حان الوقت لإعادة اللقاء مع «ذا مابيتس شو»

يعد مسلسل «مابيتس ناو» الجديد أحدث محاولة لاستعادة الضفدع «كيرمت» ورفاقه الظرفاء

يعد مسلسل «مابيتس ناو» ضمن محاولة جلب شخصيات العرائس الترفيهية إلى خدمات البث الترفيهي المباشر
يعد مسلسل «مابيتس ناو» ضمن محاولة جلب شخصيات العرائس الترفيهية إلى خدمات البث الترفيهي المباشر
TT

حان الوقت لإعادة اللقاء مع «ذا مابيتس شو»

يعد مسلسل «مابيتس ناو» ضمن محاولة جلب شخصيات العرائس الترفيهية إلى خدمات البث الترفيهي المباشر
يعد مسلسل «مابيتس ناو» ضمن محاولة جلب شخصيات العرائس الترفيهية إلى خدمات البث الترفيهي المباشر

مع البدايات الأولى لبرنامج «ذا مابيتس شو» الترفيهي في أواخر سبعينات القرن الماضي، كانت زيارة مختبرات العرائس تتضمن مشاهدة شخصية الدكتور بانسن هانيديو العجيبة (صاحب المختبر) وهو يعرض مخترعاته العجيبة للغاية من شاكلة القبعة المنفجرة أو ربطة العنق ذاتية التدمير مع فرقعة خفيفة من الألعاب النارية، أو صوت الفرقعة المعلب مع دفعة من الدخان اللطيف. أما اليوم، فإن معاودة زيارة نفس المختبر –عبر مسلسل «مابيتس ناو» من إنتاج شبكة «ديزني بلس»– تُظهر لنا شخصية الدكتور هانيديو رفقة مساعده «بيكر» المنفعل دائماً، وهما يستخدمان جهازاً محلي الصنع يطلقان عليه اسم «إنفرنوماتيك» الذي يحوّل من عناصر الحياة اليومية مثل علبة البيض أو ساعة الحائط أو آلة الجيتار إلى أكوام من الرماد المشتعل في ثوانٍ معدودة.
وإذا كان هذا المشهد الأخير من مسلسل «مابيتس ناو» يبدو مهووساً وقادراً على إشعال الأجواء من حولك –وربما تشعر بأنه مألوف بعض الشيء– فلأنه حسب التصميم، كما أوضحت السيدة لي سلوتر نائبة رئيس «مابيتس استوديو» مؤخراً، أنها وفريق العمل خاصتها يأملون أن ينجح المسلسل الجديد في استحضار روح الفوضوية الحقيقية لعرائس «مابيتس شو» القديمة والفوضى العارمة الكاملة التي كان يبثها إلى المشاهدين من قبل.
وأضافت السيدة سلوتر تقول عن ذلك: «إنْ قُدر لتلك العرائس الترفيهية أن تستفيد من قدرات العلوم الحقيقية في عالمنا المعاصر فما من شك في أنها سوف تتجه إلى حرق الأشياء، وإسقاط الأشياء، وربما تفجير كل الأشياء من حولنا».
يعد مسلسل «مابيتس ناو» –وهو مسلسل قصير من ست حلقات فقط ومن المقرر عرض أولى حلقاته بحلول 31 يوليو (تموز) الجاري– من بين محاولات شركة «ديزني» في جلب شخصيات العرائس الترفيهية المألوفة واللطيفة والعجيبة للغاية إلى خدمات البث الترفيهي المباشر مع محاكاة ساخرة للغاية لمحتويات شبكة الإنترنت. وتتميز مقاطع الحلقات الجديدة بشخصيات قديمة جديدة معروفة مثل «ميس بيغي» والشيف السويدي في مقالب كوميدية سريعة تلك التي تسخر بشدة من التنسيقات ذائعة الصيت على شبكة الإنترنت.
وتسعى حلقات المسلسل الجديد إلى إعادة ربط شخصيات العمل الفني بالحساسية الفوضوية غير المنتظمة التي جسّدها عصر «ذا مابيتس شو» قديماً مع محاولة العودة إلى الأسس الأولى بعد الجهود الأخيرة ومحاولات إعادة الحياة لتلك العرائس التي تلاشت تماماً.
يقول بيل باريتا، الفنان المخضرم القديم في سلسلة «ذا مابيتس شو» والمنتج التنفيذي لمسلسل «مابيتس ناو» الجديد: «تدور الفكرة حول التوقف تماماً عن محاولات التماهي الجادة لأن نكون مثل أي شخص آخر من حولنا وأن نصير كما كنا في عروض (ذا مابيتس شو) القديمة. دعونا نحاول الاحتفاء بحقيقة مفادها أنه يتعين عليهم جميعاً التعامل بعضهم مع بعض، والاستمرار في السخافات التي يتقنونها، ويواصلون اللعب، والاستمتاع من جديد».
بعد مرور ما يقرب من 45 عاماً على العرض الأول لحلقات «ذا مابيتس شو» (الذي ظهر للمرة الأولى على شاشات التلفاز في عام 1976 حتى عام 1981)، لا يزال البرنامج الترفيهي يمثل علامة فائقة من علامات التميز. ومن بين بنات أفكار جيم هانسون –مؤسس البرنامج– وخيالاته التخريبية اللطيفة مع فرقة من الفنانين والمؤلفين من ذوي العقليات المماثلة، ظهرت سلسلة من حلقات السخرية اللاذعة للغاية المدعومة من عدد من أبرز مشاهير المجتمع الذين استضافهم البرنامج، فضلاً عن التوجهات الفوضوية الموروثة عن برامج ذات صيت ذائع من شاكلة «» (التي ظهر فيها «ذا مابيتس شو» ذات مرة في الماضي)، وكذلك حلقات «سيرك مونتي بايثون الطائر» الكوميدية القديمة التي أُذيعت عبر 4 مواسم كاملة في سبعينات القرن الماضي.
كانت شعبية «ذا مابيتس شو» قد مهّدت الأجواء من قبل لظهور أفلام ناجحة للغاية مثل فيلم «ذا مابيتس موفي» من إنتاج عام 1979 الذي تمكن من تلطيف خط السخرية اللاذعة الذي اعتمده المسلسل الأصلي من خلال الدخول بخط موازٍ يحمل قدره المعتبر من العاطفة عن طريق وجود فنانين محبوبين للغاية وقتذاك من أمثال جيم هانسون وفرانك أوز لدى جيل كامل من المشاهدين المحبين لهما ولفنونهما الجميلة.
بيد أن المحافظة على صلة «ذا مابيتس» بجمهور العصر الحاضر كان من الغايات بعيدة المنال، ولا سيما منذ استحواذ شركة «ديزني» عليها من قبل في عام 2004. (ظلت الدمى المتحركة التي صُنعت لصالح برنامج «شارع سمسم» الشهير ملكاً لمؤسسة «سيسام وركشوب» غير الهادفة للربح، في حين أن هناك برامج ترفيهية أخرى مثل «فراغل روك» تعود بالملكية الحصرية إلى شركة جيم هانسون).
كان فيلم «ذا مابيتس» الذي أُنتج في عام 2011 من تأليف نيكولاس ستولر وجايسون سيغيل قد حقق نجاحاً كبيراً على مستوى النقاد وعلى المستوى الجماهيري، كما أنه حاز إحدى جوائز أوسكار عن أفضل أغنية في الفيلم «مان أو مابيت» من تأليف بريت ماكينزي. غير أن فيلم «مابيتس موست وانتيد» الذي جاء إنتاجه في عام 2014 كان مخيباً للآمال والطموحات وسرعان ما أسفر عن عرقلة عملية إعادة إحياء شخصيات الدمى القديمة في عمل فني تلفزيوني جديد.
وفي عام 2015، لفتت مسرحية «ذا مابيتس» الهزلية من إنتاج شبكة «إيه بي سي» الانتباه إلى أسلوب التصوير السينمائي الهزلي الذي يعتمد على تقنية التصوير باستخدام كاميرا واحدة فقط (على غرار عروض ترفيهية أخرى مثل «ذا أوفيس») والحبكة الدرامية التي أسفرت عن انفصال «الضفدع كيرميت» عن «ميس بيغي» في آخرها. غير أن ذلك العرض لم يستقبله النقاد والجمهور بصورة جيدة، وكان مثيراً للإزعاج بسبب تغيير الموظفين والعاملين وتم الإلغاء بعد عرض موسم واحد فقط.
وقال بيل باريتا، الذي يقوم بدور شخصيات «راولف ذا دوج» و«بيبي ذا كينغ براون»، إن منهج تلك المسرحية الهزلية كان مفرطاً للغاية في الصورة النمطية لشخصيات عرائس العرض.
وقال دان سيلفر، نائب رئيس المحتوى الأصلي غير المكتوب لشبكة «ديزني بلس»: «إن تحولات الحبكة الدرامية للمسلسل الترفيهي لم تكن تسفر بالضرورة عن إعادة المتفرجين إلى مشاهدة عروض (ذا مابيتس) وفي بعض الأحيان لا يتعلق الأمر بما إذا كان (الضفدع كيرميت) و(ميس بيغي) سوف يعاودان التلاقي معاً مرة أخرى. ولكنه يتعلق بكيفية أن يكون ذلك التلاقي الثاني مثيراً للضحك ضمن مجريات مسرحية هزلية من عرائس متحركة».
ومع ذلك، أحرز عرض «ذا مابيتس» بعض النجاحات المعاصرة الأخرى تلك التي أشارت إلى مسار ما للمضي قدماً، بما في ذلك مقطع للفيديو ذاع انتشاره في عام 2009 قاموا فيه بأداء أغنية «بوهيميان رابسودي»، مع عرض حي جرى تقديمه في «هوليوود باول» في عام 2017، ثم مرة أخرى في «أرينا أو تو» في لندن عام 2018.
وقال إريك جاكوبسون، فنان الدمى المتحركة الذي يقوم الآن بأداء شخصية «فوزي» و«ميس بيغي»، إن الحفلات الحية كانت من الخطوات المهمة والحاسمة في إعادة فريق الدمى المتحركة إلى قيمها الأولى الأساسية، وأردف قائلاً عن العروض التي تضمنت بعض الفقرات الشهيرة: «لقد كانت تجارب تعاونية للغاية».
وأضاف جاكوبسون يقول: «شهدت محاولات العودة إلى جذور برنامج (ذا مابيتس) جهوداً واعية وحقيقية في أداء الشخصيات والشعور بالابتعاد الذي استجاب الناس له كثيراً».
وفي العام الماضي، أعلنت شركة «ديزني» أنها كانت تعمل مع «مابيتس ستوديو» على عرض برنامج ترفيهي جديد. (وهناك سلسلة جديدة من عروض «ذا مابيتس» أعدها آدم هورويتز وإدوارد كيتسيس تحت عنوان «وانس أبون أتايم»، ومن إعداد جوش غاد تحت عنوان «فروزن»، ولقد توقف العمل عليها في مثل هذا الوقت بسبب مشكلات تتعلق بالإبداع).
وقال دان سيلفر، المدير التنفيذي لدى شبكة «ديزني بلس»، إن مسلسل «مابيتس ناو» ينبغي أن يعكس حالة المرونة الأساسية للملكية الفكرية. وعلى غرار «ميكي ماوس» أو «عائلة سمبسون»، فإنه من المفترض لعرائس «ذا مابيتس» أن تعيش فيما بيننا، وألا تتحول إلى عرض ترفيهي يعود بالحنين إلى الماضي الجميل، بل إنها موجودة وسطنا وفي أي وقت نعيش فيه.
وأضاف سيلفر قائلاً إن من أسباب نجاح «ذا مابيتس» أمر يمكن العثور عليه في لقطة مبكرة من لقطات «ذا مابيتس موفي» تُظهر كلا من جيم هانسون وفرانك أوز وهما يتجولان في الريف ويدور بينهما حوار مع الضفدع كيرميت وميس بيغي وفوزي بير.
وقال سيلفر مستطرداً: «إن الأمر مجرد رؤية لدى جين وفرانك بشأن كيفية وضع الدمى المتحركة في العالم الحقيقي خارج الاستوديو. وإنها تجربة ارتجالية بالكامل بل ومضحكة أيضاً. وكنا في حاجة إلى عرضها بما يناسب العصر الراهن».
وقال إن ترتيب مسلسل «مابيتس ناو» الآن جرى اقتراحه بالعودة إلى الأيام الأولى واستلهام إشارة معينة من برنامج «ذا مابيتس شو»، والذي كان في جزء منه عرضاً لبرامج الكوميديا الهزلية في عقدي الستينات والسبعينات. وأضاف: «إن كان (ذا مابيتس شو) يتعلق بالسخرية من شخصيات شهيرة مثل سوني وشير وإد سوليفان، فكيف سيدور الحوار في العصر الحاضر؟ ولكن الجواب يكمن في قنوات (يوتيوب)».
ومن خلال الانتقال بتنسيقات البرنامج إلى البث المباشر وملئها بمختلف الشخصيات الهزلية فإن مسلسل «مابيتس ناو» يمنحنا بعض المساحات التي تتضمن أسلوب الحياة والجمال الذي تحظى به ميس بيغي، ومباراة الطهي مع الشيف السويدي، ومختبرات المابيتس فائقة السخونة والاشتعال مع الدكتور هانيديو ومساعده بيكر. (وبطبيعة الحال، هناك صور مبهرة لشخصيات شهيرة من أمثال أودري بلازا، وداني تريخو، وليندا كارديليني).
جرى تصوير أغلب المشاهد في صيف العام الماضي، في خضمّ عملية وصفها الفنانون بأنها عملية تعاونية للغاية ومنفتحة على مجموعة واسعة من الفعاليات والمدخلات.
وقال مات فوغيل الفنان الذي يقوم بدور الضفدع كيرمت: «عندما نكون في الاستوديو، تدور مناقشات بين فناني الدمى المتحركة وبين المنتج والمخرج بشأن كل ما يجري. ونحاول مناقشة الأمور من كل الوجوه قبل تصوير أي شيء. وحتى في أثناء تصوير المشاهد، يملك فنانو الدمى المتحركة براعة فائقة في الارتجال المباشر ما دامت الكلمات والحوار تتناسب تماماً مع مجريات الشخصية وحوارها».
ومع ذلك، جرى إنتاج بعض المشاهد في أثناء جائحة فيروس «كورونا المستجد». ولقد استلزم ذلك من الفنانين تسجيل أصواتهم في المنازل، كما تطلب من الأزواج، والشركاء، والأطفال أن يمدوا يد المساعدة أو التزام الصمت التام في أثناء تسجيل المواد الصوتية لصالح البرنامج.
- خدمة «نيويورك تايمز»



توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
TT

«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات

على تخوم حي «دا غاما بارك»، حيث تلتقي ضواحي كيب تاون بسفح جبلها المهيب، كانت قردة البابون تتحرك بخفة وجرأة؛ تقفز من الأسفلت إلى جدران الحدائق، ثم تعلو أسطح المنازل قبل أن تنسحب بخفة العارف بمسالك المكان. وفي الطريق الضيق، كان أبناء عائلات البحرية الجنوب أفريقية، المقيمون في منازل متواضعة، يلعبون بين ضحكات متقطعة ونظرات حذرة؛ فمنهم من يبتسم للمشهد كأنه عرض عابر، ومنهم من يلتفت بقلق مكتوم، بينما يواصل معظمهم اللعب غير عابئين، وكأن الألفة مع الخطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وعلى بُعد أميال، حيث تمتد الرؤية نحو قمة شامخة وخليج فسيح، كانت نيكولا دي شود تستعرض صوراً لمطبخها بعدما بعثرت القردة محتوياته إثر اقتحام مفاجئ. وفي حادثة أخرى، ألقى أحد القردة بكلبها عبر الشرفة. ثم جاء يناير (كانون الثاني)، فاندفع ذكر من البابون إلى داخل منزلها بجرأة صادمة، رافضاً المغادرة لمدة عشر دقائق بدت كأنها دهر طويل.

تقول دي شود (61 عاماً)، وهي صانعة أفلام وثائقية انتقلت قبل 5 سنوات من جوهانسبرغ إلى «سايمونز تاون»: «لقد أصبح الأمر بالغ الصعوبة، ومؤلماً نفسياً بالفعل».

لكن قردة البابون في كيب تاون، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تشعل نزاعاً مع البشر فحسب، بل عمّقت الخلاف بينهم أيضاً، مع تصاعد الجدل حول إمكانية التعايش بين الطرفين أو ضرورة إبعاد القردة عن المناطق السكنية بالكامل.

وخلال احتجاج عام 2024 ضد دخول القردة إلى مجتمع «كوميتجي»، انتهت مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لوجودها باستخدام رذاذ الفلفل ضد أحد الأشخاص وأحد القردة.

ووصفت «خطة العمل لإدارة بابون الكيب لعام 2025» الوضع بأنه «مشكلة معقدة مستعصية»، مشيرة إلى أنه «لا يوجد حل واحد يمكن أن يرضي جميع الأطراف أو ينهي النزاع بصورة نهائية».

تغطي جبال المدينة مساحة تمتد إلى نحو 25 ألف هكتار ضمن متنزه جبل الطاولة الوطني، إلا أن المتنزه مجزأ. وتميل قردة «الشاكما» إلى البحث عن الغذاء في الأراضي المنخفضة، وهي مساحات اقتطعت المدينة جزءاً كبيراً منها مع نمو عدد السكان بنسبة 65 في المائة، ليبلغ 4.8 مليون نسمة بين عامي 2001 و2022.

قرد البابون يقفز بخفة من الأسفلت إلى جدران الحدائق (لقطة من فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي)

وحسب بيانات الخطة، ارتفع عدد القردة، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب، بوتيرة مماثلة؛ من نحو 360 قرداً في عشرة قطعان مطلع القرن، إلى أكثر من 600 في 17 قطيعاً عام 2024.

ومع اعتياد كثير من القطعان على البحث عن طعام بشري عالي السعرات، ازداد عدد القردة التي تُقتل بالرصاص، أو تدهسها السيارات، أو تنهشها الكلاب، أو تتعرض للصعق الكهربائي. ففي عام 2013، سُجلت وفاة 4 قردة لأسباب مرتبطة بالبشر، وفق الإحصاء الرسمي السنوي، في حين بلغ العدد 33 في عام 2024.

ويرى نشطاء حقوق الحيوان أن على السكان تحمّل مسؤولية التعايش، عبر إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين الأبواب والنوافذ، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة.

وتطالب ليندا سيلك، وهي معالجة وناشطة تعمل على توعية الناس بكيفية العيش إلى جانب الطبيعة، بمزيد من المساءلة، قائلة: «لم تُسجَّل أي إدانة ناجحة بحق شخص أطلق النار على قرد بابون».

في المقابل، يرى توم كوهين، وهو صحافي أميركي تقاعد في كيب تاون عام 2019، أن التعايش الحضري السلمي أمر مستحيل. ووصف القطيعين اللذين يترددان على «سايمونز تاون» بأنهما «اعتادا كلياً على الغذاء البشري والمستوطنات من أجل البقاء»، مضيفاً: «لم يعودا قردة برية».

ورغم جهوده لتحصين منزله، تمكنت قردة في فبراير (شباط) 2025 من تحطيم نافذة الحمام والدخول، فكسرت جهاز الميكروويف وتركت فضلاتها خلفها. ويقول: «رائحة القردة تبقى عالقة، أؤكد لك ذلك».

وكانت مستويات الحكومة الثلاثة قد وافقت على إقامة أسوار لإبعاد القردة عن بعض المناطق، وتطبيق لائحة جديدة تعتمد سياسة «صفر تسامح» تجاه إيذاء الرئيسيات.

وفي «سايمونز تاون»، عُدَّ بناء سياج أمراً غير عملي بسبب طبيعة التضاريس، لذلك اقترحت السلطات نقل القطيعين إلى محمية في وقت لاحق من هذا العام، مع إبقاء القتل الرحيم، الذي يرفضه نشطاء حقوق الحيوان، خياراً أخيراً.

غير أن الخطة برمتها تواجه الآن طعناً قانونياً؛ إذ يعترض كثير من النشطاء على فكرة المحمية، ويفضل بعضهم الاستمرار بالاعتماد على الحراس الذين يطلقون كرات الطلاء قرب القردة لإخافتها وإبعادها عن المنازل، وهي مهمة تولتها منذ مارس (آذار) 2025 منظمة «شراكة بابون الكيب» غير الربحية.

وتقول ساندي ماكدونالد (54 عاماً)، التي تقود منظمة «حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب» مع ليندا سيلك: «ما يقلقنا أن قرار نقلها إلى محمية، بل وحتى إعدامها، اتُّخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون». وتضيف أن دخول القردة إلى معظم تلك المناطق «تراجع بشكل ملحوظ».

أما نيرين دورمان (47 عاماً)، المقيمة في «ويلكوم غلين»، فترفض فكرة المحمية بشدة، قائلة: «الأجدى أن تُعدم بدلاً من حبسها في أسر دائم».

غير أن جوسلين مورميل، العالمة في «شراكة بابون الكيب» التي درست قردة جنوب أفريقيا لمدة 15 عاماً، ترى أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في «سايمونز تاون». وتقول: «إنها معركة خاسرة نخوضها يومياً لإرضاء القردة والناس هناك».

وخلال أطروحة الدكتوراه، درست مورميل قرية «روي - إلس»، الواقعة على بُعد نحو 32 كيلومتراً جنوب كيب تاون، حيث اختار السكان نهج التعايش. لكنها وجدت أن معدلات نفوق القردة بقيت أعلى من نظيرتها في البرية، مع مقتل 11 صغيراً دهساً خلال 4 سنوات. وتقول: «لا يمكنني أبداً الترويج لفكرة تقاسم المساحة».

من جهته، حمّل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جانباً من مسؤولية النزاع بين الإنسان والحياة البرية، مشيراً إلى طعون قانونية أسهمت، حسب رأيه، في عرقلة قرارات إدارية مهمة تتعلق بإدارة القردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تشكّل أحد القطيعين في «سايمونز تاون».

وقال: «لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ».


كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
TT

كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)

مع حلول شهر رمضان، يواجه كثير من الصائمين تحدياً في الحفاظ على اليقظة الذهنية والتركيز طوال ساعات النهار الطويلة، خصوصاً مع الامتناع عن الطعام والشراب لساعات. ويؤكد خبراء التغذية والصحة أن الصيام لا يعني بالضرورة تراجع الأداء الذهني، بل يمكن الحفاظ على صفاء الذهن باتباع عادات غذائية سليمة ونمط حياة متوازن، حسب مجلة «Vogue» الأميركية.

ويعتمد الصائمون خلال رمضان على وجبتين أساسيتين: السحور، وهي وجبة ما قبل الفجر التي تهيئ الجسم ليوم الصيام، والإفطار، وهي الوجبة المسائية التي تُتناول بعد غروب الشمس لكسر الصيام. وغالباً ما تُتناول هاتان الوجبتان في أجواء عائلية واجتماعية.

وتقول الدكتورة فرزانه ناصر، اختصاصية التغذية المعتمدة في الولايات المتحدة: «تعامل مع السحور والإفطار كتغذية موجهة، وليس مجرد أوقات للأكل؛ فعندما تصوم، فإن ما تتناوله خلال هذه الفترة القصيرة يؤثر بشكل مباشر على طاقتك وهضمك ومزاجك وتركيزك الروحي طوال اليوم». وأضافت: «رمضان وقت مثالي للانضباط والتأمل، وعندما تدعم جسمك بشكل صحيح، يمكنك الاستفادة الكاملة من التجربة».

السحور المتوازن

تشير فرزانه ناصر إلى أن السحور يشكل حجر الأساس ليوم الصيام، وتنصح بالتركيز على 3 عناصر رئيسية هي الألياف، والبروتين، والدهون الصحية، مع إضافة عنصر رابع اختياري وهو الأطعمة المخمرة مثل الزبادي.

وتوضح أن البروتين ضروري للحفاظ على الكتلة العضلية ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ومن أبرز مصادره: البيض، والزبادي اليوناني، والجبن القريش، والعدس، والحمص، والتوفو، والحليب. أما الألياف فتبطئ عملية الهضم وتوفر طاقة مستمرة، ويمكن الحصول عليها من الشوفان، وبذور الشيا والكتان، والمكسرات، والخضراوات، والبقوليات، والفواكه مثل التوت.

كما أن الدهون الصحية مثل زيت الزيتون، والأفوكادو، والمكسرات تدعم وظائف الدماغ وتزيد الشعور بالامتلاء، بينما تسهم الأطعمة المخمرة في تحسين الهضم وتعزيز المناعة. وتوصي فرزانه ناصر بتجنب الأطعمة المكررة أو عالية السكر والملح، مثل الخبز الأبيض والمعجنات والحبوب المحلاة؛ لأنها تسبب تقلبات سكر الدم ما يؤدي إلى الجوع المبكر والإرهاق.

الإفطار التدريجي

يُعد الإفطار على التمر تقليداً شائعاً ومفيداً صحياً؛ إذ يوفر سكريات طبيعية تمنح طاقة فورية مع الألياف. وتنصح ناصر ببدء الإفطار بالتمر مع ماء دافئ أو حساء خفيف أو شاي عشبي، لإعادة الترطيب وتنشيط الجهاز الهضمي تدريجياً.

بعد ذلك، يُفضل أن تحتوي وجبة الإفطار على بروتين صحي مثل السمك أو الدجاج أو البقوليات، إلى جانب الخضروات والدهون المفيدة لضمان توازن العناصر الغذائية. كما تشير فرزانه ناصر إلى أن الكبد يعمل بجهد خلال الصيام؛ لذا قد تساعد الأطعمة المرة مثل الجرجير والأعشاب الورقية في دعمه.

ولترطيب الجسم جيداً، تنصح سايما حسين، مدربة اللياقة والصحة النفسية بالولايات المتحدة، بتوزيع شرب الماء بين الإفطار والسحور، بحيث يتم تناول عدة أكواب عند الإفطار، وأخرى خلال المساء، ثم كوبين تقريباً عند السحور، مع تجنب شرب كميات كبيرة دفعة واحدة.

وبجانب الماء، يمكن الاستفادة من الشوربات، والأعشاب الدافئة، والفواكه والخضراوات الغنية بالماء مثل البطيخ والخيار، في المقابل، يُفضل تجنب الأطعمة المقلية أو المالحة لأنها تزيد الشعور بالعطش، خصوصاً خلال السحور.

الحفاظ على اليقظة الذهنية

لا يؤثر الصيام الطويل على الطاقة البدنية فقط، بل قد يسبب إجهاداً ذهنياً. وتؤكد سايما حسين أهمية تناول الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة والبقوليات؛ لأنها توفر إمداداً ثابتاً من الغلوكوز للدماغ، إلى جانب أطعمة غنية بأحماض «أوميغا-3» مثل الأسماك الدهنية. وإذا شعر الصائم بالإجهاد الذهني خلال النهار، تقترح حسين القيام بنزهة قصيرة، أو تمارين تمدد خفيفة، أو أخذ قيلولة قصيرة. كما أن النوم الجيد ليلاً يبقى العامل الأهم لتجنب التعب.

كما تنصح الدكتورة فرزانه ناصر بالتركيز على الأطعمة الغنية بالمغنسيوم مثل الخضراوات الورقية، والمكسرات، والبذور، وكميات صغيرة من الشوكولاته الداكنة، لما لها من تأثير مهدئ للجهاز العصبي. كما توصي بتجنب القهوة والشاي بكثرة، وحتى كميات كبيرة من الشوكولاته الداكنة مساءً؛ لأنها قد تعيق النوم، وتقترح استخدام الشيكوريا المحمصة والمطحونة أو قهوة الهندباء كبديل خالٍ من الكافيين.