ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

نقد معرفي أم شعرية إدراكية

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟
TT

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

تواجه الثقافة العربية الحديثة اليوم، بفعل مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية، عدداً لا يحصى من الإشكاليات المعرفية؛ منها كيفية التعامل مع النظريات الأدبية الجديدة وتطبيقها على مستوى الممارسة النقدية والتنظير النقدي، وما تمخض عن ذلك من هذا الدفق الذي لا ينقطع من المصطلحات والمفاهيم المترجمة أو الموضوعة. وتبرز الحاجة الماسة اليوم لضبط هذه المصطلحات النقدية وتوحيدها تجنباً للوقوع في أخطاء معرفية جسيمة تشتت أذهان القراء وتغطي على الدلالة الحقيقية لهذا المصطلح أو ذاك.
ومن المصطلحات الحديثة التي بدأت تشيع وتنتشر في ثقافتنا العربية خلال العقد الأخير، وتنظم حولها المؤتمرات، وتصدر بحقها المؤلفات مصطلح النقد المعرفي، أو العرفاني أو العرفني. ولو عدنا إلى أصل المصطلح في اللغات الأجنبية ومنها الإنجليزية والفرنسية لوجدناه يحيلنا إلى مصطلح «Cognitive Poetics»، الذي يمكن ترجمته بالشعرية الإدراكية، كما يمكن ترجمة مصطلح «Cognitive Criticism» بالنقد الإدراكي، وذلك لوجود فروقات كبيرة بين المصطلحات المتقاربة في هذا المجال منها: المعرفة (Knowledge)، والإدراك (Cognition)، والفهم (Perception) وغيرها.
لقد سبق أن أصدر الدكتور الأزهر الزناد، أستاذ اللسانيات في جامعة منوبة التونسية كتاباً مهماً حول هذا الموضوع هو «نظريات لسانية عرفنية»، عام 2010، وقد رجح الباحث مصطلح «عرفنة» و«العرفان» على بقية المصطلحات؛ ومنها «الإدراك»، مع أنه قدم تصوراً علمياً شاملاً لطبيعة هذا الاتجاه ودلالته وتطبيقاته، ذلك أن مفهوم العرفان مفهوم فلسفي وصوفي يرتبط بتلقي المعرفة عن طريق الحدس. ونتذكر جيداً تقسيم الدكتور محمد عابد الجابري للأنظمة المعرفية العربية إلى عرفانية وبرهانية وبيانية. وهذا الأمر المثير للبس، وجدناه أيضاً في مبحث الدكتور محمود خليف خضير الحياني (من جامعة الموصل) في كتابه «النقد المعرفي للنص الأدبي: مقاربة في النظرية والأصول والمفاهيم» الصادر عام 2018. وكان الكتاب بعيداً كل البعد عن مفهوم النقد الإدراكي، واكتفى بتقديم مفاهيم عامة ومقدمات موسوعية عن علاقة النقد بالمعرفة دون أن يقترب من المفهوم المطروح للنقاش.
لكني من جانب آخر، وجدت دراسة مهمة لأكاديمية عراقية من جامعة القادسية هي الدكتورة وحيدة صاحب حسن، توقفت بالتفصيل أمام أهم اتجاهات النقد الإدراكي، لكنها مع ذلك وقعت في مطب الترجمة من خلال توظيف مصطلح النقد المعرفي، كما نجد ذلك في ورقتها البحثية «النقد الأدبي المعرفي المعاصر: الأصول، المرجعيات، المفهوم» المنشور عام 2018، وأعجبني منها ضبط الباحثة للمفهوم وعرضها للمفاهيم المتاخمة لهذ المصطلح، مثل perception وcognition، حيث عبرت عن قناعتها برفض مفهوم الإدراك وتفضيلها لمصطلح المعرفة، مع أنها أشارت بوضوح إلى بقية الترجمات المقترحة، ومنها مقترح الدكتور الأزهر الزناد بتفضيل العرفنة تارةً والعرفان تارةً أخرى.
ومن الكتب المهمة التي ترجمت إلى اللغة العربية كتاب الناقد بيتر ستوكويل الموسوم «Cognitive Poetics- An Introduction» وترجمته الدقيقة «الشعرية الإدراكية: مقدمة». وقد ترجمته د.سلوى سليمان نقلي عام 2010 تحت عنوان «مقدمة في النقد الشعري المعرفي». ومن هنا نرى أن المترجمة لم تقتصر على ترجمة المصطلح بالمعرفي بدل الإدراكي بل أضافت له كلمة الشعرية، فأصبح المصطلح «النقد المعرفي الشعري»، ويبدو أنها تابعت الخطأ الشائع في ترجمة كتاب «الشعرية» (Poetics) بـ«فن الشعر»، وهي ترجمة تسبب تشوشاً في تلقي القارئ.
وقد سبق للناقد د. إبراهيم بن منصور التركي أن نشر دراسة مبكرة في هذا المجال عام 2006 في صحيفة «الرياض»، تحت عنوان «من النقد الثقافي إلى النقد المعرفي»، أشار فيه إلى أهمية النقد الثقافي، وأشاد بإنجازات الدكتور عبد الله الغذامي في هذا الميدان، لكنه عبر عن اعتقاده بأن ما سماه النقد المعرفي - ويقصد به الإدراكي، بدأ يزاحم النقد الثقافي. وكشف الناقد عن إدراك واسع للمفهوم.
وكانت جامعة عباس لغرور في الجزائر قد نظمت مؤتمراً دولياً تحت عنوان «النقد الثقافي استراتيجية النقد المعرفي» في فبراير (شباط) 2015، شارك فيها عدد من الباحثين الذين فحصوا فيها مستويات التماثل والتباين بين النقدين الثقافي والمعرفي.
لكن الإنجاز الأهم في التعريف بهذا الاتجاه النقدي الجديد، يتمثل في إقدام مجلة «فصول» المصرية على إصدار عدد موسوعي شامل صيف 2017 يحمل الرقم 100 من المجلة ضم العشرات من الدراسات الموضوعة والمترجمة؛ منها دراسات لرموز النقد الإدراكي. وقد لاحظنا في هذا العدد تعارضاً وتفاوتاً في ترجمة المصطلح، فبعض الدراسات مالت إلى ترجمته بالنقد المعرفي وأخرى بالعرفاني أو العرفني، لكن بعضها الآخر فضل مصطلح «النقد الإدراكي»، كما أن أسرة تحرير المجلة قد اختارت في غلاف المجلة الأول مصطلح «الإدراكيات»، في مقابل مصطلح العلوم الإدراكية (Cognitive Sciences) الذي أدرجته على غلافها الأخير. وبذا فما أتمناه أن يكون هذا الاختيار من قبل المجلة دعوة إلى جميع المترجمين والباحثين لاعتماد مصطلح «النقد الإدراكي» بديلاً عن المصطلحات المجاورة الأخرى التي يروج لها الآن في الدراسات الأكاديمية.
وقبل هذا وذاك، بات من حق القارئ علينا أن نعرفه على دلالة المصطلح وأصوله ومرجعياته في النقد الحديث. يمكن الاتفاق مبدئياً مع الناقدين رينيه ويلبك وأوستن وارين في كتابهما «نظرية الأدب»، على أن مناهج النقد تنقسم إلى قسمين؛ هما مناهج النقد الداخلي (Intrinsic) أو النصي (Textual)، وهي التي تعنى بالبنى الداخلية والشكلية للنص الأدبي وتمثلها معظم اتجاهات نقد الحداثة وما بعد الحداثة مثل البنيوية والتفكيكية، فضلاً عن مدرسة الشكلانيين الروس ومدرسة براغ، وهي تجمع على القول إنه لا يوجد شيء خارج النص، وترفض فحص أي من عناصر السياق الخارجي مثل المؤلف والقارئ والمجتمع والتاريخ والميثولوجيا وغيرها، والاكتفاء بالنص بوصفه بنية محايثة مكتفية بذاتها. أما القسم الثاني فيضم المناهج الخارجية (Extrinsic) أو السياقية (Contextual) التي تعنى بفحص دور المؤلف والقارئ وتأثير التاريخ والبنية الاجتماعية والثقافية في تشكل النص وبنائه، دون أن تهمل كلياً البنية النصية الداخلية.
ترى أين يمكن أن نضع النقد الإدراكي أو المعرفي هذا؟ إنه يقع ضمن المناهج الخارجية أو السياقية، وذلك لأنه يعني أساساً بفحص ردود أفعال القارئ الذهنية والعقلية عند تلقي النص الأدبي والأثر الفني، ومعنى ذلك أن هذا المنهج يقع خارج إطار القسم الأغلب من مناهج النقد الحداثي وما بعد الحداثي، بوصفه نقداً سياقياً يعنى بكيفية فك القارئ لشفرات النص الأدبي، وهو في هذا قريب إلى حد «نقد استجابة القارئ»، الذي مثلته كتابات الناقدين الألمانيين ياوس وايزر، كما أنه ينتمي إلى الدراسات النفسية، فالنقد الإدراكي يتعلق بعمل الدماغ، والعمليات الذهنية التي تدور في داخل دماغ المتلقي بوصفه قارئاً للنص.
وكان بيتر ستوكويل قد أشار في كتابه «الشعرية الإدراكية: مقدمة»، إلى أن الشعرية الإدراكية هي طريقة جديدة للتفكير تنطوي على تطبيق اللسانيات الإدراكية وعلم النفس على النصوص الأدبية. وأشار ستوكويل إلى ظهور نماذج تسلط الضوء على قضية الإبداع منها المخططات الذهنية (Scenario) والأطر أو المدارات المعرفية والأنساق الذهنية (Schemas) والبنى الكبرى (Macrostructures). وتذهب كاترين فوكس إلى أن العلوم الإدراكية تضم التخصصات التي تتعلق بمختلف جوانب النشاط الحسي والفكري التي بواسطتها يتعرف بها الإنسان على العالم من حوله من خلال علوم مختلفة مثل بيولوجيا الأعصاب، وعلم النفس، والذكاء الصناعي، ونظرية الاتصال، وفلسفة العقل وغيرها.
وبين ميهايو أنطونتش أن العلوم العرفانية ظهرت في سبعينات القرن الماضي بوصفها ردة فعل لمهاجمة سلوكية وبنيوية الخمسينات والستينات، ومثلت قطيعة شرعية مع النظرة القائلة إن الذهن البشري لوحة فارغة. وتستدرك لازريا بيليخوفا من أوكرانيا أن اللسانيات الإدراكية تذهب إلى أن اللغة ليست نتاج بنى خاصة في الدماغ، وإنما هي نتاج كفاية إدراكية عامة يستعملها البشر في تفكيرهم وتجربتهم.
ومن الجدير بالذكر أن أول من اجترح مصطلح الشعرية الإدراكية هو الناقد روفن تسور (Reuven Tsur) عام 1971 الذي أعلن أن هدف هذه النظرية هو الكشف عن العلاقة بين بنية نص ما، والخصائص الإنسانية الكامنة فيها، وكذلك استقصاء العمليات الوسيطة التي تدور في عقل القارئ، وقد طبق هذا الناقد نظريته هذه في دراسة الشعر والإيقاع والوزن وغير ذلك. وقد برز بعد ذلك عدد كبير من النقاد والباحثين الذين درسوا مختلف الجوانب المتعلقة بتطبيق العلوم الإدراكية في مجال دراسة الدلالة والأسلوب والاستعارة واللسانيات وغير ذلك، أمثال جورج لاكوف (George Lakoff) ومارك تيرنر ومارك جونسن وجيمس برلن ولندا فلاور وبيتر ماكسويل، وعشرات غيرهم.
يبقى السؤال الأهم: لماذا نصر على تفضيل مصطلح الإدراكي على المعرفي؟
تبين الدراسات الخاصة بالوعي والإدراك والمعرفة وجود مستويات مختلفة لا يمكن الخلط بينها بسهولة. فقد أصبح مفهوم الإدراك مؤسسة قائمة بذاتها ووجدت له معاجم ومؤلفات وموسوعات خاصة؛ منها انسكلوبيديا الإدراك التي حررها Nadal في أميركا.
أما مفهوم المعرفة (knowledge) فيحتل موقعاً أعلى في دراسات الوعي الإنساني، ويختلف نوعياً عن مفهوم الإدراك (cognition)، وأمامي الآن دراسة باللغة الإنجليزية تقع في 54 صفحة مخصصة للتمييز بين مصطلحي المعرفة والإدراك، ويمكن مراجعتها على صفحات الشبكة العنكبوتية بيسر؛ وهي: Knowledge and Cognition , Najib Callaos، ويشير فيها الباحث إلى أن هدفه هو محاولة تقديم أنموذج منهجي و«سبرنطيقي» للتمييز بين مفهومي المعرفة والإدراك.
وأخيراً فأود التأكيد على أهمية تلقي ومتابعة وتداول المفاهيم والمصطلحات النقدية والفكرية الجديدة، لكن من المهم أيضاً الاتفاق على وحدة هذه المصطلحات تجنباً للخلط واللبس والاضطراب في عملية التلقي. ونتذكر جيداً أن كثيراً من هذه المصطلحات قد استقرت في المعاجم النقدية الاصطلاحية إلى حد كبير مثل البنيوية التي كانت تسمى أحياناً الهيكلية والتفكيكية التي اقترح بعضهم ترجمتها بالتقويضية والشعرية التي كانت تترجم بفن الشعر، مثلما حدث مع كتاب أرسطو المهم عن الشعرية.
وتقع على عاتق المؤسسات الأكاديمية والثقافية والمجلات والمواقع الرصينة أن تحرص على توحيد المصطلح وضبطه وتحديد حمولاته الفكرية والمعرفية والمفاهيمية خدمة للثقافة العربية، وتعميقاً لآليات المثاقفة والتواصل في الفكر الإنساني.
-ناقد عراقي



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».