أ.ب)

سقط ستة قتلى وأصيب العشرات في مصر أمس، جراء ثلاثة تفجيرات استهدفت مديرية أمن القاهرة (بوسط العاصمة)، وسيارات للشرطة في حي الدقي (غرب القاهرة)، ودار سينما بحي الهرم السياحي، فيما لم يسفر انفجار رابع أمام قسم شرطة في شارع الهرم أيضا عن سقوط ضحايا، وذلك في سلسلة تفجيرات عرفتها العاصمة المصرية هي الأعنف منذ تفجير مديرية أمن الدقهلية بدلتا مصر نهاية الشهر الماضي.
واستهدف انفجار عنيف مديرية أمن القاهرة في حي عابدين بوسط القاهرة، صباح أمس، عشية احتفالات بعيد الشرطة وثورة 25 يناير، مما أسفر عن سقوط أربعة قتلى وإصابة 76 آخرين. وتسبب الانفجار الذي استخدمت فيه مواد متفجرة قدرت بنصف طن، بحسب مصادر أمنية، في تضرر متحف الفن الإسلامي المواجه للمبنى الأمني، ودار الوثائق القومية القريب منه.
وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «كاميرات المراقبة في محيط المكان أظهرت شاحنة بيضاء صغيرة أقلت ثلاثة أشخاص توقفت أمام المبنى المطل على شارع بورسعيد الحيوي بوسط القاهرة، وغادر منفذو العملية الثلاثة الشاحنة واستقلوا سيارة ملاكي سوداء كانت في انتظارهم، وما إن غادروا حتى وقع الانفجار الذي خلف حفرة بعمق نحو ثلاثة أمتار».
وأشار المصدر الأمني المسؤول إلى أن الطوابق الأربعة الأولى من مبنى مديرية الأمن تضررت بشدة، لكن الإجراءات الأمنية من حواجز ومتاريس في محيط المبنى، خففت من تأثير التفجير الذي وصلت موجته الانفجارية إلى مسافة تصل لنحو كيلومتر.
وأعلن تنظيم جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليته عن الحادث. وتأتي سلسلة التفجيرات بعد يوم واحد من استهداف كمين للشرطة في محافظة بني سويف شمال صعيد مصر، خلف خمسة قتلى برصاص مسلحين مجهولين. وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس عن مسؤوليتها عن تلك العملية أيضا.
وكان تنظيم أنصار بيت المقدس الإسلامي المتشدد الذي يتخذ من سيناء مركزا له قد أعلن في السابق مسؤوليته عن عدة عمليات أبرزها محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتفجير مديرية أمن الدقهلية في مدينة المنصورة الشهر الماضي، الذي خلف 16 قتيلا.
وأعلنت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا عقب حادث المنصورة. وترفض جماعة الإخوان المسار السياسي الذي أعقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي منتصف العام الماضي. وتتعهد الجماعة بإسقاط ما تصفه بـ«الانقلاب العسكري»، عبر موجة ثورية جديدة تبدأ مع الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير التي تحل اليوم.
وقال محمد مصطفى وهو أحد شهود العيان لـ«الشرق الأوسط» أمس إن الانفجار الذي استهدف مديرية أمن القاهرة حطم زجاج نوافذ منزله الذي يقع على بعد نحو 500 متر من مركز التفجير، لافتا إلى أنه استيقظ في نحو السادسة والنصف صباحا على دوي الانفجار العنيف.
وأضاف مصطفى: «في طريقي إلى مبنى مديرية الأمن شاهدت العديد من واجهات المحال التجارية وقد تضررت، كانت فوضى حقيقية ودماء أمام المبنى، وشاهدت جنودا يبكون زملاءهم، فيما كانت أشلاء جثة مشوهة غارقة في الدماء أمام المبنى».
وقالت مؤسسة الرئاسة في بيان لها عقب الحادث، إن «مثل هذه الحوادث الإرهابية، التي تستهدف كسر إرادة المصريين لن تؤدي إلا إلى توحد إرادتهم، وحرصهم أكثر من أي وقت مضى على بلورة أهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو المجيدتين، لتزيد من تصميم مصر دولة وشعبا على اجتثاث الإرهاب، ومن إصرارها على تنفيذ خارطة مستقبل الشعب المصري وإرادته».
وبينما تعهدت الرئاسة بالقصاص لشهداء ومصابي هذه الحوادث الإرهابية، قالت أيضا إنها لن تتردد في اتخاذ ما يلزم من إجراءات استثنائية للذود عن الوطن والحفاظ على أرواح أبنائه.
وقالت وزارة الآثار إن متحف الفن الإسلامي في منطقة باب الخلق، حيث وقع الانفجار، في قلب القاهرة التاريخية، تعرض للتدمير بالكامل، إثر التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة، وفي بيان صادر عن الوزارة، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، قال وزير الآثار، محمد إبراهيم، إن «المتحف دمر بالكامل، ويحتاج إلى إعادة بناء من جديد، مشيرا إلى أن تحطم واجهات العرض الزجاجية نتج عنه تهشم العديد من المقتنيات».
وعززت قوات الأمن من وجودها في شوارع القاهرة. وأغلقت الشوارع المحيطة بقصر الاتحادية الرئاسي ووزارة الدفاع (شرق القاهرة)، ووزارة الداخلية (بوسط القاهرة).
وعقب نحو ساعتين من انفجار مديرية أمن القاهرة، استهدف تفجير آخر سيارات للشرطة في شارع التحرير بحي الدقي الذي يفضي إلى ميدان التحرير بقلب العاصمة. وقالت مصادر طبية إن قتيلا وتسعة جرحى سقطوا جراء التفجير الذي استخدمت فيه عبوة بدائية على الأرجح. وانفجرت عبوة ناسفة بدائية أمام دار سينما رادوبيس بشارع الهرم السياحي، وقال شاهد عيان إن العبوة زرعت بجوار مدخل دار السينما في طريق عودة قوات الأمن من مواجهات مع عناصر من جماعة الإخوان. وقال مصدر أمني إن قتيلا مدنيا سقط جراء الانفجار.كما انفجرت عبوة بدائية ثالثة في الجزيرة الوسطى من نهر الطريق أمام قسم شرطة الطالبية بشارع الهرم، وهي المنطقة التي تشهد منذ أسابيع اشتباكات دامية بين قوات الأمن ومتظاهرين ينتمون لجماعة الإخوان.
وقال مصدر أمني بقسم الطالبية لـ«الشرق الأوسط» أمس إن التفجير لم يسفر عن أي خسائر سواء في الأفراد أو المنشآت. لافتا إلى أن العبوة البدائية زرعت في لوحة إعلانية.
ونعى الجيش في بيان له أمس «رجال وزارة الداخلية والمواطنين الأبرياء، الذين نالوا الشهادة، نتيجة عملية جبانة لجماعات الظلام والإرهاب الأسود والتي استهدفت منشآت حيوية وأمنية»، مؤكدا أن العمليات التي وصفها بـ«الخسيسة والغادرة» التي تقوم بها مجموعات إرهابية متطرفة، استحلت دماء المصريين، واتخذت من العنف المسلح منهجا ووسيلة لتحقيق أغراضها الخبيثة، تستهدف بث الخوف والرعب في قلوب شعبنا العظيم، حتى تمنعه من استكمال استحقاقات خارطة المستقبل.
وقال بيان الجيش «ليعلم دعاة الإرهاب والتخريب أن محاولاتهم الخسيسة لن تزيد المصريين إلا إصرارا وتماسكا واصطفافا وطنيا وتلاحما بين الشعب ومختلف أجهزة الدولة، في مواجهتهم، والقوات المسلحة تعاهد شعب مصر العظيم، بمواجهة الإرهاب الأسود بكل ما تملكه من قوة حتى تنجح في استئصال جذوره من مصر، وتنعم البلاد بالأمن والاستقرار».
وتسارعت ردود الفعل الغاضبة والمنددة. وأدان تفجيرات الأمس رئيس مجلس الوزراء حازم الببلاوي، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والكنيسة، كما أدانته قيادات القوى والأحزاب السياسية، ولمحت إلى دور لجماعة الإخوان المسلمين.
ورفضت قيادات الإخوان تلك الاتهامات. وأدان بيان لتحالف دعم الشرعية الذي تقوده الجماعة الحادث، ونفى القيادي الإخواني محمد علي بشر أي صلة للجماعة بالعمليات الإرهابية، مؤكدا على سلمية تحركات أنصار الإخوان.

* استنكار دولي وعربي للعمليات الإرهابية في مصر و السعودية تستنكر.. وتصف التفجيرات بالجبانة

أدانت الدول العربية ودول العالم التفجيرات والعمليات الإرهابية التي شهدتها مصر، أمس،
ففي الرياض، قال مصدر مسؤول إن المملكة العربية السعودية تستنكر وتدين بشدة التفجيرات الإرهابية الجبانة التي شهدتها جمهورية مصر العربية، وأودت بحياة العديد من الأرواح البريئة دون ذنب أو جريرة.
وأضاف المصدر أن هذه التفجيرات تستهدف أمن مصر واستقرارها، بل وتسعى في محاولة يائسة إلى تفتيت وحدتها الوطنية من قبل جماعة مجرمة لا هم لها سوى اختطاف إرادتها الشعبية، والعبث بمقدراتها.
وأضاف «المملكة العربية السعودية إذ تجدد وقوفها إلى جانب مصر الشقيقة، فإنها على ثقة تامة في قدرة الحكومة المصرية وشعبها الأبي على ضرب الإرهاب بيد من حديد، ووضع حد لهذه الأعمال الإجرامية العبثية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة».
وأعرب المصدر عن خالص التعازي للحكومة المصرية، ولأسر الضحايا، متضرعا إلى المولى عز وجل أن يمن على المصابين بالشفاء العاجل.
وعلى الصعيد الدولي، أدانت بريطانيا التفجيرات التي شهدتها العاصمة المصرية، وعبر وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هيو روبرتسون، في بيان نُشر على موقع الخارجية البريطانية الإلكتروني، عن تعازيه لأسر المتضررين، داعيا جميع المصريين إلى حل خلافاتهم سلميا ونبذ أعمال العنف.
في حين أعربت فرنسا عن إدانتها للاعتداءات التفجيرية التي شهدتها القاهرة،
من جهتها، استنكرت جامعة الدول العربية بشدة العملية الإرهابية التي وقعت بمحيط مديرية أمن القاهرة، وأكد الأمين العام للجامعة الدكتور نبيل العربي، في بيان له، ضرورة توقيع أقصى عقوبة على جميع الضالعين في هذه الجريمة النكراء، سواء على مرتكبيها أو المخططين لها أو المحرضين عليها.
وفي أبوظبي، أدان الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي، بشدة، التفجيرات الإرهابية التي وقعت في القاهرة.
وقال وزير الخارجية الإماراتي إن هذا العمل الإجرامي محاولة لزعزعة أمن واستقرار مصر، معربا عن تضامن بلاده مع الحكومة المصرية ووقوفها إلى جانبها في مواجهة التطرف والإرهاب.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.