جوائز أورويل للكتابة السياسية... انكفاء الغرب نحو الداخل

دورة 2020 تتزامن مع مرور 75 عاماً على صدور «مزرعة الحيوانات»

جورج أورويل - غلاف «بعض الصغار الذين علمتهم وماذا علموني» - غلاف «أبناء النيكل»
جورج أورويل - غلاف «بعض الصغار الذين علمتهم وماذا علموني» - غلاف «أبناء النيكل»
TT

جوائز أورويل للكتابة السياسية... انكفاء الغرب نحو الداخل

جورج أورويل - غلاف «بعض الصغار الذين علمتهم وماذا علموني» - غلاف «أبناء النيكل»
جورج أورويل - غلاف «بعض الصغار الذين علمتهم وماذا علموني» - غلاف «أبناء النيكل»

تمثل جوائز أورويل السنوية عند المراقبين نوعاً من مسبار لقراءة مزاج النخبة البريطانية وهمومها وتوجهاتها خلال عام كامل، عبر النصوص الأكثر تأثيراً ذات المضمون السياسي التي لمعت في فضاءات الكتب والصحافة والخيال الأدبي والإعلام. وبعكس السنوات السابقة التي منحت فيها الجائزة - بأقسامها المختلفة – لأعمال معنية عموماً بالعالم، وعلاقات بريطانيا ونفوذها الدولي، وخبرة صحافييها وكتابها بالشؤون السياسية الخارجية، تعبِّر الثيمة الجامعة للأعمال الفائزة في دورة هذا العام عن انكفاء بريطاني – يمكن تعميمه على الغرب بمجمله – نحو الداخل، وانشغال بقضايا محلية وجراحات مجتمعية عميقة، وشروخ ثقافية وطبقية لم يعد ممكناً الاستمرار في تجاهلها.
وللحقيقة فإن الأعمال المكرمة بالجائزة هذا العام على تنوع قنواتها، كتباً وروايات ومقالات وتحقيقات، تبدو كأنها إشارات تحذيرية من تفجر قادم لأورام وعلل عضال ما لبثت تنخر في نسيج المجتمعات، وأهملت النخب الحاكمة علاجها طوال عقود متتابعة. وهو ما حصل دون تأخير مع بداية 2020، بعد المصاعب الاقتصادية الهائلة التي تسبب فيها تفشي فيروس «كورونا»، وسياسة الإغلاق التي اضطرت الحكومات لاتخاذها، كما الاحتجاجات المستمرة التي تمددت نحو أطراف العالم الأنغلوفوني ضد العنصرية العرقية العميقة في المؤسسات الرسمية - منذ مقتل جورج فلويد المواطن الأفروأميركي على يد الشرطة في الولايات المتحدة - ومظاهر الغضب الشعبي ضد رموز المرحلة الكولونيالية وتماثيل أبطالها، وغيرها من الأزمات المتتابعة.
كانت وقفية جورج أورويل قد أعلنت يوم الخميس الماضي في حفل افتراضي بُث على الإنترنت، أسماء الفائزين لدورة 2020 بجوائز أورويل السنوية للكتابة السياسية بأقسامها الأربعة الأساسية: الكتابة السياسية، والخيال الأدبي السياسي، والصحافة السياسية، والعمل الإعلامي الكاشف عن الأوجاع الاجتماعية في المجتمع البريطاني، على أن تعلن نتيجة قسمها المتعلق بالكتابة السياسية للكتاب الشبان مع نهاية الشهر الحالي.
الجائزة التي تُمنح من قبل لجان تحكيم مستقلة لكل قسم لأعمال باللغة الإنجليزية صدرت خلال العام الماضي، توافقت على أنها الأقرب إلى تحقيق حلم الصحافي والروائي البريطاني الشهير إريك آرثر بلير (1903 – 1950) الذي نشرت أعماله تحت الاسم الأدبي المستعار جورج أورويل، «بتحويل الكتابة السياسية إلى نوع من الفن».
وتعتبر روايات أورويل ونصوصه من أهم نتاجات الأدب السياسي في القرن العشرين، وما زالت أعماله مثل «مزرعة الحيوانات»، و«1984»، و«حنيناً لكاتالونيا» متداولة بكثافة إلى اليوم، ولا يخلو منهاج مدرسي في بريطانيا من أحدها في المقرر التعليمي.
وعلى الرغم من أن القيمة المادية للجائزة لا تزيد على ثلاثة آلاف جنيه إسترليني للفائز بكل قسم (ونسخة خاصة من رواية بلير «مزرعة الحيوانات» موقعة من ريتشارد بلير نجل الروائي بلير)، فإن السمعة الأدبية التي تحققها لهم عبر العالم الأنغلوفوني لا تقدر بثمن، وتضاعف من الإقبال على أعمالهم ومبيعات كتبهم، وتدفع بهم إلى الأضواء.
جائزة الكتابة السياسية منحت هذا العام للمدرِّسة البريطانية كيت كلانشي، عن كتابها «بعض الصغار الذين علمتهم وماذا علموني - Some Kids I Taught and What They Taught Me»، وهو تأملات وذكريات حول مهنتها كمدرسة، وقصصها المؤثرة مع تلاميذها في المدارس الحكومية العامة. وفيه رغم روح المرح والحب التي تعبق من صفحاته، نقد واقعي وشفاف للطبقية الصريحة التي ما زالت تهيمن على هيكلية التعليم البريطاني، وكيفية انعكاساتها على واقع المجتمع المعاصر في المملكة المتحدة.
كلانشي - إلى جانب مهنتها الطويلة في التعليم - شاعرة وأديبة فازت أعمالها بعدة جوائز ورشحت لعديد منها، وكانت قد قدمت بعضاً من قصصها مع تلاميذها على موجات راديو هيئة الإذاعة البريطانية قبل نشرها كتاباً.
جائزة أورويل للخيال الأدبي السياسي هذا العام، عبَرت إلى الجانب الآخر من الأطلسي، فمنحت للكاتب الأميركي كولسون وايتهيد، عن روايته الأحدث: «أبناء النيكل – The Nickel Boys» التي وصفتها مجلة «التايم» الأسبوعية بأنها «واحدة من أهم الكتب التي صدرت في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين»، وكان قد فاز عنها أيضاً بجائزة «بوليتزر» الأدبية الأميركية المرموقة، وليكون الكاتب الرابع في تاريخ «بوليتزر» الذي يحصل على الجائزة ذاتها مرتين، بعد أن كان قد حصل عليها أيضاً عن روايته السابقة «سكة حديد الأنفاق - 2016».
تستوحي «أبناء النيكل» أحداثها من حادثة تاريخية حقيقية من الستينات، حول فضيحة اعتداءات جنسية وعاطفية وعنف جسدي ممنهج – حتى القتل – وكراهية عنصرية تعرَّض لها نزلاء إصلاحية للصغار استمرت في العمل دون توقف في ولاية فلوريدا الأميركية لـ111 عاماً، قبل أن يكشف عن تجاوزاتها باحث جامعي. وتسجل الرواية - وإنْ بطريقة حساسة سياسياً - مشاعر الخوف الجارف التي كانت تُلم بالأولاد المودعين في الإصلاحية، عند مواجهة اعتداءات القائمين عليها وتسلطهم اللامحدود، وفقدان الأمل من النجاة؛ لولا الصداقة التي جمعت بين اثنين من الصغار رغم اختلاف أصولهما العرقية. وتجري أحداث الرواية على خلفية من أجواء حركة الحقوق المدنية، مما يجعلها حدثية الطابع، وتطلق تساؤلات عميقة من خلال الشكل الأدبي، حول غياب التغيير الحقيقي في أميركا المعاصرة بعد مرور ستة عقود على انطلاق تلك الحركة المفصلية في تاريخ الأقلية الأفروأميركية.
كولسون الذي ولد عام 1969 نشأ وعاش في مانهاتن – نيويورك، درس في كلية «هارفارد» واحترف الكتابة، بداية من المقالات ومراجعات الكتب والمسلسلات التلفزيونية والأعمال الموسيقية، وأخيراً الروايات التي أدخلته إلى عالم الشهرة الأدبية والجوائز في بلاده، وبقية العالم الأنغلوفوني.
جائزة الصحافة السياسية ذهبت لجانيس تيرنر من صحيفة «التايمز» البريطانية اليومية، لمقالاتها المؤثرة التي نشرتها العام الماضي عن تجارة تهريب البشر، وسقوط شعبية حزب العمال البريطاني المعارض في معاقله التقليدية – الأمر الذي منح السلطة للمحافظين في الانتخابات العامة الأخيرة عبر فوزهم بأغلبية برلمانية مريحة - إضافة إلى مقال شخصي عن إخلائها محتويات منزل عائلتها بعد انتقال والدتها للإقامة في ملجأ للعجزة، وفيها إشارات غير مباشرة؛ لكن لا تخفى عن نهاية عصر من الشخصية البريطانية التقليدية، لا سيما في ظل الاستقطابات العرقية والسياسية التي قسمت المجتمع خلال مرحلة «بريكست» التي لم تنته مفاعيلها إلى اليوم. وعبرت لجنة التحكيم عن «إعجابها بتلك الخلطة المميزة من جرعات السياسة والفن في كتابات تيرنر الصحافية، والتي منحتها أفضلية على أكثر من 400 ترشيح للجائزة اطلعت عليها اللجنة هذا العام».
الفائز بجائزة العمل الإعلامي للكشف عن الأوجاع الاجتماعية في المجتمع البريطاني، كان الصحافي المستقل البريطاني إيان بايريل عن خمسة من التحقيقات الاستقصائية الشجاعة، بشأن الاضطهاد وسوء المعاملة الذي يتعرض له المرضى الضعفاء (كالمصابين بالتوحد ومصاعب التعلم، أو المصاعب النفسية وما إلى ذلك) على يد المنظومة الصحية البريطانية، أثارت الجدل بشكل واسع وعلى عدة مستويات، حول الحقوق الأساسية لهؤلاء المرضى، وفشل السلطات في القيام بمسؤوليتها تجاه حمايتهم، وكانت الدافع وراء إطلاق خمس لجان رسمية للتحقيق فيما تضمنته تلك المقالات من وقائع.
وقد وصفت لجنة التحكيم مجموع أعمال بايريل - الذي يكتب بالقطعة لعدة صحف بريطانية – بأنها «تمتاز بمهنية رفيعة مستمرة، وتتضمن نقداً لاذعاً لا يعرف خوفاً، وهما صفتان استحق عليهما الجائزة هذا العام»، متأملة أن يساعد قرارها الإضاءة على الجهود المخلصة لهذا الصحافي الشجاع، ويوسع من قاعدة قرائه بين العموم.
موسم النشاط الصيفي في وقفية أورويل مستمر، إذ ما زالت لجنة التحكيم تفاضل بين أكثر من ألف مقالة تقدمت لجائزة الكتابة السياسية للكتاب الشبان حول «شكل مستقبلنا»، وستكشف عن اسم الفائز مع نهاية يوليو (تموز) قبل أن تدشن احتفالها في أغسطس (آب) بذكرى مرور 75 عاماً على صدور الطبعة الأولى من رواية جورج أورويل ذائعة الصيت «مزرعة الحيوانات».
- تتوفر مقاطع من الحفل على موقع «يوتيوب» عبر الرابط التالي: https://youtu.be/GumS8rw_JEk



مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.


مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
TT

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم»، رغم التحذيرات المتكررة سنوياً من مخاطر تناول الأسماك المملحة، والبيانات الرسمية التي تعلن ضبط كميات كبيرة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

وتتصاعد وتيرة الرقابة الرسمية بالتزامن مع موسم الأعياد؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الأحد، تكثيف حملات التفتيش على أماكن عرض وبيع وتداول الأسماك المملحة والمدخنة في مختلف المحافظات، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي تتكرر سنوياً. وبالتوازي مع ذلك، تتوالى الأخبار عن ضبط كميات كبيرة فاسدة، مرفقة بتحذيرات متجددة للمواطنين. فقد أسفرت حملات الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن ضبط أكثر من 71 طناً من الأسماك المملحة والمدخنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي خلال أسبوع واحد فقط، وفق بيان وزارة الزراعة المصرية الأحد.

تنظيف «الرنجة» في أحد محال بيع الأسماك المملحة (الشرق الأوسط)

وفي محافظة الشرقية (دلتا مصر) تم ضبط نصف طن من أسماك «الرنجة» الفاسدة، في حين سجلت محافظة أسيوط (صعيد مصر) نحو 850 كغم من الأسماك المملحة غير الصالحة في عدد من مراكزها، وفي بورسعيد (شمال شرق مصر) تم ضبط نحو 13 كغم من سمك اللوت في حالة فساد شديد قبل طرحها بالأسواق.

وبينما تكثف الجهات الرقابية حملاتها في المحافظات بالتزامن مع «عيد القيامة» و«شم النسيم»، يظل الإقبال قائماً، مدفوعاً بثقة البعض في مصادر الشراء، أو بتقليلهم من حجم المخاطر، فتقول حنان العطار (36 عاماً)، وهي موظفة في شركة عقارات، لـ«الشرق الأوسط»، إن عادات الشراء تغيّرت بمرور الوقت؛ إذ «أصبحت الأسماك المملحة معروضة بشكل كبير في محال السوبر ماركت الكبيرة، ونظراً لارتفاع الأسعار الكبير نقوم عادة بمقارنة عروض الأسعار، فيما أتذكر أن والدي كان يحرص على الشراء من محل (فسخاني) محدد، لارتباطه لديه بثقة طويلة في البيع، ولضمان جودة المنتج».

محال بيع «الفسيخ» تروج لمنتجاتها (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

وخلال قيامها بشراء وجبة تكفي لعائلتها للاحتفال بـ«شم النسيم»، تقول زينب عبد الحميد، وهي ربة منزل (54 عاماً)، إن «خبرة الشراء تلعب دوراً حاسماً في تجنّب المنتجات غير الصالحة، وعادة نكتفي بـ(الرنجة) و(السردين)؛ لأن أغلب المشكلات تكون مرتبطة بـ(الفسيخ)»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتوضح أنها تعتمد على «مجموعة من المؤشرات البسيطة عند الاختيار، مثل تماسك السمكة، ورائحتها، ولمعان سطحها، باعتبارها دلائل على جودتها».

وبالتوازي مع التحذيرات والضبطيات، تسعى الدولة للتدخل عبر ضبط الأسعار وتوفير بدائل أقل تكلفة؛ إذ أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية، الأحد، طرح «الرنجة» بأسعار مخفضة داخل المجمعات الاستهلاكية ومنافذها، حيث يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 145 جنيهاً (الدولار يساوي 53.1 جنيه مصري)؛ أي أقل بنحو 45 جنيهاً مقارنةً بالأسواق الحرة التي تبدأ من 190 جنيهاً، في حين تتراوح أسعار الكيلوغرام من «الفسيخ» بين 280 جنيهاً و600 جنيه.

ذروة الموسم

ويقول مدحت شوقي، بائع في محل «فسخاني» بمحافظة الجيزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم بالنسبة لهم، موضحاً: «نوفر خدمة تنظيف (الرنجة) حسب رغبة الزبائن لتكون شرائح (فيليه)، مقابل 20 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، ومن بداية الأسبوع الذي يبدأ بـ(سبت النور) حتى (شم النسيم) نكون في حالة طوارئ بسبب حجم الإقبال الكبير على شراء الأسماك المملحة على مدار اليوم».

ويربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة وعدة عوامل متداخلة، فـ«تزامن هذه العوامل مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الأعياد يضاعف من وتيرة الزيادة في الأسعار، علاوة على زيادة تكلفة الإنتاج، فالسمك البوري، المكوّن الأساسي لـ(الفسيخ)، شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ما انعكس مباشرةً على السعر النهائي للمنتج». ويشير إلى أن «رفع أسعار السولار لعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ كونه يدخل في تشغيل مراكب الصيد، ونقل الأسماك، وحتى إنتاج الأعلاف، ما أدى إلى زيادة التكلفة عبر مراحل متعددة»، ويضيف: «(الرنجة) لم تكن بمعزل عن هذه الزيادات؛ إذ تأثرت بدورها بارتفاع سعر الدولار، باعتبارها منتجاً يعتمد في الأساس على الاستيراد من دول مثل هولندا، قبل تدخينها محلياً»، لافتاً إلى أن «بعض الأنواع المدخنة في الخارج يصل سعرها إلى نحو 1200 جنيه للكيلوغرام».

تتراوح أسعار «الرنجة» حسب درجة جودتها (الشرق الأوسط)

وعلى حد تعبير الدكتورة ياسمين العطار، أخصائية التغذية العلاجية بجامعة القاهرة، فإن «المسألة لا تتعلق بمجرد اختيار غذائي عابر، بقدر ما ترتبط بعادة راسخة تتوارثها الأجيال، وتُستعاد بوصفها جزءاً من طقس احتفالي لا يكتمل من دونها»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «إلغاء هذا الطقس يكاد يكون أمراً مستحيلاً في مصر، لكننا نوصي دائماً بتقليل الكميات، والإكثار من شرب المياه، خصوصاً لمرضى الضغط والسكري»، مشيرةً إلى أن اقتران هذه المأكولات شعبياً بالليمون والبصل الأخضر يُعد من العادات الجيدة؛ لأنهما يساعدان على معادلة الملوحة المرتفعة نسبياً، ويحفّزان الهضم، ويقللان من حدة التأثيرات السلبية على الجسم، كما تقول.


انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية وذلك عقب شكواها في بث مباشر، من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، وسط صدمة وجدل مجتمعي حول الدوافع.

ومكمن الفاجعة، أنها تحدثت خلال بث مباشر على «فيسبوك»، استمر قرابة الساعة، من دون أن يتدخل أحد من أقاربها أو أصدقائها للمساعدة وإيقافها. وسبق وظهر العديد من التهديدات بالانتحار في «لايفات على السوشيال ميديا»، لرجال ونساء، قبل أن يتدخل أحد من المعارف ويمنعها.

وظهرت سيدة الإسكندرية معلقة على سور شرفتها لدقائق قبل أن تفلت يديها وتسقط. واستخدم البعض هذه الطريقة وكذلك طول مدة الشكوى في البث، للاستدلال على أنها لم تكن قد استقرت على الانتحار... وكانت تعاني صراعاً داخلياً، ورغبت في أن تجد من يساعدها.

بينما ركز آخرون، على الدوافع، سواء المادية أو النفسية، والأزمات التي تواجهها المطلقات بعد الانفصال، مع مقترح أن تتكفل الدولة بهن، خصوصاً أن بعض الآباء لا يلتزمون بالإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتصدرت قصة انتحار سيدة الإسكندرية «ترند» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وأعيد تداول ونشر آخر دقائق في حياتها، مرات ومرات، ما دفع «المجلس الأعلى للإعلام»، إلى مخاطبة «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع المنصات.

كما حظر المجلس تداول هذه المقاطع إعلامياً، أو نشر اسم السيدة الراحلة، مراعاة للأكواد الإعلامية المنظمة لتغطية حوادث الانتحار.

وعملت الراحلة في مجال الأزياء كموديل. وأرجعت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، «زيادة حالات الانتحار خصوصاً عند السيدات، إلى ضغوطات الحياة على المرأة في العصر الحالي، ما بين العمل والأعمال المنزلية، مع تراجع دور الدوائر القريبة للدعم، من الأب والأم والعائلة بوجه عام، وحتى الجيران».

وأضافت: «الروابط المجتمعية لم تعد متينة مثل ذي قبل، بفعل حالات عدم الاستقرار في مكان واحد، وكثرة التنقل، ما أضعف هذه الروابط التي كانت تخلق حالة من التوازن النفسي والدعم من قبل».

وسبق انتحار سيدة الإسكندرية بأسابيع، حادثة أخرى هزت الرأي العام المصري، بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم في حي كرموز بالإسكندرية. حيث اعترف باتفاقه مع أمه، على إنهاء حياة الأسرة بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر طلاق الأم من الأب وإصابتها بمرض السرطان منذ 5 سنوات، وكذلك رفض الأب الإنفاق على عائلته.

وقالت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المادية عامل من عوامل الضغط التي قد تدفع للانتحار، لكنها ليست العوامل الوحيدة... كثيرون لديهم أوضاع مادية صعبة، لكن يتحلون بإرادة قوية تجعلهم يتجاوزون هذه الأوضاع، أو يواجهونها دون التفكير في الانتحار».

ولأن حالات الانتحار باتت متكررة، «في ظل تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية»، رأت النائبة سحر البزار أن الحل يكمن في إطلاق «خط طوارئ للنجدة النفسية»، على غرار خدمات النجدة الشرطية والإسعاف والمطافئ، في مقترح قدمته إلى الحكومة.

ويقوم خط «النجدة النفسية» على مركز وطني لإدارة الأزمات، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين مدربين، ويعمل من خلال قنوات متعددة تشمل المكالمات الهاتفية والرسائل والدعم الإلكتروني، وفق معايير جودة واستجابة محددة، حسب بيان للنائبة، التي اعتبرت أن احتواء الحالات التي قد تفكر في الانتحار «أولوية وطنية عاجلة».

وكان «المجلس القومي للطفولة والأمومة» وجه بعدم تداول محتوى انتحار سيدة الإسكندرية، «لما في ذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحتراماً لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية».

ولا يعتبر أستاذ علم النفس جمال فرويز أن حالات الانتحار في مصر تشهد زيادة كبيرة كما هو متصور، لكن الزيادة في «تعرضنا لحالات الانتحار مع انتشار النشر عنها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام»، لافتاً إلى أن بعض الدول تحظر نشر أي أخبار أو معلومات عن الانتحار سواء في وسائل الإعلام أو حتى عبر السوشيال ميديا.

وكانت مصر تعد واحدة من أقل الدول في معدلات الانتحار وفق مؤسسة الصحة العالمية، حيث يتراوح المعدل بين 3 إلى 3.4 شخص من بين كل 100 ألف شخص، حسب إحصائية عام 2019.

وأشار فرويز في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الأثر السلبي لانتشار هذه الوقائع وتخزينها في اللاوعي لدى المتلقي، وتكوين صور ذهنية عنها، ما تجعله عرضة لتكرارها عند المرور بأزمة ما، مستدلاً على ذلك، بانتشار حالات الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أمراض نفسية وأزمات شديدة يمر بها الفرد وتدفعه للانتحار حسب فرويز، مثل «حالات الاكتئاب الشديدة، واضطراب الشخصية الحدية خصوصاً لدى المراهقين والشباب، والفصام»، وكذلك الدخول في حالات مرضية نفسية نتيجة أزمات مادية أو صحية.

وكان فريق من المتفاعلين مع حادثة سيدة الإسكندرية حذروا من الخلط بين البحث عن الدوافع وتحليلها وتفاديها، والدخول في عملية تبرير للانتحار، لما في ذلك من مخاطر قد تدفع آخرين للقيام به.