يوميات غزة المحاصرة... «محررة» بعدسات مصوريها

قاموا بتوثيق الفقر والموت فعثروا على الفرح والبساطة

مظاهر الحياة اليومية لسكان غزة الفقراء بعدسة المصور محمد الزعنون
مظاهر الحياة اليومية لسكان غزة الفقراء بعدسة المصور محمد الزعنون
TT

يوميات غزة المحاصرة... «محررة» بعدسات مصوريها

مظاهر الحياة اليومية لسكان غزة الفقراء بعدسة المصور محمد الزعنون
مظاهر الحياة اليومية لسكان غزة الفقراء بعدسة المصور محمد الزعنون

لا تمر الساعات ثقيلة على المصور الصحافي مجدي فتحي، الذي ينطلق في أغلب الأيام من منزله الواقع داخل حي الشجاعية الكائن شرق مدينة غزة، عند الساعة السادسة صباحاً، نحو عمله الذي يجول لأجله مناطق مختلفة من قطاع غزة، إذ يُصور مختلف تفاصيل الحياة للسكان، ويحرص على معايشة الكثير من القصص بنفسه، ليكون قادراً على معرفة الأبعاد والمشاعر التي يُفترض أن تشرحها لقطاته.
ويقول في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»: «مصور الحياة اليومية، يجب أن يتمتع بالصبر ليتعايش مع مختلف الظروف، ويجب عليه توقع الإيجابية والسلبية كنتائج لجولات عمله»، مبيّناً أن بيئة العمل الغزية متغيرة، ففي أوقات تكون الصورة المطلوبة ذات العلاقة بمظاهر الفقر والأوضاع الصعبة، وأحياناً تكون صور الموت والدماء هي البارزة، كما أن جانب الفرح والحياة لدى السكان يُنتج لقطات مهمة.
 تجربته في العمل الميداني داخل قطاع غزة كانت غنية جداً ومليئة بالتفاصيل والتجارب، كما يلفت فتحي، الذي غطى ثلاثة حروبٍ شرسة شنتها إسرائيل ضد القطاع في أعوام 2008 و2012 و2014. وغطى أيضاً الكثير من التصعيدات المتفرقة، إضافة لتغطية مسيرات العودة وكسر الحصار، التي انطلقت على حدود القطاع في نهاية مارس (آذار) لعام 2018 واستمرت لنحو عام ونصف.
وينبه إلى أن اللقطات التي خرج بها من تلك الأحداث، كانت بأبعادٍ مختلفة، وشرحت مشاعر حزن وفرح وصمود وتحدٍ، كما أنها أثرت كثيراً على نفسيته وشخصيته، فكثير من القصص لا تزال تُلح على ذاكرته بصورة يومية، وهناك العديد من العلاقات الاجتماعية التي نسجها مع أصحاب صورٍ التقطها.
يفضل الأربعيني مجدي الذي يعمل مصوراً حراً لعدد من المؤسسات الدولية، ويتابع: «أشعر أن مظاهر الحياة المتمثلة بالبحر، والبيوت والأطفال والمخيمات والأزقة تبتسم أمام كاميرتي، وتفتح بابها واسعاً للعدسة، كأنها تعلم أنه ستخرج جميلة ومختلفة في صوري»، موضحاً أن غزة بكل تفاصيلها تستحق الحياة الأفضل والطموح الكبير، لأن أهلها تعرضوا لكثير من الظلم وضاعت حقوقهم في زحمة السياسة.
وحصل المصور فتحي خلال عمله على عدد من الجوائز الدولية والمحلية، كان أهمها، جائزة الشارقة للصورة العربيّة عام 2004. وجائزة التميّز في مسابقة الصين الدوليّة عام 2015. وجائزة بيت الصحافة سنة 2019.
ويردف بحديثه «سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي، تؤثر كثيراً على طبيعة عملنا الصحافي كمصورين في قطاع غزة، وتحجب عنا كثير من الفرص الجيدة، ذات العلاقة بالشغل مع مؤسسات خارجية والتدريب وغيرها».
المصورة الصحافية سمر أبو العوف، بدأت عملها الميداني، قبل 10 سنوات تقريباً، حيث جالت منذ ذلك الوقت معظم المناطق والأزقة في قطاع غزة، وطافت على بيوتٍ مختلفة، صورت خلالها مظاهر حياة السكان، ورصدت تفاصيل الفرح والحزن، ونشرت المئات من الصور في مواقع وصحف عربية وأجنبية، كما شاركت في العديد من المعارض، داخل فلسطين وخارجها.
وتروي أبو العوف وهي أم لأربعة أبناء، أن عملها الصحافي، تعثر بعدد من العقبات أهمها، عدم توافر المعدات في البداية، ثم نظرة المجتمع «الشرقي» الذي لم يعتد على رأي امرأة وهي تحمل كاميرا ومستلزمات تصوير أخرى، شارحة أن المزواجة ما بين المسؤولية المنزلية وبين العمل الميداني، أمر غاية في الصعوبة، على المصور الذي يسعى لنقل الحياة اليومية، لأن وقت شغله سيكون مفتوحاً وبلا قيود.
تشير سمر إلى أن البداية كانت في هاتفها المحمول، وكانت لقطات لمظاهر مرتبطة بالطبيعة وغروب الشمس والأشجار، وبعد ذلك شرعت في تعلم أساسيات التصوير السليمة، من خلال دورة تدريبية، استفادت خلالها من خبرات المدرب والمتدربين الآخرين.
وخلال رحلة عملها، حصلت سمر على عدد من الجوائز وحظيت بأكثر من تكريم، وكان آخرها تلك الجائزة التي حصلت عليها، بعد إعلان فوزها بالمركز الثالث في مسابقة «كريمة عبود» للتصوير الفوتوغرافي، والتي نظمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة عام 2019. وكانت الصورة الفائرة توثق حياة المواطنين في ظل الظلام الناتج عن أزمة الكهرباء، التي يعيشها القطاع، منذ أكثر من 14 عاماً.
وتوضح أبو العوف أن أكثر المراحل الفارقة في حياتها المهنية، كانت تلك الفترة، التي اختارت فيها النزول لميدان العمل على حدود غزة، وهي ترتدي وعاءً حديدياً وسترة من النايلون، كبديل عن معدات السلامة المهنية التي من المفترض أن ترتديها، منوهة بأنها فعلت ذلك لإيصال رسائل معاناة الصحافيين الفلسطينيين، الذين يعملون دون توفر أبسط وسائل السلامة والحماية.
حال المصور محمد الزعنون، يتفق مع زملائه في النزول لمناطق القطاع، لالتقاط الصور المختلفة، ويختلف معهم في كونه يشق طريق الاستمرارية بالعمل الصحافي، بنصف أعضاء جسده، فالإصابة التي تعرض لها عام 2006 حين كان يغطي الاعتداءات الإسرائيلية برفقة مجموعة من زملائه، أثرت على حياته بشكلٍ كامل، وسلبت منه راحته وتوازنه.
ويسرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تعرضت للإصابة بشظايا القذائف، التي اخترقت عدداً من الأعضاء في جسدي، وسببت لي عجزاً بنسبة 60 في المائة، وبقيت على إثرها في البيت لمدة عامين كاملين، وبعد مرور تلك الفترة العصيبة، عدت من جديد لممارسة عملي الميداني»، شارحاً أن أصعب ما في فترة العلاج، كان خذلان المؤسسات الإعلامية والنقابية في داخل فلسطين وخارجها، وعدم تقديم أي منها مساعدة له.
وحتى هذا الوقت ما زال الزعنون يعاني من آثار إصابته، وبين الحين والآخر ينزف بطنه دماً، ويشتد الألم في عيونه وفمه وأذنيه، ويستكمل حديثه: «تواصلت في الفترة الماضية، مع كثير من المؤسسات الدولية، مثل منظمة مراسلون بلا حدود، لطلب توفير العلاج، لكني لم أجد منها إلا الرفض، وذلك رغم وجود جميع الإثباتات، التي تبين حجم الاحتياجات الطبية والعلميات التي احتاجها».
ويركز الزعنون في عمله الحالي على تصوير الحياة الاجتماعية اليومية والإنسانية، بعيداً عن النمط الإخباري الروتيني، لأنه يجد في الأول روحاً وحياة، وتفاصيل تستحق تسليط الضوء عليها، وينوه بأنه يزور المناطق المهمشة باستمرار، ويلتقي هناك بأشخاص أصحاب قصص ومواقف مؤثرة، ويحاورهم للاستماع لهم، قبل التقاط الصور لهم، لأن ذلك بحسب حديثه يزيد من قوة اللقطة.
ويزيد: «بساطة الصورة وطبيعتيها المطلقة هي الأساس في نجاح وصولها للناس، لتكون أكثر تأثيراً، وذلك لا يتم تحقيقه إلا في حال كان المصور شغوفاً وحريصاً على تحصيل كل لقطة جديدة، وذلك يتطلب منه نشاطاً وحضوراً دائماً وعلاقات واسعة في أماكن متعددة، لتكون بمثابة المصدر له». ويشير إلى أنه حصل على عدد من الجوائز الدولية خلال عمله، حيث حاز في العام الماضي لوحده على 6 جوائز مهمة، كما يقول.
وفيما يتعلق بأصعب المشاهد الحياتية التي يغطيها المصورون الصحافيون في فلسطين، يختم قائلاً: «إنها تتوزع بين جنازات الشهداء، والمصابين داخل المستشفيات في أوقات التصعيد والقصف، كما أن هناك جانبا له علاقة بتغطية حياة الأسر الفقيرة، وأصحاب الأمراض الخطيرة، الذين لا يتمكنون من توفير مستلزمات العلاج».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».