استراتيجية مقترحة للدول الغنية: استوعبوا مزيدا من المهاجرين

النسب السكانية المتراجعة في بعض الاقتصادات المزدهرة تضر بالناتج العام

من الصعب تخيل كيف ستتمكن أعداد سكان آخذة في الانكماش من التعامل مع عبء الديون بدون مهاجرين جدد (أ. ف. ب)
من الصعب تخيل كيف ستتمكن أعداد سكان آخذة في الانكماش من التعامل مع عبء الديون بدون مهاجرين جدد (أ. ف. ب)
TT

استراتيجية مقترحة للدول الغنية: استوعبوا مزيدا من المهاجرين

من الصعب تخيل كيف ستتمكن أعداد سكان آخذة في الانكماش من التعامل مع عبء الديون بدون مهاجرين جدد (أ. ف. ب)
من الصعب تخيل كيف ستتمكن أعداد سكان آخذة في الانكماش من التعامل مع عبء الديون بدون مهاجرين جدد (أ. ف. ب)

غالبًا ما تركز الجدال الاقتصادي الدائر منذ الأزمة المالية وفترة «الركود الكبير» على قضايا مثل السياسة النقدية والمحفزات المالية والبطالة والتنظيمات المالية. ورغم أهمية جميع هذه القضايا فإننا بحاجة لأن نولي في المستقبل اهتماما أكبر لمجال مهمل نسبيا، ألا وهو اقتصاديات السكان. ويحمل هذا المجال أهمية كبرى لفهم ما إذا كانت الدول ستتجه نحو مزيد من الثراء أم سيصيبها الجمود وتفقد أهميتها عالميا.
والتساؤل الآن: إلى أي مدى تعرض هذا المجال للتجاهل؟ في الواقع يكفي القول إن أهم الأنباء الاقتصادية التي وردتنا هذا العام مرت في معظمها من دون أن يعبأ أحد بتحليلها. في مقال نشره مؤخرا في «جورنال ساينس»، أجرى باتريك غيرلاند، الباحث لدى الأمم المتحدة، بالتعاون مع عدد من زملائه، مراجعة للتوقعات المرتبطة بسكان العالم، وخلصوا إلى أنه على النقيض من تقديرات سابقة، فإنه من غير المحتمل أن يصل عدد السكان العالم لذروته في أي وقت قريب. على العكس، لقد رأوا أن هناك احتمالية بنسبة 80 في المائة لأن يرتفع عدد سكان العالم، البالغ حاليا 7.2 مليار نسمة، إلى 12.3 مليار نسمة بحلول عام 2100. وأشاروا إلى أن السبب وراء ذلك أن التراجع في معدلات الخصوبة في أفريقيا يجري بوتيرة أبطأ عن المتوقع.
وللأسف، فإن المناطق ذات النمو السكاني السريع، مثل أفريقيا وجنوب آسيا، تتسم بمستويات معيشة أدنى. وفي إطار الصورة العالمية المستقبلية المتوقعة، ستضم هذه المناطق أعدادا من البشر تفوق قدرتها على إعالتهم، بينما ستعاني الكثير من دول الغرب وشرق آسيا من نقص شديد في أعداد الشباب، بما يهدد اقتصادياتها المزدهرة. وكخبير اقتصادي أرى حلا واضحا لهذه المعضلة، وهو أن تقدم الدول المتقدمة ذات أعداد السكان الضئيلة نسبيا على استيعاب مهاجرين شباب من أفريقيا وجنوب آسيا، مما يعود بالنفع على الجانبين.
بيد أنه من غير الواضح ما إذا كانت جميع الدول التي يمكنها الاستفادة من هذه السياسة ستتقبلها أم لا، وذلك لأسباب منها استمرار التحيزات العرقية والثقافية. وهناك أيضا التساؤل المشروع المتعلق بمدى سرعة تكيف المهاجرين الجدد مع البيئات الجديدة، خاصة عندما يفدون للبلدان الجديدة بخلفيات تعليمية هزيلة في وقت تتطلب سوق العمل فيه مهارات أقوى باستمرار.
الواضح أن الدول المتقدمة التي بإمكانها استيعاب مهاجرين جدد بتكلفة متواضعة ينتظرها مستقبل مشرق، ذلك أن هؤلاء المهاجرين سيساعدون كوكبا بأكمله. في المقابل، فإن الدول المتقدمة التي تعتنق أفكارا جامدة نسبيا حيال الهوية الوطنية، وبالتالي تنتهج سياسات صارمة حيال الهجرة، قد تشهد انكماشا في أعداد سكانها وتفقد نفوذها.
وبالطبع، لا تمثل الهجرة سوى علاجا واحدا محتملا. ويتمثل علاج آخر في إمكانية أن يؤدي خلق الدول لمرونة أكبر في ظروف العمل وجعل نفقات المعيشة معقولة نسبيًا، لتنامي رغبة الأسر في إنجاب مزيد من الأطفال.
أما إذا لم تكن مقتنعا بأن انكماش السكان يمثل مشكلة، فعليك بالنظر إلى اليابان. تكشف الإحصاءات أنه بالنسبة لإجمالي الناتج الداخلي الفعلي بالنسبة لكل ساعة عمل، لا تزال اليابان تبلي بلاء حسنا. إلا أنها تواجه مشكلة جوهرية: أعداد السكان المنتمين للفئات العمرية العاملة في انحسار منذ قرابة عام 1997. كما أن إجمالي سكان اليابان آخذ في التقدم في العمر. وبالتالي فإنه مع تضاؤل أعداد العمال الذين يعولون هذا العدد الكبير من المتقاعدين، ستبدأ المدخرات الوطنية في التراجع ويجري تحويل الموارد بعيدا عن مهام ملحة مثل إعادة تحفيز الشركات وإنعاش الاقتصاد. يذكر أن اليابان تحولت بالفعل من دولة مصدرة للمعجزات إلى دولة تعاني عجزا تجاريا مستمرا. وربما لا تتوافر وصفة طيبة بسيطة للإبقاء على نموها الاقتصادي، وهو ما أعرب عنه إدوارد هيو في كتابه الإلكتروني الأخير «أ.ب.هـ. الاقتصاد».
حاليًا، تقف اليابان في مواجهة خيارين أساسيين، أولهما: تشجيع المزيد من المواليد.. وثانيهما: تعلم كيفية قبول واستيعاب مزيد من المهاجرين، لكن لا يبدو أنها على استعداد للاضطلاع بأي من المهمتين.
في الواقع، اليابان ليست الدولة الوحيدة التي تواجه هذه المعضلة، كل ما في الأمر أن المصادفة جعلتها أول من يعاني هذه المشكلة. من بين الدول الأخرى التي في طريقها نحو معاينة تراجع سكاني الصين (بإرثها من سياسة الطفل الواحد) وكوريا الجنوبية وبعض الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط. في إيطاليا، على سبيل المثال، من الصعب تخيل كيف ستتمكن أعداد سكان آخذة في الانكماش من التعامل مع عبء الديون، أو كيف سيتمكن زوجان عاملان من إعالة والدين ووالدتين وطفل لهما.
على الجانب الإيجابي، بمقدور دولة تعاني من انحسار أعداد السكان حل مشكلاتها البيئية بصورة أيسر. ومع ذلك، فإن الدول الديناميكية الآخذة في النمو أكثر احتمالا لأن تتمتع بالإبداع بالمجال البيئي، مما يمكنها من حل مشكلاتها.
لحسن الحظ، تسير الولايات المتحدة على طريق النمو السكاني المعتدل. ومع ذلك، فإنها تواجه بعض المشكلات الكبرى هي الأخرى، مثل عدم وجود ضمانات باستمرار معدلات الخصوبة المرتفعة نسبيا بالبلاد. وقطعا فإن سياسات العمل التي تثبط الإنجاب غير مفيدة على هذا الصعيد. ومن المحتمل أن يستلزم ضمان نمو سكان الولايات المتحدة إصلاح سياسات الهجرة، وهو أمر لم يمثل أولوية كبيرة للجمهوريين الذين سيطروا بالكامل على الكونغرس عبر انتخابات الأسبوع الماضي. وفي الوقت الذي نادرا ما يتحدث فيه القادة الأميركيون علانية عن هذا الأمر، فإنه ربما تتوافر أمامهم أسباب جيوسياسية تدعو لتجنب انكماش أعداد الأميركيين بدرجة بالغة مقارنة بالصين. وقد تتطلب مجابهة هذه المخاطرة الوصول لمعدل نمو سكاني متسارع، وليس مستقرا فحسب.
من ناحية أخرى، تمثل فرنسا وإسرائيل وسنغافورة ثلاث دول يجري تناول قضية السكان داخلها بصراحة كبيرة، وتتبع الدول الثلاث سياسات عامة معلنة لتشجيع مزيد من المواليد. وقد تلحق بها مزيد من الدول في هذا المسار. إن تشجيع الأسر على إنجاب مزيد من الأطفال والسعي للفوز بالمهارات البشرية قد يشكلان جزءا من السياسات الاقتصادية في المستقبل.
ونعاين حاليا بالفعل بعض الدلائل التي توحي بحدث تحول باتجاه ارتفاع أعداد المواليد ببعض أجزاء العالم. مثلا، شهدت بريطانيا انتعاشا متواضعا في معدلات الخصوبة لا يقتصر على المهاجرين حديثا فحسب. بيد أن الملاحظ أن هذه التطورات لا تحظى بتغطية ودراسة كافية.
واللافت كذلك أن الكثير من الخبراء الاقتصاديين لا يشعرون بالارتياح حيال تناول قضايا السكان، ربما لأن هذه القضايا لا يجري تناولها بعمق في المناهج الدراسية، أو لتماسها مع قضايا أخرى قد تكون مثيرة للجدل ثقافيا أو حتى من غير الصائب الحديث عنها سياسيا. وهذا أمر مؤسف. أما في المستقبل، فإن اقتصاديات السكان - والقضايا الاجتماعية المرتبطة بها - من المحتمل أن تأتي في مقدمة وقلب اهتماماتنا.



«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).