أحمد عطا الله: الجوائز تدعم الكاتب ولا تصنعه

حصلت روايته «غرّبْ مال» على جائزة الدولة التشجيعية في مصر

أحمد عطا الله
أحمد عطا الله
TT

أحمد عطا الله: الجوائز تدعم الكاتب ولا تصنعه

أحمد عطا الله
أحمد عطا الله

أثار فوز الكاتب الشاب أحمد عطا الله بجائزة الدولة التشجيعية للرواية في مصر لهذا العام، عن روايته «غرّبْ مال» حالة من الرضا عند كثير من الكُتاب الذين اعتادوا عموماً انتقاد هذه الجوائز في كل فروعها سنوياً، لما يشوبها في الغالب من أوجه نقص وقصور ومجاملات، تفقدها كثيراً من المصداقية.
هنا حوار معه حول دلالة فوزه بالجائزة، ورد فعله تجاهه، وهل يساهم فوزه في توسيع دائرة القراءة، وكذلك علاقة روايته الفائزة بأعماله السابقة، وإفادته من الشعر والعمل بالصحافة في تطوير تقنيات السرد.
> جزء كبير من الاحتفاء بفوزك بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب يعود إلى إحساس كثيرين بأن كاتباً موهوباً وجد ما يستحقه، بعيداً عن أصحاب نفوذ العلاقات العامة والمجاملات الشائعة في الأوساط الأدبية. إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟
- لمست فرحة حقيقية عند كثيرين، وشعرت بمحبة كبيرة. معظم من اتصلوا بي قالوا: «شعرنا بأننا نحن من حصلنا على الجائزة»، هناك من أطلق الزغاريد، وهناك من استسلم لنوبة مفاجئة من البكاء. وحتى الآن لم أمتلك الوقت الكافي للرد على كل من هنأني على صفحتي بـ«فيسبوك». عدد التعليقات - بالنسبة لي - كان كبيراً، وبالتالي مربكاً، وجاء بالتزامن مع وجود ضغوط في العمل. محبة كبيرة أهديها إلى كل من هنأني، وأقبل الأيدي واحدة واحدة.
ومع ذلك، أختلف قليلاً مع الافتراض الذي يتضمنه السؤال، فهناك كثيرون ممن لم يقرؤوا لي حرفاً ولا يهتمون بالحركة الثقافية، ورغم ذلك وجدتهم يحتفون بي وبحصولي على الجائزة، وربما كان المحتفون من هذا النوع أكبر عدداً وأكثر حرارة في التعبير عن مشاعرهم. والمحبة التي شعرت بها من المباركات، كانت أجمل لدي من أن أفكر في كوني كاتباً يعيش في نفوذ العلاقات العامة والمجاملات.
* كيف تنظر عموماً إلى تأثير الجوائز في الحياة الأدبية؟ وهل بات ضررها أكثر من نفعها كما يرى البعض؟
- الجوائز تمنح الكاتب الثقة فيما يكتبه، وتعطي الفرصة لأعماله لتقرأ على نطاق أوسع؛ حيث توجد شريحة من القراء يكادون لا يهتمون إلا بقراءة الأعمال الفائزة في الجوائز. هذا هو مفهومي الشخصي عن تأثير الجوائز الحقيقي على الكاتب، أما فكرة «ضررها ونفعها»، فهو موضوع تتحمل مناقشته ساحات النقد الأدبي أكثر؛ حيث يوجد المهتمون بالدراسة والرصد. في النهاية أنا أؤمن بأن الجوائز تدعم الكاتب ولا تصنعه، والدليل أن هناك كُتاباً كباراً لم يحصلوا على جوائز.
> في روايتك «غرّبْ مال» يبدو العنوان غريباً وغير معتاد، وأعلم أن الناشر اعترض عليه. هل تعمَّدت أن يأتي بهذا الشكل؟
- منذ أن سمعت أغنية الكف الصعيدي «القمر غرّبْ مال» لمنشد ومطرب شعبي لدينا في الصعيد بجنوب مصر، يدعى «العزب الإسناوي»، والعنوان ملتصق في رأسي. كلما ذهبت إلى غيره عدت إليه، رأيت فيه سحراً ما، وقدرة على التعبير عن النص، وكانت هناك مناقشة مع الناشر، وهذا طبيعي في إطار التنفيذ، ففي النهاية العمل سيتم وضعه في رف مكتبة للبيع، وفكرت في عناوين، وفي كل مرة أعود للعنوان نفسه.
> من عناوين إصداراتك: «فلان الفلاني»، و«الناس دول»، و«صعيدي في الجنة و3 في النار»... كلها عناوين لافتة للغاية، فهل ثمة فلسفة لديك في اختيار العنوان؟
- لنُخرج في البداية من تلك العناوين «صعيدي في الجنة و3 في النار»، لأسباب كثيرة، أولها أنني لست صاحب عنوانه، فالعنوان للدكتور محمد الباز الكاتب الصحافي والمذيع وأستاذ الإعلام، ثانيها أنه أول كتاب يحمل اسمي بعيداً عن الشعر، وصنع لغرض تجاري، فالناشر يريد كتاباً عن «النكت الصعيدية»، وسينشر لي «ديوان شعر» جاهز للنشر، أحصل منه على مبلغ مالي قليل والوقت المتاح أسبوعان. كانت هذه ملابسات نشر هذا الكتاب. وافقت على شروط الناشر وأغلقت على نفسي باب حجرتي، جمعت النكت الأكثر تداولاً عن الصعايدة، وأعدت قراءتها وتقديمها بصورة تناسب القارئ البسيط جداً، وتشبع احتياجه للبهجة، مع الاستناد لدراسة علمية للدكتورة بانسية حسان مصطفى، أستاذة علم النفس بجامعة «جنوب الوادي» عن «سيكولوجية النكتة في صعيد مصر»، وضممت للكتاب مجموعة من المقالات الساخرة التي سبق نشرها في صحيفة «اضحك للدنيا». وبعد أسبوع سلَّمت الكتاب، وحقق هدفه وباع على الرصيف أكثر من أي كتاب لي آخر، وحققت هدفي منه في تلك المرحلة التي كنت أريد فيها الحصول على دخل من مبيعات مؤلفاتي، وأنشر أشعاري في الوقت نفسه.
كل ذلك يجعل من «صعيدي في الجنة» حالة خاصة.
صدر لي بعد ذلك «الناس دول»، جمعت قصصه وحكايات أبطاله على مدى 8 سنوات، وكان جهداً ممتعاً ومرهقاً أيضاً. أما «فلان الفلاني» فظللت أعمل عليه لثلاثة أعوام متواصلة. ولكل عنوان قصة في اختياره وفي خروجه للنور. وربما انعكس عملي في «الديسك الصحافي» لسنوات على اختيار العناوين. أقول ربما فلست متأكداً؛ لكن المؤكد بالنسبة لي أنني حرصت على أن تعبر تلك العناوين عن المضمون، وحرصت أن يكون ذلك المقياس النهائي في اختيار أي عنوان.
> لماذا يبدو الهروب من الفقر والقحط بحثاً عن وطن بديل «تيمة» مهيمنة في السير الشعبية العربية، وفي روايتك أيضاً؟
- يعود السبب في اعتقادي إلى أن المسألة تتعلق بالتغيير وتحول الشخصيات، وهو ما يصنع دراما، سواء كان الهروب من الفقر والقحط أو لأسباب أخرى. لدينا نماذج عبر التاريخ، منها هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، ثم فتح مكة. في الرحلة تحوُّل لأصحاب الدين الجديد من حال إلى حال. هناك أيضاً نموذج سيدنا يوسف ومجيئه إلى مصر، والهلاليون قبل ذهابهم لتونس وبعد تونس. الانتقال والتغيير والتحول تصنع دراما، نوعاً من الدراما وليس كل الدراما.
شخصياً جربت مشاعر الغربة، عشت سنواتي الأولى في قرية صعيدية بجنوب مصر منغلقة جداً، يحكمها الصراع القبلي ما بين «الهوارة» و«العرب» و«الفلاحين». الآن أستقر بالقاهرة المدينة بكل ما فيها. وما بين هذا وذاك عشت لسنوات ليست بالقليلة في شمال سيناء؛ حيث عملت بمجال المعمار، ولدي مشاعري الخاصة تجاه هذه التحولات التي وجدت فيها تماساً مع تغريبة بني هلال، وتغريبة قبيلتي واستقرارها في الصعيد. كل ذلك انعكس في رواية «غرّبْ مال».
> «الحب» يبدو على الجانب الآخر ملاذاً للرحالة والباحثين عن مصير مختلف، كيف تراه في ضوء الشخصيات النسائية لروايتك؟
- الحب مغامرة، فيه حلاوة الرحلة المشوقة، وفيها أيضاً متاعبها، صراع الأحلام مع الواقع، والقلب مع العقل. وقد ورد هذا الموضوع ضمن سياق درامي تلقائي، وأعجبني تفاعل عديد من القراء مع هذا الخيط في بناء العمل.
> أنت أيضاً شاعر عامية، ودارس سيناريو، وباحث في الفلكلور، كيف استفدت من كل هذا في بناء عالمك الروائي؟
- يقال إن الليث ما هو إلا عدة خراف مهضومة، والإنسان أيضاً ما هو إلا تجارب يمر بها مع مهارات يتعلمها أو يكتسبها، تنعكس في النهاية على تفكيره وتكوينه وما يقدمه. وليس شرطاً أن تكون استفادة المبدع من خبراته الحياتية مباشرة في نصوص، فقد تأتي بشكل غير مباشر وعبر فترات زمنية متباعدة.
> لك تجربة صحافية ممتدة قبل أن تستقر في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» المصرية، هل كان تأثير الصحافة سلباً أم إيجاباً على تجربتك الإبداعية؟
- الصحافة بالنسبة لي هي النافذة التي فُتحت أمامي فرأيت العالم، وأنا محظوظ جداً في كم التجارب الصحافية التي عملت فيها. هناك على سبيل المثال جريدة «عين» وقت تأسيسها بمحتواها المختلف؛ حيث الفن والمنوعات ونجاحها الكبير، وتجربة «اضحك للدنيا» الساخرة، ومجلة «إحنا» الشبابية، كما عملت كذلك بصحف كبرى شبه رسمية كـ«الأخبار»، ومجلة «الإذاعة والتلفزيون» التي تضم مجموعة كبيرة من الأدباء والشعراء. في النهاية، أحب الصحافة وأحرص على عملي بها، ولكن بقدر ما دون الاستسلام الكامل لها، فهي بالأخير عمل مرهق وله عيوبه التي أخطرها استنزاف الكاتب.


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.