«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

عمل استثنائي شاهده أكثر من 100 مليون.. وتحول إلى ظاهرة.. وقناعه صار أيقونة

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة
TT

«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة

على موقع «بوكس أوفيس» كتب من أطلقوا على أنفسهم «نحب الشبح» التعليق التالي: شبح الأوبرا «هو الأفضل على الإطلاق. سنشاهده للمرة التاسعة في أقرب فرصة، وسوف نراه مرة عاشرة».
قلت ساخرا: لا بد أن هؤلاء أصيبوا بـ«فيروس» عشق الشبح. شاهدت لمرتين عرضا على الإنترنت جرى على مسرح «رويال ألبيرت هول» في لندن، شاركت في ملاحقة تفاصيله أكثر من كاميرا رشيقة، قدمته في عرض هارموني بصري سمعي مدهش. في المرة الأولى أعجبت بـ«شبح الأوبرا»، وفي الثانية أحببت العمل، وقررت مشاهدته على مسرح «هير ماجيستي ثياتر» حيث يعرض، فعمل بهذا المستوى من التكامل والإتقان لا يمكن الاستمتاع ببذخه وغناه وروعته إلا مباشرة. بعد ذلك، تولدت لدي رغبة في مشاهدة «شبح الأوبرا» مرة ثانية وثالثة. لقد انتقل إلي «فيروس الشبح» مثل الآخرين فعلا!

* عمل استثنائي
حقا، لو لم يكن أندرو لويد ويبر صاحب العملين الموسيقيين الضخمين «كاتس»، و«إيفيتا»، وهما من أفضل الأعمال الموسيقية العالمية، و«صن ست بوليفار»، والمسرحية الغنائية «جوزيف أند أميزنغ تيكنيكلور دريم كوت»، و«جيسس كريست سوبر ستار»، وعدد كبير من الأعمال الموسيقية الأخرى، لكفاه تحفته الفنية الرائعة «شبح الأوبرا» التي تحولت إلى ظاهرة في عالم الأوبرا والمسرح الغنائي، وأصبح قناع «شبحها» أيضا أيقونة.
يعد أندرو لويد ويبر، وهو مخرج / منتج، واحدا من أفضل الموسيقيين المعروفين في العالم. ولم يقتصر عمله على ما أنتجه لنفسه، بل هناك أعماله لآخرين، من ضمنها «لابيت» و«ديزي بولز إت أوف». وقد حصل ويبر، كمؤلف موسيقي، على 7 جوائز «توني»، و7 «أوليفر»، وواحدة «غولدن غلوب»، وأوسكار، وجائزتي «إيمي» العالمية. أما أعماله الموسيقية الخاصة به، فقد نالت أيضا الكثير من الجوائز المحلية والعالمية، ومن ضمنها: 7 جوائز «توني» الأميركية للمتميزين مسرحيا، والمعروفة بـ«توني أويرد». ويمتلك لويد 6 مسارح في لندن.
وضع ويبر عمله الموسيقي الضخم «شبح الأوبرا» استنادا إلى رواية الفرنسي، غاستون ليروه، الصادرة عام 1911، «الذي لا بد أن يكون عانى تجاهلا تاما، هو وروايته الأصلية، التي لم يكن ممكنا، حتى سنوات قريبة، العثور على نسخة منها، وهي التي حظيت باحترام كبير في حينها». على ما كتب، تشارلز هارت، الذي شارك في كتابة النص المغنى وكلمات الأغاني بالتعاون مع ريتشارد ستيلغوي. وقد أنتج أكثر من فيلم استنادا إلى الرواية نفسها، كان أولها فيلم رعب أميركي (صامت) عام 1925.

* العاشق الشبح
هي حكاية فتاة الكورس كريستين دايي (تلعب الدور هارييت جونز)، المغنية الشابة الموهوبة، التي بقدر من التدريب الجيد تصبح مشهورة عالميا. كانت كريستين تتمرن في «أوبرا بابولير»، حيث تقع أحداث غريبة لا تفسير لها، حين لفتت انتباه الشبح، كما تطلق عليه دار الأوبرا (يطلق على نفسه إيريك، ويلعب دوره، حاليا، جيرونيمو راوش)، واستولت على مشاعره «لكنه ليس شبحا، إنه موسيقي عبقري مشوه، اختبأ لسنوات بعيدا عن الأنظار، تفاديا لنظرات الغرباء القاسية».
بمساعدة الشبح، تصبح كريستين المغنية الأولى للفرقة. لكن مأساة تنتظر السوبرانو الشابة، إذ تقع في غرام الشاب الوسيم راؤول (يلعب دوره ليام تامن)، فيكونت مدينة شانيي، وهي لا تدري أن «ملاك الموسيقى» (الشبح)، يحبها بعمق. تعمي الغيرة عيني الشبح، ويختطف كريستين غير عابئ بما قد يفعله راؤول لاستعادتها.

* الفصل الأول
تبدأ الأوبرا بمزاد علني على مسرح «أوبرا باريس» عام 1905. يعرض صندوق موسيقى على شكل قرد يتحرك ميكانيكيا. يشغل الصندوق وتنطلق منه موسيقى بينما تتحرك صنجتان نحاسيتان يحملهما القرد بيديه. يراهن راؤول على الصندوق الذي يبدو أنه يرتبط بذكرى ما في حياته. تعرض ثريا ضخمة. يعلن مدير المزاد أنها تضررت في حريق تعرضت له الأوبرا، وجرى إصلاحها وتحديثها، بتزويدها بمصابيح كهربائية. ترتفع الثريا فجأة إلى السقف في مشهد بالغ الإثارة، وينتقل المسرح إلى زمن شباب راؤول.
العام هو 1881. فريق الأوبرا يتمرن على مسرحية «هانيبال». يصل مدير المسرح ويخبر الجميع بأنه تقاعد، وأن مالكين جديدين هما أندريه وفيرمن سيديران المسرح. يطلب أندريه من كارلوتا غويدتشيللي، مغنية الفرقة الأولى، أن تغني، وحين تبدأ تسقط خلفية المسرح وتكاد تقتلها. تتهامس الفتيات: «هذا من أفعال شبح الأوبرا». تنفعل كارلوتا وتثير زوبعة كلامية. يتلقى المديران الجديدان من السيدة جيري، مديرة الباليه، ورقة ملاحظات بعث بها الشبح، تتضمن 3 شروط: أجرة شهرية تبلغ 20 ألف فرانك، وحجز المقصورة رقم 5 له كل ليلة، وتوقف كارلوتا نفسها عن الغناء. تقترح ميغ، ابنة جيري المسؤولة عن فرقة الباليه، أن تقوم صديقتها كريستين دايي بدور كارلوتا. تحت إلحاح السيدة جيري، يقبل المديران الاقتراح. تغني كريستين ويراقب راؤول أداءها من مكتب الإدارة،، يصفق لها. تتردد الانفعالات والمشاعر من خلال صوت لا نرى صاحبه. تسأل ابنة جيري صديقتها كريستين عن مدربها، فتكتفي بالقول إنه «ملاك الموسيقى». يدخل راؤول غرفة كريستين ويهنئها على أدائها. يتذكر الشابان أنهما كانا صديقي لعب في طفولتهما. يدعو راؤول كريستين إلى عشاء ويلح عليها. يخرج لإحضار معطفه. يسمع صوت غريب. يظهر شبح خلف المرآة، إنه «ملاك الموسيقى». تنفتح المرآة. يجر الشبح كريستين إلى داخلها وتنغلق. يعود راؤول ولا يجد كريستين. يرحل الشبح وكريستين من تجويف تحت مبنى دار الأوبرا، عبر بحيرة باتجاه ملجأ الشبح، الذي يشرح لها أنه كان يعلمها الغناء لكي تغني من ألحانه.
تستيقظ كريستين في اليوم التالي على صوت صندوق الموسيقى. الصوت نفسه الذي سمع في المشهد الأول. الشبح خلف الأورغون غارق في التأليف. تقترب منه كريستين وتنزع القناع عن وجهه. يستدير غاضبا، وتفزع هي لغضبه ومنظر وجهه المشوه. حين يهدأ الشبح تعيد إليه كريستين القناع.
تظهر كريستين فجأة، وتعلم المجموعة بظهورها. طلب الشبح استبدال كريستين بكارلوتا يثير المديرين الجديدين، فيؤكدان لكارلوتا أنها ستبقى النجمة الأولى في الأوبرا الجديدة. الشبح يحذر من ذلك. وعندما لا يستجاب لتحذيره، تفقد كارلوتا صوتها وتنق مثل ضفدع. يصعد راؤول وكريستينا إلى السطح، وتروي له ما جرى مع الشبح، فيعرض عليها حمايتها، ويتفقان على ترك المكان ليلا. لكن كريستين التي تبدي تعاطفا ما مع الشبح، وربما عاطفة تجاه «ملاك الموسيقى» الذي علمها ويريد أن يفرضها مغنية أولى للفرقة، لا تقوى على الذهاب قبل أن تغني له أغنية أخيرة:
يغنى لي في منامي
يزورني في أحلامي
ذلك الصوت الذي ناداني باسمي
فهل بت أحلم ثانية وقد عرفت الآن
أن شبح الأوبرا هنا في عقلي؟

* الفصل الثاني
في الليلة التالية، يخطف الشبح كريستين ويحاول إجبارها على الزواج به، ويهدد بنسف مبنى الأوبرا بمتفجرات يحتفظ بها في الأقبية إن لم توافق على طلبه. ترفض كريستين ذلك، إلى أن تعلم أن الشبح علم بمحاولة راؤول إنقاذها. يسجنه في غرفة للتعذيب. لإنقاذ راؤول وبقية العاملين في الأوبرا، توافق كريستين على الزواج بالشبح، الذي يحاول إغراق راؤول. تستجديه كريستين ألا يفعل. يستجيب الشبح، وينقذ راؤول ويخرجه من غرفة التعذيب ويطلب إليه الهرب. وحين ينفرد بكريستين، ينزع القناع عن وجهه ليقبلها على جبينها، فيحصل منها على قبلة مقابلة، يعلن بعدها أنه لم يسبق أن حصل على قبلة، ولم يسمح له بتقبيل أحد أصلا. في هذا المشهد، تختفي بشاعة وجه الشبح، خلف المشاعر الإنسانية الطاغية التي تحدثها قبلة كريستين، بينما يظهر جوهره هو كفنان مبدع وإنسان حساس ذي مشاعر دافئة. في النهاية، يسمح الشبح لراؤول وكريستين بالهرب، شرط أن تزوره هي يوم وفاته، وتذهب إلى صحيفة وتنشر خبر رحيله.
بعد وفاته، تذهب كريستين إلى مخبأ الشبح وتنفذ وصيته. في اليوم التالي تكتب الصحيفة: «مات إيرك».
«شبح الأوبرا»، عرض مسرحي غنائي مذهل، يروي قصة أوبرا في زمنين، حيث نشاهد مسرحا على المسرح له مقصوراته ومشاهدوه أيضا. وتبلغ فيه قوة المؤثرات الصوتية والضوئية مرحلة تقنية متقدمة جدا تثير الدهشة لما تخلقه من مناخ يضفى صدقية على الأحداث التراجيدية، ويقدم مشاهد جمالية لا تنسى.
ويعد «شبح الأوبرا» من الأعمال القليلة التي يتوفر فيها تكامل الموسيقى والخط الدرامي والملابس والديكور وأداء المغنين والأوركسترا وتناغم الكل، بما يؤكد أن كل من شارك في العمل أعطى أقصى ما لديه من خبرة وقدرات، من أجل إمتاع المشاهد وإشباع ذوقه المتطلع إلى ما هو أبعد من قصة حب تراجيدية. كل شيء نظم بدقة، حتى تغيير الديكورات والملابس، جرت بسلاسة حافظت على انجذاب المتلقي. وقد تمكن مخرج العمل هال برنس من توأمة الأداء المسرحي مع التعقيدات الكبيرة للموسيقى الأوبرالية، ليكمل هذا التوالف النادر بين مختلف عناصر إنتاج عمل ضخم.

* {شبح الأوبرا} في سطور
* عرضت «شبح الأوبرا» في أكثر من 30 بلدا، على مسارح 151 مدينة. شاهدها أكثر من 100 مليون منذ عرضت أول مرة عام 1986. حصلت على أكثر من 50 جائزة مسرح كبرى، من ضمنها 3 جوائز «أوليفر» السنوية، و7 جوائز «توني» (توني أويرد). وكان ألبوم الأغاني والموسيقى الخاصة بها الأكثر مبيعا، إذ باع 40 مليون نسخة. لاحقا، بيع قناع الشبح، الذي وضعه جيرارد بتلر في العروض الأولى، على الإنترنت، بـ6350 جنيها إسترلينيا. ويعد عرض «شبح الأوبرا» أطول العروض على مسارح برودواي الأميركية، ويوصف بأنه أكثر أعمال أندرو لويد اكتمالا.
بلغت تكاليف إنتاج «شبح الأوبرا» مليوني جنيه إسترليني، أنفق 900 ألف منها على التجهيزات والملابس. وكان دخل الأوبرا الإجمالي من عرضها في العالم إلى اليوم 6 مليارات دولار.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended