زواج على خط النار يتحدى داعش بالعراق

التنظيم هدد العروس وعائلتها

عراقيون يغادرون بلدة الضلوعية بعد أن دمر المتطرفون الكباري المطلة على النهر
عراقيون يغادرون بلدة الضلوعية بعد أن دمر المتطرفون الكباري المطلة على النهر
TT

زواج على خط النار يتحدى داعش بالعراق

عراقيون يغادرون بلدة الضلوعية بعد أن دمر المتطرفون الكباري المطلة على النهر
عراقيون يغادرون بلدة الضلوعية بعد أن دمر المتطرفون الكباري المطلة على النهر

عندما خُطبت إخلاص محمد إلى الجندي العراقي لطيف المعشر الذي يسكن بلدة الضلوعية كانت تحلم باليوم الذي ترتدي فيه فستان الزفاف الأبيض وتحتفل مع أصدقائها وأفراد أسرتها وتستمتع بالموسيقى والطعام، لكن ليس الأمر بهذه البساطة، فقد استولى متشددون من تنظيم داعش على المنطقة. وحمل خطيبها وقبيلته السلاح لمقاومتهم وطردهم، في الوقت الذي انضم فيه جيرانها إلى «الدواعش» على خط المواجهة الدامي الذي يفصل بين الحبيبين. ورغم خطر الموت والهجمات الانتحارية تزوج الاثنان بعد خطة جريئة أعدها العريس بالاشتراك مع والدة إخلاص لتهريب العروس من البلدة بواسطة قارب في نهر دجلة.
تروي إخلاص ذات الواحد والعشرين ربيعا قائلة: «كانت قصتنا أشبه بفيلم رومانسي حزين. لقد هددنا الأشرار وهربت مع الرجل الذي كان ولا يزال يقاتلهم». وتندلع الاشتباكات بطول الخنادق والثكنات العسكرية التي تقسم بلدة الضلوعية التي تقع على بعد 50 ميلا من بغداد وتعد من البلدات العراقية الكثيرة التي تمزقت خلال العام الحالي بسبب اجتياح تنظيم داعش لها. أصبحت الكثير من مزارع النخيل وبساتين البرتقال في البلدة أماكن خطيرة لكونها أماكن اختباء القناصة التابعين للتنظيم ومرمى لقذائف الهاون. ورغم تحرر جزء من البلدة من الدواعش، يظل سكانها محاصرين ومنقطعين عن المركز التجاري والمباني الحكومية بل وحتى المقابر التي يريدون دفن موتاهم بها.
والوسيلة الوحيدة التي تصلهم بالعالم الخارجي هي القوارب المتواضعة التي تمر عبر المياه الموحلة لنهر دجلة التي تفصل بين حي السنة وبلدة «بلد» الشيعية القريبة. وتنقل تلك القوارب الطعام والوقود والذخيرة والمقاتلين الذي يرغبون في الانضمام إلى صفوف المعركة ضد «داعش». كذلك تعمل تلك القوارب كبديل لسيارات الإسعاف التي تنقل الجرحى نظرا لسيطرة الجهاديين على المستشفى.
ولم تكن الضلوعية مقسمة عندما قرر علي عامر البالغ من العمر 23 عاما الجندي في الجيش العراقي الزواج. وقد اقترح عليه أحد أقربائه الزواج من إخلاص، وفي شهر مايو (أيار) زار عامر إخلاص في منزل أسرتها حيث التقيا للمرة الأولى. ووجدها جميلة وتتحلى بأخلاق حميدة، بينما هي رأته رجلا مهذبا وكانت ممتنة لسماحه له بإنهاء دراستها. وتم إعلان خطوبتهما بعد أيام قليلة من اللقاء، ثم عاد عامر إلى القاعدة العسكرية التي يعمل بها. وكانا يتحدثان كثيرا عبر الهاتف وشرعا في مناقشة موعد الزواج.
لكن في يونيو (حزيران) استولى تنظيم داعش وبعض الجماعات المسلحة من السنة على الموصل، التي تعد ثاني أكبر مدينة عراقية. واختفى الجزء الأكبر من الجيش العراقي، وتقدم المتشددون نحو الضلوعية في الجنوب.
وكما هو الحال في الكثير من المناطق السنة كان السكان معادين لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي واتهموا حكومته التي يقودها الشيعة بممارسة التمييز ضدهم. لذا عندما وصل المسلحون وقدموا أنفسهم كثوار يحاربون من أجل السنة، سمح لهم السكان بالدخول على حد قول الصحافي وأحد سكان المنطقة شعلان الجبوري.
رفع المقاتلون العلم الأسود لـ«داعش» على مركز الشرطة ورأى السكان رجالا في صفوف مقاتلي التنظيم كانوا من المسجونين بسبب انتمائهم إلى تنظيم القاعدة. وكما فعلوا في أماكن أخرى، استهدف التنظيم الرجال الذي خدموا في الجيش أو الشرطة وكذا الذي انضموا إلى مجالس الصحوة المدعومة من أميركا لمواجهة تنظيم القاعدة. أثار هذا غضب قبيلة الجبور التي تعيش جنوب البلدة على شريط من الأرض الزراعية داخل منحنى يشبه حدوة الحصان بجانب النهر.
وفي الوقت الذي انضم فيه كثيرون إلى تنظيم القاعدة بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003. تغيرت توجهات القبيلة وتحالفت مع الأميركيين. ويقول ماهر الجبوري خطيب مسجد يساعد في قيادة القتال: «لقد قاتلناهم في السابق لذا نعلم من هم. ما هذا إلا استمرار للمعركة ذاتها». في منتصف يونيو (حزيران) تولى قائد في قوات الشرطة المحلية قيادة عملية لصد هجوم على مركز الشرطة وطرد تنظيم داعش من الجزء الذي تعيش فيه قبيلة جبور من البلدة. ومنذ ذلك الحين يقول مقاتلو القبيلة إنهم يصارعون من أجل صد هجمات الدواعش دون مساعدة تذكر من الحكومة في بغداد.
في مساء يوم قريب في منزل صغير في بستان البرتقال بالقرب من خط المواجهات، استراح عشرات من مقاتلي القبيلة ونظفوا أسلحتهم. وكانت القوة خليطا من ضباط الشرطة والجنود والمتطوعين، بعضهم يرتدي الزي المموه، بينما يرتدي آخرون ملابس عادية وأحذية بلاستيكية. كانت ماسورة لقذيفة هاون تستقر على العشب، بينما كان أحد المقاتلين يعمل على تحويل ذخائر قديمة إلى قنابل يمكن إلقاؤها على مواقع تنظيم داعش. وفي حين كان بعض أعدائهم من الأجانب، كان القسم الأكبر من القريبين على حد قول ضابط المرور زياد صالح الذي انضم إلى العمليات المناهضة لتنظيم داعش. وتلقى بعض المقاتلين مكالمات هاتفية من أشخاص كانوا يعرفونهم من قبل تتضمن عبارات مهينة وتطلب منهم الاستسلام. وأوضح صالح قائلا: «لا يمكننا التقدم لأنهم زرعوا متفجرات في كل مكان على الطريق وفي المنازل». واستهدف القناصة المتخصصين في المفرقعات الذين تم إرسالهم لتفكيك القنابل.
زادت المعركة من تعقيد الأمور بالنسبة للخطيبين، حيث حصل عامر على تصريح من الجيش للقتال في مدينته على بعد بضعة أميال من مسكن خطيبته، ومع ذلك لم تكن هناك طريقة ليقابلها. وبعد انتشار نبأ خطوبتهما، هدد الدواعش إخلاص بالقتل إن لم تفسخ الخطبة. وازدادت المكالمات الهاتفية بينهما توترا، وباتت إخلاص تقول لعامر: «أسرع وأخرجني من هنا».
وفي النهاية هدد التنظيم بقتل أسرتها أيضا، لذا خططت كل من أمها وعامر لتهريبها، لكن قبل ذلك أرسل الدواعش انتحاريا في سيارة لتنفيذ تفجير في شارع تجاري أسفر عن مقتل 20 شخصا بما فيهم ابن عم عامر وأعز أصدقائه صلاح مجبل. وكان لا يزال في حالة حداد بعد مرور يومين عندما تمكنت والدة إخلاص من تهريبها. وبعد جهد جهيد لتفادي المرور بالخطوط الأمامية، استقلا قاربا لعبور النهر إلى الجانب الجنوبي من الضلوعية حيث كان عامر في انتظارها على الضفة. وقال عامر: «عندما رأيتها من على بعد أدركت أن حلمي بات حقيقة».
وطلب عامر عمل أثاث لغرفة نوم في منزل أسرته، لكن حانوت النجار كان يقع وراء خطوط تنظيم داعش، لذا كان عليه اقتراض الأثاث من أقربائه، وتركت إخلاص ملابسها في المنزل حتى لا تلفت الانتباه إليها وهي تهرب. واضطرا إلى عبور النهر أكثر من مرة في اليوم التالي لشراء ملابس وحلي والذهاب إلى المحكمة، حيث استولى التنظيم على محكمة الضلوعية مما جعل الذهاب إليها لإتمام مراسم الزواج أمرا في غاية الصعوبة.
في 22 سبتمبر (أيلول) ارتدت إخلاص الفستان الأبيض وعبرت النهر والتقت بعامر عند أحد محلات تصفيف الشعر في البلد وذهبوا إلى استوديو تصوير لالتقاط صور الزفاف، ثم استقلا قاربا إلى المنزل وتناولا الطعام مع أسرته. ولم يتمكن أكثر أفراد أسرتها من حضور الزفاف لصعوبة عبور خطوط المواجهة، ولم يكن هناك موسيقى لأن عامر كان في حالة حداد على ابن عمه الذي تم دفنه بالقرب من المنزل. كانت إخلاص سعيدة رغم كل شيء، حيث قالت: «لقد كان أجمل يوم في حياتي. وأنا سعيدة لأن علي إلى جواري». مع ذلك كان عامر، الذي عاد إلى القتال بعد 4 أيام من الزفاف، لا يزال حاد المزاج. وقال: «لم يكن هناك شهر عسل، بل شهرا من الحزن والرصاص».

* خدمة «نيويورك تايمز» خاص بـ«الشرق الأوسط»



دعم سعودي مزدوج يعزز استقرار اليمن وينقذ المدنيين

جانب من توقيع اتفاقية سعودية سابقة لدعم محطات الكهرباء اليمنية بالوقود (إكس)
جانب من توقيع اتفاقية سعودية سابقة لدعم محطات الكهرباء اليمنية بالوقود (إكس)
TT

دعم سعودي مزدوج يعزز استقرار اليمن وينقذ المدنيين

جانب من توقيع اتفاقية سعودية سابقة لدعم محطات الكهرباء اليمنية بالوقود (إكس)
جانب من توقيع اتفاقية سعودية سابقة لدعم محطات الكهرباء اليمنية بالوقود (إكس)

حظيت الخطوات السعودية الجديدة الداعمة لليمن بترحيب القيادة اليمنية، بعدما أعلنت الرياض صرف دفعة جديدة لدعم الموازنة العامة للدولة وتمديد مشروع «مسام» لنزع الألغام لعام إضافي، في مسارين متوازيين يستهدفان تخفيف الأعباء الاقتصادية والإنسانية التي تواجهها البلاد.

وأعرب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، باسمه وأعضاء المجلس والحكومة والشعب اليمني، عن خالص الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، على توجيهاتهما بصرف دفعة جديدة من الدعم المالي المخصص للموازنة العامة للدولة.

وأكد العليمي أن هذا الدعم يمثل امتداداً للمواقف السعودية المساندة لليمن في مختلف الظروف، مثمناً المتابعة المباشرة من جانب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، والجهود التي يبذلها فريقه والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لضمان استمرار المساندة الاقتصادية للحكومة اليمنية.

مدرسة شيدتها السعودية في محافظة شبوة اليمنية (إكس)

وكان سفير المملكة العربية السعودية لدى اليمن والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن محمد آل جابر، أعلن صدور توجيهات القيادة السعودية بصرف دفعة جديدة عبر البرنامج السعودي لدعم عجز موازنة الحكومة اليمنية، وتغطية رواتب موظفي الدولة، بمبلغ يزيد على 224 مليون ريال سعودي (60 مليون دولار).

وأوضح السفير السعودي أن الدعم الجديد سيسهم في تعزيز انتظام التدفقات المالية للحكومة اليمنية، وتوفير العملة الصعبة، والمساعدة في استقرار سعر صرف الريال اليمني، إلى جانب دعم جهود الحكومة في توفير الخدمات الأساسية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

ويرى مسؤولون يمنيون أن استمرار الدعم السعودي للموازنة العامة أسهم خلال السنوات الماضية في تمكين الحكومة من الوفاء بجزء مهم من التزاماتها المالية، خصوصاً ما يتعلق برواتب الموظفين والإنفاق على الخدمات الأساسية، في ظل تراجع الموارد العامة وتداعيات الحرب المستمرة.

كما يُنظر إلى الدعم بوصفه أداة مهمة للمساعدة في الحد من الضغوط على العملة الوطنية وتعزيز قدرة المؤسسات الحكومية على مواصلة أداء مهامها في المحافظات المحررة، وسط تحديات اقتصادية معقدة ألقت بظلالها على مختلف القطاعات.

تمديد «مسام»

بالتزامن مع الإعلان الاقتصادي، رحب العليمي بقرار تمديد مشروع «مسام» السعودي لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام لمدة عام إضافي، معتبراً أن المشروع يمثل إحدى أبرز المبادرات الإنسانية التي أسهمت في حماية المدنيين والحد من مخاطر الألغام التي زرعتها الجماعة الحوثية في مناطق واسعة من البلاد.

وأشاد العليمي بالدور الذي اضطلع به المشروع منذ انطلاقه، مؤكداً أن الألغام ستظل واحدة من أكثر الانتهاكات بشاعة في تاريخ الصراع اليمني، نظراً لما خلفته من خسائر بشرية وإصابات دائمة بين المدنيين.

وقال إن قرار التمديد يعكس استمرار الموقف الأخوي والإنساني للمملكة العربية السعودية تجاه اليمنيين، ويمثل استثماراً طويل الأمد في حماية الإنسان اليمني وتأمين المجتمعات المحلية المتضررة من الحرب.

وأعلن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تمديد عقد تنفيذ مشروع «مسام» لمدة عام إضافي بتكلفة تتجاوز 52.5 مليون دولار أميركي، استمراراً للجهود الرامية إلى إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة من الأراضي اليمنية.

ويُنفذ المشروع عبر كوادر سعودية وخبرات دولية بالتعاون مع فرق يمنية جرى تدريبها وتأهيلها للعمل في مجال نزع الألغام، بما يشمل أعمال التطهير الميداني، والتوعية المجتمعية، وبناء القدرات الوطنية في هذا القطاع الحيوي.

ووفق البيانات المعلنة، تمكن المشروع منذ انطلاقه منتصف عام 2018 من انتزاع أكثر من 567 ألف لغم وذخيرة غير منفجرة وقذيفة متنوعة، شملت ألغاماً مضادة للأفراد وأخرى مضادة للدبابات، كانت مزروعة في مناطق سكنية وزراعية وطرق ومرافق مدنية.

حماية المدنيين

أكد المستشار بالديوان الملكي السعودي والمشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبد الله الربيعة، أن تمديد المشروع يأتي انطلاقاً من المسؤولية الإنسانية تجاه الشعب اليمني، واستمراراً للجهود الرامية إلى إزالة التهديدات التي تشكلها الألغام على حياة المدنيين.

وأوضح الربيعة أن الألغام المزروعة بصورة عشوائية وبوسائل تمويه مختلفة تسببت في وقوع آلاف الضحايا من المدنيين، وأدت إلى إعاقات دائمة وخسائر بشرية واسعة، فضلاً عن نشر الخوف بين السكان وتعطيل الأنشطة الزراعية والتنموية في مناطق عديدة.

وأشار إلى أن مشروع «مسام» أصبح نموذجاً إنسانياً متخصصاً في مواجهة أخطار الألغام ومخلفات الحرب، من خلال الجمع بين عمليات التطهير الميداني وبرامج التدريب والتأهيل، بما يعزز قدرة اليمنيين على التعامل مع هذه التهديدات مستقبلاً.

كما أعرب الربيعة عن تقديره للقيادة السعودية على ما تقدمه من جهود إنسانية وإغاثية في اليمن وفي مناطق أخرى حول العالم، مؤكداً أن دعم المملكة للشعب اليمني سيظل مستمراً عبر البرامج التنموية والإغاثية والإنسانية المختلفة.


الجوع ينهش اليمن... والحوثيون يستخفون بالمأساة

مع تسجيل جيوب للمجاعة يحتاج نصف سكان اليمن إلى المساعدات (إعلام محلي)
مع تسجيل جيوب للمجاعة يحتاج نصف سكان اليمن إلى المساعدات (إعلام محلي)
TT

الجوع ينهش اليمن... والحوثيون يستخفون بالمأساة

مع تسجيل جيوب للمجاعة يحتاج نصف سكان اليمن إلى المساعدات (إعلام محلي)
مع تسجيل جيوب للمجاعة يحتاج نصف سكان اليمن إلى المساعدات (إعلام محلي)

في الوقت الذي تضع فيه الأمم المتحدة اليمن ضمن أخطر بؤر الجوع الساخنة في العالم، فجّرت تصريحات منسوبة إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة الانقلابية التابعة للحوثيين، موجة غضب وسخرية واسعة، بعدما هاجم السكان الذين يشتكون من الجوع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، داعياً إياهم إلى ترك الإنترنت والبحث عن عمل أو الانخراط في أعمال تطوعية من دون أجر، بحجة الحفاظ على «الأجر السماوي».

وجاءت هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التحذيرات الدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية في اليمن، واستمرار معاناة ملايين السكان من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية نتيجة الحرب والأزمة الاقتصادية وتراجع التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية.

وبثت وسائل إعلام تابعة للجماعة الحوثية تسجيلاً لمحمد مفتاح، القائم بأعمال رئيس الحكومة غير المعترف بها دولياً، انتقد فيه الأشخاص الذين يعلنون عبر منصات التواصل الاجتماعي معاناتهم من الجوع، مطالباً إياهم بتوفير تكاليف استخدام الإنترنت والتوجه للبحث عن فرص عمل.

سخرية واسعة من تصريحات القائم بأعمال رئيس حكومة الحوثيين (إعلام محلي)

وأضاف المسؤول الحوثي أن من لا يجد عملاً يمكنه الالتحاق بالأعمال التطوعية حتى لا يخسر «الأجر»، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة بين ناشطين ومتابعين رأوا في هذه التصريحات استخفافاً بمعاناة ملايين اليمنيين الذين يعيشون ظروفاً اقتصادية وإنسانية قاسية.

وعدّ معلقون حديث المسؤول الحوثي يعكس انفصالاً عن الواقع الذي يعيشه السكان في مناطق سيطرة الجماعة، حيث تتفاقم معدلات الفقر والبطالة، وتتراجع القدرة الشرائية للأسر، بينما لا تزال أزمة الرواتب وانهيار الخدمات الأساسية تلقي بظلالها على الحياة اليومية للمواطنين.

وتساءل ناشطون عن أسباب مهاجمة المواطنين الذين يعبرون عن معاناتهم بدلاً من معالجة الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من التدهور المعيشي، مؤكدين أن الشكوى من الجوع أصبحت واقعاً يومياً يعيشه قطاع واسع من السكان.

ثالثة أخطر بؤر الجوع

تزامنت هذه التصريحات الحوثية مع تقرير مشترك أصدرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، حذّر من اتساع رقعة الجوع الحاد في عدد من الدول التي تعاني النزاعات والأزمات الاقتصادية.

ووضع التقرير اليمن في المرتبة الثالثة ضمن أخطر بؤر الجوع الساخنة في العالم، إلى جانب السودان وجنوب السودان وفلسطين والصومال، مشيراً إلى أن ملايين الأشخاص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع استمرار مخاطر المجاعة في عدد من المناطق.

وأكد التقرير أن تراجع التمويل الإنساني خلال السنوات الأخيرة، أدى إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية وخلق فجوات كبيرة في الاستجابة الإنسانية، ما زاد من هشاشة أوضاع الأسر الأكثر فقراً، خصوصاً الأطفال والنساء.

نقص التمويل وقيود الحوثيين فاقما حالة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وقال مدير تحليل الأمن الغذائي في برنامج الأغذية العالمي، جان مارتن باور، إن دولاً عدة، من بينها اليمن، لا تزال تمثل مصدر قلق بالغاً بسبب استمرار ارتفاع مستويات الجوع وسوء التغذية وارتباطها بالنزاعات المستمرة.

وبحسب التقرير الأممي، يواصل اليمن تسجيل واحدة من أسوأ أزمات الأمن الغذائي على مستوى العالم، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع قيمة العملة المحلية ونقص الموارد الإنسانية المخصصة للاستجابة الطارئة.

كما حذر التقرير من زيادة أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بنسبة تصل إلى 9 في المائة مع نهاية العام الحالي، نتيجة استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع مصادر الدخل.

وأشار التقرير إلى أن النزاعات المسلحة لا تزال العامل الرئيسي وراء تفاقم انعدام الأمن الغذائي في معظم بؤر الجوع الساخنة حول العالم، إلى جانب الصدمات الاقتصادية والمخاطر المناخية وتراجع التمويل الدولي.

دعوة لتحرك دولي

أكدت الوكالتان الأمميتان أن استمرار هذه العوامل من دون تدخلات فعالة سيؤدي إلى مزيد من التدهور الإنساني خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في الدول التي تعاني نزاعات طويلة الأمد مثل اليمن.

ودعت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل ومنسق لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية في اليمن وضمان وصول الغذاء إلى الفئات الأكثر احتياجاً، مع الاستثمار في سبل العيش وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وشددت الوكالتان على أن معالجة أزمة الجوع تتطلب توافر إرادة سياسية حقيقية وتمويلاً مستداماً وتعاوناً دولياً فعالاً، محذرتين من أن استمرار التراجع في الدعم الإنساني سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع في أكثر المناطق هشاشة حول العالم.


الحكومة اليمنية تراهن على المعالجات المالية والخدمية

أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراهن على المعالجات المالية والخدمية

أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

أكّدت الحكومة اليمنية مضيها في تنفيذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية والخدمية لمعالجة التحديات المعيشية وتحسين أداء المؤسسات العامة، في وقت أقرت فيه زيادة رواتب موظفي القطاع المدني بنسبة 20 في المائة، وأشادت بالدعم السعودي المتواصل لقطاع الكهرباء، بالتوازي مع خطوات لتعزيز كفاءة تمويل الواردات وتطوير آليات الرقابة والحوكمة الاقتصادية.

وخلال اجتماعه في العاصمة المؤقتة عدن، برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني، استعرض مجلس الوزراء التطورات السياسية والاقتصادية والخدمية، إلى جانب المستجدات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأوضاع اليمنية.

ووضع رئيس الحكومة أعضاء المجلس أمام صورة شاملة للتحديات الراهنة، خصوصاً في الجوانب الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى الجهود المبذولة لمعالجة الاختلالات المتراكمة في قطاع الكهرباء، والعمل على تنفيذ حلول استراتيجية ومستدامة تضمن استقرار الخدمة وتحسين كفاءتها، بالتوازي مع الإجراءات العاجلة الرامية إلى تأمين احتياجات محطات التوليد.

وأكد مجلس الوزراء اليمني أن أزمة الكهرباء الحالية تمثل تراكمات ممتدة لعقود من الاعتماد على الحلول المؤقتة وغياب المعالجات الاستراتيجية، مشدداً على أن الحكومة تتحمل مسؤوليتها الوطنية في البحث عن حلول جذرية ومستدامة، رغم أنها ليست مسؤولة عن نشوء تلك الاختلالات.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وأعرب المجلس عن تفهمه لمعاناة المواطنين جراء الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، مؤكداً أن مختلف الجهات الحكومية تعمل على اتخاذ التدابير اللازمة لاستقرار الخدمة والحدّ من تأثيراتها على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، ثمّن المجلس الدعم السعودي المقدم لليمن، مشيداً بمنحة المشتقات النفطية الجديدة المخصصة لتشغيل محطات الكهرباء بقيمة 150 مليون دولار، معتبراً أن هذه المنحة ستسهم في تعزيز استقرار الخدمة الكهربائية وتخفيف معاناة السكان، فضلاً عن دعم جهود الإصلاح الاقتصادي وتمكين الدولة من الوفاء بالتزاماتها الأساسية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

زيادة الرواتب

أقرّ مجلس الوزراء اليمني القواعد التنفيذية الخاصة بقرار زيادة مرتبات موظفي القطاع المدني بنسبة 20 في المائة، استناداً إلى المقترح المقدم من وزارة الخدمة المدنية والتأمينات.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الزيادة ستشمل موظفي الجهاز الإداري للدولة، وفق القيم المحددة لكل درجة وظيفية، كما ستطبق على المتعاقدين الذين تُصرف مستحقاتهم من البند المخصص للتعاقدات في الموازنة العامة.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعي الحكومة للتخفيف من الضغوط المعيشية الناجمة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع القوة الشرائية للموظفين، في ظل استمرار التحديات المالية التي تواجهها الدولة.

حزم من الأوراق النقدية اليمنية (إعلام محلي)

وفي إطار توجهات الحكومة اليمنية لدعم القطاعات الإنتاجية، وافق مجلس الوزراء على إنشاء محطة للبحوث الزراعية في محافظة أرخبيل سقطرى، بهدف تعزيز الدراسات والأبحاث التطبيقية في المجالات الزراعية المختلفة وتطوير الإنتاج النباتي والحيواني.

ومن المنتظر أن تسهم المحطة الجديدة في دعم برامج الإرشاد الزراعي وتوفير قاعدة علمية تساعد على رفع الإنتاجية وتحسين استغلال الموارد الزراعية في الأرخبيل.

كما وافق المجلس على مقترح رفع موارد صندوق تشجيع الإنتاج الزراعي والسمكي، مع الأخذ بالملاحظات المقدمة من الجهات المختصة والتنسيق مع وزارة المالية لضمان التنفيذ وفق الأطر القانونية والمالية المعتمدة.

الأوضاع الأمنية والخدمية

توقف الاجتماع الحكومي أمام الأوضاع الخدمية والأمنية في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً تفهم الحكومة للمطالب الشعبية المرتبطة بتحسين الخدمات الأساسية، والتزامها بمضاعفة الجهود لمعالجة أوجه القصور القائمة.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني بدور الأجهزة الأمنية والعسكرية والسلطات المحلية في الحفاظ على الأمن والاستقرار والتعامل مع المستجدات الميدانية، وإفشال أي محاولات لاستغلال الاحتجاجات السلمية للإضرار بالممتلكات العامة والخاصة أو الإخلال بالأمن.

كما شدد على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف المؤسسات المختصة، بما يضمن حماية المواطنين والحفاظ على السكينة العامة، ويساعد في تهيئة بيئة مستقرة لتنفيذ الإصلاحات الحكومية.

واطلع الوزراء على تقريرين مقدمين من وزارتي الدفاع والداخلية بشأن الأوضاع العسكرية والأمنية، وما تحقق من خطوات لتعزيز الجاهزية القتالية ورفع مستوى التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية في مواجهة التحديات المختلفة.

وجدّد مجلس الوزراء التأكيد على موقف الجمهورية اليمنية الداعي إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي واحترام قواعد القانون الدولي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وأكد أن تحقيق السلام المستدام يتطلب احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، وإنهاء دعم الجماعات المسلحة وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، بما يضمن احتكار الدولة لقرار السلم والحرب.

تمويل الواردات

في اجتماع آخر، ناقشت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، برئاسة محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، سبل تطوير آليات العمل ورفع كفاءة إنجاز المعاملات وتبسيط الإجراءات المتعلقة بتمويل التجارة الخارجية.

واستعرضت اللجنة تقريراً أظهر أن حجم تمويل الواردات تجاوز 3 مليارات دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، مع استحواذ السلع الأساسية والمواد الغذائية على الحصة الكبرى من إجمالي التمويلات المنفذة.

واطلعت اللجنة على سير العمل في المنصة الإلكترونية الجديدة الخاصة باستقبال ومعالجة طلبات التمويل، التي دخلت مرحلة التشغيل الفعلي، وتستقبل حالياً جميع الطلبات ضمن الفترة التجريبية.

اجتماع في عدن للجنة تنظيم وتمويل الواردات (إعلام حكومي)

وأكّدت اللجنة أن التوسع في الأتمتة واستخدام المنصة الإلكترونية يمثل خطوة مهمة لتعزيز الشفافية والرقابة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، إضافة إلى تسريع الإجراءات وتقليل المعوقات الإدارية.

كما استمعت إلى تقرير من رئيس مصلحة الجمارك حول سير العمل في المنافذ البرية والبحرية ومستوى الالتزام بالتعليمات والقرارات المنظمة لعملية الاستيراد، والتحديات التي تواجه النشاط الجمركي.

وكلّفت اللجنة محافظ البنك المركزي بمخاطبة الجهات المعنية بشأن عدد من التجاوزات والممارسات في بعض المنافذ، معتبرة أن تلك الاختلالات تؤثر على عمل اللجنة، وتؤدي إلى هدر موارد الدولة والإضرار بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

واختتمت اللجنة أعمالها بالدعوة إلى تعزيز التعاون بين مختلف الجهات المركزية والمحلية لتنفيذ القرارات والتعليمات الصادرة عنها، بما يسهم في حماية الإيرادات العامة ومكافحة التهريب وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.