كيف تساعدنا الفيزياء على فهم العالم؟

جيم الخليلي في أحدث مغامراته الفكرية

جيم الخليلي
جيم الخليلي
TT

كيف تساعدنا الفيزياء على فهم العالم؟

جيم الخليلي
جيم الخليلي

لا أعرف مدى مصداقية العبارة المنسوبة إلى اللورد رذرفورد (وهو أحد أعاظم الفيزيائيين التجريبيين) والتي فحواها أن العلم الحقيقي هو الفيزياء، وكل شيء سواه لا يعدو أن يكون جمع طوابع! قد تبدو العبارة راديكالية المحتوى؛ لكنها تنطوي على جوهر حقيقي يُعلي شأن الفيزياء ويراها علماً ثورياً في إمكاناته ومدياته التي تداعب أحلام كل فرد منا؛ خصوصاً في بواكير نشأته وقبل أن تذوي طاقته التخييلية بفعل كسله الشخصي أو انغماره في مسارب الحياة المختلفة. ثمة كثير من العوامل التي جعلت الفيزياء علماً ساحراً قادراً على إطلاق قدرة التخييل الرفيع لدى الفرد، ولعل أهم هذه العوامل هو أن الفيزياء الوريث الشرعي الوحيد الذي حمل راية «الفلسفة» وعمل على تحقيق تطلعاتها في مساءلة الأسئلة الكبرى في الحياة وفهمها، وليس غريباً بعد هذا أن توصف الفيزياء باسم «الفلسفة الطبيعية» في كثير من الجامعات الغربية (الجامعات الاسكوتلندية مثالاً).
-- الفيزياء أولاً
تتّسمُ البلدان المتقدّمة بجُملة من الخصائص، ومن هذه الخصائص أنّ كلاً من تلك البلدان تمتلك تاريخاً مشرقاً في البحث الفيزيائي حتى بلغ الأمر أن تأسست في بعض البلاد مدرسة مميزة للفكر الفيزيائي (والرياضياتي كذلك)، وسيكون أمراً بديهياً أن نتوقّع شيوع الشغف في القراءة الجادة والعميقة والمنتظمة للمنشورات الخاصة بالفيزياء والرياضيات منذ الصغر. وستوفّر هذه القراءات نوعاً من القاعدة العلمية الواسعة التي ستخدم جبهتين: الأولى حبّ العلم والبحث العلمي واعتباره نوعاً من الشغف العلمي الذي يملأ كيان المرء ويمكن أن يغدو حرفة مستقبلية ناجحة ورائعة. والثانية توفير أساس مادي ومعرفي لكلّ التطوّرات العلمية والتقنية المستقبلية التي لن تكون ممكنة من غير جيل من الفيزيائيين فضلاً عن عشّاق الفيزياء. توضّحُ لنا هذه المقدّمة التمهيدية الأهمية الحاسمة لإشاعة الفكر الفيزيائي على كل المستويات (كتب، وإذاعة وتلفاز، ووثائقيات علمية، وسلاسل حوارية، ومنتديات...)، وعليه؛ فليس غريباً أن تخصّص الحكومات والجامعات والمؤسسات البحثية في بلدان العالم المتقدّم موارد ضخمة لنشر المعرفة الفيزيائية الأساسية في أشكال ووسائط محببة للعقل الشغوف، وهي إذ تفعل هذا؛ فهي مدركة تماماً أنها تضيف عنصراً من عناصر المقدرة الاستراتيجية التي ستنعكس مفاعيلها في القدرة العلمية والتقنية للبلد.
حفل عالم نشر الثقافة الفيزيائية الجمعية بأسماء لامعة كان لها دور عظيم الأثر في إشاعة الفكر العلمي والتنويري، ولعلّ كثيرين منّا يذكرون أسماء مثل: آرثر سي. كلارك، وجورج غاموف، وإسحق أسيموف، وكارل ساغان، وجاكوب برونوفسكي، وميشيو كاكو، وبراين غرين، وكارلو روفيلّي... إلخ ؛ لكنْ شاع في السنوات العشر الأخيرة اسم ربّما لم يسمع به كثيرون؛ ذلك هو البروفسور جيم الخليلي المولود في العراق عام 1962.
جيم الخليلي Jim Al - Khalili هو بروفسور الفيزياء النظرية وأستاذ «كرسي الفهم الجمعي للعلم» في جامعة سرّي ببريطانيا، وفضلاً عن هذا فهو حاصل على ميدالية «مايكل فاراداي» التي تمنحها الجمعية الملكية، وميدالية «كلفن» التي يمنحها «المعهد البريطاني للفيزياء»، إلى جانب كثير من شهادات الدكتوراه الفخرية من جامعات مرموقة كثيرة في العالم. ويُعرَفُ عن البروفسور الخليلي أنه مقدّم حاذق للبرامج العلمية إلى جانب أنه مؤلف لكثير من الكتب التي لاقت رواجاً واسعاً، وهو لا ينفكّ يتحفُنا بكثير من الوثائقيات العلمية المبهّرة في شتى صنوف المعرفة العلمية. أذكر أدناه أهمّ الكتب التي نشرها البروفسور الخليلي والتي حقّقت مقروئية واسعة على أوسع النطاقات الجماهيرية:
- «المفارقة: الأحجيات التسع الأعظم في الفيزياء».
- «الحياة على الحافة: العصر القادم للبيولوجيا الكمومية».
- «الكم: دليلٌ للحائرين».
-- سرد علمي ـ تاريخي
أحدثُ كتب الخليلي هو الكتاب الذي نُشِر مؤخراً (في 10 مارس/ آذار الماضي)، وجاء بعنوان: «العالم كما تفهمه الفيزياء The World According to Physics)، وقد نشرته جامعة برينستون الأميركية، وهي إحدى جامعات النخبة الأميركية. ضمّ الكتاب مقدمة رائعة، بالإضافة إلى 10 فصول؛ اختصّ كل منها بتناول واحد من المفاهيم الأكثر جوهرية في الفيزياء الكلاسيكية والحديثة، وهذه الفصول على الترتيب: رهبة الفهم، المقياس، المكان والزمان، الطاقة والمادة، العالم الكمومي، الديناميك الحراري وسَهْمُ الزمان، توحيد القوى، مستقبَلُ الفيزياء، فائدة الفيزياء، التفكيرُ بطريقة الفيزيائيّ. لم ينسَ المؤلف أن يضمّن الكتاب قائمة ختامية تضمُّ عناوين مرجعية لكتب منتخبة بدقة مع تعليق من جانب المؤلف يبيّن أهمية هذا المرجع في سياق التطوّر التاريخي لفهم الفيزياء.
والخليلي متمرّسٌ بفنون السرد العلمي - التاريخي والإمساك بشغف القارئ ودفعه دفعاً للقراءة المستمتعة، ويمكن معاينة هذه الخصيصة المميزة للخليلي عبر قراءة السطور الافتتاحية من مقدّمته لهذا الكتاب:
«هذا الكتاب هو قصيدة غنائية Ode كتبتُها للفيزياء.
أغرِمتُ بالفيزياء وهمتُ بها عشقاً أول الأمر وأنا لم أزل مراهقاً بعدُ، ولا مناص لي من الاعتراف هنا بأنّ هذا العشق للفيزياء إنما كان (في البعض منه على الأقلّ) بسبب إدراكي المبكّر بأنني أحقق إنجازاً أكاديمياً مدرسياً لا يمكن إغفاله في هذه المادة ؛ فقد بدت لي الفيزياء حينذاك خليطاً مبهجاً من حلّ الألغاز والبداهة العامّة، وقد استطبتُ لأبعد الحدود اللعب مع المعادلات، والتعامل مع الرموز الجبرية، والتفكّر في الأرقام بكيفية تكفلُ كشف أسرار الطبيعة؛ لكنني أدركتُ في الوقت ذاته أنني إذا ما سعيتُ للحصول على إجاباتٍ مُرْضية بشأن الكثير من الأسئلة العميقة التي كانت تتفجّرُ في عقلي المراهق بشأن طبيعة الكون ومعنى الوجود، فإنّ الفيزياء هي الموضوع الذي يتوجب علي دراسته. أردتُ أن أعرف: مم نحنُ مصنوعون؟ من أين أتينا؟ هل للكون بداية أو نهاية؟ وهل الكون محدودٌ في أبعاده أم إنه يمتدّ إلى حدود لا نهائية؟ ما هذا الموضوع الذي يدعى (ميكانيك الكم Quantum Mechanics) الذي جاء أبي على ذكره أمامي في إحدى المرّات ؟ ما طبيعة الزمان؟ قادني مسعاي للعثور على إجابات لهذه الأسئلة إلى حياة عشتها بأكملها وأنا أدرسُ الفيزياء، وقد حصلتُ الآن على إجابات مقبولة لبعضٍ من تلك الأسئلة، ولا زلتُ أسعى بكلّ ما أستطيعُ للحصول على إجابات مقبولة للبعض الآخر منها».
دفعتني قراءة كتاب البروفسور الخليلي إلى استذكار اللذة العميقة التي لطالما غمرتني كلّما قرأت كتاباً علمياً جديداً مثيراً في مادته، أو تابعتُ على إحدى الفضائيات سلسلة وثائقية تتناول أحد الموضوعات العلمية التي يحفل بها عالمنا المعاصر، ولا أنفكّ أتساءل بعد كلّ قراءة أو مشاهدة مثمرة: لِمَ يبدو العلمُ لدينا مملكة عصية الاختراق لا تفتح مغاليقها إلا لصفوة من النخبة (أو بتعبير أدق: لمن نتصوّرُ أنهم الصفوة البشرية المنتخبة)؟ وما السبب الذي يجعل العلم لدينا أقرب إلى الملغزات المفاهيمية المستعصية على الفهم الجمعي؟ ولماذا يبدو لنا آينشتاين - على سبيل المثال - أحد الشخوص الأسطوريين في الوقت الذي يتعامل معه الغربيون على أنه شخصية ثقافية حالها حال كثير من الشخصيات الثقافية التي نتعامل معها بصورة يومية؟
ليس العلم بذاته محض قوانين ومعادلات رياضياتية أو تمظهرات تقنية فحسب؛ بل هو توليفة متكاملة ومتناسقة من أنساق مفاهيمية تمنح الفرد قدرة على رؤية العالم بطريقة متمايزة نوعياً عمّا يراه الفرد غير المؤهّل علمياً، وتنعكس آثار هذه الرؤية على كيفية تشكيل النسق الثقافي السائد إلى حدّ أصبحنا معه نشهد كثيراً من المنظّرين الثقافيين وممارسي الثقافة المؤثّرين من الحائزين أرقى المؤهلات العلمية في الفيزياء والرياضيات وسواها، وإذا ما زال كثير من الأوساط الفاعلة في ترسيم خريطة ثقافتنا العربية يعدّ العلم اشتغالاً فوقياً بعيداً عن ملامسة قاع البنية التحتية للثقافة بدلاً من اعتباره مغامرة كبرى - بمثل ما كان العلم في حياة الخليلي - فربما تساهم قراءة هذا الكتاب في تفكيك هذه الفوقية وإشاعة الفهم الحقيقي للعلم بصفته اشتغالاً فكرياً رفيعاً يمتلك القدرة على إحداث تغيّرات عظمى في حياة الإنسان وفكره وبيئته.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في عمّان


مقالات ذات صلة

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).