الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

تهدد بتفجيره النزاعات والملفات الحدودية

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ
TT

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

في خضم حالة الغليان التي تسود علاقات الهند مع «جارتها» الصين، جراء التوترات المستمرة على الحدود بين البلدين بطول «خط السيطرة الفعلية» شرق لاداخ الجبلي، تعكف سلطات نيودلهي على مراجعة سياستها تجاه الصين... التي تحمل عنوان «سياسة صين واحدة». وعلى ما يبدو، تسعى الهند الآن نحو مهاجمة نقاط الضعف الصينية في تايوان وإقليمي التيبت وسنكيانغ-ويغور الذاتيي الحكم في جنوب غربي الصين وغربها، بل، وحتى في مستعمرة هونغ كونغ السابقة.
والجدير بالذكر هنا، أن نيودلهي تدعم سياسة «صين واحدة»، التي تنص فعلياً على أن تايوان والتيبت وسنكيانغ تشكل جميعاً جزءاً من الأجزاء الرئيسية للصين، والتي كانت بكين من جهتها قد جعلت من سياسة «صين واحدة» شرطاً مسبقاً لإقامة علاقات دبلوماسية معها.
يرى خبراء هنود أن التوغل العسكري الصيني الأخير داخل إقليم لاداخ الجبلي الحدودي إلى الشمال من كشمير، يأتي نتاجاً لمشكلات داخلية تعاني منها حكومة بكين. وما يستحق الإشارة في هذا الصدد أن إقليم لاداخ يتميز بأهمية استراتيجية للصين لربطه بين إقليمي التيبت وسنكيانغ-ويغور، المتمتعين بالاستقلال الذاتي واللذين يضم كل منهما أقلية عرقية ودينية، علاوة على وفرة الموارد الاستراتيجية فيهما، حيث توجد ثروة ضخمة من النفط والغاز في أرض سنكيانغ وموارد مائية في التيبت. إلا أنه مقابل ذلك، يمور الإقليمان بنزعات انفصالية مناهضة لقومية الهان التي يشكل أفرادها السواد الأعظم من سكان الصين. وبالتالي، من شأن السيطرة على النقاط الاستراتيجية في شرقي لاداخ أن ييسر على حكومة بكين إحكام قبضتها على التيبت وسنكيانغ-ويغور، بجانب تعزيز «طريق تجارة الحرير» القديم.
البروفسور سريكانث كوندابالي، الأكاديمي الهندي، سلط الضوء على البعد التاريخي لسياسة «صين واحدة» داخل الهند، مشيراً إلى أن هذه السياسة كانت قد طُرحت للمرة الأولى خلال الفترة ما بين ديسمبر (كانون الأول) وأبريل (نيسان) 1950. بيد أنها كانت في تلك الفترة كانت مقتصرة فقط على تايوان (الصين الوطنية سابقاً)، الدولة-الجزيرة قبالة الساحل الصيني.
وأضاف كوندابالي «لقد كان لدى الهند قنصل عام في كل من التيبت وسنكيانغ-وبغور ومناطق أخرى. ولكن في غضون سنتين، ضم الحزب الشيوعي الحاكم في البر الصيني هذين الإقليمين الشاسعي المساحة إلى دولته التي هي جمهورية الصين الشعبية. واضطررنا نحن في الهند، على الأثر، إلى تحويل علاقاتنا الدبلوماسية مع جمهورية الصين (الصين الوطنية في جزيرة تايوان) إلى جمهورية الصين الشعبية. ومع صعود جمهورية الصين الشعبية، ألغى الحزب الشيوعي العلاقات القائمة والبعثات الدبلوماسية وجرى إقرار علاقات جديدة».

علاقات الهند مع تايوان
من جهة ثانية، في خطوة دبلوماسية كبرى، عينت الهند في الفترة الأخيرة دبلوماسيا رفيع المستوى مبعوثاً لها لدى تايوان. هذا المبعوث هو السفير غورانغلال داس، الذي كان يعمل سابقاً في الولايات المتحدة، وهو يتميز بإجادته التكلم بلغة الماندرين، لغة شمال الصين. وهنا، تتجلى أهمية تعيين الهند مبعوثاً لها لدى تايوان بالنظر إلى حقيقة أنه حتى ذلك الوقت لم تكن هناك أي علاقات رسمية بين الهند وتايوان، نظراً لالتزام نيودلهي بسياسة «صين واحدة» التي روجت لها وأكدت عليها بكين.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير، بأن تايوان تنظر إلى نفسها على أنها دولة سيدة مستقلة، في حين تصر السلطات في بكين على أنها جزء من أراضي الصين الواحدة التي تمثلها بكين حصراً. وفي هذا الصدد، أوضح راجان كومار، البروفسور بكلية الدراسات الدولية التابعة لجامعة جواهرلال نهرو في دلهي أن «تعيين مبعوث إلى تايوان يشكل تحولاً لافتاً عن السياسة التي لطالما اتبعتها الهند، التي تُعرف بنفورها من خوض المخاطرات، وتشتهر بدبلوماسيتها الناعمة. أما الآن، فقد بدأت الهند تتخلى عن تظاهرها بالسلوك المهذب، وهي وتحاول أن ترد على الصين بالصورة ذاتها. ولكن هذا الأمر أشبه بسلاح ذي حدين، ذلك أن بكين ربما تتورط، من ناحيتها هي الأخرى، في تحركات دبلوماسية قوية فيما يخص قضيتي كشمير وأروناتشال براديش (وهما ولايتان هنديتان حدوديتان مع الصين)».
هذا، ويأتي تعيين الدبلوماسي كمبعوث إلى تايوان بعد أسابيع من طلب تقدم به حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي اليميني الحاكم في نيودلهي إلى رئيس الوزراء ناريندرا مودي عبر اثنين من أعضائه هما ميناكشي ليخي وراهول كاسوان، من أجل حضور مراسم أداء رئيسة تايوان تساي إنغ ون، على نحو افتراضي يوم 20 مايو (أيار) أي بعد أسبوعين من بدء المواجهة مع الصين على «خط السيطرة الفعلية».
إضافة لذلك، دعمت الهند انضمام تايوان إلى «منظمة الصحة العالمية» بصفة مراقب، وأشارت إلى أن استبعاد تايوان من المنظمة الأممية إنما جاء أساساً نتيجة ضغوط صينية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في عام 2014. عندما وصل ناريندرا مودي، زعيم بهاراتيا جاناتا، إلى السلطة في نيودلهي، فإنه تبنى نهجاً خارج المألوف، وذلك من خلال توجيهه الدعوة إلى ممثل تايوان في الهند، جنباً إلى جنب مع لوبسانغ سانجاي رئيس إدارة التيبت المركزية لحضور حفل أدائه اليمين الدستورية عام 2014.
مع ذلك، أدت السياسة الهندية إزاء الصين وتركيزها على استقرار العلاقات مع بكين إلى تهميش تايوان. بل، عندما احتجت الصين على زيارة وفد برلماني تايواني جميع أفراده من النساء إلى الهند عام 2018، تباطأ زخم العلاقات بين الهند وتايوان على نحو أكبر.
وفي هذا الصدد، أعرب المسؤول السابق بأمانة مجلس الوزراء، جاياديفا رانادي، عن اعتقاده بضرورة أن تعمل الهند على توفير مكانة وفرص للشركات التابعة لتايوان مثلما تفعل مع الشركات الصينية في الوقت الحالي. وتساءل «لماذا يتوجب علينا منع الفرص ذاتها من وإلى تايوان مقارنة بالصين؟ إن باستطاعتنا الاستفادة من تايوان من خلال اجتذاب الشركات التايوانية العاملة في قطاع إنتاج الرقائق الإلكترونية والشحن إلى العمل في الهند. ومن شأن ذلك الإسهام في حل مشكلة البطالة داخل الهند ومعاونة الشركات الهندية على الازدهار».

الصين والهند... والتيبت
من وجهة نظر الصين، تتسم قضية التيبت، بالذات، بقدر بالغ من الحساسية. وواقع الأمر، أن سلطات نيودلهي بدأت اللعب ببطاقة التيبت في الفترة الأخيرة. وأخذ العديد من الأصوات، وإن كانت غير رسمية، تتعالى داعية الحكومة الهندية إلى تقديم الدعم لقضية استقلال إقليم التيبت عن الصين.
بين هؤلاء براهما شيلاني، الخبير الجيو-استراتيجي البارز والمتخصص في الشأن الصيني، الذي قال «يتوجب على الهند استغلال بطاقة التيبت. إن إقليم التيبت يشكل للهند في مواجهة الصين ما تشكله باكستان للصين في مواجهة الهند. بيد أنه على النقيض من الهواجس الهندية تجاه استغلال بطاقة التيبت، لم تبدِ بكين أدنى تردد حيال اللعب ببطاقة باكستان ضد الهند».
في هذا الإطار، ينبغي القول بأنه حتى عام 1959، لم تكن هناك ثمة حدود مشتركة بين الهند والصين نظراً لأن إقليم التيبت كان دولة مستقلة شكلت عملياً «منطقة عازلة» بين العملاقين الآسيويين. إلا أنه في ظل قيادة الزعيم الشيوعي الراحل ماو تسي تونغ، الأب المؤسس للصين الحديثة، استولت بكين على الإقليمين الكبيرين.
استولت بداية على إقليم سنكيانغ-ويغور، المعروف أيضاً بـ«تركستان الشرقية»، الذي ينتمي غالبية سكانه إلى المسلمين الترك، وأكبر مكوناته العرقية التركية شعب الويغور. وكانت قوات جمهورية الصين الشعبية قد دخلت الإقليم عام 1949. وبحلول ربيع 1950 كان الجزء الأكبر من الإقليم تحت السيطرة الصينية.
وعلى نحو شبه متزامن، غزت القوات الصينية إقليم التيبت عام 1950، وبحلول عام 1959 كانت قد ضمت التيبت كلياً إلى أراضيها في أعقاب فرار زعيمه الروحي الدالاي لاما إلى الهند في أعقاب محاولة تمرد فاشلة ضد الصينيين، وفي تلك الآونة يقدر أنه تعرض 43.000 من أبناء التيبت للقتل.
هذا، وبعدما وفرت السلطات الهندية الملاذ الآمن للدالاي لاما، وسمحت لحكومة تيبتية منفية بالعمل من مدينة دارامسالا الهندية الواقعة في جبال الهيمالايا داخل الأراضي الهندية، بدأت الصين تنظر إلى الهند بريبة، وتلقي باللوم على نيودلهي عن دعم نشاطات مناهضة لبكين.
وعام 1962، هاجم الصينيون الهند في أعقاب سلسلة من المزاعم تضمنت توجيه نيودلهي أصابع الاتهام إلى بكين بخصوص الاستقلال الذاتي لإقليم التيبت. وفي المقابل، وجهت القيادة الصينية اتهامات إلى نظيرتها الهندية بالعمل على إضعاف قبضتها داخل التيبت. إلا أنه رغم ذلك، نعاين اليوم تحولاً أكثر جدية من جانب نيودلهي، بعيداً عن موقفها السابق المتمثل في قبول كون التيبت جزءاً من الأراضي الصينية.
على صعيد متصل، نشير إلى أنه بعد 10 أيام من وقوع صدامات غالوان الأخيرة، أشار بيما كهاندو، رئيس وزراء ولاية آروناتشال براديش الهندية، إلى «خط السيطرة الفعلية» الذي يفصل بين الهند والصين، باعتباره يشكل الحدود بين الهند والتيبت. وفي هذا الصدد، فإن السطات الصينية ما زالت تدعي أحقيتها في السيطرة على كامل ولاية أروناتشال براديش، وتطلق عليها مسمى «التيبت الجنوبية».
وبطبيعة الحال، لاقى هذا الوصف استحساناً كبيراً في صفوف نشطاء التيبت الذين سعوا منذ أمد بعيد نحو الحصول على دعم هندي نشط. أما الناشط والكاتب المنتمي إلى التيبت، تنزين تسوندو، فدعا من جهته إلى وصف الحدود بين الجانبين بأنها «حدود مع التيبت، وليست حدودا مع الصين». وكما هو متوقع، سلطت وسائل إعلام صينية الضوء على مثل هذه الآراء الهندية ووجهت سهام النقد إليها.

موضوع الدالاي لاما
وبالمثل، في تحول جديد في السياسات المتبعة، قدم عدد كبير من السياسيين الهنود ممن يتولون مناصب رسمية تهانيهم للدالاي لاما في يوم ميلاده الـ85 في السادس من يوليو (تموز). ومن بين الذين أرسلوا بطاقات تهنئة كيرين ريجيجو، وزير شؤون الشباب والرياضة، ورئيس وزراء أروناتشال براديش وكذلك حاكم لاداخ. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في العام 2018، أصدرت الحكومة الهندية توجيهات إلى كبار مسؤوليها تطلب منهم خلالها الإحجام عن المشاركة في أي فعاليات تتولى تنظيمها حكومة التيبت في المنفى.
من ناحية أخرى، وفي خضم المخاوف بخصوص الحالة الصحية للدالاي لاما (الدالاي لاما الحالي هو من حيث الرئيس الروحي الرابع عشر للتيبت)، أصدرت بكين تحذيرات دورية، منها تحذير أعلنته العام الماضي، بخصوص جهود اختيار خليفة له، الأمر الذي قد يجري داخل مدينة دارامسالا، حيث يوجد مقر حكومة التيبت في المنفى. وشددت بكين على ضرورة أن تتولى هي هذا الأمر.
واستطراداً، في يوليو 2019. قال وانغ نينغ شينغ، المدير العام لمكتب الإعلام الحكومي عن إقليم التيبت الصيني الذاتي الحكم إن «مسألة خلافة الدالاي لاما لن يجري تقريرها تبعاً لرغبته الشخصية أو من جانب مجموعة من الأفراد يعيشون في دول أخرى»، وذلك في إشارة إلى الهند. كذلك، قال زها لو «مدير المركز الصيني لأبحاث التيبت» الذي يوجد مقره في العاصمة الصينية بكين، في تصريحات صحافية إنه في حال اعتراف الهند رسمياً بأي خليفة للدالاي لاما لا تقبله الصين، فإن هذا الأمر سيتحول إلى خلاف سياسي بين البلدين «سيترك تداعيات على العلاقات الثنائية بينهما».
في هذه الأثناء، يشعر خبراء هنود بالغضب حيال أسلوب التعامل الحساس من جانب نيودلهي مع الصين فيما يخص الدالاي لاما والتيبت، لا سيما في ضوء حالة التأزم على الحدود في لاداخ، وامتناع بكين عن إبداء قدر متكافئ من الحساسية في تعاملها مع القضايا التي تمس الهند. وعلى سبيل المثال، قال الصحافي المستقل رانجيت بهوشان «يرمز الدالاي لاما إلى النفوذ الهندي فيما يتعلق بقضية جوهرية تخص الصين-التيبت. وفي واقع الأمر فإنه يمثل أصلاً استراتيجياً للهند. ومن ثم، سعياً منه نحو استرضاء الصين، وضع رئيس الحكومة الهندية مودي نهاية لجميع الاتصالات الرسمية مع الدالاي لاما وحكومة التيبت في المنفى... لكن هذا كان خطأ يجب تصحيحه».
ويرى بهوشان أنه لا يجوز أن تقف الهند موقف المتفرج، مضيفاً «في الوقت الذي يصلي أبناء التيبت في مختلف أرجاء العالم من أجل أن يتمتع الدالاي لاما بطول العمر، تنتظر الصين بفارغ الصبر وفاته كي تتمكن من الدفع بخلفٍ زائف تنصبه محله. أما الهند، فعليها أن تقدم يد العون في جهود إيجاد وتعيين وحماية الدالاي لاما المقبل عبر اتباع تعليمات الدالاي لاما الحالي».
ومن جانبه، دعا كريشان فارما، الرئيس السابق للاستخبارات الهندية، إلى مراجعة السياسة الهندية تجاه إقليم التيبت. وأشار إلى أن اتباع سياسة هندية جديدة تجاه الإقليم «تحمل إمكانيات حقيقية لأن تثير اضطراباً كبيراً داخل منطقة حساسة من الصين. وينبغي للهند مراجعة سياستها التي عفى عليها الدهر تجاه التيبت، والإعلان رسمياً عن التبت باعتبارها أرضاً محتلة».
وفي سياق متصل، طرح عضو الكونغرس الأميركي سكوت بيري مشروع قانون بخصوص التيبت. وحال تمرير مشروع القانون، فإنه يخول للرئيس الأميركي الاعتراف بالتيبت كدولة مستقلة منفصلة عن الصين.

وضع هونغ كونغ في التجاذب الهندي ـ الصيني
> وسط التوترات المستعرة بين الهند والصين على امتداد «خط السيطرة الفعلية» عند لاداخ، أطلقت نيودلهي حملة دبلوماسية ضد الصين من خلال التعبير عن مخاوفها بخصوص تداعيات قانون الأمن الوطني الجديد الذي مررته بكين على هونغ كونغ.
وما يذكر أنه في العام الماضي، أثار السفير الهندي لدى الأمم المتحدة قضية قانون الأمن الوطني الجديد في الصين وتأثيره على هونغ كونغ، وكيف أنه يحد من حرية التعبير. ودعا السفير إلى إدارة الوضع على نحو مناسب. وجاء البيان الهندي الصادر أمام الأمم المتحدة لافتاً لكونه يمثل المرة الأولى التي تثير الهند قضية هونغ كونغ، خاصة في خضم المظاهرات الضخمة المستمرة ضد الصين على الصعيد الدولي. ومن ناحيته، أوصى النائب السابق لمستشار الأمن الوطني الهندي، إرفيند غوبتا، بضرورة توجيه الهند دعماً للحركة الديمقراطية داخل هونغ كونغ. وقال «حتى إذا لم ننضم للجهود المشتركة التي تبذلها دول غربية لفرض العزلة على الصين على الصعيد الجيو-سياسي، يتوجب علينا أن نعبر عن مواقفنا بصوت مرتفع». وعلاوة على ذلك، أوصى غوبتا بأن تدعم الهند الأصوات المناهضة لانتهاكات حقوق الإنسان داخل إقليم سنكيانغ-ويغور على الساحة العالمية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.