«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

عمل استثنائي شاهده أكثر من 100 مليون.. وتحول إلى ظاهرة.. وقناعه صار أيقونة

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة
TT

«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة

على موقع «بوكس أوفيس» كتب من أطلقوا على أنفسهم «نحب الشبح» التعليق التالي: شبح الأوبرا «هو الأفضل على الإطلاق. سنشاهده للمرة التاسعة في أقرب فرصة، وسوف نراه مرة عاشرة».
قلت ساخرا: لا بد أن هؤلاء أصيبوا بـ«فيروس» عشق الشبح. شاهدت لمرتين عرضا على الإنترنت جرى على مسرح «رويال ألبيرت هول» في لندن، شاركت في ملاحقة تفاصيله أكثر من كاميرا رشيقة، قدمته في عرض هارموني بصري سمعي مدهش. في المرة الأولى أعجبت بـ«شبح الأوبرا»، وفي الثانية أحببت العمل، وقررت مشاهدته على مسرح «هير ماجيستي ثياتر» حيث يعرض، فعمل بهذا المستوى من التكامل والإتقان لا يمكن الاستمتاع ببذخه وغناه وروعته إلا مباشرة. بعد ذلك، تولدت لدي رغبة في مشاهدة «شبح الأوبرا» مرة ثانية وثالثة. لقد انتقل إلي «فيروس الشبح» مثل الآخرين فعلا!

* عمل استثنائي
حقا، لو لم يكن أندرو لويد ويبر صاحب العملين الموسيقيين الضخمين «كاتس»، و«إيفيتا»، وهما من أفضل الأعمال الموسيقية العالمية، و«صن ست بوليفار»، والمسرحية الغنائية «جوزيف أند أميزنغ تيكنيكلور دريم كوت»، و«جيسس كريست سوبر ستار»، وعدد كبير من الأعمال الموسيقية الأخرى، لكفاه تحفته الفنية الرائعة «شبح الأوبرا» التي تحولت إلى ظاهرة في عالم الأوبرا والمسرح الغنائي، وأصبح قناع «شبحها» أيضا أيقونة.
يعد أندرو لويد ويبر، وهو مخرج / منتج، واحدا من أفضل الموسيقيين المعروفين في العالم. ولم يقتصر عمله على ما أنتجه لنفسه، بل هناك أعماله لآخرين، من ضمنها «لابيت» و«ديزي بولز إت أوف». وقد حصل ويبر، كمؤلف موسيقي، على 7 جوائز «توني»، و7 «أوليفر»، وواحدة «غولدن غلوب»، وأوسكار، وجائزتي «إيمي» العالمية. أما أعماله الموسيقية الخاصة به، فقد نالت أيضا الكثير من الجوائز المحلية والعالمية، ومن ضمنها: 7 جوائز «توني» الأميركية للمتميزين مسرحيا، والمعروفة بـ«توني أويرد». ويمتلك لويد 6 مسارح في لندن.
وضع ويبر عمله الموسيقي الضخم «شبح الأوبرا» استنادا إلى رواية الفرنسي، غاستون ليروه، الصادرة عام 1911، «الذي لا بد أن يكون عانى تجاهلا تاما، هو وروايته الأصلية، التي لم يكن ممكنا، حتى سنوات قريبة، العثور على نسخة منها، وهي التي حظيت باحترام كبير في حينها». على ما كتب، تشارلز هارت، الذي شارك في كتابة النص المغنى وكلمات الأغاني بالتعاون مع ريتشارد ستيلغوي. وقد أنتج أكثر من فيلم استنادا إلى الرواية نفسها، كان أولها فيلم رعب أميركي (صامت) عام 1925.

* العاشق الشبح
هي حكاية فتاة الكورس كريستين دايي (تلعب الدور هارييت جونز)، المغنية الشابة الموهوبة، التي بقدر من التدريب الجيد تصبح مشهورة عالميا. كانت كريستين تتمرن في «أوبرا بابولير»، حيث تقع أحداث غريبة لا تفسير لها، حين لفتت انتباه الشبح، كما تطلق عليه دار الأوبرا (يطلق على نفسه إيريك، ويلعب دوره، حاليا، جيرونيمو راوش)، واستولت على مشاعره «لكنه ليس شبحا، إنه موسيقي عبقري مشوه، اختبأ لسنوات بعيدا عن الأنظار، تفاديا لنظرات الغرباء القاسية».
بمساعدة الشبح، تصبح كريستين المغنية الأولى للفرقة. لكن مأساة تنتظر السوبرانو الشابة، إذ تقع في غرام الشاب الوسيم راؤول (يلعب دوره ليام تامن)، فيكونت مدينة شانيي، وهي لا تدري أن «ملاك الموسيقى» (الشبح)، يحبها بعمق. تعمي الغيرة عيني الشبح، ويختطف كريستين غير عابئ بما قد يفعله راؤول لاستعادتها.

* الفصل الأول
تبدأ الأوبرا بمزاد علني على مسرح «أوبرا باريس» عام 1905. يعرض صندوق موسيقى على شكل قرد يتحرك ميكانيكيا. يشغل الصندوق وتنطلق منه موسيقى بينما تتحرك صنجتان نحاسيتان يحملهما القرد بيديه. يراهن راؤول على الصندوق الذي يبدو أنه يرتبط بذكرى ما في حياته. تعرض ثريا ضخمة. يعلن مدير المزاد أنها تضررت في حريق تعرضت له الأوبرا، وجرى إصلاحها وتحديثها، بتزويدها بمصابيح كهربائية. ترتفع الثريا فجأة إلى السقف في مشهد بالغ الإثارة، وينتقل المسرح إلى زمن شباب راؤول.
العام هو 1881. فريق الأوبرا يتمرن على مسرحية «هانيبال». يصل مدير المسرح ويخبر الجميع بأنه تقاعد، وأن مالكين جديدين هما أندريه وفيرمن سيديران المسرح. يطلب أندريه من كارلوتا غويدتشيللي، مغنية الفرقة الأولى، أن تغني، وحين تبدأ تسقط خلفية المسرح وتكاد تقتلها. تتهامس الفتيات: «هذا من أفعال شبح الأوبرا». تنفعل كارلوتا وتثير زوبعة كلامية. يتلقى المديران الجديدان من السيدة جيري، مديرة الباليه، ورقة ملاحظات بعث بها الشبح، تتضمن 3 شروط: أجرة شهرية تبلغ 20 ألف فرانك، وحجز المقصورة رقم 5 له كل ليلة، وتوقف كارلوتا نفسها عن الغناء. تقترح ميغ، ابنة جيري المسؤولة عن فرقة الباليه، أن تقوم صديقتها كريستين دايي بدور كارلوتا. تحت إلحاح السيدة جيري، يقبل المديران الاقتراح. تغني كريستين ويراقب راؤول أداءها من مكتب الإدارة،، يصفق لها. تتردد الانفعالات والمشاعر من خلال صوت لا نرى صاحبه. تسأل ابنة جيري صديقتها كريستين عن مدربها، فتكتفي بالقول إنه «ملاك الموسيقى». يدخل راؤول غرفة كريستين ويهنئها على أدائها. يتذكر الشابان أنهما كانا صديقي لعب في طفولتهما. يدعو راؤول كريستين إلى عشاء ويلح عليها. يخرج لإحضار معطفه. يسمع صوت غريب. يظهر شبح خلف المرآة، إنه «ملاك الموسيقى». تنفتح المرآة. يجر الشبح كريستين إلى داخلها وتنغلق. يعود راؤول ولا يجد كريستين. يرحل الشبح وكريستين من تجويف تحت مبنى دار الأوبرا، عبر بحيرة باتجاه ملجأ الشبح، الذي يشرح لها أنه كان يعلمها الغناء لكي تغني من ألحانه.
تستيقظ كريستين في اليوم التالي على صوت صندوق الموسيقى. الصوت نفسه الذي سمع في المشهد الأول. الشبح خلف الأورغون غارق في التأليف. تقترب منه كريستين وتنزع القناع عن وجهه. يستدير غاضبا، وتفزع هي لغضبه ومنظر وجهه المشوه. حين يهدأ الشبح تعيد إليه كريستين القناع.
تظهر كريستين فجأة، وتعلم المجموعة بظهورها. طلب الشبح استبدال كريستين بكارلوتا يثير المديرين الجديدين، فيؤكدان لكارلوتا أنها ستبقى النجمة الأولى في الأوبرا الجديدة. الشبح يحذر من ذلك. وعندما لا يستجاب لتحذيره، تفقد كارلوتا صوتها وتنق مثل ضفدع. يصعد راؤول وكريستينا إلى السطح، وتروي له ما جرى مع الشبح، فيعرض عليها حمايتها، ويتفقان على ترك المكان ليلا. لكن كريستين التي تبدي تعاطفا ما مع الشبح، وربما عاطفة تجاه «ملاك الموسيقى» الذي علمها ويريد أن يفرضها مغنية أولى للفرقة، لا تقوى على الذهاب قبل أن تغني له أغنية أخيرة:
يغنى لي في منامي
يزورني في أحلامي
ذلك الصوت الذي ناداني باسمي
فهل بت أحلم ثانية وقد عرفت الآن
أن شبح الأوبرا هنا في عقلي؟

* الفصل الثاني
في الليلة التالية، يخطف الشبح كريستين ويحاول إجبارها على الزواج به، ويهدد بنسف مبنى الأوبرا بمتفجرات يحتفظ بها في الأقبية إن لم توافق على طلبه. ترفض كريستين ذلك، إلى أن تعلم أن الشبح علم بمحاولة راؤول إنقاذها. يسجنه في غرفة للتعذيب. لإنقاذ راؤول وبقية العاملين في الأوبرا، توافق كريستين على الزواج بالشبح، الذي يحاول إغراق راؤول. تستجديه كريستين ألا يفعل. يستجيب الشبح، وينقذ راؤول ويخرجه من غرفة التعذيب ويطلب إليه الهرب. وحين ينفرد بكريستين، ينزع القناع عن وجهه ليقبلها على جبينها، فيحصل منها على قبلة مقابلة، يعلن بعدها أنه لم يسبق أن حصل على قبلة، ولم يسمح له بتقبيل أحد أصلا. في هذا المشهد، تختفي بشاعة وجه الشبح، خلف المشاعر الإنسانية الطاغية التي تحدثها قبلة كريستين، بينما يظهر جوهره هو كفنان مبدع وإنسان حساس ذي مشاعر دافئة. في النهاية، يسمح الشبح لراؤول وكريستين بالهرب، شرط أن تزوره هي يوم وفاته، وتذهب إلى صحيفة وتنشر خبر رحيله.
بعد وفاته، تذهب كريستين إلى مخبأ الشبح وتنفذ وصيته. في اليوم التالي تكتب الصحيفة: «مات إيرك».
«شبح الأوبرا»، عرض مسرحي غنائي مذهل، يروي قصة أوبرا في زمنين، حيث نشاهد مسرحا على المسرح له مقصوراته ومشاهدوه أيضا. وتبلغ فيه قوة المؤثرات الصوتية والضوئية مرحلة تقنية متقدمة جدا تثير الدهشة لما تخلقه من مناخ يضفى صدقية على الأحداث التراجيدية، ويقدم مشاهد جمالية لا تنسى.
ويعد «شبح الأوبرا» من الأعمال القليلة التي يتوفر فيها تكامل الموسيقى والخط الدرامي والملابس والديكور وأداء المغنين والأوركسترا وتناغم الكل، بما يؤكد أن كل من شارك في العمل أعطى أقصى ما لديه من خبرة وقدرات، من أجل إمتاع المشاهد وإشباع ذوقه المتطلع إلى ما هو أبعد من قصة حب تراجيدية. كل شيء نظم بدقة، حتى تغيير الديكورات والملابس، جرت بسلاسة حافظت على انجذاب المتلقي. وقد تمكن مخرج العمل هال برنس من توأمة الأداء المسرحي مع التعقيدات الكبيرة للموسيقى الأوبرالية، ليكمل هذا التوالف النادر بين مختلف عناصر إنتاج عمل ضخم.

* {شبح الأوبرا} في سطور
* عرضت «شبح الأوبرا» في أكثر من 30 بلدا، على مسارح 151 مدينة. شاهدها أكثر من 100 مليون منذ عرضت أول مرة عام 1986. حصلت على أكثر من 50 جائزة مسرح كبرى، من ضمنها 3 جوائز «أوليفر» السنوية، و7 جوائز «توني» (توني أويرد). وكان ألبوم الأغاني والموسيقى الخاصة بها الأكثر مبيعا، إذ باع 40 مليون نسخة. لاحقا، بيع قناع الشبح، الذي وضعه جيرارد بتلر في العروض الأولى، على الإنترنت، بـ6350 جنيها إسترلينيا. ويعد عرض «شبح الأوبرا» أطول العروض على مسارح برودواي الأميركية، ويوصف بأنه أكثر أعمال أندرو لويد اكتمالا.
بلغت تكاليف إنتاج «شبح الأوبرا» مليوني جنيه إسترليني، أنفق 900 ألف منها على التجهيزات والملابس. وكان دخل الأوبرا الإجمالي من عرضها في العالم إلى اليوم 6 مليارات دولار.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.