«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

عمل استثنائي شاهده أكثر من 100 مليون.. وتحول إلى ظاهرة.. وقناعه صار أيقونة

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة
TT

«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة

على موقع «بوكس أوفيس» كتب من أطلقوا على أنفسهم «نحب الشبح» التعليق التالي: شبح الأوبرا «هو الأفضل على الإطلاق. سنشاهده للمرة التاسعة في أقرب فرصة، وسوف نراه مرة عاشرة».
قلت ساخرا: لا بد أن هؤلاء أصيبوا بـ«فيروس» عشق الشبح. شاهدت لمرتين عرضا على الإنترنت جرى على مسرح «رويال ألبيرت هول» في لندن، شاركت في ملاحقة تفاصيله أكثر من كاميرا رشيقة، قدمته في عرض هارموني بصري سمعي مدهش. في المرة الأولى أعجبت بـ«شبح الأوبرا»، وفي الثانية أحببت العمل، وقررت مشاهدته على مسرح «هير ماجيستي ثياتر» حيث يعرض، فعمل بهذا المستوى من التكامل والإتقان لا يمكن الاستمتاع ببذخه وغناه وروعته إلا مباشرة. بعد ذلك، تولدت لدي رغبة في مشاهدة «شبح الأوبرا» مرة ثانية وثالثة. لقد انتقل إلي «فيروس الشبح» مثل الآخرين فعلا!

* عمل استثنائي
حقا، لو لم يكن أندرو لويد ويبر صاحب العملين الموسيقيين الضخمين «كاتس»، و«إيفيتا»، وهما من أفضل الأعمال الموسيقية العالمية، و«صن ست بوليفار»، والمسرحية الغنائية «جوزيف أند أميزنغ تيكنيكلور دريم كوت»، و«جيسس كريست سوبر ستار»، وعدد كبير من الأعمال الموسيقية الأخرى، لكفاه تحفته الفنية الرائعة «شبح الأوبرا» التي تحولت إلى ظاهرة في عالم الأوبرا والمسرح الغنائي، وأصبح قناع «شبحها» أيضا أيقونة.
يعد أندرو لويد ويبر، وهو مخرج / منتج، واحدا من أفضل الموسيقيين المعروفين في العالم. ولم يقتصر عمله على ما أنتجه لنفسه، بل هناك أعماله لآخرين، من ضمنها «لابيت» و«ديزي بولز إت أوف». وقد حصل ويبر، كمؤلف موسيقي، على 7 جوائز «توني»، و7 «أوليفر»، وواحدة «غولدن غلوب»، وأوسكار، وجائزتي «إيمي» العالمية. أما أعماله الموسيقية الخاصة به، فقد نالت أيضا الكثير من الجوائز المحلية والعالمية، ومن ضمنها: 7 جوائز «توني» الأميركية للمتميزين مسرحيا، والمعروفة بـ«توني أويرد». ويمتلك لويد 6 مسارح في لندن.
وضع ويبر عمله الموسيقي الضخم «شبح الأوبرا» استنادا إلى رواية الفرنسي، غاستون ليروه، الصادرة عام 1911، «الذي لا بد أن يكون عانى تجاهلا تاما، هو وروايته الأصلية، التي لم يكن ممكنا، حتى سنوات قريبة، العثور على نسخة منها، وهي التي حظيت باحترام كبير في حينها». على ما كتب، تشارلز هارت، الذي شارك في كتابة النص المغنى وكلمات الأغاني بالتعاون مع ريتشارد ستيلغوي. وقد أنتج أكثر من فيلم استنادا إلى الرواية نفسها، كان أولها فيلم رعب أميركي (صامت) عام 1925.

* العاشق الشبح
هي حكاية فتاة الكورس كريستين دايي (تلعب الدور هارييت جونز)، المغنية الشابة الموهوبة، التي بقدر من التدريب الجيد تصبح مشهورة عالميا. كانت كريستين تتمرن في «أوبرا بابولير»، حيث تقع أحداث غريبة لا تفسير لها، حين لفتت انتباه الشبح، كما تطلق عليه دار الأوبرا (يطلق على نفسه إيريك، ويلعب دوره، حاليا، جيرونيمو راوش)، واستولت على مشاعره «لكنه ليس شبحا، إنه موسيقي عبقري مشوه، اختبأ لسنوات بعيدا عن الأنظار، تفاديا لنظرات الغرباء القاسية».
بمساعدة الشبح، تصبح كريستين المغنية الأولى للفرقة. لكن مأساة تنتظر السوبرانو الشابة، إذ تقع في غرام الشاب الوسيم راؤول (يلعب دوره ليام تامن)، فيكونت مدينة شانيي، وهي لا تدري أن «ملاك الموسيقى» (الشبح)، يحبها بعمق. تعمي الغيرة عيني الشبح، ويختطف كريستين غير عابئ بما قد يفعله راؤول لاستعادتها.

* الفصل الأول
تبدأ الأوبرا بمزاد علني على مسرح «أوبرا باريس» عام 1905. يعرض صندوق موسيقى على شكل قرد يتحرك ميكانيكيا. يشغل الصندوق وتنطلق منه موسيقى بينما تتحرك صنجتان نحاسيتان يحملهما القرد بيديه. يراهن راؤول على الصندوق الذي يبدو أنه يرتبط بذكرى ما في حياته. تعرض ثريا ضخمة. يعلن مدير المزاد أنها تضررت في حريق تعرضت له الأوبرا، وجرى إصلاحها وتحديثها، بتزويدها بمصابيح كهربائية. ترتفع الثريا فجأة إلى السقف في مشهد بالغ الإثارة، وينتقل المسرح إلى زمن شباب راؤول.
العام هو 1881. فريق الأوبرا يتمرن على مسرحية «هانيبال». يصل مدير المسرح ويخبر الجميع بأنه تقاعد، وأن مالكين جديدين هما أندريه وفيرمن سيديران المسرح. يطلب أندريه من كارلوتا غويدتشيللي، مغنية الفرقة الأولى، أن تغني، وحين تبدأ تسقط خلفية المسرح وتكاد تقتلها. تتهامس الفتيات: «هذا من أفعال شبح الأوبرا». تنفعل كارلوتا وتثير زوبعة كلامية. يتلقى المديران الجديدان من السيدة جيري، مديرة الباليه، ورقة ملاحظات بعث بها الشبح، تتضمن 3 شروط: أجرة شهرية تبلغ 20 ألف فرانك، وحجز المقصورة رقم 5 له كل ليلة، وتوقف كارلوتا نفسها عن الغناء. تقترح ميغ، ابنة جيري المسؤولة عن فرقة الباليه، أن تقوم صديقتها كريستين دايي بدور كارلوتا. تحت إلحاح السيدة جيري، يقبل المديران الاقتراح. تغني كريستين ويراقب راؤول أداءها من مكتب الإدارة،، يصفق لها. تتردد الانفعالات والمشاعر من خلال صوت لا نرى صاحبه. تسأل ابنة جيري صديقتها كريستين عن مدربها، فتكتفي بالقول إنه «ملاك الموسيقى». يدخل راؤول غرفة كريستين ويهنئها على أدائها. يتذكر الشابان أنهما كانا صديقي لعب في طفولتهما. يدعو راؤول كريستين إلى عشاء ويلح عليها. يخرج لإحضار معطفه. يسمع صوت غريب. يظهر شبح خلف المرآة، إنه «ملاك الموسيقى». تنفتح المرآة. يجر الشبح كريستين إلى داخلها وتنغلق. يعود راؤول ولا يجد كريستين. يرحل الشبح وكريستين من تجويف تحت مبنى دار الأوبرا، عبر بحيرة باتجاه ملجأ الشبح، الذي يشرح لها أنه كان يعلمها الغناء لكي تغني من ألحانه.
تستيقظ كريستين في اليوم التالي على صوت صندوق الموسيقى. الصوت نفسه الذي سمع في المشهد الأول. الشبح خلف الأورغون غارق في التأليف. تقترب منه كريستين وتنزع القناع عن وجهه. يستدير غاضبا، وتفزع هي لغضبه ومنظر وجهه المشوه. حين يهدأ الشبح تعيد إليه كريستين القناع.
تظهر كريستين فجأة، وتعلم المجموعة بظهورها. طلب الشبح استبدال كريستين بكارلوتا يثير المديرين الجديدين، فيؤكدان لكارلوتا أنها ستبقى النجمة الأولى في الأوبرا الجديدة. الشبح يحذر من ذلك. وعندما لا يستجاب لتحذيره، تفقد كارلوتا صوتها وتنق مثل ضفدع. يصعد راؤول وكريستينا إلى السطح، وتروي له ما جرى مع الشبح، فيعرض عليها حمايتها، ويتفقان على ترك المكان ليلا. لكن كريستين التي تبدي تعاطفا ما مع الشبح، وربما عاطفة تجاه «ملاك الموسيقى» الذي علمها ويريد أن يفرضها مغنية أولى للفرقة، لا تقوى على الذهاب قبل أن تغني له أغنية أخيرة:
يغنى لي في منامي
يزورني في أحلامي
ذلك الصوت الذي ناداني باسمي
فهل بت أحلم ثانية وقد عرفت الآن
أن شبح الأوبرا هنا في عقلي؟

* الفصل الثاني
في الليلة التالية، يخطف الشبح كريستين ويحاول إجبارها على الزواج به، ويهدد بنسف مبنى الأوبرا بمتفجرات يحتفظ بها في الأقبية إن لم توافق على طلبه. ترفض كريستين ذلك، إلى أن تعلم أن الشبح علم بمحاولة راؤول إنقاذها. يسجنه في غرفة للتعذيب. لإنقاذ راؤول وبقية العاملين في الأوبرا، توافق كريستين على الزواج بالشبح، الذي يحاول إغراق راؤول. تستجديه كريستين ألا يفعل. يستجيب الشبح، وينقذ راؤول ويخرجه من غرفة التعذيب ويطلب إليه الهرب. وحين ينفرد بكريستين، ينزع القناع عن وجهه ليقبلها على جبينها، فيحصل منها على قبلة مقابلة، يعلن بعدها أنه لم يسبق أن حصل على قبلة، ولم يسمح له بتقبيل أحد أصلا. في هذا المشهد، تختفي بشاعة وجه الشبح، خلف المشاعر الإنسانية الطاغية التي تحدثها قبلة كريستين، بينما يظهر جوهره هو كفنان مبدع وإنسان حساس ذي مشاعر دافئة. في النهاية، يسمح الشبح لراؤول وكريستين بالهرب، شرط أن تزوره هي يوم وفاته، وتذهب إلى صحيفة وتنشر خبر رحيله.
بعد وفاته، تذهب كريستين إلى مخبأ الشبح وتنفذ وصيته. في اليوم التالي تكتب الصحيفة: «مات إيرك».
«شبح الأوبرا»، عرض مسرحي غنائي مذهل، يروي قصة أوبرا في زمنين، حيث نشاهد مسرحا على المسرح له مقصوراته ومشاهدوه أيضا. وتبلغ فيه قوة المؤثرات الصوتية والضوئية مرحلة تقنية متقدمة جدا تثير الدهشة لما تخلقه من مناخ يضفى صدقية على الأحداث التراجيدية، ويقدم مشاهد جمالية لا تنسى.
ويعد «شبح الأوبرا» من الأعمال القليلة التي يتوفر فيها تكامل الموسيقى والخط الدرامي والملابس والديكور وأداء المغنين والأوركسترا وتناغم الكل، بما يؤكد أن كل من شارك في العمل أعطى أقصى ما لديه من خبرة وقدرات، من أجل إمتاع المشاهد وإشباع ذوقه المتطلع إلى ما هو أبعد من قصة حب تراجيدية. كل شيء نظم بدقة، حتى تغيير الديكورات والملابس، جرت بسلاسة حافظت على انجذاب المتلقي. وقد تمكن مخرج العمل هال برنس من توأمة الأداء المسرحي مع التعقيدات الكبيرة للموسيقى الأوبرالية، ليكمل هذا التوالف النادر بين مختلف عناصر إنتاج عمل ضخم.

* {شبح الأوبرا} في سطور
* عرضت «شبح الأوبرا» في أكثر من 30 بلدا، على مسارح 151 مدينة. شاهدها أكثر من 100 مليون منذ عرضت أول مرة عام 1986. حصلت على أكثر من 50 جائزة مسرح كبرى، من ضمنها 3 جوائز «أوليفر» السنوية، و7 جوائز «توني» (توني أويرد). وكان ألبوم الأغاني والموسيقى الخاصة بها الأكثر مبيعا، إذ باع 40 مليون نسخة. لاحقا، بيع قناع الشبح، الذي وضعه جيرارد بتلر في العروض الأولى، على الإنترنت، بـ6350 جنيها إسترلينيا. ويعد عرض «شبح الأوبرا» أطول العروض على مسارح برودواي الأميركية، ويوصف بأنه أكثر أعمال أندرو لويد اكتمالا.
بلغت تكاليف إنتاج «شبح الأوبرا» مليوني جنيه إسترليني، أنفق 900 ألف منها على التجهيزات والملابس. وكان دخل الأوبرا الإجمالي من عرضها في العالم إلى اليوم 6 مليارات دولار.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».