نزيف القيادات الشبابية الأفغانية مستمر

قائمة طويلة من الذين قتلوا أثناء محاولتهم تقديم يد العون لوطنهم

صورة الناشطة الأفغانية فاطمة خليل تغطي كفنها قبل دفنها السبت الماضي عقب تفجير سيارتها (نيويورك تايمز)
صورة الناشطة الأفغانية فاطمة خليل تغطي كفنها قبل دفنها السبت الماضي عقب تفجير سيارتها (نيويورك تايمز)
TT

نزيف القيادات الشبابية الأفغانية مستمر

صورة الناشطة الأفغانية فاطمة خليل تغطي كفنها قبل دفنها السبت الماضي عقب تفجير سيارتها (نيويورك تايمز)
صورة الناشطة الأفغانية فاطمة خليل تغطي كفنها قبل دفنها السبت الماضي عقب تفجير سيارتها (نيويورك تايمز)

مع حصولها على وظيفة داخل مفوضية حقوق الإنسان الأفغانية، وهي في الـ24. كانت فاطمة خليل قد قطعت شوطاً كبيراً خلال رحلة انتقالها من فتاة صغيرة لاجئة، أوشكت على الموت لحظة ولادتها، بعدما غادرت القابلة قبل أن تقطع الحبل السري.
امتلكت فاطمة القدرة على الحديث بـ6 لغات، بجانب تعمقها في الدراسات الدينية، وتخرجت في الجامعة الأميركية في آسيا الوسطى. ومع هذا، فإن أكثر ما يتذكرها به أصدقاؤها أنها كانت امرأة شابة شديدة الثقة، لكنها في الوقت ذاته حساسة، وحملت بداخلها عشقاً كبيراً تجاه الحياة. وكانت تحرص على ارتداء ملابس زاهية، وتحديداً فستاناً برتقالياً في يوم ذكرى ميلادها، ولطالما تفوقت على الجميع في الرقص، لكنها كانت تخشى الظلام.
وعندما سقطت فاطمة قتيلة، وسائق يدعى أحمد جاويد فولاد (41 عاماً)، السبت، في تفجير جديد من التفجيرات المتكررة التي تستهدف المدنيين في كابل، ساد عاصمة البلاد شعور بالصدمة. وفي ظل فترة يسودها الغموض والشكوك من عمر الوطن، جسدت فاطمة الأمل البراق في جيل بأكمله يخرج من رحم الدماء.
وعلى مدار الأعوام الـ18 التي سادتها أعمال العنف منذ إسقاط نظام جماعة «طالبان»، نشأ جيل كامل من الشباب الأفغاني مع حريات وفرص تبدو مهددة اليوم بسبب إمكانية عودة المتمردين إلى الحكم. وفي تلك الأثناء، تسحب الولايات المتحدة بالفعل قواتها إلى خارج البلاد، بعد اتفاق أبرمته هذا العام مع «طالبان».
وقبل بداية مفاوضات التشارك في السلطة بين الحكومة و«طالبان»، كان حمام الدماء قد تفاقم بالفعل. ويشكل كثيرون ممن يجري استهدافهم عناصر الحياة الجديدة التي بدأت تترسخ جذورها منذ عام 2001، صحافيين وعلماء دين معتدلين وشخصيات ثقافية ونشطاء، ونساء يتولين أدواراً عامة.
من ناحيتها، قالت شهرزاد أكبر، رئيسة المفوضية الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان: «باعتبارها امرأة أفغانية، من مجتمع ذكوري، فإن ما أصبحت عليه فاطمة يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة. ومجرد أن تدرك أن لديها عقلها الخاص، أمر يتطلب شجاعة كبيرة، فالمرأة هنا يجري إخبارها كل يوم أنها لا تملك عقلاً ولا رأياً، لكن فاطمة كان لديها رأي في كل شيء. في الواقع، تنشئة فتاة مثل فاطمة يتطلب مجموعة مختلفة من العوامل معاً، كثير منها لا يتوافر إلا بمحض الصدفة، كي تتمكن نهاية الأمر من تنشئة شخصية على هذا النحو. وبعد ذلك، يختفي كل هذا ببساطة».
جدير بالذكر هنا أن فاطمة ولدت في باكستان لأسرة من اللاجئين الذين فروا من فصل مبكر من سلسلة العنف التي عصفت بأفغانستان طوال 40 عاماً، وهي الابنة السادسة لمدرسين سابقين. وفي كويتا بباكستان، فتح والدها متجر بقالة، وكان يكسب بالكاد ما يعينه على سداد احتياجات أسرته يوماً فيوماً. وقالت شقيقتها، ليما، إن القابلة رحلت قبل نهاية عملية ولادة فاطمة، غاضبة من عجز الأسرة عن سداد كامل أجرها.
وقالت ليما، التي تدرس حالياً لنيل درجة الدكتوراه في الولايات المتحدة، ولم تتمكن من حضور مراسم دفن شقيقتها بسبب القيود المفروضة على السفر في ظل تفشي وباء فيروس «كورونا»: «لم تقطع الحبل السري، وإنما كانت أمي من فعل ذلك، ودائماً ما كنا نمزح معها بأن الطبيبة هربت بعيداً، بينما هي لم تولد بشكل كامل بعد».
ورغم تنقل الأسرة من مكان لآخر عدة مرات، تفوقت فاطمة في المدرسة. وقد بدأت تعليمها داخل مدرسة للاجئين في باكستان، أسستها جمعية خيرية سعودية. وبعد عودة أسرتها إلى أفغانستان تخرجت في مدرسة ثانوية دولية تركية في كابل، والتي ارتادتها بناءً على منحة نالتها.
وبحلول وقت تخرجها في الجامعة الأميركية في آسيا الوسطى في قيرغيزستان، مع تخصصها في مجالي دراسات الأنثروبولوجيا وحقوق الإنسان، كانت تتقن العربية والأردية والإنجليزية والروسية ولغتي البشتو والدارية الأفغانيتين.
وكان أصدقاؤها وأقاربها يطلقون عليها ناتاشا، اسم التدليل الذي أطلقته عليها والدتها. وكانت تحظى بحب وتدليل الجميع. وكانت تتميز بثقة كبيرة في النفس وصراحة شديدة، لكن خلال الجدالات السياسية المحتدمة، كانت تتجاوز الخلاف بالاعتماد على روحها المرحة وأسلوبها الساحر.
وعبر منشوراتها على شبكات التواصل الاجتماعي، يبدو جلياً شعورها بالاشمئزاز والإحباط إزاء مكانة المرأة في المجتمع وعلى الساحة السياسية، وانشغال الناس المفرط بمظهر النساء ولباسهن. إلا أن هذا القتال أمدها في الوقت ذاته بطاقة كبرى. وتطلعت نحو أول سفيرة أفغانية لدى الأمم المتحدة كمثل أعلى لها. وعملت باستمرار على تقديم العون إلى رئيستها في العمل من خلال إنجاز مشروعات بناءة بمجال الآليات الدولية لحقوق الإنسان.
وقالت خالدة صالح، التي التقتها عندما تقاسمتا غرفة داخل المدرسة التركية، وربطت صداقة طوال العمر بينهما: «حاولت أن تعيش حياة بعيداً عن قيود المجتمع والتقاليد. وأحياناً، كان الناس يسيئون الحكم عليها بسبب ذلك. وبهدوء وصبر كانت تعود إليهم وتحاول إقناعهم بأن قطعة من القماش لا تحدد شخصية فرد ما ولا ما في قلبه».
داخل الجامعة الدولية، كانت جزءاً من جيل من الشابات الأفغانيات اللائي نجحن في تنمية شعور قوي بالثقة بالنفس، وتخلصن من بعض من هوية الضحية وخطاب المظلومية. وكانت دوماً متفوقة بين أقرانها. وحملت بداخلها عشقاً خاصاً لقصيدة مايا أنغلو «وما أزال أصعد». وحثّت صديقاتها على كتابة كلمات القصيدة كوشم على أجسادهن. وعن ذلك، قالت بناظير نورزاد، التي التقتها خلال سنوات الجامعة: «كانت ترى أن القصيدة تحكي قصة حياة كل منا بصورة ما».
وبعد التخرج العام الماضي، كانت فاطمة تفكر في الشروع مباشرة في السعي لنيل الماجستير، لكن شقيقتها ليما شجعتها على اكتساب بعض الخبرة العملية أولاً.
وبحلول وقت توجهها إلى المفوضية الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان للتقديم لوظيفة منسقة مساعدات دولية، كانت قد عقدت مقابلات عمل داخل كثير من المنظمات الوطنية والدولية بالفعل، بما في ذلك الولايات المتحدة. وفي ذلك الوقت، كانت أكبر (32 عاماً) قد تولت للتوّ رئاسة المفوضية، وسعت في إجراء إصلاحات لتحسين مستوى تمويل المنظمة.
وخلال المقابلة، تحدثت أكبر إلى فاطمة بصراحة تامة، وأخبرتها أن المفوضية تعاني حالة من الفوضى وتواجه مشكلات كبيرة على صعيد علاقاتها مع المانحين، وأن فاطمة ربما لا تحصل على راتبها لمدة شهرين. وقبلت فاطمة الوظيفة.
وفي رسالة بعثتها فاطمة إلى أكبر عبر البريد الإلكتروني، قالت: «خضت كثيراً من المقابلات، ودائماً كان من يجرون المقابلة يحاولون تصوير منظمتهم باعتبارها الأفضل على مستوى البلاد، لكنك كنت الشخص الوحيد الذي قال إن هناك كثيراً من التحديات التي تواجهها المفوضية. ولذلك، شعرت أنني قد أضطلع بدور مفيد أكبر معكم».
وعندما وارى جسدها التراب، السبت، في واحدة من مقابر كابل القديمة، بكاها أصدقاؤها وزملاؤها، بينما تحدث والدها عن إخلاصها.
وقال أمام قبرها: «لم تكن ابنتي فحسب ـ لقد كانت تناضل من أجل هذا البلد. في التاريخ، لطالما كانت هناك حروب، لكن حرب الاغتيالات تلك والتفجيرات الانتحارية هي الأشد حقارة وخسة على الإطلاق».
* «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended