القوانين السودانية الجديدة... نذر مواجهة بين الإسلاميين والثوار

الحكومة قالت إن القضايا الكبيرة مكانها المؤتمر الدستوري... والتعديلات للمواءمة بين الدستور والقانون

القوانين السودانية الجديدة... نذر مواجهة بين الإسلاميين والثوار
TT

القوانين السودانية الجديدة... نذر مواجهة بين الإسلاميين والثوار

القوانين السودانية الجديدة... نذر مواجهة بين الإسلاميين والثوار

انشغلت الأوساط السياسية السودانية منذ الأحد الماضي، بالإعلان عن تعديل للقوانين السودانية وصياغة قوانين جديدة، الغالبية مؤيدة لتعديل هذه القوانين باعتبارها مقيدة للحريات، وقمعية صاغها نظام ديكتاتوري أسقطه الشعب بثورة شعبية، وأن إكمال إسقاطه يستوجب تغيير قوانينه.
وبينما يرى المطالبون بالحكم المدني، أن التعديلات أبقت على بعض القوانين ذات الطابع الديني، يرفضها الإسلاميون والمتطرفون، ويعتبرونها نهاية لمشروعهم السياسي القائم على «استغلال الدين».

يرجع أصل القوانين الدينية في السودان إلى سبتمبر (أيلول) 1983 عندما أصدر الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، حزمة قوانين أطلق عليها اسم قوانين «الشريعة الإسلامية»، ونصّب نفسه بموجبها «أميراً للمؤمنين». ومن ثم، نكّل عن طريقها بمعارضيه، بعدما ساعده على صياغتها وتنفيذها عدد من الإسلاميين، على رأسهم زعيم الإخوان السودانيين الدكتور حسن الترابي.
معارضو النظام وقتها أطلقوا على تلك القوانين مسمى «قوانين سبتمبر»، وطالبوا بإلغائها عقب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت النميري في أبريل (نيسان) 1985، إلا أن حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي المنتخبة، والتي خلفت النميري لم تسارع إلى إلغائها، رغم تصريحه الشهير «قوانين سبتمبر لا تساوي الحبر الذي كتبت به».
وعندما انقلب الإسلاميون بقيادة حركة الإخوان «الحركة الإسلامية»، على النظام الديمقراطي في 30 يونيو (حزيران) 1989، سارعوا إلى إدخال تلك القوانين تحت ما أطلقوا عليه اسم «القانون الجنائي لسنة 1991»، وأضافوا إليها سلسلة قوانين قيدت الحريات، وحطت من شأن المرأة، وكفّرت الخصوم السياسيين.

إلغاء فعلي لبعض «قوانين سبتمبر»
وتعد التعديلات على القوانين والقوانين التي أصدرها وزير العدل السوداني نصر الدين عبد الباري وصادق عليها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، إلغاءً فعلياً لبعض «قوانين سبتمبر»، وهو الأمر الذي لقي ارتياحاً شعبياً واسعاً. لكن الإسلاميين والمتطرفين وأتباع النظام المعزول، أثاروا ضجة كبيرة، وحاولوا استغلال الحس الديني عند المواطنين لتحويل موقفهم من القوانين إلى «معركة دينية»، وإلغاء لـ«شريعة الله»، وفتح المجال أمام الفجور والخلاعة.
من جهة ثانية، اعتبرت التعديلات على القوانين والقوانين التي أجازها المجلس التشريعي المؤقت – المكوّن من مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين - ونشرت في الجريدة الرسمية «الغازيتة» الأحد الماضي، خطوة صحيحة باتجاه إلغاء «قوانين الديكتاتورية» وإتاحة الحريات، وإنصافاً للكثيرين الذين تعرضوا للظلم باسم تلك القوانين السيئة الصيت، والسيئة التطبيق.
في الجريدة الرسمية 13 يوليو (تموز) الحالي نشرت «قانون التعديلات المتعددة»، ومعها «قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2020»، وتعديل «قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2020»، وتعديلات جوهرية على القانون الجنائي لسنة 1991».
واشتمل «قانون التعديلات المتعددة» أيضاً على عدد من التعديلات في قوانين أخرى، مثل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، والقانون الجنائي لسنة 1991، وقانون الأحزاب السياسية لسنة 2007، وقانون الأمن الوطني لسنة 2010، وقانون المرور لسنة 2010، وقانون جوازات السفر والهجرة لسنة 2015، وقانون النيابة العامة لسنة 2017.
وتضمنت التعديلات المادة (27)، وتتعلق بتنفيذ حكم الإعدام، ولقد حُذفت منها عبارة «أو بمثل ما قتل به الجاني»، ومنعت إعدام من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، والذي بلغ السبعين من العمر، ما عدا جرائم الحدود والقصاص والجرائم الموجهة ضد الدولة والجرائم الواقعة على المال العام.
أيضاً، أزيلت من القانون الجنائي المادتان (78 و79) على التوالي وتتعلقان بشرب الخمر والإزعاج، عبارة «أو يحوزها أو يصنعها»، وقصرت التعامل في الخمر على غير المسلمين، وأبقت على تجريم التعامل بالخمور على المسلمين.
وجرمت المادة المعدلة (125) إهانة العقائد الدينية، وأضيف لها «كريم المعتقدات» وألغت عقوبة الجلد غير الحدّي، بينما ألغت المادة 126 تماماً، وهي تتحدث عن «عقوبة الردة»، وأدخلت بديلاً لها مادة تجرّم تكفير الأشخاص والطوائف ورميهم بـ«الردة».
ويعد التعديل على المادة (141) من القانون الجنائي وتتعلق بـ«تشويه أعضاء الأنثى»، المعروف بـ«ختان الإناث»، في حين ألغت المادة (148) وتتعلق بالشذوذ، عقوبة الجلد والإعدام، وأقرت عقوبة السجن بما لا يتجاوز سبع سنوات، وألغت عقوبة الجلد عن المادة (151)، وتتعلق بالأفعال الفاحشة، في حين ألغت المادة (152) وتتعلق بالأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب، تجريم الزي، وحصرت العقوبة على الأفعال الجنسية التي تضايق الشعور والحياء العام، مثلما استثنت المادة (153) المواد ذات القيمة الأدبية والفنية والعلمية والثقافية والتراثية، من عقوبة الأفعال الجنسية التي تضايق الشعور العام، وألغت الفقرة التي تعاقب على احتمال ممارسة الدعارة والتكسب وتقديم الخدمات الواردة في المادة (154) من القانون الجنائي.
وألغى التعديل المواد (50، و51، و52، و53) من قانون الأمن الوطني لسنة 2010، وهي مواد كانت تعطي الجهاز صلاحيات واسعة، في القبض والاحتجاز للأشخاص، وتعطي حصانة لأعضاء الجهاز والمتعاونين معه، وتمنع مصادرة ممتلكاته، في حين قصرت المادة (25) المعدلة سلطات الجهاز على طلب المعلومات أو البيانات أو الوثائق أو الأشياء من أي شخص، والاطلاع عليها أو الاحتفاظ بها.
وحذفت التعديلات المادتين (12 و13) في قانون الجوازات والهجرة والجنسية، وتمنعان الزوجات أو النساء المطلقات من اصطحاب أطفالهن لخارج البلاد، إلا بموافقة الزوج أو الوصي الشرعي، وسمحت لهن باستصحاب أطفالهن دون حاجة إلى إذن. كذلك ألغت «تأشيرة الخروج» من البلاد، أو شهادة الاستيفاء، في حين تم تشديد العقوبات على جرائم المعلوماتية في تعديلات قانون جرائم المعلوماتية، إضافة إلى قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية، والذي يمكن من إعادة إصلاح النظام الحقوقي والعدلي، وإزالة تمكين الإسلاميين في الأجهزة القضائية والعدلية.

جدل صاخب
وأثارت هذه القوانين والتعديلات بعيد صدورها جدلاً صاخباً، ورغم أنها لقيت قبولاً شعبياً واسعاً، فإن «الإخوان» والمتطرفين، شنّوا هجوماً كاسحاً عليها واعتبروها «إلغاءً لشرع الله»، وهددوا تبعاً لذلك بإسقاط الحكومة الانتقالية واعتبارها حكومة «كافرة»، ووعدوا بتنظيم اعتصامات واحتجاجات ضدها، في حين حاج البعض بأن إصدار مثل هذه القوانين يتطلب «برلماناً» منتخباً.
ورداً على اتهامات ودعاوى هذه المجموعات، قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الخميس، عقب لقاء جمعه بـ«جماعة أنصار السنة المحمدية» الدينية، إن حكومته لن تمس الحدود، وإنها حريصة على «المحافظة على إرث وقيم الإسلام، واحترام المبادئ والشعائر الإسلامية، دون المساس بأي من حدود وكليات وأهداف الدين».
وأكد حمدوك، خلال اللقاء، حرص حكومته على معالجة قضايا السلام والاهتمام بمعاش الناس، وأشاد بمساهمة الجماعة ورؤيتها في الإصلاح الوطني الشامل. وأكد وفد الجماعة وقوفه مع الحكومة الانتقالية، و«اتباع منهج المناصحة للإصلاح، متى ما لزم الأمر، والعمل على رتق النسيج الاجتماعي وإحلال السلام وتعظيم حرمة الدماء».
وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح قال لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن القوانين التي صدرت لم تحقق مطالب الكثيرين؛ لأن التغييرات الكبيرة منوط بها المجلس التشريعي، و«نحن حكومة مؤقتة لذلك لم نجر تعديلات كبيرة».
وأوضح أن تعديلات وزير العدل تهدف لمواءمة القوانين مع الوثيقة الدستورية، وأضاف «لا يمكن أن تكون لديك وثيقة دستورية تقرّ بعض الحقوق وهناك قوانين تتناقض معها». وتابع «ما فعله ليس فيه إصلاح قانوني حقيقي بهذا المعنى، ولا يحتوي على ما يقوله الإسلاميون، بل دعاة المدنية يرون أن القوانين لم تتضمن مراجعات كبيرة مطلوبة، هو كما أعلن والتزم بذلك. أن المطلوب هو تعديل هذه القوانين بحيث لا تتعارض مع الوثيقة الدستورية».
وأقر صالح بأن القضايا الأكبر، مكانها المؤتمر القومي الدستوري والبرلمان المنتخب؛ لذلك التزم الوزير بجعل الوثيقة الدستورية هي الوثيقة الأساسية. ونفى تعارض التعديلات مع قيم المجتمع، وقال «فيما يتعلق بموضوع (الدعارة) على سبيل المثال، هناك مادة لغتها غير قانونية - يرجح ويحتمل - لكن قانون تحريم الدعارة موجود وقائم. أما موضوع الخمر، فقد نص الدستور السوداني على احترام المعتقدات والتعدد والتنوع وكل الأديان، وفي الوقت ذاته تحرم الخمر بقانون على غير المسلمين، هذا تناقض أزالته التعديل القانونية».

موقف طائفة الأنصار
طائفة «الأنصار الدينية»، التي يتزعمها رئيس حزب الأمة الصادق المهدي، قالت في بيان أمس، إنها تؤيد بعض التعديلات على القوانين أجملتها في القتل قصاصاً بمثل ما قتل به، باعتبارها محل اختلاف فقهي، وكذلك اعتبرت إهانة العقائد قضية ممنوعة شرعاً، وحد الردة رغم أنها جريمة منكرة، لكن لا يوجد نص يؤكد اعتبارها عقوبة دنيوية. واعتبرت تجريم «التكفير» ووصف المخالف بالردة ضرورة شرعية ومصلحة وظنية، ودرءاً للفتن بين الجماعات، وتسميماً للأجواء وإثارة الفتنة التي تؤثر على التسامح الاجتماعي.
وشدد بيان الطائفة على أن «ختان الإناث» عادة وليس حكماً شرعياً، وهو ما جعل بلداناً إسلامية كثيرة لا تمارسه، إضافة إلى أضراره الصحية على النساء، واستندت في ذلك إلى فتوى دار الإفتاء المصرية التي اعتبرته «حراماً شرعاً».
وانتقد بيان الأنصار تساهل القانون فيما أطلق عليه «الممارسات المصادمة لقيم المجتمع والمفسدة للأخلاق»، ودعا للتشدد في تجريمها، ورغم أنه لم يحددها، لكن الواضح أنه يقصد المواد التي تتعلق بالأزياء والأفعال الفاضحة. كما انتقد البيان تحديد عمر التكليف 18 سنة، فتحاً لباب لإفلات المكلف من المساءلة، استنادا إلى أن الشرع يعتمد البلوغ للتكليف، ودعا لتحريم الخمر صناعة وحيازة وتعاطي، بشكل مغلظ، وقصر العقوبة بشأنها على المسلمين دون غيرهم فيه أضرار اجتماعية وصحية واقتصادية ونفسية.
ودعت الطائفة إلى إرجاء ما أسمته «القضايا الخلافية المرتبطة بالمقدّسات» للمؤتمر القومي الدستوري، لـ«أنها تحتاج إلى حوار هادئ، يقرب الشقة ويعمل للوصول إلى رؤية مشتركة حولها». بيد أن الطائفة اعتبرت فلسفة المشرّع في التعديلات وحصر عقوبة الجلد على الجرائم الحدية، نوعاً من أنواع الاتساق مع المواثيق الدولية التي تمنع العقوبات القاسية.
وأيدت الطائفة إلغاء القوانين المقيدة للحريات، وقالت «تجد منا التأييد لأن هذا ما ظللنا نطالب به، والحريات المطلوب عدم تقييدها هي الحريات المنصوص عليها في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بصيانة الكرامة الإنسانية».

رأيان في التعديلات
من جهته، يقول الكاتب النور حمد، بحسب مقال منشور في وسائط إعلام محلية، إن إبطال «مادة الردة» وإبطال حق الرجل منع الزوجة المسافرة أو المطلقة، اصطحاب أطفالها، «إنجازان باهران لا مراء فيهما» بوجه من يعترضون على عدم التشريع من دون مجلس تشريعي، وأن تعديل القوانين يحتاج إلى «مشاركة واسعة وتفويض شعبي، ولا ينبغي أن تقوم به النخب».
وجوّز حمد حق النخب في تعديل القوانين لأنها أتت بثورة شعبية، شعاراتها «حرية سلام وعدالة». ووصف الاعتراضات بأنها «شكلية»، بقوله «ينطوي هذا النوع الشكلي الإجرائي من الاعتراضات، على رفضٍ دفينٍ مبطَّنٍ للثورة ولشرعيتها، بل على عدم اعترافٍ بها، لا يفصح عن نفسه بوضوح».
واستطرد حمد قائلاً، إن الوثيقة الدستورية توافقت عليها كل قوى الثورة، ممثلة في جماهير الثورة، وفي قوى الحرية والتغيير، وفي الحكومة الانتقالية بقسميها، هي دستور الفترة الانتقالية الذي شهدت عليه القوى الإقليمية والدولية. وتابع «كأني بالمعترضين يقولون: ليس من حق الثوار تغيير أي شيء تركته الإنقاذ، حتى يأتي المجلس التشريعي المنتخب... ينطوي هذا المنحى، في تقديري، على رغبة دفينة في إلغاء الثورة، إلغاءً تاماً».
حمد يعتبر الثورة الأصل، لأنها قلبت الطاولة على النظام القديم برمته، و«أول ما تجري إزالته من تركة الإنقاذ المثقلة، إنما هو القوانين غير الدستورية، التي حرس بها النظام المدحور شموليته، واتكأ عليها لينكل بالمعارضين السياسيين، وليبسط بها هيمنة الذكور المطلقة على الإناث».
ويقول محمد حسن عربي، المحامي وعضو سكرتارية تجمع المهنيين، إن السودان ورث عن النظام البائد «ترسانة من القوانين المقيدة للحريات والمهدرة للكرامة الإنسانية»، وإن تقييم القوانين التي تصنف بإهدار الحقوق والكرامة والتي في حاجة إلى إلغاء يبلغ عددها 160 قانوناً.
وأوضح عربي، أن التعديلات جاءت بمبادرة من وزير العدل نصر الدين عبد الباري، الذي أدارت وزارته حولها نقاشاً مهنياً حقوقياً حول سبل الوفاء بتوفيق القوانين مع الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.
وأوضح عربي، أن النقاشات توصلت لضرورة إجراء تعديلات عاجلة بموجب قانون التعديلات المتنوعة، تقوم على الموائمة بين حقوق الإنسان والتشريعات السودانية السارية. وتابع «شاركنا في اللجنة القانونية في الورشة التي نظمتها الوزارة لاقتراح، وإجازة مسوّدة التعديلات المتنوعة، على هدى الرؤية المقدمة بشأن إلغاء التقييد لحقوق وحريات الإنسان، وصيانة كرامته». وأوضح أن قانون التعديلات المتنوعة، تتبع عقوبة «الجلد» في القانون الجنائي في غير جرائم الحدود، وقال بإلغائها أينما وجدت، مضيفاً «العقوبة الحدية المقررة بالجلد لا تتجاوز شرب الخمر والزنا والقذف، وبالتعديلات لم يعد متاحاً إيقاع عقوبة الجلد في القانون الجنائي».
ورأى عربي، أن إلغاء جريمة الردة والجرائم التي تحاكم الضمير والمعتقدات في الحياة، واعتماد نص بديل يجرّم التكفير، تقدما مهما في طريق رعاية الحقوق الإنسانية، وإقرار بحق الإنسان في الاعتقاد دون وصاية ودون خوف من محاكم التفتيش.
واعتبر عربي التعديلات والقوانين الجديد خلاصة للتطور البشري في «فلسفة التجريم والعقاب»، وخدمة لأهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) بإزالة عدم الوضوح «الدغمسة» عن سن المسؤولية الجنائية وتحديد البلوغ بسن 18 سنة. ورأى عربي أن المشرع اعتمد ما أسماه فلسفة «العدالة الترميمية والمحاكم البديلة في قضاء الأحداث»، وقال «لأول مرة في تاريخ السودان يتم اعتماد (الخدمة الاجتماعية)، كواحدة من العقوبات، خاصة بالنسبة للنساء الحمل والرضع والأمهات».
وكان وزير العدل نصر الدين عبد الباري قد ذكر للتلفزيون الرسمي أن الغرض من التعديلات المواءمة بين القوانين والوثيقة الدستورية، واستجابة لحاجة ملحة بإقرار الحريات وسيادة حكم القانون دون تمييز، وإزالة اللبس والغموض والتعميم في بعض مواد القوانين، وإن الحكومة الانتقالية على رغم الصعوبات ستمضي في إنفاذ هذه القوانين.

الحكومة تواجه ضغوطاً من جهات عدة

* تواجه الحكومة الانتقالية السودانية ضغوطاً داخلية وإقليمية ودولية، لإشاعة الحريات وإلغاء التمييز الديني الموروث من حكومة الإسلاميين المعزولة، وتنظيف سيرة البلد الذي ظل متهماً بدعم الإرهاب ورعايته، ولا يزال اسمه مدوناً في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإقامة حكم مدني وإتاحة الحريات تسعى حكومته للخروج منها.
داخلياً، يطالب الثوار بتصفية تركة نظام الإسلاميين برمتها، ومحاسبة الفساد وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة لحقوق الإنسان، وترسيخ الحكم المدني، وخارجياً يسعى السودان للخروج من التصنيف الذي وجدت الحكومة الانتقالية نفسها محكومة به «دولة راعية للإرهاب».

انتقادات ورفض من أنصار النظام المعزول

> تقوم الانتقادات والرفض الذي يشنه أنصار النظام المعزول والإخوان للقوانين والتشريعات الجديدة على ركيزتين، الأولى أنها «حرب على الإسلام»، وإلغاء لشريعة الله، والأخرى أن الحكومة الانتقالية ما ينبغي عليها تعديل القوانين، بل تأجيل ذلك لحكومة وبرلمان منتخب، وترى أنها تعديلات غير شرعية.
وفي بيان للحركة الإسلامية – الاسم المحلي لـ«الإخوان» المسلمين – اعتبرت التعديلات في القوانين «تجاوزاً خطيراً، وتغولاً على إرادة الشعب وحقوقه في التشريع، بلا تفويض من مؤسسة دستورية منتخبة»، ومخالفة واضحة لما أطلق عليه البيان «الأعراف التشريعية»، وإسقاطاً لحكم «الشريعة الإسلامية». واعتبرت ما أسمته المساس بـ«أحكام الشريعة خطاً أحمر»، وأعلنت أن المساس به يستدعي إسقاط حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير، وأن صبرها قد وصل نهايته، ودعت من أسمتهم القوى الإسلامية والحادبين على الدين لإسقاط الحكومة، وحذّرت الحكومة بشقيها المدني والعسكري من المضي قدماً في إنفاذ التعديلات، وقالت بلهجة تهديد واضحة «هذا بلاغٌ للناس وليُنْذروا به... وقد أعذر من أنذر».
لكن المنشور على صفحة «حزب المؤتمر الوطني» المحلول على موقع «فيسبوك»، وجد استهجاناً من معظم المتداخلين. ففي الوقت الذي خرجت من بين مؤيديهم أصوات تدعو لإسقاط الحكومة الإسلامية بسفك الدماء والعنف، سخر معظم المتداخلين من فحوى البيان، واعتبروه عودة لـ«ضلال» الإسلاميين القديم، ومتاجرة بالدين، وقالوا إن الأمر لا علاقة له بالدين، بل استغلال له لتحقيق أهداف سياسية، وأنهم لم يستطيعوا الحكم بما أنزل الله كما يدعون طوال فترة حكمهم البالغة 30 سنة، وقال معلق «لن يغش أحد من قبلكم، الناس صاروا يفهمون الدين، وقضيتم 30 سنة لإخراج الناس من دين الله بأفعالكم التي لا علاقة لها بالإسلام».


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

حصاد الأسبوع قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لقوات "اليونيفيل" في دورية بجنوب لبنان (آ ف ب)

لبنان وإسرائيل... مسار الاتفاقيات الأمنية منذ 1949

منذ عام 1949، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات ذات الطابع الأمني والعسكري، من دون أن تنجح في تحقيق سلام دائم أو إنهاء النزاع بين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع من دمار الحرب الأوكرانية (آ ب)

هل اقتربت بالفعل نهاية الحرب الأوكرانية؟

بدا خلال الأسبوع الفائت أن الحرب الأوكرانية كانت على بعد خطوة واحدة صغيرة من الانزلاق نحو مرحلة جديدة وخطرة؛ إذ استعد الطرفان الروسي والأوكراني لتصعيد غير مسبوق

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع 
سيرغي شويغو (رويترز)

التحسب لكل السيناريوهات... وسط تعقيدات الحوار مع أوروبا

مقابل اللهجة المتفائلة بقرب نهاية الصراع، حملت عبارات شخصيات مقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارات واضحة إلى أن موسكو تضع يدها على الزناد وتستعد

«الشرق الأوسط» (موسكو)

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».