الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

تهدد بتفجيره النزاعات والملفات الحدودية

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ
TT

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

الهند والصين... صراع مستقبلي تحكمه رواسب التاريخ

في خضم حالة الغليان التي تسود علاقات الهند مع «جارتها» الصين، جراء التوترات المستمرة على الحدود بين البلدين بطول «خط السيطرة الفعلية» شرق لاداخ الجبلي، تعكف سلطات نيودلهي على مراجعة سياستها تجاه الصين... التي تحمل عنوان «سياسة صين واحدة». وعلى ما يبدو، تسعى الهند الآن نحو مهاجمة نقاط الضعف الصينية في تايوان وإقليمي التيبت وسنكيانغ-ويغور الذاتيي الحكم في جنوب غربي الصين وغربها، بل، وحتى في مستعمرة هونغ كونغ السابقة.
والجدير بالذكر هنا، أن نيودلهي تدعم سياسة «صين واحدة»، التي تنص فعلياً على أن تايوان والتيبت وسنكيانغ تشكل جميعاً جزءاً من الأجزاء الرئيسية للصين، والتي كانت بكين من جهتها قد جعلت من سياسة «صين واحدة» شرطاً مسبقاً لإقامة علاقات دبلوماسية معها.
يرى خبراء هنود أن التوغل العسكري الصيني الأخير داخل إقليم لاداخ الجبلي الحدودي إلى الشمال من كشمير، يأتي نتاجاً لمشكلات داخلية تعاني منها حكومة بكين. وما يستحق الإشارة في هذا الصدد أن إقليم لاداخ يتميز بأهمية استراتيجية للصين لربطه بين إقليمي التيبت وسنكيانغ-ويغور، المتمتعين بالاستقلال الذاتي واللذين يضم كل منهما أقلية عرقية ودينية، علاوة على وفرة الموارد الاستراتيجية فيهما، حيث توجد ثروة ضخمة من النفط والغاز في أرض سنكيانغ وموارد مائية في التيبت. إلا أنه مقابل ذلك، يمور الإقليمان بنزعات انفصالية مناهضة لقومية الهان التي يشكل أفرادها السواد الأعظم من سكان الصين. وبالتالي، من شأن السيطرة على النقاط الاستراتيجية في شرقي لاداخ أن ييسر على حكومة بكين إحكام قبضتها على التيبت وسنكيانغ-ويغور، بجانب تعزيز «طريق تجارة الحرير» القديم.
البروفسور سريكانث كوندابالي، الأكاديمي الهندي، سلط الضوء على البعد التاريخي لسياسة «صين واحدة» داخل الهند، مشيراً إلى أن هذه السياسة كانت قد طُرحت للمرة الأولى خلال الفترة ما بين ديسمبر (كانون الأول) وأبريل (نيسان) 1950. بيد أنها كانت في تلك الفترة كانت مقتصرة فقط على تايوان (الصين الوطنية سابقاً)، الدولة-الجزيرة قبالة الساحل الصيني.
وأضاف كوندابالي «لقد كان لدى الهند قنصل عام في كل من التيبت وسنكيانغ-وبغور ومناطق أخرى. ولكن في غضون سنتين، ضم الحزب الشيوعي الحاكم في البر الصيني هذين الإقليمين الشاسعي المساحة إلى دولته التي هي جمهورية الصين الشعبية. واضطررنا نحن في الهند، على الأثر، إلى تحويل علاقاتنا الدبلوماسية مع جمهورية الصين (الصين الوطنية في جزيرة تايوان) إلى جمهورية الصين الشعبية. ومع صعود جمهورية الصين الشعبية، ألغى الحزب الشيوعي العلاقات القائمة والبعثات الدبلوماسية وجرى إقرار علاقات جديدة».

علاقات الهند مع تايوان
من جهة ثانية، في خطوة دبلوماسية كبرى، عينت الهند في الفترة الأخيرة دبلوماسيا رفيع المستوى مبعوثاً لها لدى تايوان. هذا المبعوث هو السفير غورانغلال داس، الذي كان يعمل سابقاً في الولايات المتحدة، وهو يتميز بإجادته التكلم بلغة الماندرين، لغة شمال الصين. وهنا، تتجلى أهمية تعيين الهند مبعوثاً لها لدى تايوان بالنظر إلى حقيقة أنه حتى ذلك الوقت لم تكن هناك أي علاقات رسمية بين الهند وتايوان، نظراً لالتزام نيودلهي بسياسة «صين واحدة» التي روجت لها وأكدت عليها بكين.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير، بأن تايوان تنظر إلى نفسها على أنها دولة سيدة مستقلة، في حين تصر السلطات في بكين على أنها جزء من أراضي الصين الواحدة التي تمثلها بكين حصراً. وفي هذا الصدد، أوضح راجان كومار، البروفسور بكلية الدراسات الدولية التابعة لجامعة جواهرلال نهرو في دلهي أن «تعيين مبعوث إلى تايوان يشكل تحولاً لافتاً عن السياسة التي لطالما اتبعتها الهند، التي تُعرف بنفورها من خوض المخاطرات، وتشتهر بدبلوماسيتها الناعمة. أما الآن، فقد بدأت الهند تتخلى عن تظاهرها بالسلوك المهذب، وهي وتحاول أن ترد على الصين بالصورة ذاتها. ولكن هذا الأمر أشبه بسلاح ذي حدين، ذلك أن بكين ربما تتورط، من ناحيتها هي الأخرى، في تحركات دبلوماسية قوية فيما يخص قضيتي كشمير وأروناتشال براديش (وهما ولايتان هنديتان حدوديتان مع الصين)».
هذا، ويأتي تعيين الدبلوماسي كمبعوث إلى تايوان بعد أسابيع من طلب تقدم به حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي اليميني الحاكم في نيودلهي إلى رئيس الوزراء ناريندرا مودي عبر اثنين من أعضائه هما ميناكشي ليخي وراهول كاسوان، من أجل حضور مراسم أداء رئيسة تايوان تساي إنغ ون، على نحو افتراضي يوم 20 مايو (أيار) أي بعد أسبوعين من بدء المواجهة مع الصين على «خط السيطرة الفعلية».
إضافة لذلك، دعمت الهند انضمام تايوان إلى «منظمة الصحة العالمية» بصفة مراقب، وأشارت إلى أن استبعاد تايوان من المنظمة الأممية إنما جاء أساساً نتيجة ضغوط صينية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في عام 2014. عندما وصل ناريندرا مودي، زعيم بهاراتيا جاناتا، إلى السلطة في نيودلهي، فإنه تبنى نهجاً خارج المألوف، وذلك من خلال توجيهه الدعوة إلى ممثل تايوان في الهند، جنباً إلى جنب مع لوبسانغ سانجاي رئيس إدارة التيبت المركزية لحضور حفل أدائه اليمين الدستورية عام 2014.
مع ذلك، أدت السياسة الهندية إزاء الصين وتركيزها على استقرار العلاقات مع بكين إلى تهميش تايوان. بل، عندما احتجت الصين على زيارة وفد برلماني تايواني جميع أفراده من النساء إلى الهند عام 2018، تباطأ زخم العلاقات بين الهند وتايوان على نحو أكبر.
وفي هذا الصدد، أعرب المسؤول السابق بأمانة مجلس الوزراء، جاياديفا رانادي، عن اعتقاده بضرورة أن تعمل الهند على توفير مكانة وفرص للشركات التابعة لتايوان مثلما تفعل مع الشركات الصينية في الوقت الحالي. وتساءل «لماذا يتوجب علينا منع الفرص ذاتها من وإلى تايوان مقارنة بالصين؟ إن باستطاعتنا الاستفادة من تايوان من خلال اجتذاب الشركات التايوانية العاملة في قطاع إنتاج الرقائق الإلكترونية والشحن إلى العمل في الهند. ومن شأن ذلك الإسهام في حل مشكلة البطالة داخل الهند ومعاونة الشركات الهندية على الازدهار».

الصين والهند... والتيبت
من وجهة نظر الصين، تتسم قضية التيبت، بالذات، بقدر بالغ من الحساسية. وواقع الأمر، أن سلطات نيودلهي بدأت اللعب ببطاقة التيبت في الفترة الأخيرة. وأخذ العديد من الأصوات، وإن كانت غير رسمية، تتعالى داعية الحكومة الهندية إلى تقديم الدعم لقضية استقلال إقليم التيبت عن الصين.
بين هؤلاء براهما شيلاني، الخبير الجيو-استراتيجي البارز والمتخصص في الشأن الصيني، الذي قال «يتوجب على الهند استغلال بطاقة التيبت. إن إقليم التيبت يشكل للهند في مواجهة الصين ما تشكله باكستان للصين في مواجهة الهند. بيد أنه على النقيض من الهواجس الهندية تجاه استغلال بطاقة التيبت، لم تبدِ بكين أدنى تردد حيال اللعب ببطاقة باكستان ضد الهند».
في هذا الإطار، ينبغي القول بأنه حتى عام 1959، لم تكن هناك ثمة حدود مشتركة بين الهند والصين نظراً لأن إقليم التيبت كان دولة مستقلة شكلت عملياً «منطقة عازلة» بين العملاقين الآسيويين. إلا أنه في ظل قيادة الزعيم الشيوعي الراحل ماو تسي تونغ، الأب المؤسس للصين الحديثة، استولت بكين على الإقليمين الكبيرين.
استولت بداية على إقليم سنكيانغ-ويغور، المعروف أيضاً بـ«تركستان الشرقية»، الذي ينتمي غالبية سكانه إلى المسلمين الترك، وأكبر مكوناته العرقية التركية شعب الويغور. وكانت قوات جمهورية الصين الشعبية قد دخلت الإقليم عام 1949. وبحلول ربيع 1950 كان الجزء الأكبر من الإقليم تحت السيطرة الصينية.
وعلى نحو شبه متزامن، غزت القوات الصينية إقليم التيبت عام 1950، وبحلول عام 1959 كانت قد ضمت التيبت كلياً إلى أراضيها في أعقاب فرار زعيمه الروحي الدالاي لاما إلى الهند في أعقاب محاولة تمرد فاشلة ضد الصينيين، وفي تلك الآونة يقدر أنه تعرض 43.000 من أبناء التيبت للقتل.
هذا، وبعدما وفرت السلطات الهندية الملاذ الآمن للدالاي لاما، وسمحت لحكومة تيبتية منفية بالعمل من مدينة دارامسالا الهندية الواقعة في جبال الهيمالايا داخل الأراضي الهندية، بدأت الصين تنظر إلى الهند بريبة، وتلقي باللوم على نيودلهي عن دعم نشاطات مناهضة لبكين.
وعام 1962، هاجم الصينيون الهند في أعقاب سلسلة من المزاعم تضمنت توجيه نيودلهي أصابع الاتهام إلى بكين بخصوص الاستقلال الذاتي لإقليم التيبت. وفي المقابل، وجهت القيادة الصينية اتهامات إلى نظيرتها الهندية بالعمل على إضعاف قبضتها داخل التيبت. إلا أنه رغم ذلك، نعاين اليوم تحولاً أكثر جدية من جانب نيودلهي، بعيداً عن موقفها السابق المتمثل في قبول كون التيبت جزءاً من الأراضي الصينية.
على صعيد متصل، نشير إلى أنه بعد 10 أيام من وقوع صدامات غالوان الأخيرة، أشار بيما كهاندو، رئيس وزراء ولاية آروناتشال براديش الهندية، إلى «خط السيطرة الفعلية» الذي يفصل بين الهند والصين، باعتباره يشكل الحدود بين الهند والتيبت. وفي هذا الصدد، فإن السطات الصينية ما زالت تدعي أحقيتها في السيطرة على كامل ولاية أروناتشال براديش، وتطلق عليها مسمى «التيبت الجنوبية».
وبطبيعة الحال، لاقى هذا الوصف استحساناً كبيراً في صفوف نشطاء التيبت الذين سعوا منذ أمد بعيد نحو الحصول على دعم هندي نشط. أما الناشط والكاتب المنتمي إلى التيبت، تنزين تسوندو، فدعا من جهته إلى وصف الحدود بين الجانبين بأنها «حدود مع التيبت، وليست حدودا مع الصين». وكما هو متوقع، سلطت وسائل إعلام صينية الضوء على مثل هذه الآراء الهندية ووجهت سهام النقد إليها.

موضوع الدالاي لاما
وبالمثل، في تحول جديد في السياسات المتبعة، قدم عدد كبير من السياسيين الهنود ممن يتولون مناصب رسمية تهانيهم للدالاي لاما في يوم ميلاده الـ85 في السادس من يوليو (تموز). ومن بين الذين أرسلوا بطاقات تهنئة كيرين ريجيجو، وزير شؤون الشباب والرياضة، ورئيس وزراء أروناتشال براديش وكذلك حاكم لاداخ. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في العام 2018، أصدرت الحكومة الهندية توجيهات إلى كبار مسؤوليها تطلب منهم خلالها الإحجام عن المشاركة في أي فعاليات تتولى تنظيمها حكومة التيبت في المنفى.
من ناحية أخرى، وفي خضم المخاوف بخصوص الحالة الصحية للدالاي لاما (الدالاي لاما الحالي هو من حيث الرئيس الروحي الرابع عشر للتيبت)، أصدرت بكين تحذيرات دورية، منها تحذير أعلنته العام الماضي، بخصوص جهود اختيار خليفة له، الأمر الذي قد يجري داخل مدينة دارامسالا، حيث يوجد مقر حكومة التيبت في المنفى. وشددت بكين على ضرورة أن تتولى هي هذا الأمر.
واستطراداً، في يوليو 2019. قال وانغ نينغ شينغ، المدير العام لمكتب الإعلام الحكومي عن إقليم التيبت الصيني الذاتي الحكم إن «مسألة خلافة الدالاي لاما لن يجري تقريرها تبعاً لرغبته الشخصية أو من جانب مجموعة من الأفراد يعيشون في دول أخرى»، وذلك في إشارة إلى الهند. كذلك، قال زها لو «مدير المركز الصيني لأبحاث التيبت» الذي يوجد مقره في العاصمة الصينية بكين، في تصريحات صحافية إنه في حال اعتراف الهند رسمياً بأي خليفة للدالاي لاما لا تقبله الصين، فإن هذا الأمر سيتحول إلى خلاف سياسي بين البلدين «سيترك تداعيات على العلاقات الثنائية بينهما».
في هذه الأثناء، يشعر خبراء هنود بالغضب حيال أسلوب التعامل الحساس من جانب نيودلهي مع الصين فيما يخص الدالاي لاما والتيبت، لا سيما في ضوء حالة التأزم على الحدود في لاداخ، وامتناع بكين عن إبداء قدر متكافئ من الحساسية في تعاملها مع القضايا التي تمس الهند. وعلى سبيل المثال، قال الصحافي المستقل رانجيت بهوشان «يرمز الدالاي لاما إلى النفوذ الهندي فيما يتعلق بقضية جوهرية تخص الصين-التيبت. وفي واقع الأمر فإنه يمثل أصلاً استراتيجياً للهند. ومن ثم، سعياً منه نحو استرضاء الصين، وضع رئيس الحكومة الهندية مودي نهاية لجميع الاتصالات الرسمية مع الدالاي لاما وحكومة التيبت في المنفى... لكن هذا كان خطأ يجب تصحيحه».
ويرى بهوشان أنه لا يجوز أن تقف الهند موقف المتفرج، مضيفاً «في الوقت الذي يصلي أبناء التيبت في مختلف أرجاء العالم من أجل أن يتمتع الدالاي لاما بطول العمر، تنتظر الصين بفارغ الصبر وفاته كي تتمكن من الدفع بخلفٍ زائف تنصبه محله. أما الهند، فعليها أن تقدم يد العون في جهود إيجاد وتعيين وحماية الدالاي لاما المقبل عبر اتباع تعليمات الدالاي لاما الحالي».
ومن جانبه، دعا كريشان فارما، الرئيس السابق للاستخبارات الهندية، إلى مراجعة السياسة الهندية تجاه إقليم التيبت. وأشار إلى أن اتباع سياسة هندية جديدة تجاه الإقليم «تحمل إمكانيات حقيقية لأن تثير اضطراباً كبيراً داخل منطقة حساسة من الصين. وينبغي للهند مراجعة سياستها التي عفى عليها الدهر تجاه التيبت، والإعلان رسمياً عن التبت باعتبارها أرضاً محتلة».
وفي سياق متصل، طرح عضو الكونغرس الأميركي سكوت بيري مشروع قانون بخصوص التيبت. وحال تمرير مشروع القانون، فإنه يخول للرئيس الأميركي الاعتراف بالتيبت كدولة مستقلة منفصلة عن الصين.

وضع هونغ كونغ في التجاذب الهندي ـ الصيني
> وسط التوترات المستعرة بين الهند والصين على امتداد «خط السيطرة الفعلية» عند لاداخ، أطلقت نيودلهي حملة دبلوماسية ضد الصين من خلال التعبير عن مخاوفها بخصوص تداعيات قانون الأمن الوطني الجديد الذي مررته بكين على هونغ كونغ.
وما يذكر أنه في العام الماضي، أثار السفير الهندي لدى الأمم المتحدة قضية قانون الأمن الوطني الجديد في الصين وتأثيره على هونغ كونغ، وكيف أنه يحد من حرية التعبير. ودعا السفير إلى إدارة الوضع على نحو مناسب. وجاء البيان الهندي الصادر أمام الأمم المتحدة لافتاً لكونه يمثل المرة الأولى التي تثير الهند قضية هونغ كونغ، خاصة في خضم المظاهرات الضخمة المستمرة ضد الصين على الصعيد الدولي. ومن ناحيته، أوصى النائب السابق لمستشار الأمن الوطني الهندي، إرفيند غوبتا، بضرورة توجيه الهند دعماً للحركة الديمقراطية داخل هونغ كونغ. وقال «حتى إذا لم ننضم للجهود المشتركة التي تبذلها دول غربية لفرض العزلة على الصين على الصعيد الجيو-سياسي، يتوجب علينا أن نعبر عن مواقفنا بصوت مرتفع». وعلاوة على ذلك، أوصى غوبتا بأن تدعم الهند الأصوات المناهضة لانتهاكات حقوق الإنسان داخل إقليم سنكيانغ-ويغور على الساحة العالمية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.