قرار سحب قوات أميركية من ألمانيا... مفاجأة مقلقة للحلفاء ومريحة للخصوم

مشاة أميركيون ومدرّعات خلال تدريب في ألمانيا (أرشيف – رويترز)
مشاة أميركيون ومدرّعات خلال تدريب في ألمانيا (أرشيف – رويترز)
TT

قرار سحب قوات أميركية من ألمانيا... مفاجأة مقلقة للحلفاء ومريحة للخصوم

مشاة أميركيون ومدرّعات خلال تدريب في ألمانيا (أرشيف – رويترز)
مشاة أميركيون ومدرّعات خلال تدريب في ألمانيا (أرشيف – رويترز)

يمضي الرئيس دونالد ترمب قدماً في خططه لخفض الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا، معلناً أن الولايات المتحدة ستنشر 1000 جندي إضافي في بولندا، على أن تتحمل وارسو كلفة هذا الوجود، بينما تعجّل في خططها لخفض عدد القوات المتمركزة في ألمانيا.
في ظاهر الأمر، يبدو الأمر نصراً لبولندا التي كانت تتوق إلى وجود أكبر للقوات الأميركية لتعزيز قوة ردع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في وجه روسيا. أما ترمب فالأولوية لديه أن بولندا تلبي معيار الناتو لإنفاق 2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع. أما ألمانيا فلطالما تأخرت عن بلوغ هذه النسبة، وهو ما انتقدها عليه سيّد البيت الأبيض مراراً وتكراراً، مردداً أن الخزينة الأميركية ليست مضطرة لتحمل العبء الأكبر للدفاع عن أوروبا.
حالياً تعمل وزارة الدفاع الأميركية على وضع خطط لسحب حوالي 9500 جندي من ألمانيا، حيث يتمركز 34000 جندي بشكل دائم منذ أيام الحرب الباردة حين كانت ألمانيا مقسومة شطرين.
غير أن مراقبين ومحللين كثراً يسألون هل ستكون هذه الخطوة مفيدة استراتيجياً للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا الغربية والشرقية؟ وثمة رأي يعتبر أن الانسحاب الجزئي سيقوض المصالح الأميركية ويزيد توتر العلاقة عبر ضفّتَي الأطلسي.

* معطيات... ومفاجأة
تحتل القاعدة العسكرية الأميركية في شتوتغارت مساحة شاسعة كانت مكاناً لقاعدة عسكرية ألمانية تنتشر فيها دبابات «بانزر» التي كان لها دور كبير في الحرب العالمية الثانية. وتُعتبر القاعدة مهمة في الميزان الاستراتيجي كونها تقع في قلب أوروبا والعالم، وفي ولاية بادن فورتمبرغ رمز الرخاء والازدهار في ألمانيا. والأهم أن شتوتغارت هي المقر الرئيسي للقيادة العسكرية الأوروبية - الأميركية حيث ينسق البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) مع 51 دولة من الدول الأعضاء وغير الأعضاء في الناتو.
وفي هذه القاعدة أيضاً، على غرار القاعدة الجوية الأخرى في رامشتاين (ولاية راينلاند بالاتينات)، تقوم مرافق لوجستية وتدريبية مهمة للعمليات العسكرية الأميركية في أفريقيا والعراق وأفغانستان...
كالعادة، فاجأ دونالد ترمب أهل إدارته وحلفاءه بقراره سحب آلاف الجنود من ألمانيا. ولا شك في أنه أسعد روسيا لأنه بذلك يغيّر واقع الملعب الأوروبي لمصلحتها إلى حد ما. علاوة على ذلك، سيزيد قرار الرئيس الأميركي وكلامه مشاعر عدم الارتياح في ألمانيا حيال واشنطن والناتو أيضاً، فقد قال ترمب: «نحن نحمي ألمانيا وهم مقصّرون. هذا غير منطقي... سنخفض عدد قواتنا إلى 25 ألف جندي»، مضيفاً أن انتشار القوات الأميركية في ألمانيا يحمّل بلاده أكلافاً باهظة. وعاد إلى التذكير بأن برلين امتنعت عن إنفاق 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، علماً أن آخر معطيات الإنفاق الدفاعي لحلف الأطلسي تبيّن أن 18 دولة أخرى من دول الحلف لم تحقق هذا الهدف الذي تم الاتفاق عليه عام 2014 في قمة أطلسية عُقدت في مقاطعة ويلز البريطانية.
الرد الألماني على ترمب كان دبلوماسياً على لسان المستشارة أنجيلا ميركل التي قالت إنها عليها أن تتعامل مع أي رئيس أميركي، بينما كانت وزيرة الدفاع أنيغريت كرامب – كارنباور قاسية ومباشرة بقولها: «الناتو ليس منظمة تجارية والأمن ليس سلعة. حلف الناتو يقوم على التضامن والثقة، على القيم والمصالح المشتركة».

* فتّش عن الغاز
إذا كانت أجندة ترمب المصالح الأميركية أولاً وبالتالي توجيه رسالة مفادها أن هناك حدوداً للإنفاق على الدفاع عن حدود بلدان الحلفاء، وهذا كلام يعجب الناخب الأميركي في سنة الاستحقاق الرئاسي، فإن هناك وراء القرار الأميركي ما هو أبعد من ذلك.
يقول خبراء ومراقبون إن واشنطن غضبت كثيراً من دعم ميركل المطلق لمشروع «نورد ستريم 2» الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر بحر البلطيق، علماً أن المالك الرئيسي لهذا المشروع هو شركة «غازبروم» التي تملكها الدولة الروسية.
تقول السفيرة الألمانية في واشنطن إميلي هابر خلال ندوة في واشنطن: «القوات الأميركية ليست هناك للدفاع عن ألمانيا. إنها هناك للدفاع عن الأمن عبر الأطلسي. هي موجودة هناك أيضاً لبسط القوة الأميركية في إفريقيا وآسيا». وكأنها بذلك تؤكد أن الوجود العسكري الأميركي في أوروبا لا يرمي إلى الدفاع عن القارة القديمة فحسب، بل يوفر لواشنطن البنى التحتية لتستطيع القيام بعملياتها العسكرية في أنحاء عدة من العالم.
هنا لا بد من القول إن انتقاد ترمب للحلفاء الأوروبيين في الأطلسي من حيث تقصيرهم في الإنفاق الدفاعي غير مبني على وقائع، فغالبية دول أوروبا الغربية رفعت إنفاقها العسكري منذ العام 2014 مع انفجار الحرب في أوكرانيا وضم روسيا لشبه جزيرة القرم، أي قبل وصول ترمب إلى البيت الأبيض بسنتين.
يضاف إلى ذلك أن نحو 85 في المائة من الإنفاق الدفاعي الأميركي يذهب إلى مناطق ومهمات لا علاقة لها بالناتو أو الدفاع عن أوروبا.
في النهاية يبقى السؤال: هل يعرّض خفض عديد القوات الأميركية في ألمانيا أمن أوروبا للخطر؟
يقول الدبلوماسي الأميركي فيليب غوردون الذي عمل في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما: «سحب ما يقرب من عشرة آلاف جندي أميركي من ألمانيا هو خيانة لحليف، وخطوة تّقوض الثقة بواشنطن، وتجعل أوروبا والولايات المتحدة أقل أماناً».
ويرى أن قيام ترمب بهذه الخطوة يشير فعلياً إلى أن الهجوم على حليف أطلسي لن يقابله بالضرورة رد فعل أميركي. و«هذا أمر مقلق للغاية ليس للألمان فحسب بل لجميع الأوروبيين، وكذلك للأميركيين الذين يفهمون مصالحهم في أوروبا».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».