الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

تهدد بتفجيره النزاعات والملفات الحدودية

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ
TT

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

في خضم حالة الغليان التي تسود علاقات الهند مع «جارتها» الصين، جراء التوترات المستمرة على الحدود بين البلدين بطول «خط السيطرة الفعلية» شرق لاداخ الجبلي، تعكف سلطات نيودلهي على مراجعة سياستها تجاه الصين... التي تحمل عنوان «سياسة صين واحدة». وعلى ما يبدو، تسعى الهند الآن نحو مهاجمة نقاط الضعف الصينية في تايوان وإقليمي التيبت وسنكيانغ-ويغور الذاتيي الحكم في جنوب غربي الصين وغربها، بل، وحتى في مستعمرة هونغ كونغ السابقة.
والجدير بالذكر هنا، أن نيودلهي تدعم سياسة «صين واحدة»، التي تنص فعلياً على أن تايوان والتيبت وسنكيانغ تشكل جميعاً جزءاً من الأجزاء الرئيسية للصين، والتي كانت بكين من جهتها قد جعلت من سياسة «صين واحدة» شرطاً مسبقاً لإقامة علاقات دبلوماسية معها.
يرى خبراء هنود أن التوغل العسكري الصيني الأخير داخل إقليم لاداخ الجبلي الحدودي إلى الشمال من كشمير، يأتي نتاجاً لمشكلات داخلية تعاني منها حكومة بكين. وما يستحق الإشارة في هذا الصدد أن إقليم لاداخ يتميز بأهمية استراتيجية للصين لربطه بين إقليمي التيبت وسنكيانغ-ويغور، المتمتعين بالاستقلال الذاتي واللذين يضم كل منهما أقلية عرقية ودينية، علاوة على وفرة الموارد الاستراتيجية فيهما، حيث توجد ثروة ضخمة من النفط والغاز في أرض سنكيانغ وموارد مائية في التيبت. إلا أنه مقابل ذلك، يمور الإقليمان بنزعات انفصالية مناهضة لقومية الهان التي يشكل أفرادها السواد الأعظم من سكان الصين. وبالتالي، من شأن السيطرة على النقاط الاستراتيجية في شرقي لاداخ أن ييسر على حكومة بكين إحكام قبضتها على التيبت وسنكيانغ-ويغور، بجانب تعزيز «طريق تجارة الحرير» القديم.
البروفسور سريكانث كوندابالي، الأكاديمي الهندي، سلط الضوء على البعد التاريخي لسياسة «صين واحدة» داخل الهند، مشيراً إلى أن هذه السياسة كانت قد طُرحت للمرة الأولى خلال الفترة ما بين ديسمبر (كانون الأول) وأبريل (نيسان) 1950. بيد أنها كانت في تلك الفترة كانت مقتصرة فقط على تايوان (الصين الوطنية سابقاً)، الدولة-الجزيرة قبالة الساحل الصيني.
وأضاف كوندابالي «لقد كان لدى الهند قنصل عام في كل من التيبت وسنكيانغ-وبغور ومناطق أخرى. ولكن في غضون سنتين، ضم الحزب الشيوعي الحاكم في البر الصيني هذين الإقليمين الشاسعي المساحة إلى دولته التي هي جمهورية الصين الشعبية. واضطررنا نحن في الهند، على الأثر، إلى تحويل علاقاتنا الدبلوماسية مع جمهورية الصين (الصين الوطنية في جزيرة تايوان) إلى جمهورية الصين الشعبية. ومع صعود جمهورية الصين الشعبية، ألغى الحزب الشيوعي العلاقات القائمة والبعثات الدبلوماسية وجرى إقرار علاقات جديدة».

علاقات الهند مع تايوان
من جهة ثانية، في خطوة دبلوماسية كبرى، عينت الهند في الفترة الأخيرة دبلوماسيا رفيع المستوى مبعوثاً لها لدى تايوان. هذا المبعوث هو السفير غورانغلال داس، الذي كان يعمل سابقاً في الولايات المتحدة، وهو يتميز بإجادته التكلم بلغة الماندرين، لغة شمال الصين. وهنا، تتجلى أهمية تعيين الهند مبعوثاً لها لدى تايوان بالنظر إلى حقيقة أنه حتى ذلك الوقت لم تكن هناك أي علاقات رسمية بين الهند وتايوان، نظراً لالتزام نيودلهي بسياسة «صين واحدة» التي روجت لها وأكدت عليها بكين.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير، بأن تايوان تنظر إلى نفسها على أنها دولة سيدة مستقلة، في حين تصر السلطات في بكين على أنها جزء من أراضي الصين الواحدة التي تمثلها بكين حصراً. وفي هذا الصدد، أوضح راجان كومار، البروفسور بكلية الدراسات الدولية التابعة لجامعة جواهرلال نهرو في دلهي أن «تعيين مبعوث إلى تايوان يشكل تحولاً لافتاً عن السياسة التي لطالما اتبعتها الهند، التي تُعرف بنفورها من خوض المخاطرات، وتشتهر بدبلوماسيتها الناعمة. أما الآن، فقد بدأت الهند تتخلى عن تظاهرها بالسلوك المهذب، وهي وتحاول أن ترد على الصين بالصورة ذاتها. ولكن هذا الأمر أشبه بسلاح ذي حدين، ذلك أن بكين ربما تتورط، من ناحيتها هي الأخرى، في تحركات دبلوماسية قوية فيما يخص قضيتي كشمير وأروناتشال براديش (وهما ولايتان هنديتان حدوديتان مع الصين)».
هذا، ويأتي تعيين الدبلوماسي كمبعوث إلى تايوان بعد أسابيع من طلب تقدم به حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي اليميني الحاكم في نيودلهي إلى رئيس الوزراء ناريندرا مودي عبر اثنين من أعضائه هما ميناكشي ليخي وراهول كاسوان، من أجل حضور مراسم أداء رئيسة تايوان تساي إنغ ون، على نحو افتراضي يوم 20 مايو (أيار) أي بعد أسبوعين من بدء المواجهة مع الصين على «خط السيطرة الفعلية».
إضافة لذلك، دعمت الهند انضمام تايوان إلى «منظمة الصحة العالمية» بصفة مراقب، وأشارت إلى أن استبعاد تايوان من المنظمة الأممية إنما جاء أساساً نتيجة ضغوط صينية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في عام 2014. عندما وصل ناريندرا مودي، زعيم بهاراتيا جاناتا، إلى السلطة في نيودلهي، فإنه تبنى نهجاً خارج المألوف، وذلك من خلال توجيهه الدعوة إلى ممثل تايوان في الهند، جنباً إلى جنب مع لوبسانغ سانجاي رئيس إدارة التيبت المركزية لحضور حفل أدائه اليمين الدستورية عام 2014.
مع ذلك، أدت السياسة الهندية إزاء الصين وتركيزها على استقرار العلاقات مع بكين إلى تهميش تايوان. بل، عندما احتجت الصين على زيارة وفد برلماني تايواني جميع أفراده من النساء إلى الهند عام 2018، تباطأ زخم العلاقات بين الهند وتايوان على نحو أكبر.
وفي هذا الصدد، أعرب المسؤول السابق بأمانة مجلس الوزراء، جاياديفا رانادي، عن اعتقاده بضرورة أن تعمل الهند على توفير مكانة وفرص للشركات التابعة لتايوان مثلما تفعل مع الشركات الصينية في الوقت الحالي. وتساءل «لماذا يتوجب علينا منع الفرص ذاتها من وإلى تايوان مقارنة بالصين؟ إن باستطاعتنا الاستفادة من تايوان من خلال اجتذاب الشركات التايوانية العاملة في قطاع إنتاج الرقائق الإلكترونية والشحن إلى العمل في الهند. ومن شأن ذلك الإسهام في حل مشكلة البطالة داخل الهند ومعاونة الشركات الهندية على الازدهار».

الصين والهند... والتيبت
من وجهة نظر الصين، تتسم قضية التيبت، بالذات، بقدر بالغ من الحساسية. وواقع الأمر، أن سلطات نيودلهي بدأت اللعب ببطاقة التيبت في الفترة الأخيرة. وأخذ العديد من الأصوات، وإن كانت غير رسمية، تتعالى داعية الحكومة الهندية إلى تقديم الدعم لقضية استقلال إقليم التيبت عن الصين.
بين هؤلاء براهما شيلاني، الخبير الجيو-استراتيجي البارز والمتخصص في الشأن الصيني، الذي قال «يتوجب على الهند استغلال بطاقة التيبت. إن إقليم التيبت يشكل للهند في مواجهة الصين ما تشكله باكستان للصين في مواجهة الهند. بيد أنه على النقيض من الهواجس الهندية تجاه استغلال بطاقة التيبت، لم تبدِ بكين أدنى تردد حيال اللعب ببطاقة باكستان ضد الهند».
في هذا الإطار، ينبغي القول بأنه حتى عام 1959، لم تكن هناك ثمة حدود مشتركة بين الهند والصين نظراً لأن إقليم التيبت كان دولة مستقلة شكلت عملياً «منطقة عازلة» بين العملاقين الآسيويين. إلا أنه في ظل قيادة الزعيم الشيوعي الراحل ماو تسي تونغ، الأب المؤسس للصين الحديثة، استولت بكين على الإقليمين الكبيرين.
استولت بداية على إقليم سنكيانغ-ويغور، المعروف أيضاً بـ«تركستان الشرقية»، الذي ينتمي غالبية سكانه إلى المسلمين الترك، وأكبر مكوناته العرقية التركية شعب الويغور. وكانت قوات جمهورية الصين الشعبية قد دخلت الإقليم عام 1949. وبحلول ربيع 1950 كان الجزء الأكبر من الإقليم تحت السيطرة الصينية.
وعلى نحو شبه متزامن، غزت القوات الصينية إقليم التيبت عام 1950، وبحلول عام 1959 كانت قد ضمت التيبت كلياً إلى أراضيها في أعقاب فرار زعيمه الروحي الدالاي لاما إلى الهند في أعقاب محاولة تمرد فاشلة ضد الصينيين، وفي تلك الآونة يقدر أنه تعرض 43.000 من أبناء التيبت للقتل.
هذا، وبعدما وفرت السلطات الهندية الملاذ الآمن للدالاي لاما، وسمحت لحكومة تيبتية منفية بالعمل من مدينة دارامسالا الهندية الواقعة في جبال الهيمالايا داخل الأراضي الهندية، بدأت الصين تنظر إلى الهند بريبة، وتلقي باللوم على نيودلهي عن دعم نشاطات مناهضة لبكين.
وعام 1962، هاجم الصينيون الهند في أعقاب سلسلة من المزاعم تضمنت توجيه نيودلهي أصابع الاتهام إلى بكين بخصوص الاستقلال الذاتي لإقليم التيبت. وفي المقابل، وجهت القيادة الصينية اتهامات إلى نظيرتها الهندية بالعمل على إضعاف قبضتها داخل التيبت. إلا أنه رغم ذلك، نعاين اليوم تحولاً أكثر جدية من جانب نيودلهي، بعيداً عن موقفها السابق المتمثل في قبول كون التيبت جزءاً من الأراضي الصينية.
على صعيد متصل، نشير إلى أنه بعد 10 أيام من وقوع صدامات غالوان الأخيرة، أشار بيما كهاندو، رئيس وزراء ولاية آروناتشال براديش الهندية، إلى «خط السيطرة الفعلية» الذي يفصل بين الهند والصين، باعتباره يشكل الحدود بين الهند والتيبت. وفي هذا الصدد، فإن السطات الصينية ما زالت تدعي أحقيتها في السيطرة على كامل ولاية أروناتشال براديش، وتطلق عليها مسمى «التيبت الجنوبية».
وبطبيعة الحال، لاقى هذا الوصف استحساناً كبيراً في صفوف نشطاء التيبت الذين سعوا منذ أمد بعيد نحو الحصول على دعم هندي نشط. أما الناشط والكاتب المنتمي إلى التيبت، تنزين تسوندو، فدعا من جهته إلى وصف الحدود بين الجانبين بأنها «حدود مع التيبت، وليست حدودا مع الصين». وكما هو متوقع، سلطت وسائل إعلام صينية الضوء على مثل هذه الآراء الهندية ووجهت سهام النقد إليها.

موضوع الدالاي لاما
وبالمثل، في تحول جديد في السياسات المتبعة، قدم عدد كبير من السياسيين الهنود ممن يتولون مناصب رسمية تهانيهم للدالاي لاما في يوم ميلاده الـ85 في السادس من يوليو (تموز). ومن بين الذين أرسلوا بطاقات تهنئة كيرين ريجيجو، وزير شؤون الشباب والرياضة، ورئيس وزراء أروناتشال براديش وكذلك حاكم لاداخ. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في العام 2018، أصدرت الحكومة الهندية توجيهات إلى كبار مسؤوليها تطلب منهم خلالها الإحجام عن المشاركة في أي فعاليات تتولى تنظيمها حكومة التيبت في المنفى.
من ناحية أخرى، وفي خضم المخاوف بخصوص الحالة الصحية للدالاي لاما (الدالاي لاما الحالي هو من حيث الرئيس الروحي الرابع عشر للتيبت)، أصدرت بكين تحذيرات دورية، منها تحذير أعلنته العام الماضي، بخصوص جهود اختيار خليفة له، الأمر الذي قد يجري داخل مدينة دارامسالا، حيث يوجد مقر حكومة التيبت في المنفى. وشددت بكين على ضرورة أن تتولى هي هذا الأمر.
واستطراداً، في يوليو 2019. قال وانغ نينغ شينغ، المدير العام لمكتب الإعلام الحكومي عن إقليم التيبت الصيني الذاتي الحكم إن «مسألة خلافة الدالاي لاما لن يجري تقريرها تبعاً لرغبته الشخصية أو من جانب مجموعة من الأفراد يعيشون في دول أخرى»، وذلك في إشارة إلى الهند. كذلك، قال زها لو «مدير المركز الصيني لأبحاث التيبت» الذي يوجد مقره في العاصمة الصينية بكين، في تصريحات صحافية إنه في حال اعتراف الهند رسمياً بأي خليفة للدالاي لاما لا تقبله الصين، فإن هذا الأمر سيتحول إلى خلاف سياسي بين البلدين «سيترك تداعيات على العلاقات الثنائية بينهما».
في هذه الأثناء، يشعر خبراء هنود بالغضب حيال أسلوب التعامل الحساس من جانب نيودلهي مع الصين فيما يخص الدالاي لاما والتيبت، لا سيما في ضوء حالة التأزم على الحدود في لاداخ، وامتناع بكين عن إبداء قدر متكافئ من الحساسية في تعاملها مع القضايا التي تمس الهند. وعلى سبيل المثال، قال الصحافي المستقل رانجيت بهوشان «يرمز الدالاي لاما إلى النفوذ الهندي فيما يتعلق بقضية جوهرية تخص الصين-التيبت. وفي واقع الأمر فإنه يمثل أصلاً استراتيجياً للهند. ومن ثم، سعياً منه نحو استرضاء الصين، وضع رئيس الحكومة الهندية مودي نهاية لجميع الاتصالات الرسمية مع الدالاي لاما وحكومة التيبت في المنفى... لكن هذا كان خطأ يجب تصحيحه».
ويرى بهوشان أنه لا يجوز أن تقف الهند موقف المتفرج، مضيفاً «في الوقت الذي يصلي أبناء التيبت في مختلف أرجاء العالم من أجل أن يتمتع الدالاي لاما بطول العمر، تنتظر الصين بفارغ الصبر وفاته كي تتمكن من الدفع بخلفٍ زائف تنصبه محله. أما الهند، فعليها أن تقدم يد العون في جهود إيجاد وتعيين وحماية الدالاي لاما المقبل عبر اتباع تعليمات الدالاي لاما الحالي».
ومن جانبه، دعا كريشان فارما، الرئيس السابق للاستخبارات الهندية، إلى مراجعة السياسة الهندية تجاه إقليم التيبت. وأشار إلى أن اتباع سياسة هندية جديدة تجاه الإقليم «تحمل إمكانيات حقيقية لأن تثير اضطراباً كبيراً داخل منطقة حساسة من الصين. وينبغي للهند مراجعة سياستها التي عفى عليها الدهر تجاه التيبت، والإعلان رسمياً عن التبت باعتبارها أرضاً محتلة».
وفي سياق متصل، طرح عضو الكونغرس الأميركي سكوت بيري مشروع قانون بخصوص التيبت. وحال تمرير مشروع القانون، فإنه يخول للرئيس الأميركي الاعتراف بالتيبت كدولة مستقلة منفصلة عن الصين.

وضع هونغ كونغ في التجاذب الهندي ـ الصيني
> وسط التوترات المستعرة بين الهند والصين على امتداد «خط السيطرة الفعلية» عند لاداخ، أطلقت نيودلهي حملة دبلوماسية ضد الصين من خلال التعبير عن مخاوفها بخصوص تداعيات قانون الأمن الوطني الجديد الذي مررته بكين على هونغ كونغ.
وما يذكر أنه في العام الماضي، أثار السفير الهندي لدى الأمم المتحدة قضية قانون الأمن الوطني الجديد في الصين وتأثيره على هونغ كونغ، وكيف أنه يحد من حرية التعبير. ودعا السفير إلى إدارة الوضع على نحو مناسب. وجاء البيان الهندي الصادر أمام الأمم المتحدة لافتاً لكونه يمثل المرة الأولى التي تثير الهند قضية هونغ كونغ، خاصة في خضم المظاهرات الضخمة المستمرة ضد الصين على الصعيد الدولي. ومن ناحيته، أوصى النائب السابق لمستشار الأمن الوطني الهندي، إرفيند غوبتا، بضرورة توجيه الهند دعماً للحركة الديمقراطية داخل هونغ كونغ. وقال «حتى إذا لم ننضم للجهود المشتركة التي تبذلها دول غربية لفرض العزلة على الصين على الصعيد الجيو-سياسي، يتوجب علينا أن نعبر عن مواقفنا بصوت مرتفع». وعلاوة على ذلك، أوصى غوبتا بأن تدعم الهند الأصوات المناهضة لانتهاكات حقوق الإنسان داخل إقليم سنكيانغ-ويغور على الساحة العالمية.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.