زينة القش... مريم تحفظ إرث «الزمن الجميل»

أتقنت صناعتها قبل حوالي 50 عاماً

أم يوسف تتفقد قطعاً صنعتها من القش
أم يوسف تتفقد قطعاً صنعتها من القش
TT

زينة القش... مريم تحفظ إرث «الزمن الجميل»

أم يوسف تتفقد قطعاً صنعتها من القش
أم يوسف تتفقد قطعاً صنعتها من القش

لم تعد المُسنة الفلسطينية مريم محمود، تخشى كثيراً فكرة «الموت»، بعد أن تمكنت خلال السنوات الخمسين الماضية، من أداء رسالتها «الوطنية» في حفظ التراث، عقب تدريبها لمئات الفتيات والنساء الفلسطينيات، على طرق تحويل «القش» لقطع وتحف جميلة، تستعمل كزينة في البيوت والأعراس.
ترى المُسنة التي تقطن بلدة جماعين، قضاء نابلس، شمال الضفة الغربية المحتلة، أنّها صانت «المهنة» التي أخذتها عن أمها وجدتها قبل نحو 50 عاماً. فمنذ ذلك الوقت، لم يمر عليها يوم من دون أن تكون مشغولة في صناعة «القش»، أو بتدريب النسوة، التي كانت تطوف لأجلهن، محافظات الضفة كاملة.
«صناعة أطباق وقطع القش، هي من الحرف اليدوية القديمة، التي تستعمل فيها عيدان القمح والزيتون»، تقول المُسنة المُكناة بـ«أم يوسف»، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، موضحة أنّ النساء الفلسطينيات، يُعتبرن على مدار التاريخ من الرائدات في تلك المهنة، «وهي ترتبط بالحياة الفلاحية والأرض، بشكل كبير».
وتحكي أنّ المهنة تحتاج لجهد كبير ومتابعة على مدار أيام العام، فعلى صعيدها الشخصي، «لا تستخدم سوى القش الناتج عن محصول القمح الذي تزرعه بنفسها في أرضها»، مبيّنة أنّ أصل المهنة يكمن في يدويتها وأصالتها، ولذلك فإنّ المتقنين لها قلة.
وبدأت أم يوسف التي تبلغ من العمر (70 عاماً) العمل في هذه المهنة، منذ أن كانت بعمر الـ20 سنة، وبعد ذلك تحولت لمصدر دخل لها ولأسرتها، التي كانت تتكون من 9 أفراد، قبل قتل الجيش الإسرائيلي لزوجها وابنها فوق تراب أرضهم، دون وجه حق، كما تردف.
وتسرد أنّها تدرجت في المهنة بمراحلها المختلفة، وخلال فترة معنية، اتجهت لتنظيم دورات تدريبية حول صناعة القش، شارحة أنّها كلما تقدمت في العمر، كلما أحست بازدياد المسؤولية الواقعة على عاتقها تجاهها، وأيضاً ينمو حافزها تجاه العمل بصورة أكبر.
ويساعد الجدّة، في عملها أبناؤها وأحفادها، حيث ينطلقون معها في مواسم الحصاد نحو الأرض، لجمع القش ونقله للبيت، ويوضع في الأحواض المليئة بالمياه لـ«تقشيشه»، وبعدها يُجفّف في الشمس لفترة طويلة، لتزيد صلابته ولمعانه، وبعد ذلك تعمل أم يوسف، على «تلوين القش»، بألوانٍ مختلفة، منها الأزرق والأصفر والأحمر وغيرها.
وعن سبب «التلوين»، تعقب السبعينية: «قديماً، كنتُ أستعمل القش، بلونه الطبيعي، لكن مع تطور الحياة، ودخول التحف وقطع الأنتيكا الملونة للمنازل، كان لازماً عليّ، ملاحقة (موضة) العصر، فلجأت للتلوين، لأنّ ذلك يعطي القطع روحاً جميلة وشكلاً أكثر لطافة، يستهوي معظم أذواق الكبار والصغار».
وتسير عملية «صبغ القش»، من خلال الأحواض المغمورة باللون المطلوب بحالته السائلة، وبعد ذلك يتم «تغطيس» القش بها، ويترك فترة جيدة ليأخذ اللون فيه، كما تشير، مبيّنة أنّها تعمل بعد تأكدها من تمام العملية، على نقل القش، لمكان جاف يدخله الهواء والشمس، وهناك يترك لمدّة زمنية، تكفي لإعادة تجفيفه مرة أخرى.
تحتاج القطعة الواحدة من الجدّة، أربعة أيام عمل، حيث تخصص في اليوم الواحد لها، نحو عشر ساعات، وتروي: «عملية نسج القش، تحتاج لدقة شديدة، وطولة بال عالية، لأنّ أي خطأ، سيتطلب فك كل ما تم تجمعيه، وإعادته من جديد لتصحيح الخطأ».
«الصواني الملونة، وعلب الحلوى، والساعات التراثية، وعصا الرقص، وحوامل الحنا وزينة الأفراح، وكثير من أدوات المنزل والعرس الأخرى»، هذه كلها قطع تصنعها أم يوسف، وتعمل بين الفترة والأخرى، على استحداث أشكال جديدة لها، وتضيف عليها بصماتها الخاصّة كي تزيد من إقبال الناس عليها.
ولدى الجدّة، صفحة على منصة «الفيس بوك»، تحمل اسم «مشغولات تراثية - أم يوسف»، وتديرها بنفسها، وتعمل من خلالها على تسويق ونشر صور أعمالها للمتابعين، الذين يتفاعلون معها بصورة جميلة، وتلفت إلى أنّ أسعار القطع، مناسبة لوضع الناس في فلسطين.
وعبر السنوات الطويلة، سافرت العديد من القطع، التي أنتجتها يدا أم يوسف، إلى كثير من البلدان العربية والأوربية، حيث تصلها بشكل دائم رسائل من فلسطيني الخارج، يطلبون فيها الأدوات المصنوعة من القش، وذلك لما لها من قدرة على تذكيرهم بالبلاد والماضي، وتنوه إلى أنّها شاركت على مدار السنوات في الكثير من المعارض المحلية، التي تهتم بالتراث، وتُحيي المناسبات الوطنية.
بصوتٍ متحشرج أخفت خلفه دموعاً كثيرة، قالت الجدّة: «هذه المهنة، هي تراثنا وتاريخنا، هي إرث أمي وجدتي، كيف يمكن لي أن أتركها؟»، في إجابة منها عن سؤال «متى ممكن أن تتوقفي عن صناعة الأدوات بالقش»، وأضافت: «ارتباطي بالقش، هو ارتباط بالوطن وبذكريات البلاد القديمة، وبالأيام الخالية الجميلة».



سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
TT

سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)

شكّلت جدران شوارع بيروت وأزقّتها شاهداً صامتاً على حقب مختلفة عاشتها العاصمة. وقد يكون اللبناني المقيم واكب التحوّلات التي رسمتها الأحداث على ملامحها، ولكن ماذا عن المغترب الذي يعود إلى وطنه محاولاً استعادة صلته بالمدينة؟ يبحث بين طبقات جدرانها عن آثار الزمن، علّه يستدرك شيئاً مما فاته، فتبدو جدران المدينة أمامه أجساداً تترنّح بين الماضي والحاضر، مثقلة بندوب أحداث متعاقبة.

من هذه الصورة تنطلق الفنانة التشكيلية سارة الشعار في معرضها «داخل الخارج» الذي افتُتح في 9 أكتوبر (تشرين الأول) ويستمر حتى 30 منه، في غاليري «آرت 56» في الجميزة. فقد هاجرت من لبنان في سنّ مبكرة إلى منطقة الكاريبي، وعندما عادت شعرت بغربة تفصلها عن عاصمته. فقرّرت أن تنسج علاقة جديدة مع المدينة، مستخرجة من جدرانها المتصدّعة ما أخفاه عنها الزمن. ولترجمة رؤيتها، لجأت إلى تقنية في الرسم تقوم على المزج بين الشمع والزيت.

تعكس لوحات الشعّار ما شهدته جدران بيروت على مرّ الزمن (الشرق الأوسط)

وتشرح سارة الشعار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «للشمع ميزات خاصة، إذ تتراكم طبقاته تلقائياً. وعندما يرغب المرء في اكتشاف الصورة التي يغطّيها، يلجأ إلى خدش هذه الطبقات والتنقيب عمّا تحتها. وهذه هي الصورة التي رغبت في استحضارها في تعاملي مع جدران العاصمة. فكلّما مررت بمحاذاتها، كنت ألحظ التشقّقات التي تسكنها. فأقترب منها لأكمل ما بدأته عوامل الطبيعة، وأكتشف صوراً مطمورة بعد إزاحة طبقات الطلاء عنها».

تبني سارة الشعار لوحاتها بطبقات متعاقبة من الطلاء الممزوج بالشمع، ثم تكشط أجزاء منها، فتُظهر ما يكمن تحتها. وتحاكي هذه العملية تشقّق الجدران وتقشّرها، من دون السعي إلى استنساخها.

تتنقّل بفرشاتها بين جدران متصدّعة، لكنها لا تزال منتصبة، فتستحضر مناظر طبيعية تُرى من الأعلى، وأراضي مجزّأة، وخرائط متآكلة تبدو كأنها بشرة لجدران أنهكها الزمن. وتكمن الحكاية في المسافة الفاصلة بين الداخل والخارج، وفي ما يتوارى خلف الظاهر.

وتفتح عناوين لوحاتها المجال أمام قراءات تتداخل فيها الذاكرة مع المكان، والندوب مع محاولات الترميم. فمن «احتفظت التربة بندوبها» و«صارت أصواتنا ناراً»، إلى «انهيار السطح» و«يمسك الماء بالرمال» و«تحت أطلال صامتة»، تنسج الفنانة حكايات عن أرض لا تنسى ما مرّ بها. وبين ما تكشفه اللوحات وما تحجبه، تترك للمشاهد حرية التنقيب عمّا بقي من الذاكرة وما يمكن أن يولد من جديد.

تستخدم طبقات من الألوان الزيتية والشمع لإنجاز أعمالها (الشرق الأوسط)

وعن ألوانها الصارخة حيناً والدافئة حيناً آخر، توضح: «ساعدتني الألوان في بناء طبقات اللوحة لتتألّق بمظهر يخبرنا عن حالات معيّنة. وبين الأزرق الداكن والفاتح، والأحمر الناري والبرتقالي والبنفسجي والأبيض والزيتي، فتحت نوافذ للنور كي لا تختنق محتويات اللوحة بمشهد بصري واحد. فتداخلت المساحات وتناثرت بينها أجزاء من أشكال لصور وُلدت مباشرة أثناء الرسم».

وتؤكد سارة الشعار أنها أرادت ترك مساحة واسعة للمشاهد ليكتشف موضوع اللوحة وفق رؤيته، وتتابع: «في النهاية، ما أترجمه يتعلّق بالذاكرة الجماعية لدى اللبنانيين، وكلّ واحد منّا يرى الأمور من منظار مختلف. وهذه الفكرة بالذات حفّزتني على إدخال عنصرَي الغموض والمفاجأة في أعمالي، هرباً من مساحات مكرّرة وتقليدية تطالعنا في أعمال كثيرة».


حين لا يكون التراث متحفاً... بل فرصة لصَون الماضي

مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
TT

حين لا يكون التراث متحفاً... بل فرصة لصَون الماضي

مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)

في بعض زوايا لندن، يبدو الزمن أقل استعجالاً. تدخل مكاناً فتشعر بأن أشخاصاً كثيرين سبقوك إليه، تركوا شيئاً من حكاياتهم بين جدرانه، ثم مضوا. وربما جلست، من دون أن تدري، إلى طاولة جلس إليها كاتب شهير أو ملك أو ممثل، قبل عقود طويلة.

هذا ما يجعل «رولز» (Rules)، في منطقة كوفنت غاردن، مختلفاً عن مجرد عنوان قديم على خريطة العاصمة البريطانية. فمنذ عام 1798، والمكان يستقبل زبائنه، في حين تتراكم حوله حكايات الأدب والحياة الملكية والفن، حتى بات جزءاً من ذاكرة لندن نفسها.

والآن، حصل هذا العنوان العريق على فرصة جديدة للاستمرار، بعدما تملّك الصندوق الوطني البريطاني (National Trust)، المعني بحماية التراث، المبنى الذي يحتضنه، بما في ذلك تصميمه الداخلي التاريخي. والغاية ليست تحويله متحفاً، بل ضمان ألا يأتي يوم تُستبدل فيه طاولاته بشقق سكنية، وتُختصر حكايته في صورة قديمة أو لوحة على جدار.

وتبلغ قيمة العقار أكثر من 11 مليون جنيه إسترليني، وقد تبرع به مالكه جون «جي بي» مايو للصندوق؛ لضمان الحفاظ على المكان وقصصه الممتدة لأكثر من قرنين. كما ينص عقد الإيجار على استمرار استخدام المبنى مطعماً. وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

قد تبدو المسألة للوهلة الأولى شأناً عقارياً، لكنها تطرح سؤالاً أوسع: كيف نحافظ على ذاكرة المدن من دون أن نحكم عليها بالبقاء خلف الزجاج؟

حين تصبح الجدران شاهدة

أسس «رولز» توماس رول، وبدأ محلاً لتقديم المحار، قبل أن يشتهر بأطباقه الإنجليزية التقليدية وديكوراته التي تزينها قرون الحيوانات. لكن ما يمنحه مكانته الاستثنائية ليس عمره وحده، بل الأشخاص الذين مروا به، والحكايات التي حملوها معهم.

كان الكاتب تشارلز ديكنز من زبائنه المنتظمين، كما ارتاده الملك إدوارد السابع قبل اعتلائه العرش. وكانت ليلي لانغتري، عشيقته آنذاك، على صلة وثيقة بالمكان، حتى إنها كلّفت فناناً رسم لوحة خاصة له وأهدته إياها، ولا تزال معلقة فوق بار الكوكتيلات.

أما الروائي غراهام غرين، فكان يزور المطعم في كل عيد ميلاد له. ولم يترك ذكراه فيه فحسب، بل أدخله إلى روايته «نهاية العلاقة» (The End of the Affair)، الصادرة عام 1951، حيث يتبادل بطلا الرواية أول قبلة بعد تناول العشاء في المكان.

ومن الأدب إلى السينما، ظهر «رولز» في فيلم جيمس بوند «سبكتر» (Spectre)، كما استضاف تصوير مشاهد من مسلسل «داونتون آبي» (Downton Abbey).

هكذا تتداخل الحقيقة والخيال في مكان واحد. فبعض الزبائن يأتون لتناول الطعام، وبعضهم قد يأتي مدفوعاً بفضول تجاه ماضيه، في حين يمر آخرون من دون أن يعرفوا أن الجدران المحيطة بهم تحمل ذكريات كتّاب وشخصيات ملكية وأبطال أعمال فنية.

تراث لا يعيش في الصور وحدها

لم يكن بقاء المكان مضموناً دائماً. ففي عام 1971، تدخل الشاعر البريطاني جون بيتجمان للدفاع عنه عندما ظهرت خطط لهدمه لتوسيع طريق قريب. وشبّه المطعم بمكان للعبادة، في إشارة إلى الأجواء التي تنشأ في الأماكن التي يرتادها الناس جيلاً بعد جيل.

ولعل هذه الفكرة تفسر لماذا يصعب تعويض بعض الأماكن، حتى لو أمكن بناء مبانٍ أجمل مكانها. فالمبنى يمكن إعادة تشييده، لكن الذكريات لا تنتقل بالضرورة إلى عنوان جديد، كما لا يمكن استنساخ الشعور الذي يتكون عبر سنوات طويلة من اللقاءات والعادات والتفاصيل الصغيرة.

ويرى ريكي ماكمنيمي، مدير «رولز» الذي يعمل فيه منذ أكثر من 30 عاماً، أن حماية المطعم لا تعني تجميد الزمن داخله. فالمطلوب أن يستمر في استقبال الناس وتقديم الطعام، مع الاحتفاظ بملامحه التاريخية، لا أن يتحول أثراً جامداً لا يقترب منه أحد.

وهذه هي المفارقة الجميلة في حكاية المكان: لكي يبقى كما هو، عليه أن يواصل التغير مع الحياة من حوله، وأن تظل أبوابه مفتوحة، وطاولاته مستخدمة، وأحاديث زبائنه جزءاً من يومه العادي.

مدينة تحفظ ذاكرتها

يمتلك الصندوق الوطني البريطاني قصوراً ومنازل تاريخية كثيرة، تحول عدد منها متاحف بعدما توقفت عن أداء وظائفها الأصلية. لكن «رولز» يقدم نموذجاً مختلفاً؛ فهو لا يعرض ماضيه للزوار فقط، بل يواصل العمل بالطريقة التي عرفها الناس منذ تأسيسه.

وتقول لوسي بورتن، إحدى القيّمات على المجموعات والمواقع التاريخية في الصندوق، إن من النادر أن تستمر المواقع التراثية في أداء الوظيفة التي أُنشئت من أجلها. أما هنا، فلا يزال المطبخ يعمل، والزبائن يجلسون حول الطاولات، والحياة اليومية تمضي بين تفاصيل يعود بعضها إلى قرون مضت.

في لندن، حيث تتبدل الواجهات وتُهدم مبانٍ لتفسح المجال لأخرى، تبدو حماية «رولز» محاولةً للاحتفاظ بشيء يصعب قياس قيمته بالأموال وحدها. فالمكان لا يختزن تاريخاً من الملوك والكتّاب والمشاهير فحسب، بل يحفظ أيضاً عادة بسيطة استمرت أكثر من قرنين: أن يفتح أبوابه كل يوم، ويمنح الناس مكاناً يجلسون فيه، من دون أن يعرفوا أي حكاية جديدة ستُضاف إلى ذاكرته.

وهكذا، لا تكمن أهمية «رولز» في أنه أقدم من كثير من الأماكن المحيطة به، بل في أنه لا يزال حياً. فبعض معالم المدن تستحق الحماية لأنها تذكّرنا بما مضى، وبعضها يستحقها لأنه يمنح الماضي فرصةً كي يواصل العيش.


كيف تعالجين إصابة طفلك بالقمل؟

على عكس الاعتقاد الشائع فإن الإصابة بالقمل لا تعني سوء النظافة الشخصية (بكسلز)
على عكس الاعتقاد الشائع فإن الإصابة بالقمل لا تعني سوء النظافة الشخصية (بكسلز)
TT

كيف تعالجين إصابة طفلك بالقمل؟

على عكس الاعتقاد الشائع فإن الإصابة بالقمل لا تعني سوء النظافة الشخصية (بكسلز)
على عكس الاعتقاد الشائع فإن الإصابة بالقمل لا تعني سوء النظافة الشخصية (بكسلز)

هناك ثلاث كلمات يخشى الآباء -في مجموعات الدردشة الخاصة بفصول أبنائهم الدراسية- قراءتها، وهي: «طفلي مصاب بالقمل». وقمل الرأس هو طفيليات تصيب الأطفال بشكل رئيسي في مرحلة ما قبل المدرسة، أو المرحلة الابتدائية. وعلى عكس الاعتقاد الشائع والخاطئ، فإن الإصابة بالقمل لا تعني سوء النظافة الشخصية، كما أنه لا ينقل أمراضاً أخرى. ومع ذلك، غالباً ما يتعرض الأطفال المصابون بالقمل للإحراج، ويُستبعدون من الذهاب إلى المدرسة دون داعٍ.

وكما ذكرت الدكتورة إميلي جيه سي وونغ، الأستاذ المشارك في طب الأطفال بجامعة فرجينيا الأميركية، في مقال لها نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»: «بصفتي طبيبة أطفال متخصصة في الأمراض المعدية والطفيليات، فإن هدفي الحفاظ على صحة الأطفال. وبصفتي أماً لطفلين، فقد خضت المعركة بنفسي للتخلص من القمل مع أطفالي».

ووفق المقال، يُعد قمل الرأس البالغ حشرات تعيش حصراً على جسم الإنسان، وتتغذى على الدم عن طريق لدغ فروة الرأس. وتضع أنثى القمل بيضها على الشعر قرب فروة الرأس، وتثبته بقوة في خصلات الشعر باستخدام مادة صمغية، حيث يستغرق البيض من ثمانية إلى تسعة أيام حتى يفقس، ونظراً لأنه لا يستطيع القفز أو الطيران، فإنه ينتقل غالباً من شخص لآخر عبر التلامس المباشر. وفي المدارس، قد يحدث هذا عندما يجلس الأطفال بالقرب من بعضهم البعض. كما يمكن أن ينتقل من خلال مشاركة الأغراض الشخصية، مثل القبعات أو فرش الشعر. ولا يوجد أي دليل طبي يشير إلى أن أنواعاً معينة من الشعر تقاوم الإصابة؛ إذ يمكن للقمل أن يصيب جميع أنواع الشعر.

ما الذي يجب فعله؟

تنبه وونغ إلى أنه لا داعي للذعر. قد تكون الإصابة بقمل الرأس أمراً مزعجاً أو محرجاً، لكنها ليست خطيرة، وهناك علاجات فعالة لها. وتؤكد أيضاً ضرورة البحث عن البيض، الذي غالباً ما يوجد خلف الأذنين أو عند مؤخرة الرقبة، حيث يكون ملتصقاً بقوة بالشعر، ولا يمكن إزالته بسهولة مثل قشور القشرة العادية. وتضيف أنه بمجرد التأكد من إصابة طفلك بالقمل، افحص بقية أفراد الأسرة أيضاً. وتوصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بمعالجة جميع أفراد الأسرة المصابين بالقمل، بالإضافة إلى أي شخص يشارك الطفل في السرير.

وتتوفر عدة خيارات علاجية آمنة للأطفال، ومتاحة دون وصفة طبية، وبأسعار معقولة. تشرح وونغ أنه بعد تطبيق العلاج الموضعي، يُنصح بتمشيط الشعر باستخدام مشط ذي أسنان دقيقة للتأكد من عدم بقاء أي قمل حي. ويمكن أن يساعد استخدام بلسم كريمي أثناء التمشيط في جعل القمل أكثر وضوحاً. ونظراً لعدم وجود علاج فعال بنسبة 100 في المائة، فإن التمشيط يساعد أيضاً في إزالة البيض الذي قد يفقس لاحقاً ويتحول إلى قمل حي يتطلب علاجاً إضافياً.

ماذا لو لم ينجح العلاج؟

أحياناً لا تحقق العلاجات المتاحة دون وصفة طبية فاعلية كاملة؛ وقد يعود ذلك إلى سوء الاستخدام، أو التعرض للقمل مجدداً، أو لأن القمل قد طوّر مقاومة تجاه هذه العلاجات. لذلك في حال كانت الموارد متاحة لديك، تنصح وونغ بأنه يمكنك الحصول على أحد العلاجات من «الخط الثاني» (التي تُصرف بوصفة طبية فقط) من خلال مقدم الرعاية الصحية لطفلك.

وتضيف: إذا كنت تفضل تجنب العلاجات الكيميائية، يمكنك محاولة إزالة القمل يدوياً، واحدة تلو الأخرى، مع استخدام مستحضر ملطف. ومع ذلك، فإن الأبحاث حول مدى فعالية هذه الطريقة لا تزال محدودة.

ماذا عن المدرسة؟

تتبنى العديد من المدارس سياسات «خلو الشعر من القمل»، والتي تقضي بمنع الطفل من الحضور إلى المدرسة في حال العثور على القمل في رأسه. غير أن العديد من الخبراء ومنظمات الصحة العامة يرفضون هذه السياسات، معتبرين إياها إجراءات غير ضرورية وغير فعالة، وقد تسهم في تعزيز الوصمة الاجتماعية، وفق وونغ.

ووفقاً للتوجيهات الحالية، إذا أصيب طفل بقمل الرأس، فلا ينبغي إرساله إلى المنزل قبل انتهاء اليوم الدراسي؛ بل يتعين إبلاغ الوالدين، مع استمرار الطفل في حضور دروسه أثناء تلقي العلاج، ولكن ينبغي على الطفل تجنب التلامس المباشر بين الرؤوس.