البدانة والنحافة.. خرافات وتصورات

تساؤلات عن دور التمثيل الغذائي وتناول الدهون وممارسة الرياضة

البدانة والنحافة.. خرافات وتصورات
TT

البدانة والنحافة.. خرافات وتصورات

البدانة والنحافة.. خرافات وتصورات

كلنا نعرف شخصا أو اثنين أو أكثر من الذين يلتهمون الطعام كما يتناوله الحصان إلا أنهم يظلون نحيفي البنية، بينما يزداد لدى الآخرين وزن الجسم. ويقع التمثل الغذائي (أو الأيض أو الاستقلاب) metabolism في لب هذه الإشكالية؛ إذ إنه يمثل مجموع العمليات الكيميائية التي تظهر في الجسم في وقت معين.
وقد بدأت أولى الدراسات على التمثيل الغذائي في القرن السابع عشر عندما بدأ الطبيب سانتوريو سانكتوريوس دراسته على مدى ثلاثة عقود. وهناك كثير من الحقائق والأوهام والأساطير والخرافات حول التمثيل الغذائي نستعرضها هنا.

* خرافات غذائية
* وتيرة التمثيل الغذائي تكون في أعلاها لدى النحيفين.. خرافة.
بصفة عامة، فإن العكس هو الصحيح: فكلما زاد وزنك، زاد عدد السعرات الحرارية التي تحتاج إلى حرقها في كل يوم للمحافظة على عمل أعضاء الجسم. ولكن قد تكون هناك بعض الاستثناءات.. فإن التشوهات التي تصيب الجين المسمى «KRSZ»، الذي يقلل من مقدرة الخلايا على تأييض الغلوكوز والأحماض الدهنية من أجل توليد الطاقة، شائعة بصورة مضاعفة لدى الأشخاص البدناء أكثر من النحيفين. ومع ذلك، فتلك التشوهات نادرة الحدوث.
* النحيفون يهضمون من الطعام كميات أقل.. خرافة.
عند مقارنة كلود بوشارد، من مركز بينينغتون لأبحاث الطب الحيوي في باتون روغ بولاية لويزيانا، بين براز البشر، لم يجد فارقا كبيرا في محتوياته من مواد الطاقة بصرف النظر عن استعدادهم لزيادة الوزن من عدمه. وفي المعتاد، تخرج نسبة 3 في المائة من السعرات الحرارية المستهلكة في صورة مادة برازية، على حد قوله، ونقلت عنه مجلة «نيوساينتست» القول: «هذا لا يغير من الزيادة في التهام الطعام».
* تناول الدهون يؤدي لحرق المزيد من الدهون.. خرافة.
خلص استعراض 10 دراسات إلى وجود فارق طفيف في معدل الأيض العام لدى الناس، بصرف النظر عن تناولهم أطعمة غنية بالدهون وقليلة في الكربوهيدرات – مثل حمية أتكينز – أو تناول الأطعمة القليلة الدهون والغنية بالكربوهيدرات.
قد يُحدث البروتين فرقا، على الرغم من ذلك.. فالأشخاص الذين يأكلون أطعمة غنية بالبروتين والقليلة الكربوهيدرات يحرقون ما بين 60 إلى 120 سعرا حراريا أكثر في كل يوم، ويعود ذلك إلى أن البروتين يتطلب الكثير من الطاقة خلال الهضم أكثر من الكربوهيدرات المكررة. ويُعتقد أن البروتين يُحسن كذلك من الإحساس بالشبع.

* أدلة ضعيفة
* يجب أن تشعر بالإرهاق حتى تجني النتائج.. خرافة.
إن الركض لمسافة 6 كيلومترات بالساعة يحرق عدد السعرات الحرارية نفسه الذي يُحرق بالمشي بالسرعة نفسها. إن ما يُهم بالفعل هو القدرة على التحمل. دعنا نفترض أن الشخص الذي يزن 73 كيلوغراما يحرق 74 سعرا حراريا لكل كيلومتر من الركض بسرعة 11 كلم/ ساعة، ويحرق الشخص نفسه 52 سعرا حراريا لكل كيلومتر من المشي بنصف تلك السرعة المذكورة. ومن خلال المشي لمسافة كيلومترين، فإنه سوف يحرق 30 سعرا حراريا أكثر من لو ركض لمسافة كيلومتر واحد.
* اتباع الحمية الغذائية باستمرار يقلل بصورة دائمة من معدل الأيض.. خرافة.
يقلل اتباع الحمية الغذائية من معدل الأيض. وفي الواقع، فإن فعل الأكل ذاته يزيد من عملية الأيض، من خلال إطلاق هرمون يُسمى «Oxyntomodulin». ومع ذلك، هناك أدلة ضعيفة حول استعادة كل الوزن الذي تفقده، بصورة حتمية، وذلك لأن تكرار النمط الغذائي نفسه يوقف، وبشكل دائم، من عملية الأيض. وفي الحقيقة، فإن الذين يطبقون نظام الحمية السريع وأولئك الذين يفقدون الوزن بصورة متأنية يستعيدون الكمية نفسها في نهاية المطاف.
* تكرار الوجبات الغذائية يحسن من عملية الأيض.. خرافة.
في حين أن تناول الطعام يحسن بصورة مؤقتة من معدل الأيض، فإنه يؤثر كذلك على استجابة الجسم للإنسولين؛ وهو الهرمون الذي يُنظم مستويات الغلوكوز في الدم. وفي دراسة أجريت حديثا، اتبع الرجال النظام الغذائي نفسه، حيث تناولوا 3 وجبات أو 14 وجبة خفيفة في اليوم. أما أولئك الذين تناولوا عددا أقل من الوجبات فقد ارتفع معدل الأيض لديهم، حيث كانوا أقل جوعا وتحسن لديهم معدل السيطرة على الغلوكوز في الدم.

تصورات محتملة
* البدانة تنتشر في منتصف العمر.. احتمال.
يثير التقدم في العمر تغيرات هرمونية لدى الرجال والنساء، ويمكن لتلك التغيرات التأثير على استعداد الشخص لزيادة الوزن. يقلل انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال من حجم العضلات، مما يقلل بدوره من معدل الأيض، بينما تؤدي التغيرات في توازن الهرمونات الأنثوية، مثل هرمون الاستروجين، إلى زيادة الشهية للطعام وقد يسبب إخماد الأيض كذلك. ولكن زيادة الوزن ليست أمرا حتمي الحدوث إذا ما حافظت على نشاطك وتناولت القليل من الطعام مع تقدمك في العمر.
* بعض الأطعمة تؤدي إلى النحافة.. احتمال.
على العكس من الاعتقاد الشائع، لا يؤدي الكافيين الموجود في القهوة والشاي الأخضر إلى زيادة معدل حرق الدهون لديك أثناء ممارسة التمرينات، ولكنه قد يقلل من تعرضك للألم وإحساسك بالإرهاق. يمكن لمادة «Capsaicin»، وهي التي تمنح الفلفل الحار مذاقه اللاذع، أن تزيد من استهلاك الطاقة عن طريق تعزيزها نشاط الدهون بنية اللون. ويبدو أن هناك مادة في الـ«غريب فروت» تحسن من استجابة الجسم للإنسولين. وتشير دراسة أجريت أخيرا إلى أن الألياف تخمد الشهية لتناول الطعام.

* زيادة ونقصان الوزن
* الأكل أثناء الليل يزيد من الوزن.. احتمال.
تقول كارين سبيغل، من مركز أبحاث العلوم العصبية في ليون بفرنسا: «إذا أردت أن تأكل السكر أو الكربوهيدرات فمن الأفضل بالنسبة لك أن تفعل ذلك في الصباح، نظرا لأن حساسيتك للإنسولين هي في أفضل حالاتها صباحا. فإذا ما تناولتها مساء، فمن المرجح أن يُخزن الجسم تلك المواد في صورة دهون». قد يساعد ذلك في تفسير نتيجة مفادها أن طعام الإفطار الغني بالسعرات الحرارية وطعام العشاء الفقير بالسعرات الحرارية يؤديان إلى فقدان الوزن بصورة أكبر عن الإفطار الفقير والعشاء الغني بالسعرات ذاتها.
* تقليل درجة الحرارة المحيطة يؤدي لفقدان الوزن.. احتمال.
لا تتساوى كل أنواع الدهون. يولد الأطفال بكميات كبيرة من الدهون بنية اللون، التي تحرق الأحماض الدهنية من أجل توليد الحرارة. كان يُعتقد أن الكبار ليس لديهم من تلك الدهون شيء، ولكننا نعرف الآن أن البالغين النحيفين يمتلكون بعضا منها. والأكثر من ذلك، فالمتطوعون الذين تعرضوا لدرجات حرارة تقترب من 15 درجة مئوية لمدة 6 ساعات باليوم ولفترة 10 أيام أثناء ارتدائهم سراويل داخلية قصيرة وثوبا خفيفا (تي شيرت) ظهرت لديهم زيادة في كمية الدهون بنية اللون.
* النوم قد يساعد في تقليل الوزن.. احتمال.
الحرمان من النوم يدفع إلى الشعور المتزايد بالجوع. ويبدو أن هناك أسبابا كثيرة وراء ذلك؛ إذ يخفض الحرمان من النوم من مستويات هرمون الـ«لبتين» (Leptin)، وهو «هرمون الشبع»، ويزيد من مستويات هرمون الـ«غرلين» (Ghrelin)، وهو «هرمون الجوع»، ويعوق إطلاق الإنسولين في الجسم بصورته الطبيعية. ومع ذلك، فإن النوم الكثير يرفع من خطر الإصابة بالبدانة.
* التمرين على معدة خاوية يحرق المزيد من الدهون.. احتمال.
يقول مايكل أورمسبي، من جامعة ولاية فلوريدا: «إذا تناولت الطعام قبل التمرينات الرياضية، فسوف يزداد مستوى الغلوكوز لديك، مما يعني أنه يمكنك التمرين بصورة أفضل. ولكن إذا ما بدأت التمرين على معدة خاوية، فمن المرجح أن تحرق الدهون بصورة أسرع، على الرغم من أنه قد لا يمكنك المحافظة على المستوى نفسه من كثافة التمرين. ويوصي السيد أورمسبي كذلك بتنفيذ كلا الاتجاهين.
* المكملات الغذائية يمكنها تحسين معدل الأيض.. احتمال.
معظم المكملات الغذائية التي يصفها المهووسون باللياقة البدنية تستخدم لتحسين حرق السعرات الحرارية. ومعظمها لا يأتي بالنتائج المرجوة. وهناك بعض الأدلة على أن الكافيين، والكرياتين، وعصير الشمندر، وزيت السمك، تقدم بعض التأثيرات على الأداء الرياضي، حسبما أوضح مايكل أورمسبي من جامعة ولاية فلوريدا، ولكن تلك التأثيرات تقترب من أن تكون طفيفة، ومن الأفضل لك تحسين نظامك الغذائي بدلا من تناول تلك المكملات.

* حقيقة رياضية
* يستمر الجسد في حرق السعرات الحرارية عقب توقف التمرين.. حقيقة.
يرتفع الأيض في الجسم عقب انتهاء التمرينات الرياضية في الوقت الذي يتعافى فيه الجسم ويستعيد صحته. وتستمر فترة «الحرق بعد التمرين» لمدة تتراوح بين 3 ساعات و24 ساعة بناء على مدة وكثافة التمرين. وذلك التأثير يتجه إلى الاستمرار لمدة أطول عقب تأدية التمرينات المرهقة مثل رفع الأثقال، أكثر من تمرينات قوة التحمل، ولكن، حتى مع ذلك، فذلك التأثير لا يعدو أن يكون طفيفا ويتلاشى بمرور الوقت.



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.