«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

عمل استثنائي شاهده أكثر من 100 مليون.. وتحول إلى ظاهرة.. وقناعه صار أيقونة

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة
TT

«شبح الأوبرا».. رحلة ممتعة في نهر يتدفق موسيقى وغناء في أداء آسر

الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر»)  -  القناع الذي تحول إلى أيقونة
الشبح يأخذ كريستين إلى مخبئه عبر البحيرة (الصورة من «بيبُل ثياتر») - القناع الذي تحول إلى أيقونة

على موقع «بوكس أوفيس» كتب من أطلقوا على أنفسهم «نحب الشبح» التعليق التالي: شبح الأوبرا «هو الأفضل على الإطلاق. سنشاهده للمرة التاسعة في أقرب فرصة، وسوف نراه مرة عاشرة».
قلت ساخرا: لا بد أن هؤلاء أصيبوا بـ«فيروس» عشق الشبح. شاهدت لمرتين عرضا على الإنترنت جرى على مسرح «رويال ألبيرت هول» في لندن، شاركت في ملاحقة تفاصيله أكثر من كاميرا رشيقة، قدمته في عرض هارموني بصري سمعي مدهش. في المرة الأولى أعجبت بـ«شبح الأوبرا»، وفي الثانية أحببت العمل، وقررت مشاهدته على مسرح «هير ماجيستي ثياتر» حيث يعرض، فعمل بهذا المستوى من التكامل والإتقان لا يمكن الاستمتاع ببذخه وغناه وروعته إلا مباشرة. بعد ذلك، تولدت لدي رغبة في مشاهدة «شبح الأوبرا» مرة ثانية وثالثة. لقد انتقل إلي «فيروس الشبح» مثل الآخرين فعلا!

* عمل استثنائي
حقا، لو لم يكن أندرو لويد ويبر صاحب العملين الموسيقيين الضخمين «كاتس»، و«إيفيتا»، وهما من أفضل الأعمال الموسيقية العالمية، و«صن ست بوليفار»، والمسرحية الغنائية «جوزيف أند أميزنغ تيكنيكلور دريم كوت»، و«جيسس كريست سوبر ستار»، وعدد كبير من الأعمال الموسيقية الأخرى، لكفاه تحفته الفنية الرائعة «شبح الأوبرا» التي تحولت إلى ظاهرة في عالم الأوبرا والمسرح الغنائي، وأصبح قناع «شبحها» أيضا أيقونة.
يعد أندرو لويد ويبر، وهو مخرج / منتج، واحدا من أفضل الموسيقيين المعروفين في العالم. ولم يقتصر عمله على ما أنتجه لنفسه، بل هناك أعماله لآخرين، من ضمنها «لابيت» و«ديزي بولز إت أوف». وقد حصل ويبر، كمؤلف موسيقي، على 7 جوائز «توني»، و7 «أوليفر»، وواحدة «غولدن غلوب»، وأوسكار، وجائزتي «إيمي» العالمية. أما أعماله الموسيقية الخاصة به، فقد نالت أيضا الكثير من الجوائز المحلية والعالمية، ومن ضمنها: 7 جوائز «توني» الأميركية للمتميزين مسرحيا، والمعروفة بـ«توني أويرد». ويمتلك لويد 6 مسارح في لندن.
وضع ويبر عمله الموسيقي الضخم «شبح الأوبرا» استنادا إلى رواية الفرنسي، غاستون ليروه، الصادرة عام 1911، «الذي لا بد أن يكون عانى تجاهلا تاما، هو وروايته الأصلية، التي لم يكن ممكنا، حتى سنوات قريبة، العثور على نسخة منها، وهي التي حظيت باحترام كبير في حينها». على ما كتب، تشارلز هارت، الذي شارك في كتابة النص المغنى وكلمات الأغاني بالتعاون مع ريتشارد ستيلغوي. وقد أنتج أكثر من فيلم استنادا إلى الرواية نفسها، كان أولها فيلم رعب أميركي (صامت) عام 1925.

* العاشق الشبح
هي حكاية فتاة الكورس كريستين دايي (تلعب الدور هارييت جونز)، المغنية الشابة الموهوبة، التي بقدر من التدريب الجيد تصبح مشهورة عالميا. كانت كريستين تتمرن في «أوبرا بابولير»، حيث تقع أحداث غريبة لا تفسير لها، حين لفتت انتباه الشبح، كما تطلق عليه دار الأوبرا (يطلق على نفسه إيريك، ويلعب دوره، حاليا، جيرونيمو راوش)، واستولت على مشاعره «لكنه ليس شبحا، إنه موسيقي عبقري مشوه، اختبأ لسنوات بعيدا عن الأنظار، تفاديا لنظرات الغرباء القاسية».
بمساعدة الشبح، تصبح كريستين المغنية الأولى للفرقة. لكن مأساة تنتظر السوبرانو الشابة، إذ تقع في غرام الشاب الوسيم راؤول (يلعب دوره ليام تامن)، فيكونت مدينة شانيي، وهي لا تدري أن «ملاك الموسيقى» (الشبح)، يحبها بعمق. تعمي الغيرة عيني الشبح، ويختطف كريستين غير عابئ بما قد يفعله راؤول لاستعادتها.

* الفصل الأول
تبدأ الأوبرا بمزاد علني على مسرح «أوبرا باريس» عام 1905. يعرض صندوق موسيقى على شكل قرد يتحرك ميكانيكيا. يشغل الصندوق وتنطلق منه موسيقى بينما تتحرك صنجتان نحاسيتان يحملهما القرد بيديه. يراهن راؤول على الصندوق الذي يبدو أنه يرتبط بذكرى ما في حياته. تعرض ثريا ضخمة. يعلن مدير المزاد أنها تضررت في حريق تعرضت له الأوبرا، وجرى إصلاحها وتحديثها، بتزويدها بمصابيح كهربائية. ترتفع الثريا فجأة إلى السقف في مشهد بالغ الإثارة، وينتقل المسرح إلى زمن شباب راؤول.
العام هو 1881. فريق الأوبرا يتمرن على مسرحية «هانيبال». يصل مدير المسرح ويخبر الجميع بأنه تقاعد، وأن مالكين جديدين هما أندريه وفيرمن سيديران المسرح. يطلب أندريه من كارلوتا غويدتشيللي، مغنية الفرقة الأولى، أن تغني، وحين تبدأ تسقط خلفية المسرح وتكاد تقتلها. تتهامس الفتيات: «هذا من أفعال شبح الأوبرا». تنفعل كارلوتا وتثير زوبعة كلامية. يتلقى المديران الجديدان من السيدة جيري، مديرة الباليه، ورقة ملاحظات بعث بها الشبح، تتضمن 3 شروط: أجرة شهرية تبلغ 20 ألف فرانك، وحجز المقصورة رقم 5 له كل ليلة، وتوقف كارلوتا نفسها عن الغناء. تقترح ميغ، ابنة جيري المسؤولة عن فرقة الباليه، أن تقوم صديقتها كريستين دايي بدور كارلوتا. تحت إلحاح السيدة جيري، يقبل المديران الاقتراح. تغني كريستين ويراقب راؤول أداءها من مكتب الإدارة،، يصفق لها. تتردد الانفعالات والمشاعر من خلال صوت لا نرى صاحبه. تسأل ابنة جيري صديقتها كريستين عن مدربها، فتكتفي بالقول إنه «ملاك الموسيقى». يدخل راؤول غرفة كريستين ويهنئها على أدائها. يتذكر الشابان أنهما كانا صديقي لعب في طفولتهما. يدعو راؤول كريستين إلى عشاء ويلح عليها. يخرج لإحضار معطفه. يسمع صوت غريب. يظهر شبح خلف المرآة، إنه «ملاك الموسيقى». تنفتح المرآة. يجر الشبح كريستين إلى داخلها وتنغلق. يعود راؤول ولا يجد كريستين. يرحل الشبح وكريستين من تجويف تحت مبنى دار الأوبرا، عبر بحيرة باتجاه ملجأ الشبح، الذي يشرح لها أنه كان يعلمها الغناء لكي تغني من ألحانه.
تستيقظ كريستين في اليوم التالي على صوت صندوق الموسيقى. الصوت نفسه الذي سمع في المشهد الأول. الشبح خلف الأورغون غارق في التأليف. تقترب منه كريستين وتنزع القناع عن وجهه. يستدير غاضبا، وتفزع هي لغضبه ومنظر وجهه المشوه. حين يهدأ الشبح تعيد إليه كريستين القناع.
تظهر كريستين فجأة، وتعلم المجموعة بظهورها. طلب الشبح استبدال كريستين بكارلوتا يثير المديرين الجديدين، فيؤكدان لكارلوتا أنها ستبقى النجمة الأولى في الأوبرا الجديدة. الشبح يحذر من ذلك. وعندما لا يستجاب لتحذيره، تفقد كارلوتا صوتها وتنق مثل ضفدع. يصعد راؤول وكريستينا إلى السطح، وتروي له ما جرى مع الشبح، فيعرض عليها حمايتها، ويتفقان على ترك المكان ليلا. لكن كريستين التي تبدي تعاطفا ما مع الشبح، وربما عاطفة تجاه «ملاك الموسيقى» الذي علمها ويريد أن يفرضها مغنية أولى للفرقة، لا تقوى على الذهاب قبل أن تغني له أغنية أخيرة:
يغنى لي في منامي
يزورني في أحلامي
ذلك الصوت الذي ناداني باسمي
فهل بت أحلم ثانية وقد عرفت الآن
أن شبح الأوبرا هنا في عقلي؟

* الفصل الثاني
في الليلة التالية، يخطف الشبح كريستين ويحاول إجبارها على الزواج به، ويهدد بنسف مبنى الأوبرا بمتفجرات يحتفظ بها في الأقبية إن لم توافق على طلبه. ترفض كريستين ذلك، إلى أن تعلم أن الشبح علم بمحاولة راؤول إنقاذها. يسجنه في غرفة للتعذيب. لإنقاذ راؤول وبقية العاملين في الأوبرا، توافق كريستين على الزواج بالشبح، الذي يحاول إغراق راؤول. تستجديه كريستين ألا يفعل. يستجيب الشبح، وينقذ راؤول ويخرجه من غرفة التعذيب ويطلب إليه الهرب. وحين ينفرد بكريستين، ينزع القناع عن وجهه ليقبلها على جبينها، فيحصل منها على قبلة مقابلة، يعلن بعدها أنه لم يسبق أن حصل على قبلة، ولم يسمح له بتقبيل أحد أصلا. في هذا المشهد، تختفي بشاعة وجه الشبح، خلف المشاعر الإنسانية الطاغية التي تحدثها قبلة كريستين، بينما يظهر جوهره هو كفنان مبدع وإنسان حساس ذي مشاعر دافئة. في النهاية، يسمح الشبح لراؤول وكريستين بالهرب، شرط أن تزوره هي يوم وفاته، وتذهب إلى صحيفة وتنشر خبر رحيله.
بعد وفاته، تذهب كريستين إلى مخبأ الشبح وتنفذ وصيته. في اليوم التالي تكتب الصحيفة: «مات إيرك».
«شبح الأوبرا»، عرض مسرحي غنائي مذهل، يروي قصة أوبرا في زمنين، حيث نشاهد مسرحا على المسرح له مقصوراته ومشاهدوه أيضا. وتبلغ فيه قوة المؤثرات الصوتية والضوئية مرحلة تقنية متقدمة جدا تثير الدهشة لما تخلقه من مناخ يضفى صدقية على الأحداث التراجيدية، ويقدم مشاهد جمالية لا تنسى.
ويعد «شبح الأوبرا» من الأعمال القليلة التي يتوفر فيها تكامل الموسيقى والخط الدرامي والملابس والديكور وأداء المغنين والأوركسترا وتناغم الكل، بما يؤكد أن كل من شارك في العمل أعطى أقصى ما لديه من خبرة وقدرات، من أجل إمتاع المشاهد وإشباع ذوقه المتطلع إلى ما هو أبعد من قصة حب تراجيدية. كل شيء نظم بدقة، حتى تغيير الديكورات والملابس، جرت بسلاسة حافظت على انجذاب المتلقي. وقد تمكن مخرج العمل هال برنس من توأمة الأداء المسرحي مع التعقيدات الكبيرة للموسيقى الأوبرالية، ليكمل هذا التوالف النادر بين مختلف عناصر إنتاج عمل ضخم.

* {شبح الأوبرا} في سطور
* عرضت «شبح الأوبرا» في أكثر من 30 بلدا، على مسارح 151 مدينة. شاهدها أكثر من 100 مليون منذ عرضت أول مرة عام 1986. حصلت على أكثر من 50 جائزة مسرح كبرى، من ضمنها 3 جوائز «أوليفر» السنوية، و7 جوائز «توني» (توني أويرد). وكان ألبوم الأغاني والموسيقى الخاصة بها الأكثر مبيعا، إذ باع 40 مليون نسخة. لاحقا، بيع قناع الشبح، الذي وضعه جيرارد بتلر في العروض الأولى، على الإنترنت، بـ6350 جنيها إسترلينيا. ويعد عرض «شبح الأوبرا» أطول العروض على مسارح برودواي الأميركية، ويوصف بأنه أكثر أعمال أندرو لويد اكتمالا.
بلغت تكاليف إنتاج «شبح الأوبرا» مليوني جنيه إسترليني، أنفق 900 ألف منها على التجهيزات والملابس. وكان دخل الأوبرا الإجمالي من عرضها في العالم إلى اليوم 6 مليارات دولار.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.