البكتيريا المفيدة صرعة الغذاء العصري

الحفاظ على الصحة يبدأ من المعدة

البكتيريا المفيدة صرعة الغذاء العصري
TT

البكتيريا المفيدة صرعة الغذاء العصري

البكتيريا المفيدة صرعة الغذاء العصري

«المعدة هي بيت الداء» عبارة طبية قالها أبقراط منذ ألفي عام وهي ما زالت صحيحة في القرن الحادي والعشرين. فهناك توازن دقيق يجب المحافظة عليه بين أنواع البكتيريا المفيدة للجسم التي تنتشر في المعدة والجهاز الهضمي، ويعتمد عليها الإنسان في صحته ومعدلات نشاطه. واختيار الأنظمة الغذائية الملائمة التي تعزز من نمو هذه البكتيريا يقي الجسم من العديد من الأمراض ويمنع الخمول ويحافظ على اللياقة.
البكتيريا المفيدة اسمها «مايكروبيوتا» وهي متعددة الأنواع ويصل عددها إلى 40 تريليون بكتيريا، في الإنسان الفرد، أغلبها يعيش في الأمعاء. وهناك بالطبع أنواع ضارة تنمو في حالات اختلال التوازن أو سوء التغذية وتؤدي إلى العديد من الأمراض. ويعتمد توازن بكتيريا الجهاز الهضمي على الطعام الذي يتناوله الإنسان.
وإضافة إلى تنوع الطعام المفيد لبكتيريا الأمعاء تنصح هيئة الصحة البريطانية بمراعاة الكميات لأن الإسراف في تناول الطعام، بكافة أنواعه، يؤدي إلى التخمة والأضرار الصحية المستقبلية.
والنصيحة العامة هي ضرورة تناول المزيد من الألياف وبحجم لا يقل عن 30 غراما يوميا. وتأتي الألياف من عدة أنواع من الأطعمة مثل الخبز والأرز الأسمر والفواكه والخضراوات والبقول والحبوب الكاملة. ومع الألياف يحتاج الإنسان أيضا إلى شرب المزيد من المياه التي تمتصها الألياف مثل الإسفنجة. وبوجه عام يحتاج الإنسان إلى شرب كوب من الماء مع كل وجبة مع تجنب المشروبات التي تحتوي على الكافيين لأنها تسبب عسر الهضم.
لا بد أيضا من الحد من الدهون وتجنب الأكلات المقلية مثل البطاطس والبرغر لأنها أصعب في الهضم، وتزيد من الوزن، وتضر بتوازن البكتيريا المفيدة في المعدة والأمعاء. والبديل هو تناول اللحوم الخفيفة مثل الدجاج والأسماك وتناول الحليب منزوع الدسم وشوي اللحوم بدلا من قليها.
وتختلف درجة احتمال التوابل بين شخص وآخر والأفضل تجنب الشطة والتوابل والثوم والبصل لمن يعاني من حساسية منها خصوصا أنها غير مفيدة بالمرة لبكتيريا المعدة.
هناك أيضا بعض الأطعمة الحامضية التي تثير متاعب في الهضم ويجب عدم الإسراف في تناولها مثل الطماطم والليمون والبرتقال وبعض صلصات السلطة والمشروبات الغازية.
ويجب مراعاة حساسيات المعدة التي تكون أحيانا مضادة لسكر الحليب (لاكتوز) وهي تثار من تناول الحليب والكريم والجبن وأحيانا الشيكولاته، ويجب الامتناع عنها أو الحد منها جميعا.
وإلى جانب الأطعمة يجب أيضا مراعاة المشروبات التي تزيد من حموضة المعدة مثل القهوة والشاي والكولا وبعض المشروبات الغازية. والأفضل الاكتفاء بالماء والشاي الأخضر. وإن كان من الضروري تناول القهوة صباحا يجب الاكتفاء بفنجان واحد أو اثنين يوميا.
من أهم الأغذية المفيدة لبكتيريا الأمعاء تناول الزبادي أو خلاصة «بروبيوتكس» من الصيدليات. وتظهر فوائد التحول الغذائي بعد أربعة أسابيع من تناول جرعة يومية. ويفضل الزبادي اليوناني الطبيعي المحتوي على بكتيريا حية من دون إضافات ولا سكر.
وتحافظ البكتيريا المفيدة أو «بروبيوتكس» على التوازن الطبيعي في الأمعاء خصوصا بعد نوبات المرض أو تناول مضادات حيوية. ولكنها ليست مصنفة كدواء، ولذلك لا تخضع للاختبارات الدقيقة التي تمر بها الأدوية. وهناك العديد من الأنواع المتاحة في محلات الأغذية الصحية وهي تختلف في تأثيرها ويجب الحرص عند تناولها إضافة للطعام العادي. وفي حالات خاصة يتم تناول هذه البكتيريا كدواء من أنواع أكثر تأثيرا تباع في الصيدليات.
من الوظائف المهمة لبكتيريا الأمعاء مكافحة البكتيريا الضارة التي تسبب الإصابة بالإسهال والعدوى وحساسية الأمعاء. وتحمي البكتيريا المفيدة من الالتهابات وتحافظ على صحة الكبد وتحمي من السمنة بتنظيم عملية التمثيل الغذائي.

- أمعاء صحية
يقول الدكتور روري روبرتسون من مؤسسة «هيلث لاين» إن الوجبات الغذائية تؤثر على مدى صحة الأمعاء وأنواع البكتيريا التي تعيش فيها. وهو يقترح العديد من الأنظمة الغذائية التي تساهم في صحة الأمعاء والبكتيريا المفيدة ومنها:
> ضرورة تناول وجبات متنوعة للحفاظ على توازن مئات الأنواع من بكتيريا الأمعاء التي تقوم بوظائف متعددة. وكلما تعددت أنواع الوجبات تنوعت أيضا أنواع البكتيريا وزادت فوائدها للجسم. ويعترف الدكتور روبرتسون أن نظام الغذاء الغربي لا يتنوع بالقدر الكافي مقارنة بأغذية الدول الأخرى التي تتوجه أكثر إلى تنوع الأغذية النباتية. وهو يشير إلى وجبات المناطق الريفية، خصوصا في أفريقيا وأميركا اللاتينية كنماذج أفضل من المأكولات الغربية في أوروبا وأميركا.
> الاعتماد أكثر على الخضراوات والبقول والفواكه لأنها من أفضل مصادر الحفاظ على بكتيريا مفيدة في الأمعاء. وتحتوي الخضراوات والفواكه والبقول على ألياف قد لا يمتصها الجسم بالكامل ولكنها تغذي بكتيريا الأمعاء. من نماذج هذه الأكلات الحبوب الكاملة والبقول مثل الفول والفاصوليا البيضاء واللوبيا والعدس والخضراوات مثل الخرشوف والبازلاء والبروكلي والفواكه. وتمنع هذه الأطعمة وجود بكتيريا ضارة في الأمعاء كما تمنع الالتهابات.
> تناول الأغذية ذات البكتيريا الحية مثل الزبادي الطبيعي والكفير الذي يمكن إضافته للحليب والجبن وأنواع صينية مثل كيمشي وكومبوتشا. وهي غنية بأنواع من البكتيريا المفيدة التي تسمى «لاكتوباسيلي». وأثبتت عدة دراسات طبية، وفقا للدكتور روبرتسون، فوائد الزبادي والبكتيريا الحية في المحافظة على صحة الأمعاء وإنعاش البكتيريا المفيدة.
> الامتناع عن تناول بدائل السكر التي تستخدم في تحلية المشروبات الغازية. فهي قد تكون مفيدة في خفض الوزن ولكنها تضر ببكتيريا الأمعاء وتقلل من عددها. وفي تجربة على الفئران ثبت أن بدائل السكر تخفض الوزن ولكنها مع ذلك زادت غلوكوز الدم وعرقلت فاعلية تعامل الأنسولين مع خفض الغلوكوز. وفي تجارب مماثلة كانت النتيجة مماثلة في الإنسان وسلبية على بكتيريا المعدة.
> تناول الأطعمة التي تنشط بكتيريا الأمعاء وهي تسمى أطعمة «برويبايوتيك» وهي تحتوي على ألياف ونشويات لا يمتصها الجسم ولكنها تغذي البكتيريا المعوية. وتشمل هذه الأطعمة الفواكه والخضراوات والحبوب ومن فوائدها أيضا خفض نسب الكولسترول وبالتالي خفض نسب الإصابة بالسكر وأمراض القلب.
> ضرورة تناول الحبوب الكاملة فهي تحتوي على قشور ونشويات غير قابلة للهضم حتى وصولها إلى المصران الغليظ حيث تقوم البكتيريا باختزالها. وهي مفيدة بشكل عام للصحة وتساهم في الحفاظ على الوزن وعلى صحة الأمعاء.
> التوجه نحو حمية غذائية نباتية تفيد الأمعاء أكثر من الأطعمة التي تتكون من اللحوم. وتشير دراسات طبية إلى أن الاعتماد المكثف على اللحوم يؤدي إلى نمو بكتيريا ضارة تسبب العديد من الأمراض. والحميات النباتية لها أيضا فوائد أخرى مثل خفض الكولسترول والتهابات الأمعاء.
> التوجه نحو أطعمة تحتوي على «بوليفينول»، فهي مفيدة في خفض ضغط الدم ومعدلات الكولسترول. ولا يقوم الجسم بهضم عناصر «بوليفينول» وإنما تقوم بالمهمة بكتيريا الأمعاء. وتشمل هذه الأطعمة الكاكاو والشاي الأخضر وقشر العنب واللوز والبصل والبروكلي.
> يمكن أيضا تناول مستحضرات «بروبايوتيك» من متاجر المستحضرات الصحية وهي تحتوي على بكتيريا حية. وهي لا تسكن بالضرورة في الأمعاء بصفة دائمة ولكنها تساعد على تغيير بيئة البكتيريا المنتشرة فيها. وتظهر أهمية هذه المستحضرات في المرضى الذين تناولوا مضادات حيوية، لأنها تعيد إلى الأمعاء مستويات البكتيريا المفيدة التي كانت سائدة قبل المرض.
وقد زاد الوعي والاهتمام في السنوات الأخيرة بأهمية بكتيريا الأمعاء للصحة العامة. ويتوجه خبراء الغذاء حاليا إلى نصيحة العامة بالحفاظ على توازن البكتيريا المفيدة والاعتماد على تنوع الأطعمة والتحول نحو الأغذية النباتية والبقول والحبوب الكاملة.


مقالات ذات صلة

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.

مذاقات «لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات «خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات البيض بالشيري توميتو

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».