متحف اللوفر يستعد لإعادة فتح أبوابه... وخسائره فادحة

TT

متحف اللوفر يستعد لإعادة فتح أبوابه... وخسائره فادحة

من المقرر أن يُعاد فتح أبواب متحف اللوفر أمام الزائرين اعتباراً من 6 يوليو (تموز) المقبل، وفق ما أُعلن مؤخراً، بعد إغلاق استمر قرابة 16 أسبوعاً، أسفر عن خسائر فادحة قُدرت حتى الآن بنحو 40 مليون يورو (ما يساوي 44.86 مليون دولار).
وكان أكبر متاحف العالم وأشهرها، في أجواء العمل العادية، يستضيف نحو 10 ملايين زائر في العام الواحد ضمن مساحته التي تبلغ 92.500 قدم مربع والمفتوحة أمام الجمهور.
ومع إعادة فتح أبواب المتحف للزيارة، سوف يكون من حق الزائرين الوصول إلى 70 في المائة فقط من مساحة المتحف المذكورة، بما في ذلك قاعات العرض الكبيرة التي تضم الأعمال الفنية الفرنسية والإيطالية، فضلاً عن ساحات أعمال النحت، وقسم الآثار المصرية القديمة. لكن مع استمرار إغلاق الحدود الوطنية الفرنسية أمام المسافرين القادمين من خارج بلدان الاتحاد الأوروبي، من المنتظر لأعداد الزوار المتوقعة أن تمثل شريحة لما تكون عليه الأمور في الأحيان الاعتيادية مع ذروة موسم الصيف من كل عام.
وفي أثناء حالة الإغلاق العامة التي شهدتها فرنسا كان السيد جان لوك مارتينيز، رئيس متحف اللوفر منذ عام 2013 والمختص في فنون النحت الإغريقية القديمة يباشر مهام عمله في إدارة المتحف من منزله. ولقد تواصلت صحيفة نيويورك تايمز مع السيد مارتينيز عبر الهاتف في منتصف الشهر الجاري، وكانت المحادثة الشيقة التي نعرضها عليكم بعد تحريرها:
> ما التحدي الرئيسي الذي تواجهونه مع إعادة فتح أبواب المتحف للزائرين؟
- طمأنة الجمهور أولاً وقبل كل شيء. نظراً لأن الأمور سهلة ويسيرة إلى درجة كبيرة في متحف اللوفر بسبب المساحات الهائلة، وبفضل شراء التذاكر عبر الإنترنت صرنا أكثر تحكماً في عدد الأشخاص الذين يفدون لزيارة المتحف في كل يوم. وسوف يتمكن الزوار من الاصطفاف بأمان في طابور واحد أمام مدخل المتحف، ولسوف يكون ارتداء الكمامات الواقية إلزامياً على كل الزائرين من سن 11 عاماً وأكبر.
> كيف تتصورون طبيعة زيارة قاعة الموناليزا في الفترة المقبلة؟
- لقد قمنا بتجديد هذه القاعة وأعدنا افتتاحها للجمهور اعتباراً من الخريف الماضي. ولقد حددنا الخطوط والمساحات الفاصلة بين كل زائر والآخر حتى نسمح لزوار المتحف بالاقتراب قدر الإمكان من اللوحة. وحتى وقت قريب، كان الزوار يواصلون الاحتشاد والتجمع حول لوحة الموناليزا. أما الآن، سوف يضطر كل زائر إلى الوقوف ضمن صف واحد من صفين اثنين لمدة 10 إلى 15 دقيقة فقط. وبالتالي نضمن لكل زائر فرصة جيدة للوقوف أمام الموناليزا ومشاهدتها من مسافة لا تقل عن 10 أقدام. وذلك لأننا نريد لتجربة زيارة ومشاهدة الموناليزا أن تكون لحظة خاصة ومميزة لدى كل زوار المتحف.
> ولكن سوف ينخفض عدد زوار المتحف لديكم بصورة كبيرة بسبب الوباء الراهن؟
- أجل. تأتينا في المعتاد نسبة 75 في المائة من زوار المتحف من خارج البلاد، وترتفع هذه النسبة إلى 80 في المائة مع حلول فصل الصيف والإجازات السنوية. ومن بين هؤلاء الزوار، هناك ما يقرب من 1.5 مليون زائر من الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وما بين 800 إلى 900 ألف زائر آخرين يأتون من الصين. وإن لم يتم فتح حدود البلدان الأوروبية مع بقية دول العالم بحلول هذا الصيف، فسوف نشهد انخفاضاً كبيراً في عدد الزوار يقترب من نسبة 80 في المائة للمرة الأولى.
وأذكر أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لعام 2001. انخفضت عدد زوار المتحف بنسبة بلغت 40 في المائة دفعة واحدة، واستغرق الأمر قرابة 3 سنوات كاملة حتى العودة مرة أخرى إلى المسار الصحيح. وفي أعقاب الهجمات الإرهابية التي ضربت الأراضي الفرنسية في عام 2015 وغيرها من الأماكن الأخرى في أوروبا، شهدنا انخفاضاً مماثلاً بنفس النسبة المذكورة آنفا، غير أن الأمور عادت إلى منوالها الطبيعي في غضون عام واحد من الأحداث.
أما هذه المرة، وفي ظل الإغلاق العام بسبب الوباء الراهن، فلا نعلم على وجه التحديد ما الذي سوف يحدث. وأسوأ السيناريوهات أمامنا أن الأمر سوف يستغرق منا 3 سنوات أخرى حتى تعود معدلات زيارة المتحف إلى سابق عهدها الطبيعي قبل تفشي الوباء.
> كيف تخططون لتعويض المفقود من مبيعات التذاكر حتى الآن؟ لقد كان معدل المبيعات في عام 2018 يبلغ 87 مليون يورو أو ما يقرب من 100 مليون دولار.
- نواصل العمل عن كثب مع وزارة الثقافة الفرنسية على خطة معنية بضمان مستقبل متحف اللوفر. إذ إن متحف اللوفر وقصر فرساي يعتمدان في المقام الأول على السياحة الدولية.
> وهل يحصل المتحف بالفعل على دعم مالي كبير من الحكومة الفرنسية؟
- أجل. يحصل المتحف من الحكومة الفرنسية على 94 مليون يورو من الإعانات بصفة سنوية، وهو أكبر إسهام تقدمه الحكومة الفرنسية لأي متحف في البلاد. ويحالفنا الحظ الكبير في أننا متحف مملوك للدولة الفرنسية. ويحلو لبعض الناس السخرية من النموذج الفرنسي في إدارة المتاحف، ولكن ذلك يمنحنا قدراً من الصلابة والرسوخ في إدارة المؤسسات الوطنية التي يرجع تاريخها إلى قرون مضت.
> ما تقديركم للرواج الذي حققه معرض أعمال الفنان ليوناردو دافنشي والذي توقف قبل فترة وجيزة للغاية من الإغلاق الوطني العام؟
- حقق ذلك المعرض بمفرده 2.5 مليون يورو من الإيرادات عبر زيارة 1.2 مليون زائر. وهذا معدل استثنائي يحققه معرض واحد بكل المقاييس المعروفة. وبصفة عامة، فإننا نحاول تعويض المفقود من الأرباح عن طريق مثل هذه المعارض المنفردة، وهذا من الأمور التي لا أحب التطرق إليها كثيراً في حديثي، إذ تكلفنا المعارض المنفردة أموالاً كثيرة.
> ماذا عن المطالبة باستعادة القطع الفنية الخاصة بالمستعمرات الفرنسية السابقة؟ هل وصلت متحف اللوفر أي طلبات من هذا النوع حتى الآن؟
- كلا، لم نتلق طلبات من المستعمرات الفرنسية السابقة في هذا الصدد. إن مسألة أصول ومنشأ مجموعات الأعمال الفنية تقع في صميم ما نباشره من أعمال في متحف اللوفر، وليس بسبب ما تشكله مثل هذه المناقشات من ضغوط عبر مختلف المستويات. ومن شأن متحف اللوفر، بحلول عام 2021، أن يعرض كافة الأعمال الفنية لديه على شبكة الإنترنت، ولسوف تخضع مسألة المنشأ والأصول للفحص ومزيد من البحث والمناقشة عبر هذه الممارسة.
لا بد من العناية بمزيد من الأعمال بشأن مسألة المنشأ والأصل مع إمكانية الوصول إلى مجموعات الأعمال الفنية، وذلك بالنسبة إلى الباحثين المعنيين بالفنون أو بالنسبة للناس على حد سواء. كما ينبغي علينا المشاركة أيضاً بكل ما نعرفه مع البلدان التي تأتي منها تلك المجموعات الفنية.
> نشهد في الأيام الأخيرة إزالة وإسقاط لمختلف التماثيل والآثار العامة في شتى أرجاء المجتمع الغربي في الآونة الراهنة. فما رأيكم في هذه المسألة؟
- إنني مؤرخ فني بطبيعة دراستي وعملي، والتاريخ من الأمور التي تنبني لدينا بصورة منهجية، وليس تحت ضغوط العواطف الجياشة أو الشائعات المغرضة. وأعتقد أن للمتاحف دوراً كبيراً تضطلع به في ذلك الأمر. فهي الأماكن الصحيحة التي ينبغي أن تحتشد فيها الذكريات الوطنية. وخلافاً لذلك، فسوف تتصادم الذكريات وتتلاشى ثم تنزوي في غياهب النسيان.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
TT

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري فتحي عبد الوهاب إن ردود الفعل التي تلقاها حول شخصية «سميح» في مسلسل «المداح 6» كانت لافتة بالنسبة له، خصوصاً أن بعض المشاهدين بدأوا يتعاملون مع الشخصية بدرجة من التعاطف أو الإعجاب، رغم أنها في الأساس تجسِّد جانباً شيطانياً داخل الأحداث.

وأكد أنه طرح على نفسه هذا السؤال أثناء العمل، الذي شكّل بالنسبة له تحدياً كبيراً، محاولاً فهم السبب الذي قد يجعل الجمهور ينجذب إلى شخصية تحمل هذا القدر من الشر.

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد التفسيرات التي خطرت له يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه؛ فالأشياء الممنوعة أو الخطرة غالباً ما تثير الفضول وتجذب الانتباه، تماماً مثل الأطعمة التي يُنصح بالابتعاد عنها في الحمية الغذائية، لكنها تظل مغرية لكثيرين.

وأشار إلى أن الشخصية تحمل أيضاً قدراً من اللطف والقدرة على التواصل، ما يجعل من يتعامل معها يشعر بأنها قريبة منه أو تفهمه، وهو ما قد يفسِّر جزءاً من تفاعل الجمهور معها.

فتحي عبد الوهاب قدم دوراً لافتاً في مسلسل «المداح» (صفحته على فيسبوك)

وأوضح عبد الوهاب أن «شكل الشخصية تغيّر عبر أجزاء العمل المختلفة؛ ففي بعض المراحل كانت أكثر قسوة وإثارة للخوف، في حين جاء الجزء السادس ليمنحها مساحة مختلفة، تظهر فيها جوانب أكثر هدوءاً وقرباً من البشر».

وأضاف أن هذا التوجّه ناقشه مبكراً مع مخرج العمل أحمد سمير فرج، مع التأكيد على ضرورة تطوير الشخصية درامياً، وعدم الاكتفاء بإعادتها بالشكل نفسه.

وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على الخط الدرامي فقط، بل شمل أيضاً طريقة تقديم الشخصية والأدوات التي يعتمد عليها في أدائها؛ لأن الهدف كان إظهارها بأبعاد متعددة؛ ولهذا ظهرت داخل الأحداث في صور مختلفة، تجعلها تبدو قادرة على التواصل مع الآخرين بسهولة.

ورأى أن تقديم الشخصية بهذا الشكل كان مهماً بالنسبة له بوصفه ممثلاً؛ لأن الإغواء أو التأثير لا يمكن أن يقوم على القسوة الدائمة أو الشكل المنفّر؛ فالشخص الذي يدفع الآخرين إلى السير خلفه لا بد أن يبدو ودوداً أو مقنعاً بدرجة ما، وإلا فلن ينجح في جذبهم. لذلك، كان من الضروري أن تحمل الشخصية قدراً من الهدوء والدبلوماسية، حتى وهي تمارس دورها الشرير داخل القصة.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وعن أحداث المسلسل، قال: «في الأساس تنتمي إلى إطار خيالي يتعامل مع الأساطير والماورائيات، ومع ذلك فإن هذه العوالم الخيالية يمكن أن تتقاطع مع الواقع وأدواته الحديثة؛ لأن كل عصر يمتلك وسائله الخاصة التي يمكن أن يستخدمها حتى في القصص الأسطورية».

وأشار، في هذا السياق، إلى أحد المشاهد التي ظهرت فيها شخصية «سميح» وهي تتفاعل مع «تشات جي بي تي»، موضحاً أن الفكرة جاءت من المخرج أحمد سمير فرج قبل تصوير المشهد بوقت قصير، وبدت له مناسبة لفكرة أن الشخصية تستخدم أدوات العصر الذي تعيش فيه، تماماً كما كان يمكن أن تلجأ إلى وسائل مختلفة لو كانت الأحداث تدور في زمن آخر.

وتطرق عبد الوهاب إلى مسألة الشكل البصري للشخصية، خصوصاً ظهورها المتكرر بملابس داكنة، مؤكداً أن «اختيار الأزياء في الأعمال الدرامية لا يعتمد على قرار فردي من الممثل، بل يأتي نتيجة تنسيق بين أكثر من عنصر في فريق العمل، مثل مدير التصوير ومصمم الديكور والمخرج. واختيار اللون الأسود لم يكن عابراً، بل جزءاً من رؤية بصرية متكاملة تخدم الجو العام للشخصية والأحداث».

فتحي عبد الوهاب بمكياج الشخصية (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عبد الوهاب كذلك عن بعض الأفكار التي ظهرت خلال مرحلة التحضير للعمل، ومنها الخط المرتبط بالأطفال داخل الأحداث، مؤكداً أن الفكرة كانت مطروحة منذ البداية ضمن تصور عام للحكاية؛ إذ كان الحديث يدور حول أطفال يمتلكون قدرات خاصة ويشكلون جزءاً مهماً من تطور القصة.

وأضاف أنه، خلال النقاشات، اقترح أن تكون هناك حضانة تجمع هؤلاء الأطفال، وهو ما فتح الباب لتطوير هذا الخط داخل المسلسل.

وأشار إلى أنه لا يفضّل التوقف طويلاً عند أي تجربة ناجحة، بل يحرص على التفكير في العمل التالي مباشرة؛ لأن البقاء أسيراً لدور واحد قد يحد من قدرة الممثل على التطور، لافتاً إلى أنه يشعر بأن تنوع الشخصيات التي يقدمها يمنحه مساحة أوسع للتجريب واكتشاف جوانب جديدة في أدائه.

وأكد فتحي عبد الوهاب أنه يقرأ حالياً أكثر من مشروع جديد، من بينها عملان لم يحسم قراره بشأن أيهما سيبدأ به أولاً، إضافة إلى تجربة سينمائية يجري التحضير لها.


رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
TT

رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)

كشفت دراسة أميركية أن دمج المعلومات في قالب قصصي قد يكون وسيلة فعّالة لتعزيز الذاكرة، بل قد يضاهي أو يتفوق على أشهر تقنيات الحفظ المعروفة.

وأوضح باحثون في جامعة ميسيسيبي أن سرد القصص قد يرتبط بتطور الذاكرة لدى الإنسان عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى العصر الرقمي الحديث. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية «Evolutionary Psychology».

ويُعد تعزيز الذاكرة والتعلّم هدفاً أساسياً في حياة الأفراد، إذ يعتمد على أساليب تساعد الدماغ على تنظيم المعلومات وفهمها بعمق، بدلاً من حفظها بشكل سطحي، مثل ربط الأفكار بسياق واضح، واستخدام الصور الذهنية، والتكرار المدروس، والتعلّم النشط الذي يشمل الشرح والتطبيق. ويسهم ذلك في تثبيت المعلومات لفترات أطول وتحسين القدرة على استرجاعها عند الحاجة. كما أن تنويع أساليب التعلّم والاعتماد على الفهم بدلاً من التلقين يعززان كفاءة الدماغ، ويجعلان عملية التعلّم أكثر سهولة وفاعلية في الحياة اليومية.

وهدفت الدراسة إلى مقارنة تأثير رواية القصص بأساليب الحفظ التقليدية في تعزيز الذاكرة. وخلالها، طُلب من المشاركين تحويل مجموعة من الكلمات غير المرتبطة إلى قصة مترابطة، بينما استخدم آخرون تقنيات مختلفة، مثل تقييم الكلمات من حيث إيجابيتها أو تخيّل ارتباطها بمواقف معينة.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين استخدموا أسلوب السرد القصصي تمكنوا من تذكّر عدد أكبر من الكلمات، مقارنة بمن استخدموا طرقاً أخرى، مثل تقييم الكلمات من حيث مدى لطافتها أو إيجابيتها.

كما حققوا نتائج مماثلة، أو أفضل، من تقنية تُعرف بـ«المعالجة المرتبطة بالبقاء»، التي تُعد من أقوى أساليب تحسين الذاكرة، وتعتمد على ربط المعلومات بمواقف افتراضية تتعلق بالبقاء في ظروف صعبة.

وأشارت الدراسة إلى أن كتابة القصص تحديداً تعزز الذاكرة بشكل أكبر، إذ تساعد على ترسيخ المعلومات بعمق، مقارنة بالاكتفاء بتخيّلها، ما يعكس أهمية التفاعل النشط مع المعلومات.

ورغم أنه كان يُتوقع أن يحقق الجمع بين السرد القصصي وتقنية «المعالجة المرتبطة بالبقاء» نتائج أفضل، فإن الدراسة لم ترصد تحسناً ملحوظاً، وهو ما يفسّره الباحثون بأن الطريقتين تعتمدان على الآليات المعرفية نفسها داخل الدماغ.

ويرى الباحثون أن كلتا الطريقتين تعتمد على ما يُعرف بـ«المعالجة الترابطية»، حيث يربط العقل بين المعلومات المختلفة، و«المعالجة الخاصة بالعناصر»، التي تركز على تمييز كل معلومة على حدة.

وأشار الفريق إلى أن هذه النتائج تدعم ما يلاحظه المعلمون داخل الفصول الدراسية، إذ يسهم استخدام القصص في جعل المعلومات أكثر جذباً وأسهل في التذكّر.

وأضافوا أن الإنسان اعتمد على القصص لنقل المعرفة قبل ظهور الكتابة، ما يشير إلى أن الدماغ البشري قد يكون تطوّر ليحتفظ بالمعلومات بشكل أفضل عندما تُعرض في قالب قصصي منظّم.

وأكد الباحثون أن فهم آليات الذاكرة يمكن أن يسهم في تطوير أساليب التعليم، وتحسين قدرة الأفراد على تذكّر المعلومات في حياتهم اليومية.


سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
TT

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود إن فيلمها الوثائقي «غزة غراد» جاء من رغبة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للناجين من الحرب، موضحةً أن السؤال الذي شغلها منذ البداية لم يكن فقط كيف يهرب الناس من القصف، بل ماذا يحدث لهم بعد ذلك، حين يجدون أنفسهم فجأة في مكان آخر بعيد تماماً عن حياتهم السابقة.

وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من القصص التي تُروى عن الحروب تُركِّز على لحظات الدمار، أو الهروب، في حين أن ما يحدث بعد النجاة يظل أقل حضوراً في السرد، رغم أنه يحمل في داخله طبقات عميقة من المشاعر، والتجارب المعقدة التي تستحق أن تُروى».

المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود (مهرجان سالونيك)

وأوضحت سوسن أن «الفيلم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الصامتة التي يعيشها الإنسان بعد أن يبتعد جسدياً عن الحرب، لكنه يظل يحملها داخله»، لافتة إلى أن فكرة العمل بدأت من تأملها في مصير العائلات التي تضطر إلى مغادرة غزة تحت ضغط القصف، ثم تجد نفسها فجأة في بيئة جديدة لا تشبه شيئاً من عالمها الأول.

وأكدت أن هذا التحول المفاجئ يخلق حالة مركبة من المشاعر، حيث يمتزج الإحساس بالنجاة مع شعور عميق بالخسارة، لأن الإنسان يكتشف أنه لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد أيضاً شبكة كاملة من العلاقات، والذكريات، والتفاصيل اليومية التي صنعت معنى حياته. وعدّت العائلة التي تطرقت إليها في الفيلم نموذجاً لتجربة يعيشها كثير من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

ويرصد الفيلم الوثائقي «غزة غراد»، الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، رحلة الفلسطيني غسان، الذي يضطر إلى الفرار من القصف الإسرائيلي على غزة برفقة زوجته الروسية آنا وابنتيهما، ليبدأوا حياة جديدة في روسيا. وهناك يجد غسان نفسه أمام تحدي إعادة بناء حياته من الصفر في بلد يختلف تماماً عن المكان الذي نشأ فيه، بينما تحاول الأسرة كلها التأقلم مع واقع جديد.

ومع مرور الوقت يتحول المنفى، الذي بدا في البداية ملاذاً آمناً، إلى مساحة معقدة من المشاعر المتناقضة، حيث تتصارع الرغبة في الاستقرار مع الحنين المستمر إلى البيت الذي تركوه خلفهم. فالحياة التي تركوها في غزة لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة كاملة من العلاقات، والذكريات، والعادات اليومية التي صنعت معنى وجودهم لسنوات طويلة.

وثقت المخرجة جوانب مختلفة من حياة العائلة بعد الرحيل من غزة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الفلسطينية أن «الفيلم لا يحاول تقديم قصة بطولية أو استثنائية، بقدر ما يسعى إلى إظهار الحياة اليومية كما هي، بكل ما تحمله من لحظات هدوء، وارتباك، وحنين. وأكثر ما كان يهمني أثناء التصوير هو التقاط اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في الحقيقة عن عمق التحولات التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه في مكان جديد تماماً». كما أشارت إلى أن التصوير بين غزة وروسيا ومصر جرى بترتيب وتنسيق مع العائلة، وإن كانت الصعوبة الأكبر في تصوير الجزء داخل غزة، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى» مباشرة.

وتحدثت عن أهمية التفاصيل في بناء الفيلم، مشيرةً إلى أن تلك التفاصيل البسيطة، مثل صمت العائلة داخل البيت الجديد، أو محاولة الأطفال التأقلم مع بيئة مختلفة، تحمل في داخلها كثيراً من المعاني التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات المباشرة. ولفتت إلى أنها حاولت أن تكون الكاميرا قريبة من الشخصيات دون أن تتدخل في حياتها، حتى تظهر المشاعر بشكل طبيعي وصادق، بعيداً عن أي مبالغة، أو افتعال.

الفيلم تناول قصص ما بعد الحرب على غزة (الشركة المنتجة)

وقالت إن «تجربة المنفى التي يعرضها الفيلم ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هي تجربة نفسية وإنسانية عميقة، لأن الإنسان عندما يترك بلده تحت ضغط الحرب يترك خلفه أيضاً جزءاً من هويته، وذاكرته». موضحةً أن هذا الشعور يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الشخص في بناء حياة جديدة في مكان مختلف، إذ يجد نفسه دائماً معلقاً بين عالمين: العالم الذي جاء منه، والعالم الذي يحاول أن يعيش فيه الآن.

وتحدثت كذلك عن الأمل بوصفه عنصراً أساسياً في الفيلم، موضحةً أن «هذا الأمل لا يظهر في صورة كبيرة، أو خطاب مباشر، بقدر ما يتجلى في قدرة الشخصيات على الاستمرار في حياتها رغم كل شيء. فالإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف، حتى في أصعب الظروف، وهذه القدرة هي ما تمنح الحياة معناها في النهاية».

وأوضحت أن تصوير الفيلم تطلّب قدراً كبيراً من الصبر، والاقتراب الإنساني من الشخصيات، لأن الهدف لم يكن مجرد تسجيل أحداث، بل فهم التجربة التي يعيشونها من الداخل. ولفتت إلى أن العلاقة التي نشأت بينها وبين العائلة خلال التصوير ساعدت على خلق مساحة من الثقة، وهو ما انعكس في صدق اللحظات التي تظهر على الشاشة.