شجرة غوستاف كليمت وسمكة بول كلي الذهبية في «أحواض النور»

ألوان متغيرة زاهية تنعكس عبر برك مياه مالحة

لوحات بول كلي في برك المياه بقاعدة غواصة سابقة في بوردو (نيويورك تايمز - غيتي)
لوحات بول كلي في برك المياه بقاعدة غواصة سابقة في بوردو (نيويورك تايمز - غيتي)
TT

شجرة غوستاف كليمت وسمكة بول كلي الذهبية في «أحواض النور»

لوحات بول كلي في برك المياه بقاعدة غواصة سابقة في بوردو (نيويورك تايمز - غيتي)
لوحات بول كلي في برك المياه بقاعدة غواصة سابقة في بوردو (نيويورك تايمز - غيتي)

على الجدران داخل ما كان يُعرف يوماً كقاعدة للغواصات في الحرب العالمية الثانية، تمدّ شجرة ضخمة لغوستاف كليمت فروعها، وتسبح في الجوار سمكة بول كلي الذهبية. وتتجلى انعكاسات الألوان المتغيرة الزاهية لتلك الصور عبر أربع برك من المياه المالحة. يسير الزائرون في الممرات بينما يشاهدون الصور الرقمية، التي تمتد من الأرض حتى السقف، والتي تستند إلى أعمال شهيرة لكليمت، وكلي، وإيغون شيلي.
افتُتح المعرض، الذي يحمل اسم «أحواض النور»، في 10 يونيو (حزيران)، بعد تأخير سببه توقّف الأنشطة في فرنسا نتيجة انتشار فيروس «كورونا المستجد». يُعدّ رابع معرض فني تفاعلي قائم على الانغماس في الواقع الافتراضي تقدمه شركة «كالتشر سبيسيز»، ومقرّها في باريس، التي تتولى إدارة مواقع ثقافية، وتنتج معارض رقمية. وكان المعرض الثاني الذي نظمته الشركة تحت اسم «لأتيليه دي لوميير» (معرض النور)، حقّق نجاحاً كبيراً في باريس، حيث جذب نحو 1.2 مليون زائر خلال عام 2018، و1.4 مليون زائر تقريباً خلال العام التالي.
في نهاية عام 2018 نظّمت الشركة معرضها التفاعلي الثالث القائم على تقنية الانغماس في الواقع الافتراضي داخل مستودع على جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية. وتعتزم الشركة تنظيم المزيد من تلك المعارض في كل من دبي، ونيويورك، وشيكاغو.
طريقة العرض، التي تطبقها الشركة مباشرة وبسيطة؛ إذ تجد مكاناً له تاريخ مميز شهير مثل ورشة قديمة لسبك المعادن، أو مكان كان مستودعاً في الماضي، ثم تُجدّده وتضيف إليه مكاتب، وغرف تحكم، ومساحة للاستقبال. بعد ذلك يبدأ العرض باستعراض أعمال فنية تخطف الأنظار لفنانين مشهورين حوّلت إلى الصيغة الرقمية، على الجدران باستخدام جهاز عرض مع موسيقى تصويرية مصاحبة. وقد أقام فريق من المنتجين 15 عرضا رقمياً حتى الآن لصالح شركة «كالتشر سبيسيز» باستخدام أعمال لفنانين، من بينهم مارك شاغال، وإيف كلاين، وكلود مونيه، وفينسنت فان غوخ.
وذكرت سيلفي فلايغر، الأستاذة المساعدة في جامعة باريس التي تدرس الاقتصاد الثقافي، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، أن شركة «كالتشر سبيسيز» كانت «الجهة الرائدة الحقيقية للفن التفاعلي القائم على الانغماس في تجربة الواقع الافتراضي، الذي ينقل المرء إلى عالم يشبه عالم الأحلام». وتعدّل الشركة من خلال تجارب معرض «لوميير» الحدود الفاصلة بين الترفيه والفن، وبين الحياة الواقعية والواقع الافتراضي. لقد ولى عهد اللوحات ذات الإطارات، التي يقف أمامها الزائر متأملاً، مثلما نرى في المتاحف، وحلّت محلها صور ضخمة تُعرض على خلفية موسيقى من إبداع مجموعة متنوعة من الفنانين مثل بيتهوفن، وجانيس جوبلين.
اعتادت شركة «كالتشر سبيسيز» على العمل خارج الأطر المعتادة، فقد عملت لسنوات طويلة في إدارة المواقع الثقافية ومواقع التراث في فرنسا بهدف تحقيق أرباح، وهو ما يمثل سياقاً غير اعتيادي في بلد تعتمد فيه الفنون على تمويل الدولة بشكل كبير. وعلى الرغم من أن الشركة تستطيع إقامة معارضها الرقمية حول العالم من دون تكبد أعباء مالية ناتجة عن التعامل مع الأعمال الفنية الحقيقية، هناك تكاليف أخرى باهظة مثل تكاليف الإعداد والتجهيز، فعلى سبيل المثال بلغت تكلفة إعداد قاعدة الغواصات في بوردو 14 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 15.9 مليون دولار. وقد دفع جزء من هذا المبلغ لإحضار 80 سماعة خارجية، و90 جهاز عرض، داخل صناديق متحكمة في المناخ داخلها، و75 كابلاً من الألياف الضوئية أو البصرية، ومزودات خدمة داخل الموقع تتعامل مع بيانات حجمها 10 تيرا بايت تقريباً.
أسّست الشركة عام 1990 على أيدي برونو مونييه، الذي كان يعمل في وزارة الثقافة الفرنسية. وتدير الشركة أيضاً مواقع للفنون والتراث في أنحاء فرنسا مثل «فيلا إفروسي دي روتشيلد» في جنوب فرنسا، والمسرح المدرج في مدينة نيمز. كثيراً ما تكون الجهات المالكة لتلك الآثار، أو المنازل، أو المتاحف بلدات أو مناطق، وبالتبعية يكون المالكون هم دافعو الضرائب الذين يعيشون في تلك المناطق.
عمليات الاستحواذ الخاصة على مؤسسة حكومية أمر غير شائع في فرنسا، حيث تنفق المدن في المتوسط نحو 8 في المائة من ميزانيتها على الثقافة، على حد قول دكتورة فلايغر الأستاذة بجامعة باريس. مع ذلك، حدث ركود في تمويل الفنون على المستويين القومي والمحلي منذ بداية الألفية الثانية. وأضافت «تواجه المدن المزيد من الأعباء؛ لذا تُضطر إلى خفض البند الخاص بالثقافة في ميزانياتها».
عندما تقوم شركة «كالتشر سبيسيز» بالعمل يكون هدفها تحقيق أرباح، ويحصل المالكون على ما يتراوح بين 5 و15 في المائة من أي أرباح تحققها الشركة. وشرح مونييه، رئيس الشركة، المحاور الأربعة لتحقيق العائدات، التي يركز عليها فريق العمل، قائلاً «المحور الأول هو أنشطة الزائرين الكلاسيكية التقليدية، مثل خدمات الإرشاد وقطع التذاكر. والثاني فهو المكتبة ومتجر الهدايا، والثالث هو المطعم، والرابع هو الفعاليات. ومن بين الفعاليات المعارض، وهي ضرورية بالنسبة إلى بعض المشروعات، التي تديرها الشركة مثل متحف «ماليول»، ومتحف «جاك مارت أندريه» في باريس. ويعرض متحف «جاك مارت» حالياً لوحات لجيه إم دابليو تيرنر، المستعارة من متاحف «تات» في بريطانيا. وقال مونييه، إن جذب الزائرين في المعارض يزداد صعوبة بمرور الوقت؛ إذ أنفق متحف بحجم متحف «اللوفر» في باريس مبالغ كبيرة من أجل إقامة معارض جذابة ناجحة، وقد جذب معرض أعمال «ليوناردو دافنشي»، الذي أقيم مرة واحدة خلال الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) حتى فبراير (شباط)، نحو 1.1 مليون زائر. كذلك توجد منافسة من جانب متاحف يموّلها برنار أرنو، الملياردير المحبّ للسلع الفاخرة، الذي أنشأ مؤسسته «لويس فيتون» عام 2014، وفرنسوا بينو، الذي من المقرر أن يفتتح معرض لمجموعته الفنية خلال العام المقبل.
تقول دكتورة فلايغر «تلك المعارض الكبرى باهظة التكاليف، ومن الضروري الحصول على قروض من متاحف، خاصة الأجنبية منها، لضمان نقل الأعمال في حالة وظروف جيدة، وهو ما يتطلب دفع تكاليف تأمين هائلة. ومن الواضح أنّ المتاحف الصغيرة غير قادرة على فعل ذلك».
كان الدافع وراء اتجاه شركة «كالتشر سبيسيز» نحو المساحات الفنية بسيطاً؛ إذ قال مونييه «يمكننا العمل باستخدام صور للوحات لا اللوحات الفنية ذاتها. ويعني ذلك عدم الحاجة إلى عمليات نقل، أو خدمة أمنية، أو تأمين». عندما افتُتح «لأتيليه دي لوميير» في باريس، انتشر بين فئات أكثر مقارنة بالمشروعات الأخرى للشركة، فقال مونييه «شاهدنا أشخاصاً لم يذهبوا يوماً إلى متاحف، وشباباً وفتيات وفتياناً في السادسة عشرة من العمر يسيرون متشابكي الأيدي، وكذلك عائلات، وأجداد، وآباء، وشباب».
ما تسمى بالتجارب التفاعلية القائمة على الانغماس في واقع افتراضي ليست بالجديدة، فقد قالت كونستانس ديفيرو، مديرة الفنون وإدارة الثقافية في جامعة «كونيتيكت»، إنها موجودة في ديزني لاند». وأضافت «لقد كنت أراها في الستينات»، مشيرة إلى أنه ليس من الخطأ تحويل الفن إلى ترفيه وتسلية، لكن ربما تمنع الطريقة المستخدمة في معرض «لوميير» المشاهدين من التفكير بعمق فيما يرونه.
وقالت دكتورة ديفيرو «يحدث الكثير حين تشاهد عملاً فنياً تقلل من وهجه تلك التجربة الرقمية العملاقة». مع ذلك، تعتقد ديفيرو، أن حجم المعرض هو سبب التأثير الذي يحدثه والانطباع الذي يخلفه، وتوضح «يكون المرء داخل المعرض بكامل كيانه، وهو عاطفي للغاية، وليس مجرد لوحات معلقة على الجدار».
ولطالما عبّر بعض المشتغلين في مجال الفنون طوال سنوات عن خوفهم من زحف الخصخصة في دول ظل تمويل الفنون بها مسؤولية الحكومة لمدة طويلة، لكن ترى كريستيان هيلمانزيك، أستاذة الاقتصاد في جامعة «دورتماند» الفنية، أنه من الذكاء تطبيق طريقة التفكير القائمة على التجارة بشكل أكبر في مجال الفنون. وأضافت «من منظور اقتصادي بحت، يكون من المنطقي جمع عدة مشروعات معاً والعمل عليها» في إشارة إلى الاستراتيجية، التي تتبناها شركة «كالتشر سبيسيز»، والتي تستخدم طرق متنوعة في الحصول على دخل، وتقديم تجربة رقمية يمكن تكرارها وعرضها حول العالم، إلى جانب طريقة إدارة المتاحف التي يمكن استخدامها في مشروعات مختلفة. وأوضحت أخيراً «هذه هي الطريقة التي تعمل بها شركة (غوغل)، فلماذا لا يبدأ عالم الفنون في تطبيقها؟».
- خدمة «نيويورك تايمز»



«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
TT

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ليست الصورة الأكثر رسوخاً في الذاكرة لمارك زوكربيرغ، تلك التي يظهر فيها مرتدياً نظاراته الشهيرة المميَّزة، بل صورة مارك المتخيَّلة التي تُختتم بها أحداث «الشبكة الاجتماعية»، فيلم عام 2010 الذي تناول ظروف تأسيس «فيسبوك» المشحونة بالتوتر. عند تلك النقطة، يكون مارك قد حوَّل أصدقاء إلى أعداء، وغرباء إلى أصدقاء، وبات على وشك أن يصبح أصغر ملياردير عصامي في العالم. والآن، يجلس وحيداً أمام حاسوب محمول، ويرسل طلب «صداقة» إلى حبيبته السابقة التي لا تستجيب. فيواصل تحديث صفحته على «فيسبوك» مرة تلو أخرى، في لحظة تجسِّد على نحو مثالي حال الفتى الثري المسكين، وتوحي بكل ما خسره.

جيريمي سترونغ في دور مارك زوكربيرغ (imdb)

حظي «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) بإشادة واسعة، وفاز ببعض جوائز الأوسكار، من بينها جائزة لكاتبه آرون سوركين، الذي واصل منذ ذلك الحين العمل في السينما والتلفزيون والمسرح. وسارت الأمور على نحو جيد أيضاً بالنسبة إلى زوكربيرغ، الذي تحوَّلت شركته الناشئة، التي انطلقت من غرفة في سكن جامعي، إلى عملاق للتواصل الاجتماعي يُقدَّر عدد مستخدميه بنحو 3 مليارات.

وبين الدفاع عن تأثير «فيسبوك»، بما في ذلك تأثيره في الأطفال والانتخابات، وتقديم اعتذارات علنية باسم الشركة، تزوَّج زوكربيرغ، وأنجب أطفالاً. كما غيَّر اسم «فيسبوك» إلى «ميتا»، وتضاعفت ملياراته مرات كثيرة، إذ تُقدَّر ثروته الصافية بنحو 250 مليار دولار، بل زار البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترمب.

يعود سوركين إلى تناول زوكربيرغ في فيلمه الجديد «المحاسبة الاجتماعية» (The Social Reckoning)، الذي يحمل عنواناً مفعماً بالأمل، وهذه المرة بصفته كاتباً ومخرجاً معاً. لا ينصبُّ التركيز هنا على البدايات أو الصداقات أو حتى زوكربيرغ، وإنما على الكيفية التي أعادت بها منصات التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك»، تشكيل أدمغتنا، معرِّضةً الأجساد والكيان السياسي الأميركي للخطر. ولا يزال مارك المتخيَّل، الذي يؤديه جيريمي سترونغ على نحو يبعث على القلق، يخيِّم على الأحداث، لكنه يظهر إلى حد كبير بوصفه تجسيداً رمزياً. أما الشخصيتان اللتان تضخّان الحياة في هذا الجزء الثاني، فهما فرانسيس هوغن (مايكي ماديسون)، الموظفة الحقيقية في «فيسبوك» التي تحوَّلت إلى كاشفة للمخالفات، وجيف هورويتز (جيريمي ألين وايت)، صحافي «وول ستريت جورنال» الذي كشفت سلسلة تحقيقاته المنشورة عام 2021 ما أفصحت عنه هوغن من أن الشركة اختارت «الربح على حساب السلامة»، وكانت على علم بالأضرار التي تتسبَّب فيها.

تدور أحداث الفيلم على مدى سنوات عدة، خلال عام 2021 والسنوات المحيطة به، وترصد تحوُّل فرانسيس من مؤمنة بـ«فيسبوك» إلى متشكِّكة فيه، ثم خارجة عن عقيدته. تبدأ صحوتها حين تشاهد مقطع فيديو مقلقاً، وتتواصل في مقرّ «فيسبوك» في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا. هناك، وسط مساحات عمل مفتوحة وأفواه مطبقة بإحكام، تعمل ضمن فريق النزاهة المدنية في الشركة، وتدرك أن خللاً خطيراً يحدث. ويقودها ذلك إلى جيف، الذي لا يملك حساباً على «فيسبوك»، لكنه لا يتورَّع عن شرح الديمقراطية بنبرة ذكورية متعالية، ويتمتَّع بإصرار صحافي يُشبه تشبُّث كلب بعظمة، وقادر على تحويل معلومات أولية إلى أخبار تتصدَّر العناوين. وقد وضع «فيسبوك» نصب عينيه، ويخوض مواجهته معه بدعم قوي من إدارة التحرير، تؤدي بيتي غيلبين دور رئيسته، ثم، مع مرور الوقت، بمساعدة فرانسيس المتردِّدة.

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت بدورَي فرانسيس هوغن وجيف هورويتز في «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ومن أذكى قرارات سوركين هنا الجمع بين وايت وماديسون، اللذين يتكامل حضورهما على الشاشة، وتجعلهما وسامتهما المميَّزة وغير التقليدية، وما يوحيان به من صدق عفوي، بطلين طبيعيين في مواجهة قوة أكبر منهما. يميل وايت إلى المبالغة في التعبير بعينيه، فيمنح نظراته حدَّة زائدة بسرعة، وقد تبدو التقطُّعات في صوته متدرَّباً عليها، سواء عن قصد أم لا. الشخصية ليست غنية بالتفاصيل، لكن وايت يضيف إليها ملمساً وظلالاً. أما قدرته على الظهور بصورة تُشبه على نحو لافت ابناً يجمع ملامح روبرت ريدفورد وداستن هوفمان في «كل رجال الرئيس» (1976)، فهي ميزة إضافية.

يُحسن سوركين التعامل مع فرانسيس أكثر؛ فهي نابغة مهووسة بالتقنية، حادّة الطباع، تتفوَّق قدراتها الذهنية على مهاراتها في التعامل مع الناس. وتؤدي الشخصية وظائف درامية متعددة، إذ تشكِّل مدخل القصة ومرآة المشاهد في آنٍ واحد. ولأن فرانسيس معزولة نسبياً في العمل، لا يبدو أن أحداً يحبها كثيراً، وتكاد حياتها الشخصية تكون معدومة، ويتعيَّن عليها أيضاً أن تنبض بالحياة من دون الكمّ الهائل من الحوارات التي تميِّز سوركين. تمنح ماديسون فرانسيس نظرة باحثة، ومتسائلة أحياناً، تزداد تركيزاً وقوة، وتتباين بوضوح مع تحفُّظ الشخصية الجسدي في البداية. وبعد العمل، حين تستقرّ فرانسيس في العتمة التي تغلِّف شقتها، تضمُّ جسدها إلى نفسه كما لو كانت تطوي خيمة. ترى وحدتها، لكنك ترى أيضاً استقلاليتها.

من كواليس تصوير «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

بمجرد أن تتواصل فرانسيس وجيف، يتحوَّل الفيلم إلى ما يُشبه فيلم تشويق أكثر اعتماداً على الحوار، مع لقاءات سرية وتهديدات تنذر بالخطر، وحتى بعض التنكُّر. وخلال ذلك، يتلاعب سوركين بالتسلسل الزمني، متنقِّلاً بين السنوات واللحظات الحاسمة. ويطلّ مارك بين حين وآخر، مرتدياً أحياناً بدلة وربطة عنق، فيما يُعدّه مساعدوه، وهنا تظهر وونمي موساكو، للمثول أمام الكونغرس. وبغرّة قصيرة تنسدل على جبينه، يؤدي سترونغ الدور بنظرة جامدة تُحدق في البعيد، ووجه غالباً ما يكون خالياً من التعبير بالقدر نفسه، وصوت قريب جداً من صوت زوكربيرغ، إلى حد أنني ضحكت حين سمعته للمرة الأولى. إنه تقليد متقن تقنياً لكائن بشري لم يعد سوركين، بوضوح، يُكنّ له أي تعاطف.

في «المحاسبة الاجتماعية»، لا يكتفي سوركين باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية. ولا شكَّ في صدق هذا التحذير، لكن سوركين يطلقه في عالم يظلّ في نهاية المطاف، رغم أشراره وتهديداته، الخوارزمية وغيرها، مألوفاً على نحو مطمئن، شأنه شأن أي عالم في مواقع التصوير الخارجية بهوليوود القديمة. ورغم كل ما يتناوله الفيلم من قضايا راهنة، فإنه يستحضر تلك الأفلام الكلاسيكية التي ترسَّخت في الحمض النووي الأميركي؛ الأفلام التي ينتصر فيها البسطاء، ويتحدَّث فيها شخص مثالي بشغف عن الديمقراطية من قاعة مجلس الشيوخ، من دون أن يتدفَّق إليها مثيرو الشغب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

انتهت مصر وإيطاليا من مشروع ترميم لوحة «الأخوين»، إحدى أبرز روائع فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني، وذلك في إطار مشروع شارك فيه فريق من المرممين المصريين والإيطاليين.

وأعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن انتهاء مشروع الترميم مع ترتيبات للعرض الأول للوحة ضمن معرض بروما، فمن المقرر أن تسافر هذه اللوحة من مصر لأول مرة لعرضها في معرض مؤقت بمتحف «آرا باسيس» بالعاصمة الإيطالية روما، ضمن معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم»، والمقرر في المدة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 وحتى 2 مايو (أيار) 2027، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

ويشهد المعرض، لأول مرة، عرض مجموعة من بورتريهات الفيوم من مقتنيات متاحف الآثار المصرية، تضم قطعاً مختارة من المتحف المصري بالتحرير، ومتحف كوم أوشيم، ومتحف الغردقة، وتتصدرها لوحة «الأخوين» بوصفها إحدى أبرز القطع المصرية المشاركة.

وأكد فتحي أن مشروع الترميم الذي استغرق نحو 3 أسابيع يعكس عمق علاقات التعاون الثقافي بين مصر وإيطاليا، ويبرز الدور المهم للتراث الثقافي في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الشعوب، مشيراً خلال مؤتمر صحافي إلى أن ترميم بورتريه «الأخوين» يمثل نموذجاً متميزاً للتعاون الدولي في مجال صون ودراسة التراث الثقافي، بما أتاح تبادل الخبرات بين المتخصصين المصريين والإيطاليين، والاستفادة منها في ترميم هذا العمل الفني الاستثنائي والحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

وأضاف فتحي أن «عرض هذه اللوحات ضمن معرض مؤقت في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الدولي بأحد الجوانب المتميزة للحضارة المصرية، وإلقاء الضوء على التفاعل الثقافي والفني الفريد الذي شهدته مصر خلال العصر الروماني، كما يعكس حرص الدولة المصرية على إتاحة تراثها الثقافي أمام الجمهور حول العالم».

الإعلان عن ترميم اللوحة الأثرية تمهيداً لعرضها بروما (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعد لوحة «الأخوين» لوحة خشبية دائرية يبلغ قطرها نحو 62 سم، ولا يتجاوز سُمكها سنتيمتراً واحداً، ورُسمت باستخدام تقنية «الإنكوستيك»، التي تعتمد على مزج الأصباغ بالشمع المنصهر، وتصور شابين جنباً إلى جنب. وتتميز اللوحة بشكلها الدائري غير المعتاد، وحجمها الكبير، فضلاً عن تصوير شخصين معاً في تكوين فني واحد، وهو ما يجعلها نموذجاً استثنائياً بين بورتريهات الفيوم المعروفة بتصوير الشخصيات فرادى.

وتُعد بورتريهات الفيوم من أبرز نماذج التصوير الشخصي الباقية من العالم القديم. وقد رُسمت في معظمها على ألواح خشبية رقيقة، وكانت توضع فوق وجه المتوفى بين لفائف المومياء، في تجسيد للتفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والتأثيرات الفنية اليونانية والرومانية.

وأكد الدكتور هشام الليثي، على الأهمية الأثرية والفنية الاستثنائية للوحة، موضحاً أن أهميتها لا تقتصر على جودة ودقة أسلوبها الفني فحسب، بل تمتد إلى شكلها وتقنية تنفيذها وحالتها، بما يوفر معلومات مهمة لدراسة فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني.

وتضمنت أعمال الترميم تدعيم الطبقة اللونية المحيطة بالأجزاء المفقودة بعناية، وتثبيت المناطق الضعيفة، إلى جانب معالجة الأنفاق التي خلفتها الحشرات أسفل بعض مناطق الطبقة اللونية. كما قام فريق الترميم بتسوية وتدعيم الأجزاء التي سبق تثبيتها بصورة غير صحيحة، قبل إعادتها إلى مواضعها الأصلية باستخدام دعامات دقيقة.

ومن المنتظر أن يضم معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم» أكثر من 110 قطع أثرية وفنية، من بينها ألواح مرسومة، وأكفان جنائزية، وأقنعة، وبورتريهات رخامية، وقوالب جصية، ومجموعة من الحُلي القديمة. ويضم المعرض نحو 60 بورتريهاً مرسوماً من مصر، بما يتيح للزائر التعرف بصورة أعمق على التفاعلات الفنية والثقافية التي شهدتها مصر خلال العصر الروماني، وفق تصريحات لتوماسو رادايلي، رئيس المؤسسة المنظمة للمعرض.

وأوضح الدكتور كلاوديو باريزي، المشرف على التراث الثقافي في روما، أن القطع المصرية ستُعرض إلى جانب عدد من الأعمال من مجموعات ومتاحف دولية، من بينها متحف اللوفر، ومتحف جيه بول جيتي، ومتحف ولاية فورتمبيرغ في شتوتغارت، ومتحف المتروبوليتان للفنون، إلى جانب عدد من المجموعات الإيطالية.

وتمثل عملية ترميم لوحة «الأخوين» خطوة مهمة في صون أحد الشواهد الفنية النادرة التي تكشف عن خصوصية الحضارة المصرية خلال العصر الروماني. وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحة لا تكتسب أهميتها من قيمتها الجمالية فحسب، وإنما من قدرتها على توثيق التفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والأساليب الفنية اليونانية والرومانية، مع احتفاظها بملامح مميزة لفن التصوير في مصر القديمة».

وترى سليمان أن «عرض اللوحة في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الأوروبي بأحد جوانب الإبداع الفني المصري، ويعزز الدبلوماسية الثقافية بوصفها جسراً للتواصل بين الحضارات، شريطة أن يقترن عرض الآثار بالخارج بضمانات دقيقة لحمايتها وصونها».


«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ47 بمرور نصف قرن على تأسيسه، جاء ذلك في الوقت الذي أثار فيه الملصق الدعائي للمهرجان جدلاً بسبب تصميمه وطريقة استحضاره تاريخ السينما المصرية، مع اختيار الفنانة الراحلة شادية لتتصدر واجهته بالألوان، أمام خلفية تضم صوراً من أفلام وشخصيات سينمائية بالأبيض والأسود.

وتم الكشف عن الملصق الخاصة بالدورة التي تحتفي بمرور 50 عاماً على انطلاق المهرجان عام 1976، ويجمع بين عرض إنتاجات حديثة واستعادة أعمال مصرية مرممة، إلى جانب تكريم سينمائيين وإقامة لقاءات متخصصة حول صناعة الأفلام، وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في القاهرة، الأحد، شرح الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، الفكرة التي يقوم عليها التصميم، مؤكداً أن الخلفية تستعيد الأفلام المصرية المرممة، وما تمثله من تاريخ سينمائي حاضر باستمرار في ذاكرة الجمهور.

وأوضح أن حضور الأبيض والأسود يرتبط بهذه الذاكرة، بينما تشير الألوان إلى مرحلة دخول السينما الملونة، وهو ما يجمع في الملصق صور تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور الفيلم المصري، موضحاً أن اختيار شادية جاء بوصفها رمزاً للحضارة السينمائية المصرية؛ ولذلك ظهرت بالألوان في مقدمة الملصق، إلى جانب الشخصيات الموجودة في الخلفية، التي قدمت «سينما متميزة».

وقال الناقد الفني طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة المهرجان اختارت صورة غير موفقة للفنانة الراحلة شادية ومغايرة للانطباع الذي تركته عند الجمهور عبر مسيرتها السينمائية الممتدة بشخصية الفتاة الدلوعة، ومن ثم كان من الأفضل استخدام صورة تعبر عن البهجة، فضلاً عن عدم جودة التقنيات المستخدمة في الملصق الترويجي».

وأرجع الشناوي جزءاً من الاهتمام بالجدل الذي صاحب الملصق الترويجي إلى برنامج المهرجان الذي جرى الكشف عن تفاصيله لكون الصورة تعد المعادل الموضوعي لما يحدث على السجادة الحمراء، ومن ثم تحظى باهتمام كبير. وهنا يشير الناقد محمد عبد الرحمن لتوضيحات رئيس المهرجان حول شرح فكرة الملصق الترويجي واهتمام «القاهرة السينمائي» بترميم الأفلام القديمة كأحد الفعاليات الهامة التي ينجزها المهرجان كل عام، مشيراً إلى أن «تنفيذ الفكرة التي تحدث عنها حسين فهمي لم يكن على المستوى المتوقع».

ليلى علوي ولبلبة وعدد من حضور المؤتمر (إدارة المهرجان)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حساسية لدى الجمهور من تغيير ملامح الفنانين بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم جاءت كثير من الردود الفعل سلبية، وتطالب بتعديل الملصق الترويجي خصوصاً أن شادية لها مجموعة من الصور الجيدة التي تظهر فيها معالمها بوضوح دون الحاجة لتغييرات الملامح التي ظهرت في الملصق الرسمي».

وتُقام الدورة الجديدة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، اختيرت بعد استقبال المهرجان 5600 طلب مشاركة في مختلف البرامج والمسابقات، بينها 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 للأفلام القصيرة. ويصل مجموع العروض الأولى إلى 109 أفلام، بينما يعرض المهرجان 27 فيلماً مصرياً مرمماً، بينها «البوسطجي» و«المتمردون» و«معبودة الجماهير» و«القاهرة 30» و«الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف».

وعلى مستوى التكريمات، يمنح المهرجان الفنان آسر ياسين جائزة «فاتن حمامة للتميز»، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في السينما المصرية، وتنوع الشخصيات التي قدمها وقدرته على التعبير عن أبعادها النفسية والإنسانية. كما يكرم مدير التصوير سعيد شيمي والسيناريست والشاعر مدحت العدل بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، تقديراً لإسهامات شيمي في تشكيل الصورة السينمائية المصرية عبر مسيرة تجاوزت 5 عقود، ولأعمال العدل التي ارتبطت بوجدان الجمهور، وأسهمت في انطلاق جيل من النجوم.

ويكرم المهرجان أيضاً المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي»، تقديراً لتجربته في تطوير لغة السينما الأفريقية، وتعزيز حضورها عالمياً كما يكرّم المهرجان الموزع السينمائي أنطوان زند تقديراً لمسيرة تجاوزت 6 عقود، أسهم خلالها في إتاحة الأفلام العالمية للجمهور المصري، وتطوير قطاعي التوزيع والعرض. ويشارك فيلمان مصريان في المسابقة الرسمية، هما «برلين» و«البرانية»، من بين 12 فيلماً أعلن المهرجان عنها. ويعود أحمد عبد الله السيد بفيلم «برلين»، بطولة منة شلبي ويسرا اللوزي، متتبعاً حيوات 3 مهاجرين عرب خلال يوم سريالي في العاصمة الألمانية.

أما «البرانية»، أول أفلام المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص الروائية الطويلة، فسبق أن شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في «فينيسيا السينمائي»، وتدور قصته حول امرأة حامل تعيش بقرية تحيط بها حقول الياسمين، وتواجه عائلتها انقساماً بسبب عرض لشراء أرضها، بينما تنمو داخلها أحلام الانتقال إلى المدينة.

بينما يشارك الفيلم السعودي «جحيم العابرين»، للمخرجة هناء العمير، ضمن برنامج «عروض منتصف الليل» على أن يُعرض قبل أيام من طرحه تجارياً في صالات السينما السعودية، ويأتي ضمن 4 أعمال يضمها القسم، إلى جانب الفيلم الأرجنتيني «جلد الطبل»، والفيلمين الفرنسيين «حبيبي» و«حفلة عيد الميلاد».