فرنسا: حكومة التحديات المتعددة

مهمتها إنقاذ عهد ماكرون وتجربته السياسية

فرنسا: حكومة التحديات المتعددة
TT

فرنسا: حكومة التحديات المتعددة

فرنسا: حكومة التحديات المتعددة

شكلت في فرنسا هذا الأسبوع حكومة جديدة برئاسة جان كاستيكس، خلفاً للحكومة الأولى التي شكلت في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون برئاسة إدوار فيليب. غير أن المراقبين لفتهم كثيراً بعد إعلان أسماء الوزراء الوزير جيرالد درامانان ابن الـ37 سنة، الذي عهدت إليه في التشكيلة الحكومية الجديدة حقيبة وزارة الداخلية التي ترتدي أهمية استثنائية، إذ أن حاملها، المعروف بصاحب «الأذان الطويلة» هو الجهة التي تصب فيها تقارير المخابرات الداخلية. وهو المسؤول الذي يعرف كل صغيرة وكبيرة.
وليس سرا أن أي رئيس للجمهورية يحرص أن يكون صاحب هذه الوزارة، التي يقع مقرها مقابل قصر الإليزيه - إذ لا يفصل بينهما سوى شارع فوبور سان هونوريه - رجل ثقة ومقرباً منه.
جيرالد درامانان تسلم وزارة الداخلية في الحكومة الفرنسية الجديدة من الوزير السابق كريستوف كاستانير، أحد أقرب المقربين من الرئيس إيمانويل ماكرون. لكن «أخطاء» الأخير حالت دون بقائه في منصبه فأخرج من الحكومة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فرنسا ما زالت تعاني من مخاطر الإرهاب ومن «الهبات» الاجتماعية والمظاهرات ومجموعاتها العنيفة وسخونة الضواحي وشكاوى رجال الأمن، ولذا، يتعين أن يكون وزير الداخلية رجلا قديرا، حائزا على ثقة الرئيس ولكن أيضاً على ثقة الأجهزة الأمنية المختلفة.
ويبدو أن ماكرون قد وجد مجمل هذه الصفات في شخص درامانان بحيث تغلب على منافسين أقوياء على المنصب لهم من يدعمهم في محيط رئيس الجمهورية وأبرزهم وزير التربية جان ميشال بلانكير المقرب من بريجيت ماكرون، عقيلة ماكرون. وفي أي حال، فإن «الترقية» الاستثنائية التي حصل عليها درامانان تمثل اعترافا بجديته ونجاحه في وظيفته السابقة إذ شغل، طيلة ثلاث سنوات، حقيبة الميزانية، إلى جانب وزير الاقتصاد برونو لومير. ولعل كان أحد أهم نجاحاته السابقة أنه أقنع الرئيس ماكرون بتغيير نظام الجباية الضريبية بحيث تصبح شهرية ومباشرة كما تشددت، بإشرافه، إدارة الضرائب في ملاحقة المتهربين من دفع الضرائب المستحقة عليهم إلى درجة أنها أخذت تدر على الخزينة حوالي 11 مليار يورو إضافية سنويا.

أصغر وزير داخلية
هكذا إذاً، أصبح درامانان، بإرادة رئاسية، أصغر وزير داخلية في تاريخ «الجمهورية الخامسة» وأحد الأعمدة التي يعول عليها ماكرون للسنتين المقبلتين المتبقيتين من عهده. إلا أن سماء درامانان ليست منقشعة. فيوم تسلمه حقيبته الجديدة، نزلت إلى شوارع العاصمة باريس مظاهرة احتجاجية على تعيينه بسبب اتهامات له بالاغتصاب ساقتها بحقه امرأتان. ويذكر أنه بعدما أغلقت محكمة البداية الملف، أمرت محكمة الاستئناف في باريس بإعادة فتحه في بداية يونيو (حزيران) الماضي. ورغم ذلك، فإن ماكرون ورئيس الحكومة الجديد جان كاستيكس مضيا قدماً في تعيينه. وقال الأخير في مقابلة تلفزيونية يوم الثلاثاء الماضي إنه يؤمن ببراءة الشخص حتى ثبوت جرمه وأنه «يتحمل تماماً» مسؤولية تعيينه.
ومن جانبه، نفى درامانان تهمتي الاغتصاب، وأكد أن العلاقات موضع الشكوى كانت بالتراضي. وفي أي حال، من المؤكد أن إثارة القضيتين مجدداً من شأنها إضعاف موقعه بانتظار حسم محكمة الاستئناف القضية نهائيا. والحال أن الزمن القضائي أبطأ من الزمن السياسي، وبالتالي فإن اهتمام الإعلام والفرنسيين سيركز للأشهر المقبلة على هذه المسألة وليس على عمل وزير الداخلية الجديد.

تغيير دون التوقعات
أيضاً، قبل الإعلان عن التشكيلة الجديدة، كانت دوائر الإليزيه تعد بمفاجآت. وكان الفرنسيون ينتظرون ترجمة لوعود ماكرون بأنه «تغير» وأنه «يريد إعادة إنتاج نفسه من جديد» بمعنى تغيير مساره وخياراته. لكن التشكيلة الحكومية لم تكن على قدر التوقعات. والمفاجآت الموعودة انحصرت بتعيين المحامي أريك دوبون موريتي وزيرا للعدل وروزلين باشلو وزيرة للثقافة.
الأول ليس شخصية نكرة. بل هو أحد أساطين سلك المحاماة. ثم إن هذا الرجل، الضخم الجثة، الجهوري الصوت كان «بعبع» المحاكم. ورجل الملفات الصعبة والقضايا المثيرة. إنه ابن لمهاجرة إيطالية كانت تعمل خادمة في المنازل ولأب فرنسي توفي عندما كان إريك في الرابعة من عمره. وهذا الرجل البالغ من العمر 59 سنة، بدأ العمل في صغره لإكمال دراسته واختار المحاماة. وشيئا فشيئا، ذاعت شهرته في شمال فرنسا حيث كان يقيم وتمددت بعدها إلى كل أنحاء البلاد. تخصص في الدفاع عن القضايا الجنائية الشائكة والميؤوس منها. لا فرق لديه بين مجرم وغير مجرم وحقق نجاحات وبرأ عشرات الأشخاص. وبالفعل يعد «وحش» المحاكم. ولعب أدوارا في السينما وصعد إلى خشبة المسارح.
أيضاً، طلبت إذاعة «أوروبا رقم واحد» من دوبون موريتي أن يكون معلقا صباحيا وذلك رغبة منها في توفير دعم ودعاية لإذاعته. كيف لا وهو الخطيب المفوه، الذي يهابه القضاة وخصومه من المحامين. هذا، وسبق أن تقدم بشكوى ضد الدولة بسبب مراقبة هاتفه الشخصي وقامت قيامة القضاة لتعيينه في هذا المنصب الحساس بسبب معاداته لهم ومشاريعه لإصلاح الجهاز القضائي. ويروى أن جان كلود ديكو، وهو أحد أهم رجال الأعمال في فرنسا، دعاه يوما للغداء من أجل استشارته في شؤون مصالحه. وجاء رد الوزير الجديد: «لا أفهم شيئا بهذا الخصوص. لكن إذا قتلت زوجتك يوما، فسأكون إلى جانبك».
بدورها، روزلين باشلو، المولودة في العام 1946. ليست جدية في عالم السياسة والنيابة والوزارة. بل تقلبت في العديد من المناصب الوزارية في عهدي الرئيسين جاك شيراك ونيكولا ساركوزي. وأول منصب وزاري لها كان في العام 2002. عندما عينت وزيرة للبيئة والتنمية المستدامة ثم وزيرة للصحة والشباب والرياضة قبل أن توكل إليها مهمة إدارة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ولاحقا وزارة الثقافة. ومنذ خسارة اليمين للانتخابات الرئاسية في العام 2017. قررت التوقف عن العمل السياسي وتحولت إلى معلقة إذاعية وتلفزيونية قبل أن تُستدعى مجددا إلى «فردوس» الحكم. وحقاً، بين استطلاع للرأي أن تعيين موريتي وباشلو يحظى برضى الفرنسيين.

«إلى اليمين دُر!»
لا يمكن فهم التشكيلة الحكومية الجديدة ما لم يؤخذ الوضع السياسي والاقتصادي العام في فرنسا بعين الاعتبار. ونادرا ما يحصل إجماع في الرؤية لدى المحللين والمراقبين والطبقة السياسية إزاء الأحداث والتحولات التي تعيشها البلاد. إلا أن كثيرا من الإجماع تحقق في النظرة إلى حكومة كاستيكس، فمسيرة رئيسها نفسه كانت محصورة في الوظائف الحكومية العليا، التي تبقيه بعيداً عن الأضواء.
حتى الربيع الماضي، كانت غالبية الفرنسيين تجهل وجود كاستيكس، الآتي من صفوف حزب «الجمهوريون». فرئيس الحكومة الجديد كان موظفا «كبيرا»، شغل سابقاً منصب مساعد أمين عام قصر الإليزيه في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي. كما عمل مديراً لمكتب وزير الصحة السابق كزافيه برتراند. وهو ينتمي إلى اليمين الكلاسيكي ممثلا بحزب «الجمهوريون»، وتحديداً، إلى ما يسمى جناح «الديغولية الاجتماعية» أي الليبرالية ذات الوجه الاجتماعي المؤمن بالدولة وبدورها في الاقتصاد.
وللعلم، في رئاسة الحكومة خلف كاستيكس اليميني إدوار فيليب اليميني أيضا. لكن الجديد أن الحكومة المشكلة ازدادت يمينية، ووزراء اليمين يمسكون بالحقائب الرئيسة باستثناء حقيبتي الخارجية والدفاع. إذ الأولى بقيت معقودة اللواء للوزير جان إيف لو دريان والثانية لفلورانس بارلي وكلاهما يأتي من صفوف اليسار. وفي المقابل، فإن وزارات الاقتصاد (برونو لو مير) والثقافة (روزلين باشلو) والعدل (أريك دوبون موريتي) والداخلية (درامانان) والتربية والشباب والرياضة (جان ميشال بلانكير) والتجارة الخارجية (فرانك ريستير) والعمل (برجيت كلينكير) والشؤون الأوروبية (أملي دو مونشالون) وما وراء البحار (سيباستيان لوكورنو) كلها رست لدى وزراء جاءوا من اليمين ما يبين بشكل قاطع أن الرئيس ماكرون يريد الاستناد إلى هؤلاء من أجل معركته الرئاسية المقبلة في ربيع العام 2022. ونقلت صحيفة «لو موند» عن مصادر مقربة من ماكرون أن «اليمين يمسك بعنان الحكومة بحيث لم يترك لليسار سوى الفضلات». أما النائبة كلير بيتولا المنتمية إلى الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» فقد نبهت إلى ضرورة الالتفات إلى النجاحات التي حققها الخضر والاشتراكيون في حين اعتبر كثيرون أن الحزب الذي أراده ماكرون في العام 2016 تخطيا لليمين واليسار على السواء آخذ بالتحول إلى حزب متموضع على يمين الوسط. ومنذ الأشهر الأولى لولايته وبعد أشهر قليلة من انتخابه، علقت بـماكرون صفة «رئيس الأغنياء» بعدما سارعت حكومته إلى إلغاء الضريبة على الثروة، بحجة تشجيع الأثرياء على البقاء في فرنسا والاستثمار في اقتصاد البلاد. ورغم المطالبة بإعادة هذه الضريبة التي رفعها محتجو «السترات الصفراء» فإن ماكرون رفض قطعيا الاستجابة لها، كما رفضت الحكومة فكرة فرض ضريبة على الأرباح الموزعة على كبار المساهمين في كبريات الشركات لمواجهة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن توقف الاقتصاد خلال الأشهر الثلاثة المنقضية.

الأولويات الحكومية
استبق الرئيس الفرنسي الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة بمجموعة تغريدات حدد فيها الأولويات والخطوط العريضة لعملها للعامين المقبلين إذ أن المتعارف عليه أنها ستبقى في السلطة حتى نهاية ولاية ماكرون (الأولى). بالطبع، لم يأت الرئيس الفرنسي بجديد، إذ أنه تناول هذه الملفات في كلماته للفرنسيين منذ تفشي جائحة «كوفيد - 19» على نطاق واسع بدءا من مارس (آذار) الماضي. كذلك، فقد تحدث مطولاً للصحافة الإقليمية وسيعود للتوجه للفرنسيين يوم 14 يوليو (تموز) الجاري بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي. وكان كاستيكس قد أعلن أنه يود الإسراع في المثول أمام الجمعية الوطنية لنيل الثقة، إلا أنه ألزم على التخلي عن مشروعه باعتبار أن الأولوية لرئيس الجمهورية. وبانتظار ذلك، فمن المؤكد أن الأولويات الحكومية تتناول بداية إعادة إطلاق «الماكينة» الاقتصادية التي أصيبت بأضرار بالغة.
والواقع أن الدولة الفرنسية، كما بقية البلدان الرئيسية، وقفت بقوة إلى جانب اقتصادها للتخفيف من الخسائر، وقدمت الدعم المكثف له ولقطاعاته. ووفق الميزانية المعدلة التي قدمتها الحكومة إلى البرلمان في العاشر من يونيو الماضي، فإن كلفة الدعم الحكومي وصلت إلى 136 مليار يورو للعام الجاري وحده. إلا أن هذا المبلغ لا يشكل سوى ربع المبلغ الإجمالي الذي وفرته الحكومة والذي يصل إلى 460 مليار يورو، وهو ما يعادل 20 في المائة من الثروة القومية الفرنسية. وتبين بعض التفاصيل ضخامة المهمة التي يتعين على الحكومة التنكب لها. إذ وفرت الدولة مساعدات متنوعة لقطاع السياحة (18 مليارا) والصناعات الجوية (15 مليارا) والسيارات (8 مليارات) والصحافة والثقافة (1.3 مليار) والشركات التكنولوجية الصغيرة (1.2 مليار)... ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن التوقعات الرسمية تفيد أن الناتج الداخلي الخام سيتراجع في 2020 بنسبة 11 في المائة وأن عجز الميزانية سيجاور هذه النسبة بينما القاعدة الأوروبية التي كان معمولا بها تفترض ألا يتخطى حاجز الـ3 في المائة. كذلك، فإن ديون الدولة ستصل إلى 121 في المائة من الناتج الخام، الأمر الذي سيجبر الحكومة على إصدار سندات للعام الجاري ستصل قيمتها إلى 260 مليار يورو.
على ضوء هذه الأرقام والنسب، يمكن أن نعي ضخامة المهمة الحكومية، خصوصاً، أن جهود الدولة لم تكن كافية للحد من تدمير فرص العمل وارتفاع أرقام البطالة بشكل غير مسبوق. ولقد توقعت وزارة الاقتصاد أن تتزايد أرقام العاطلين عن العمل بما لا يقل عن 600 إلى 700 ألف عاطل إضافي، وهو من شأنه إغراق صناديق البطالة ويضرب الرعاية الاجتماعية. ويوماً بعد يوم، تتواتر أرقام التسريحات التي تقوم بها الشركات من كل القطاعات، ومنها تلك التي حازت على أكبر دعم حكومي.
وستكون من مهمات الحكومة، طبعاً، دعم القطاع الصحي الذي أبان عن هشاشته بمناسبة امتحان «كوفيد - 19». ومنذ عدة أسابيع، ينزل العاملون في القطاع الصحي إلى الشوارع للمطالبة بتحسين أوضاعهم وبتنفيذ الوعود التي أغدقت عليهم إبان الأزمة الصحية. كذلك، فإن ماكرون يريد من الحكومة أن تكون فاعلة في الموضوع البيئوي الذي انتدب له وزيرة معروفة بكفاءتها، هي بربرا بومبيلي التي كانت عضوا في حزب «الخضر» قبل أن تتركه وتؤسس حزباً آخر وتنضم، بمناسبة الانتخابات الرئاسية إلى حزب «الجمهورية إلى الأمام».
من ناحية أخرى، كتب ماكرون في تغريدة يوم 5 يونيو الماضي أن إحدى مهمات الحكومة هي «الدفاع عن السيادة الأوروبية». وهذه الدعوة ليست جديدة عند الرئيس الفرنسي لكنها يمكن أن تفهم بأشكال عديدة. والواقع أن ما عناه في هذه التغريدة بالذات هو توفير السيادة الفرنسية والأوروبية في قطاعات حساسة وأولها الدواء. ذلك أن أزمة «كوفيد - 19» بينت كم أن فرنسا عاجزة عن توفير الوسائل الدنيا للحماية من الأوبئة ومنع تحولها إلى جوائح. فمن جهة، تبين النقص الفاضح في توفير الكمامات حتى للجهاز الطبي والصحي. ومنذ بداية الشهر الجاري، تعمل لجنة برلمانية مشكلة من ثلاثين نائباً على جلاء ما قامت به الحكومة لتوفير وسائل الوقاية وصوابية القرارات التي اتخذتها أو تلك التي لم تتخذها. ولا يقتصر العجز والنقص على الكمامات، بل يتناول أيضاً، وخصوصاً، نقص الاختبارات الكافية للكشف عن المصابين بالفيروس. كما تبين النقص في المستشفيات وفي أقسام العناية الفائقة بحيث اضطرت فرنسا إلى ترحيل بعض مرضاها إلى دول الجوار. كذلك، فإن السيادة الطبية تعني توافر الأدوية الضرورية. والحال أن بلدين رئيسيين هما الصين والهند يعدان المزودين الأساسيين للأدوية في العالم، كما أن شركات الأدوية الأوروبية نقلت قسماً كبيراً من إنتاجها إلى بلدان حيث كلفة اليد العاملة رخيصة.
في أي حال، واضح أن مهمات حكومة كاستيكس ليست سهلة التحقيق، خصوصاً، في فترة زمنية محدودة. لكن ماكرون كان بحاجة لدفع سياسي جديد من أجل تناسي هزيمة الانتخابات المحلية والتحضر للاستحقاقات القادمة بكافة أشكالها السياسية والاقتصادية والبيئوية والصحية. فهل ستكون الحكومة الجديدة على قدر التحديات؟

لا تغييرات متوقعة في السياستين الخارجية والدفاعية
> في فرنسا، يعود تحديد السياسة الخارجية والدفاعية لرئيس الجمهورية. والحال أن الرئيس إيمانويل ماكرون أبقى على جان إيف لو دريان في وزارة الخارجية وعلى فلورانس بارلي في وزارة الدفاع التي تسمى اليوم «وزارة الجيوش» أو «القوات المسلحة». ويمكن فهم هذه الاستمرارية على أن سياسة باريس في هذين الحقلين لن يحدث فيها أي تغيير. أما أولى أولوياتها فيبقى الاتحاد الأوروبي وتقويته واندماجه بعد خروج بريطانيا منه. وفي الأسابيع الأخيرة، عادت العلاقة بين ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتشهد تقاربا واضحا برز في المشروع الفرنسي ــ الألماني المشترك لدفع الاتحاد الأوروبي لبلورة خطة مشتركة لدعم الاقتصاد عبر الاستدانة الجماعية باسم المفوضية.
إلا أن الشغل الشغال لباريس اليوم هو الملف الليبي والجدل القائم بينها وبين تركيا، حيث تبرز فرنسا على أنها المعارض الأول لتنامي النفوذ التركي في ليبيا. وهي ترى فيه خطرا على مصالحها وعلى مصالح أوروبا ليس فقط في هذا البلد ولكن أيضا في شمال أفريقيا وبلدان الساحل. وتعمل باريس على توفير الدعم لمواقفها داخل الاتحاد الأوروبي، ودعت إلى اجتماع يوم 13 يوليو (تموز) الجاري مُخصص للسياسة التركية في ليبيا ومياه المتوسط حيث تفتئت أعمال التنقيب التي تقوم بها أنقره على حقوق عضوين أوروبيين هما قبرص واليونان.
وتريد باريس درس إمكانية فرض عقوبات أوروبية على تركيا. وبالتوازي، عمدت إلى تجميد مشاركتها في عملية «سي غارديان» الأطلسية بعد المواجهة بين فرقاطتها «لو كوربيه» وقطع بحرية تركية في العاشر من الشهر الماضي، عندما سعت الباخرة الفرنسية لتفتيش حمولة سفينة شحن يظن أنها كانت تحمل أسلحة إلى «حكومة الوفاق» الليبية مخالفة بذلك قرارات الأمم المتحدة ومقررات قمة برلين. وتربط باريس عودتها للمشاركة في العمليات بالاستجابة لمجموعة شروط تراها ضرورية لعدم تكرار حوادث الاستفزاز واحترام حظر السلاح إلى ليبيا والتقيد بالقواعد المعمول بها داخل الأطلسي.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟