رئيس «أدنوك»: الصفقة تمثل نموذج لاستقطاب الاستثمارات الخارجية لدولة الإمارات

الجابر قال لـ «الشرق الأوسط» إن أسواق النفط تشهد مؤشرات إيجابية

صفقة «أدنوك» التي تخطت قيمتها 20 مليار دولار تعتبر واحدة من أكبر صفقات البنية التحتية للطاقة على مستوى العالم...  وفي الإطار، سلطان الجابر الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» (الشرق الأوسط)
صفقة «أدنوك» التي تخطت قيمتها 20 مليار دولار تعتبر واحدة من أكبر صفقات البنية التحتية للطاقة على مستوى العالم... وفي الإطار، سلطان الجابر الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «أدنوك»: الصفقة تمثل نموذج لاستقطاب الاستثمارات الخارجية لدولة الإمارات

صفقة «أدنوك» التي تخطت قيمتها 20 مليار دولار تعتبر واحدة من أكبر صفقات البنية التحتية للطاقة على مستوى العالم...  وفي الإطار، سلطان الجابر الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» (الشرق الأوسط)
صفقة «أدنوك» التي تخطت قيمتها 20 مليار دولار تعتبر واحدة من أكبر صفقات البنية التحتية للطاقة على مستوى العالم... وفي الإطار، سلطان الجابر الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» (الشرق الأوسط)

على الرغم من تداعيات فيروس «كورونا المستجد» (كوفيد- 19) اقتصادياً على العالم، إلا أن صفقة «أدنوك» الإماراتية أعطت صورة لحماس المستثمرين في الفرص ذات القيمة المضافة. وتعكس الصفقة التي اقتربت من 21 مليار دولار، مدى قدرة الإمارات على جذب استثمارات نوعية، حتى وإن كانت في أصعب الظروف، وفقاً لرئيس المجموعة.
وبقيمة 20.7 مليار دولار، من المقرر أن يستثمر كونسورتيوم يضم «غلوبال إنفراستراكشر بارتنرز» و«بروكفيلد لإدارة الأصول»، وصندوق الثروة السيادي السنغافوري (جي آي سي)، وصندوق معاشات التقاعد لمعلمي أونتاريو، و«إن إتش للاستثمار والأوراق المالية»، و«سنام» الإيطالية، في أصول محددة لخطوط أنابيب غاز تابعة لـ«أدنوك»، في واحدة من أكبر صفقات البنية التحتية للطاقة على مستوى العالم.
الدكتور سلطان الجابر، وزير دولة في الإمارات، الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» ومجموعة شركاتها، يوضح في حوار لـ«الشرق الأوسط»، أن عدة عوامل ساهمت بشكل كبير في استقطاب الاستثمارات الأجنبية، من ضمنها المصداقية، وبيئة أعمال آمنة، بدعم من منظومة تشريعية متكاملة، وسجل حافل باحترام الشراكات، وكذلك تاريخ الدولة كان له دور محوري في استقطاب الشركاء الاستراتيجيين.
وبيَّن الجابر أن الصفقة تسهم في تمكين استراتيجية «أدنوك» المتكاملة للغاز، والتي تشمل العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغاز بالإمارات، مشيراً إلى أنها تمثل نموذجاً لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية في مجال الطاقة والبنية التحتية.
وتطرق إلى وضع أسواق النفط، مؤكداً بدء عودة التوازن بين العرض والطلب واستقرار الأسعار، مع بدء النشاط الاقتصادي العودة التدريجية في مختلف أنحاء العالم.

> أعلنتم عن صفقة تزيد عن 20 مليار دولار مع ائتلاف دولي. ما مدى أهمية هذا المشروع بالنسبة لمجموعة «أدنوك»؟
- تعد هذه الصفقة الأحدث والأكبر لمجموعة «أدنوك» منذ إعلانها في عام 2017 عن توسيع نطاق برنامجها للشراكات الاستراتيجية والاستثمارات المشتركة، والذي يهدف إلى تعزيز قيمة أصول الشركة في جميع مراحل وجوانب الأعمال. كما أنها تمثل نموذجاً لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الضخمة، في مجال الطاقة والبنية التحتية على مستوى دولة الإمارات والمنطقة، وتعكس كذلك ثقة المستثمرين العالميين في «أدنوك»، باعتبارها شريكاً مفضلاً وموثوقاً، كما تسهم هذه الاتفاقية الجديدة في تعزيز مكانة «أدنوك»، ودورها المحوري في تحفيز الاستثمار المسؤول والمستدام، بما يسهم في تحقيق قيمة إضافية لدولة الإمارات.
> في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم نتيجة وباء «كورونا» وما صاحبه من تداعيات، كيف استطاعت «أدنوك» جذب هذا الاستثمار؟
- منذ بداية أزمة «كورونا»، ركزنا في «أدنوك» على صحة وسلامة كوادرنا البشرية، وعلى استمرارية الأعمال والإنتاجية في كل أنشطتنا، وتعتبر هذه الصفقة جزءاً من استراتيجيتنا لتعزيز القيمة. وكان العمل على هذا المشروع بالتحديد قد بدأ في الربع الثالث من العام الماضي، وضاعفنا جهودنا خلال الأشهر الأخيرة، وكثفنا التواصل مع الشركاء لإنجاز هذا المشروع، دون السماح للظروف الاستثنائية بالتأثير على مجريات الأعمال، ومع التركيز الدائم على الهيكلة الذكية لهذا الاستثمار، بما يضمن تحقيق عوائد جيدة لكل الأطراف المشاركة، يضاف إلى ذلك أن الإمارات - وبفضل رؤية القيادة وتوجيهاتها - تمتلك مصداقية كبيرة، وتوفر بيئة أعمال آمنة وموثوقة ومستقرة، تدعمها منظومة تشريعية متكاملة، وسجل حافل باحترام الشراكات في مختلف المجالات، وكذلك تاريخ الدولة وإمكانياتها وتنافسيتها في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وكان لهذه العوامل دور محوري في استقطاب مجموعة متميزة من الشركاء الاستراتيجيين. ويؤكد توقيع صفقة بهذا الحجم وفي مناخ اقتصادي صعب، الثقة الكبيرة لمجتمع الاستثمار العالمي في دولة الإمارات كوجهة للاستثمار الآمن، وفي «أدنوك» كشريك موثوق يحظى بأفضل التصنيفات الائتمانية على مستوى العالم، بالنسبة لشركات قطاع النفط والغاز.
كما تعكس الاتفاقية أيضاً مدى قوة ومتانة الأصول المتميزة في البنية التحتية لقطاع الطاقة في دولة الإمارات، والاهتمام الكبير من المؤسسات الاستثمارية الرائدة في العالم بهذه الأصول ذات العوائد الجيدة والمخاطر المنخفضة. وجدير بالذكر هنا أن «أدنوك» لديها سجل حافل في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك الاستثمار الكبير الذي تم العام الماضي في البنية التحتية لخط أنابيب النفط في «أدنوك»، من شركتي «بلاك روك» و«كي كي آر»، وغيرهما من كبار المستثمرين العالميين، والذي كان بقيمة تقارب 5 مليارات دولار.
> هل بالإمكان تقديم فكرة عن هذه الصفقة وكيفية هيكلتها؟ وما القيمة التي ستحققها «أدنوك» من هذه الاتفاقية؟ وكيف ستستثمر رأس المال الناجم عن هذه الاتفاقية؟
- بشكل مختصر، قامت «أدنوك» بتحديد مجموعة من أنابيب نقل الغاز، ومن خلال هيكلية ذكية، تم تجميع هذه الأنابيب تحت مظلة واحدة تم تقييمها بأكثر من 76 مليار درهم (20.7 مليار دولار)، واستقطبنا مجموعة من المستثمرين لمشاركتنا في نسبة 49 في المائة من هذه المجموعة من الأنابيب، مقابل 37 مليار درهم (10 مليارات دولار) تعتبر استثماراً استراتيجياً من مصادر خارجية، وستبقى نسبة الأغلبية (51 في المائة) مع «أدنوك»، علماً بأن مدة الاتفاقية هي 20 سنة، يتم خلالها تطبيق تعريفة متفق عليها على كميات الغاز التي يتم ضخها في هذه الأنابيب، مع احتفاظنا بكامل حقوق التحكم والإدارة والتشغيل لمجموعة الأنابيب المشمولة. وتتيح هيكلية الاتفاقية المبتكرة لـ«أدنوك» الاستفادة من رؤوس أموال عالمية، واستثمارها في مشاريع جديدة تدعم استراتيجية «أدنوك» للنمو الذكي، والقيام بواجبها في المساهمة في نمو وتطور الاقتصاد والازدهار في دولة الإمارات.
> كيف تتماشى هذه الاتفاقية مع استراتيجية «أدنوك» للغاز والتكرير والبتروكيماويات؟
- هذه الصفقة تسهم في تمكين استراتيجية «أدنوك» المتكاملة للغاز التي تشمل العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغاز بدولة الإمارات، إذ توفر هذه الاتفاقية رأس مال ضخم يمكن الاستفادة منه في مشاريع للاستفادة من موارد غاز جديدة، أو تسريع العمل على تطوير المشاريع القائمة. إضافة إلى ذلك، هناك تكامل وتنسيق في جوانب أنشطة وأعمال «أدنوك» في قطاع النفط والغاز؛ حيث إن توفير إمدادات مستقرة وذات تكلفة مجدية من الغاز، يسهم في دعم مشاريع وصناعات «أدنوك» في مجال التكرير والبتروكيماويات، مما يسهم في خلق مزيد من الفرص التي تدعم النمو وتسهم في تسريع تطبيق خطط تنويع الاقتصاد في الإمارات.
> هل تخططون لعقد مزيد من الشراكات المماثلة في المستقبل؟
- في إطار سعي «أدنوك» المستمر لتنفيذ استراتيجيتها لتعزيز القيمة عبر الشراكات الاستراتيجية، وخلق فرص استثمارية مشتركة وتحفيز النمو الذكي، نرحب دائماً بدراسة الأفكار والمقترحات لشراكات استراتيجية مماثلة في المستقبل؛ خصوصاً إذا كانت تتماشى مع أهدافنا بزيادة القيمة من أصولنا المتعددة والمتنوعة، في مختلف جوانب مجالات قطاع النفط والغاز، بدءاً من الاستكشاف والتطوير والإنتاج، مروراً بالتكرير والغاز والبتروكيماويات والمشتقات والصناعات التحويلية، وانتهاءً بالنقل والتوزيع.
> ما هي نظرتكم لأوضاع الاقتصاد العالمي وأسواق النفط خلال هذه المرحلة؟ وأيضاً ما هي رؤيتكم للعالم في مرحلة ما بعد «كورونا»؟
- لا يزال العالم يترقب تطورات تداعيات جائحة «كوفيد- 19» التي تسببت في أزمة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، اجتمعت خلالها ثلاثة عوامل، هي انتشار وباء عالمي له تداعيات صحية كبيرة، وتباطؤ أو توقف نشاط الاقتصاد العالمي، وكذلك تقلبات كبيرة في أسواق النفط. وبدأنا نشهد في الأسابيع الأخيرة مؤشرات إيجابية، منها اتفاق «أوبك+» الذي أعاد الثقة للأسواق، وساهم في بدء عودة التوازن بين العرض والطلب واستقرار الأسعار، كما بدأ النشاط الاقتصادي في العودة التدريجية بمختلف أنحاء العالم، وهذا ساهم في زيادة الطلب على النفط في الصين وغيرها من دول شرق آسيا، وكذلك في بعض دول أوروبا وأميركا الشمالية. وخلال الفترة الماضية، تم تعزيز التدابير والإجراءات الصحية في مختلف أنحاء العالم، وارتفع مستوى الوعي بكيفية الوقاية والحماية من «كوفيد- 19»، وهذه جميعها مؤشرات طيبة حول بدء عودة الحياة إلى طبيعتها. وفي الواقع، كان موضوع سؤالك هذا أحد المحاور الأساسية التي جرى نقاشها خلال «ملتقى أبوظبي للرؤساء التنفيذيين لشركات النفط والغاز» الذي استضافته «أدنوك» الأسبوع الماضي. وكان هناك إجماع في آراء المشاركين حول وجود مؤشرات لبدء عودة النشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم، مما ساهم في ارتفاع الطلب على النفط؛ لكن لا يزال من المبكر تحديد المسار المستقبلي للاقتصاد بشكل دقيق. ولا بد من مرور بعض الوقت حتى يرجع نشاط الاقتصاد العالمي وأسواق النفط إلى المستويات الطبيعية؛ لكن بشكل عام فإن المؤشرات الحالية تدفعنا إلى التفاؤل والإيجابية.
وفي رأيي، المهم حالياً هو العمل على ثلاثة مسارات متوازية ومتزامنة، تشمل: استمرار الحذر واليقظة وتطبيق إجراءات الوقاية والحماية الصحية، وضمان استمرارية الأعمال في جميع المجالات، والمسار الثالث مهم جداً، يتمثل في البدء من الآن بالتخطيط المستقبلي ودراسة الفرص الجديدة التي بدأت تظهر من التوجهات العالمية الجديدة في مرحلة ما بعد «كورونا»؛ خصوصاً في المجالات الواعدة والقادرة على الإسهام في تسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.