كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

لماذا يهرب الشعراء إلى الرواية (2 - 2)

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة
TT

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

في الحلقة الأولى التي نشرت، أمس، عبر المشاركون الثلاثة، ناقدة وشاعرة وشاعر، عن أن الأجناس الأدبية ليست في حالة تنافس، وأنه لا يمكن مقارنة أي نوع أدبي بآخر، فلكل فن خصوصيته، ولكنهما قد يتداخلان، وهناك أمثلة كثيرة في تراثنا الأدبي تدل على وجود علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة.
في هذه الحلقة الأخيرة، يتحدث شاعران خاضا مغامرة الشعر والرواية معاً، وناقدة وقاصة أصدرت عدداً من المجموعات القصصية.

اعتدال عثمان: الاستجابة لمتغيرات العصر
إن متابعة المشهد الأدبي العربي الراهن تدلنا على أن الأجناس الأدبية في نماذجها الفنية المتميزة - في الرواية والشعر معاً - تتسم بحيوية الاستجابة لمتغيرات العصر، فهذه الأجناس كيانات حية، تتطور وتتحول وتتفاعل، بوصف الإبداع مُعبراً عن الحالة الإنسانية المتحولة بدورها، نتيجة عوامل داخلية وخارجية. ومن الطبيعي أن تلتقط حركية الإبداع هذه الظواهر، فيصوغها الكاتب الموهوب في الشكل الملائم، بعيداً عن الحدود الكلاسيكية الصارمة الفاصلة بين الأنواع الأدبية والتقسيمات النظرية المستخدمة في دراسة الأدب. ولعل أبرز تجليات الكتابة الجديدة لدى كتاب من أجيال مختلفة هو تداخل الأنواع أو الأجناس الأدبية، إذ نجد كثيراً من النثر الفني في الشعر (قصيدة النثر مثلاً)، كما نجد توظيفاً لتقنيات شعرية في الرواية.
ووفقاً لنظريات ما بعد الحداثة، أصبحت الكتابة الهجينة، الجامعة لأكثر من نوع أدبي في العمل الواحد، هي السمة البارزة المعبرة عن العصر الذي نعيشه بمتغيراته، وبعد سقوط السرديات الكبرى، وتداخل الحدود الفاصلة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، وبروز التقنيات الرقمية في أشكال أدبية جديدة، فأصبحنا نلتقي بالرواية التفاعلية، ونقرأ بحوثاً حول تعالق الأدب والتكنولوجيا، ومؤخراً بتنا نقرأ ونشهد على «يوتيوب» تحليلات وتصورات مستقبلية حول توقع ظهور أشكال أدبية جديدة تتعلق بحقائق مستجدة، مثل ما يطلق عليه «السيبورج»، وهو الإنسان الذي تدخل شرائح إلكترونية في جسده البشري. أما على مستوى النقد الأدبي فقد أصبحت الدراسات البينية الجامعة لتخصصات مختلفة ضرورة لا غناء عنها في تحليل النصوص. ولا يقتصر الأمر على الطبيعة الهجينة للنصوص الأدبية الحديثة فحسب، بل إننا نجد تراسلاً بين الأدب المكتوب، وفنون أخرى سمعية وبصرية مثل الموسيقى والفن التشكيلي والسينما، إذ تتداخل تقنيات هذه الفنون في تشكيل النص الروائي والشعري معاً. إذن فكرة الصراع بين الأنواع الأدبية، وأن الساحة تشهد تنافساً بين الشعر والرواية التي باتت تحتل خانة الصدارة مقابل إزاحة الشعر، هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة. وحتى من المنظور التاريخي نجد أن هناك علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة، فالشعر العربي القديم مثلاً يحضر فيه عنصر الحكي بقوة، فكان هناك دائماً الشاعر الراوية، وكذلك فإن الشعر العربي الحديث يسجل حضور السردي في قصائد بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط وغيرهم. كذلك نجد أن كثيراً من كبار الروائيين وشبابهم يكتبون سردياتهم بروح الشاعر، وهم ليسوا شعراء بالضرورة، لكنهم يستثمرون لغة الشعر الإيحائية المكثفة، ذات الدلالات المتعددة، وغير ذلك من التقنيات الشعرية. وإذا كان صحيحاً أن ما يسمى «اللهاث السردي» ظهر على سطح المشهد الأدبي العربي، خصوصاً بعد «نوبل» محفوظ، فأصبح للرواية بريق خاص، زادته الجوائز المخصصة لها جاذبية، فإن المعيار هنا ليس الانجذاب السطحي وراء الرائج، أو بهدف تحقيق الشهرة والمكاسب المادية فحسب، بل إن الموهبة الحقيقية، والذائقة الأدبية المدربة، والضرورة الفنية النابعة من داخل سياق النص نفسه، هي كلها - مجتمعة ومتداخلة - ما يفرض على الكاتب النوع الأدبي القادر على توصيل رؤيته، سواء التزم بقواعد هذا النوع المتبعة، أو حتى المبتكرة من حيث تجديد الأجناس الأدبية بشروطها، ومن خلال قوانينها الخاصة، أو أن هذه الضرورات الفنية التي استخلصها الكاتب بموهبته وحدسه الفني، وعمق ثقافته، وطاقات انطلاق الخيال لديه، هي التي جعلته يلجأ إلى رحاب الرواية، أو يتعلق بأهداب الشعر، أو يراوح بينهما لكي ينتج نصاً فنياً، يمد القارئ بإضافة معرفية وجمالية، ويمتعه باكتشاف عوالم جديدة، تدهشه بجدتها وفرادتها، واتساع آفاقها.

هوشنك أوسي: لقب «الشاعر» أحب إلى قلبي
اتجاه الشاعر إلى كتابة الرواية، ليس مدعاة لأسئلة من هذا النوع. أصلاً يقال: «يحقُّ للشاعر ما يحقُّ لغيره» في كتابة نصّه الشعري. فلماذا ممارسته حقّه في التجريب يُخضع للمساءلة التي تلقي بظلال الشك والشبهة على تجربته الشعرية؟ الرواية عالم منفتح على كل الأجناس الأدبية، وأبرزها الشعر، لماذا يمكن اعتبار خوض الشاعر هذه التجربة إفلاساً لتجربته الشعرية؟ يمكن للشاعر أن يصبحَ روائياً، لكن من الصعب على الروائي الذي ليست له علاقة بالشعر خوض تجربة كتابة الشعر. لأنه في البدء كان الشعر. وأكاد أقول: الشعر أب الفنون، وليس المسرح. هذا جلّي في الميثولوجيا الإغريقية والسومرية، مروراً بالحضارة الفارسية والعربية والإسلامية، وحتى يومنا هذا. الشعر كان ديوان الإغريق («الإلياذة» و«الأوديسا») قبل أن يكون ديوان العرب. تشتهر روسيا بروائيين كُثر. ويلقب بوكشين؛ بشاعر روسيا. ألمانيا معروفة بروائيين كُثر. ويقال لغوته: شاعر ألمانيا. وينسحب ذلك على بلدان عدة. فنّ الشعر، في ذاتيته، أقرب إلى الرواية منه إلى المسرح. صحيح أنه كان هناك المسرح الشعري، ومسرحة الشعر، أو شعرنة المسرح، حين لم يكن هناك رواية.
لكن الصحيح أيضاً أن المسرح، بشكل عام، فقد الكثير من سحره وبريقه، بفعل انتشار السينما والتلفزيون والفنون البصرية. وأعتقد أن مقولة ميلان كونديرا في رواية «الخلود»: «لو كان شكسبير حياً، لربما اتجه نحو التلفزيون والسينما، وهجر المسرح». وشكسبير، هو من هو، في الشعر والمسرح. فلماذا يجب على الشاعر أن يختار المسرح بدلاً من الرواية، وهي في أوج مجدها في الغرب والشرق، ما هي المبررات الفنية والموضوعية وراء ما يسميه البعض «اللهاث السردي»؟ الشعر قائم على التكثيف، يعكس تجربة وذاتيّة صاحبه. بينما الرواية تعكس عوالم ذاتيات وحيوات متقاطعة. وعليه، الشعر أقرب إلى حركية الحياة وإيقاعاتها. مساحة التنوّع والحرية أرحب. الشعر صعبٌ، على من يفهمه ويتقنه. وسهل على من يجهله، ويفتعل كتابته. كذلك الرواية، شديدة العسر والوعورة على من يجيد هذا الفن. لا يمكن أن تحلّ الرواية محلّ الشعر.
لكن هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة، وتكالب دور النشر؟ ربما. لا يمكنني نفي ذلك. ولا يمكنني تأكيده. في مطلق الأحوال، لندع الناس تكتب، وتحلم بأن سرودها تستحق التكريم والجوائز. برأيي؛ ما مِن مشكلة في طموح بعض أو أغلب الشعراء والشاعرات؛ أن يصبحوا روائيين أو روائيات، أو كتّاب قصة. المشكلة في حركة النقد. هناك أصوليّة نقديّة باتت إرهاصاتها تظهر هنا وهناك، عبر إحالة الإبداع الروائي والسردي أو حتى الشعري، إلى «السلف الصالح» في الشعراء والروائيين فقط. هناك نسق نقدي متهافت، رخو ومائع، ويكاد يكون مبتذلاً، يمنح بعض الأعمال أضعاف ما تستحقه من الاحتفاء والتبجيل والتهليل، وينسب لها، ما ليس لها، ويغض الطرف عن العيوب والمثالب التي تعتري تلك الأعمال. فإذا كان هناك شعراء بلاط، فقد صار يوجد الآن «نقّاد بلاط» أيضاً. السؤال المهم هنا: كيف تقيم مجمل تجربتك في هذا السياق؟ بالنسبة لي زاولت العمل الصحافي، والكتابة السياسية والثقافية. كتبت في حقل البحوث والدراسات السياسية. صدر لي حتى الآن تسعة دواوين شعرية وروايتان. انتهيت من كتابة روايتين تنتظران النشر. واشتغل الآن على نص روائي جديد. مع ذلك، أكتب الشعر أكثر من الرواية. إذا كانت الحياة تمنحني فرصة الكتابة في هذه الحقول، فلماذا أدير ظهري لمنحة الحياة وهديتها؟! لا أحب الألقاب. وإذا كان لا بدّ منها، فأحبُّها إلى قلبي وأقربها، لقب «الشاعر».

محمد أبو زيد: ما زلت أرى نفسي شاعراً
لو عدنا إلى تاريخنا الأدبي، لوجدنا أن كثيراً من الشعراء كتبوا أنواعاً أخرى من الأدب، فالعقاد كتب الرواية، والمازني كتب الرواية، وعبد الرحمن الشرقاوي كتب الرواية، وحتى أحمد شوقي كتب المسرحية، وحتى لو انتقلنا إلى الجهة الأخرى من العالم، سنجد أن كثيراً من الأدباء كتبوا الشعر إلى جانب السرد على غرار تشارلز بوكوفسكي، ووليام فوكنر وبورخيس وجورج أورويل، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الروائيين المشهورين بدأوا حياتهم شعراء، مثل ميلان كونديرا، وبول أوستر، وعندنا في العالم العربي الروائي اللبناني رشيد الضعيف. ذكرت كل هذه الأمثلة لأقول إن الانتقال بين الأنواع الأدبية ليس مستغرباً في الفن، فتاريخ الأدب العربي والغربي يشهد بذلك. وأفضل أن يتم النظر إلى جميع الأنواع الأدبية باعتبارها فنوناً، خصوصاً والعالم يتحدث الآن عن الكتابة المفتوحة، وفي النهاية ربما يملك الكاتب الأدوات التي تؤهله لكتابة فن آخر، فما الداعي لحبسه في نطاق محدد، وكأنه «روبوت» يجب عليه القيام بدور محدد لا يتجاوزه. من حق الكاتب أن يجرب أدواته ومعارفه وموهبته كيفما يشاء، والحكم في النهاية على النص وحده، وليس على الكاتب، لا أحب ما يسميه البعض «اللهاث السردي»، كما أننا لسنا أمام ما يشبه القانون أو المعادلة الفنية «كلما ضاقت قماشة الشعر، اتسعت في الرواية» ـ الموضوع لا يتعلق بضيق قماشة الشعر أو اتساعها في الرواية، فجميع الفنون تمتح من بعضها، والسرد أصبح مكوناً رئيسياً في قصيدة النثر اليوم، لذا فالمساحة بينه وبين الرواية قريبة بالفعل، وأود أن أشير هنا إلى ما فعله الكاتب الراحل إدوار الخراط حين قام بنشر مقاطع من رواياته في ديوانه «طغيان سطوة الطوايا» للتأكيد على هذه الفكرة. والسرد هو الأقرب للشعر الآن، كما كان المسرح أقرب للشعر في فترة سابقة، ولم نتهم وقتها شكسبير أو شوقي أو صلاح عبد الصبور أو الشرقاوي أو الماغوط بـ«اللهاث المسرحي»، رغم أن جميع أعمالهم تم تقديمها على خشبة المسرح.
هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة وتكالب دور النشر؟ من الظلم أن نصف شعراء متحققين كتبوا الرواية باللهاث وراء بريق الرواية، فعباس بيضون كتب الرواية وهو متحقق تماماَ، وسعدي يوسف لم يكن يحتاج إلى أي بريق من الرواية حين كتبها، وأظن أننا لا يجب أن نحاسب جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية في المجمل باعتبارهم شخصاً واحداً، لكن أن ننظر إلى كل كاتب وكل رواية على حدة، ونرى: هل هذه الرواية جيدة أم لا، هل أضافت لكاتبها أم لا. ولو أن شاعراً كتب رواية وفازت بجوائز، أو لفتت الأنظار فمن حق كاتبها علينا أن نقول إنها رواية جيدة بغض النظر عما إذا كان شاعراً أم روائياً.
أما عن رؤيتي لمجمل تجربتي في هذا السياق، فما زلت أرى نفسي شاعراً، وكتبت الرواية انطلاقاً من هذه الفكرة، وهي جزء من مشروعي الأساسي ـ إذا جاز لي قول هذا. فشخصيات الرواية حاضرة في دواويني، وبعض أحداثها تكملة لنصوص شعرية سابقة، وروايتي «عنكبوت في القلب» تجريبية في الأساس، لكن حرصت أن يكون لها ذاتها الخاصة، وأتمنى أن أكون وفقت. لم أكتب الرواية من أجل جوائز ولا بريق شهرة ولا تكالب دور نشر، هذه الأشياء من قبيل الخرافات في واقعنا الأدبي العربي البائس، بل كتبتها لأني أحببت التجربة، وجاءتني سرداً، فجسدتها كما جاءت.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».