مشهدية السودان... من الجهاد الميداني إلى الاجتهاد البرهاني

مشهدية السودان... من الجهاد الميداني إلى الاجتهاد البرهاني

فؤاد مطر يكمل ثلاثيته عن البلد بكتاب عن الانتفاضة
الخميس - 4 ذو القعدة 1441 هـ - 25 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15185]
بيروت: «الشرق الأوسط»

عن «الدار العربية للعلوم»، بيروت، يصدر نهاية شهر يونيو (حزيران) من هذه السنة، للكاتب الصحافي فؤاد مطر، الكتاب المعنون بـ«الحاكم إذا استبد... والشعب إذا انتفض» عنواناً رئيساً، و«مشهدية السودان الخائر.. الثائر.. الحائر» عنواناً فرعياً، مع «رؤية استشرافية» للصادق المهدي، وتقديم لجمال محمد إبراهيم.

يقع الكتاب في (462) صفحة، ويضم (22) فصلاً، يتوزع كل فصل منها على عدة عناوين تعكس المشهد السوداني، وتعقيداته، وتطوراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ارتباطاً بالوضع العربي والأفريقي والعالمي. وقد عززت الفصول والوثائق بعشرات الصور قديمها وحديثها «وبذلك، بدت الصورة توضح معنى النص، أو إن النص يفسر ملامح وجوه الذين باتوا جزءاً من التاريخ المصور للمرحلة»، كما جاء في التقديم.

وفي بضع صفحات، أوضح فؤاد مطر ظروف تأليف كتابه الجديد، مركزاً على التميز الذي عرفته الانتفاضة السودانية دون سائر الانتفاضات العربية الأخرى، بالقول: «إنها أدخلت صيغة الانقلاب الثنائي، أو ثنائية الانقلابات على حتمية التغيير. ولقد رأيْنا كيف أن التغيير من جانب الطيف المدني على درجة من الاستحالة، ومن أجْل ذلك لم يُكتب لكل من الجزائر وتونس ولبنان الفوز، وإن كان الصوت الاحتجاجي سُمع في أكثرية دول العالم التي إما تعيش في ظل مناخ الحريات، وإما أنها تواقة إلى نسائم من الديمقراطية تُخفف بعض الشيء من هجير السُلْطة وسلاطينها... لقد أثمرت الانتفاضة السودانية، بعد أن اقتربت أيادي بعض عساكر السودان من أيادي رموز الطيف المدني، وبدا هذا الاقتراب مثل تلاقي النيل الأبيض مع النيل الأزرق متحابيْن إلى آخر الزمن. في البداية، كان الحذر سيد الموقف، ثم اقتنع هذا الطيف، بمَن ينتسب إليه من أساتذة جامعات وطلاب وتجار وأطباء ومهندسين وكتاب وصحافيين وصناعيين، أنه باليد الواحدة لن يستطيع التصفيق، فنزل من عليائه الرافض إلى رحاب الموضوعية مرحباً في البداية. وبعد قبول بمبدأ المحاصصة، ارتضى صيغة الكفتين المتوازيتين من ميزان الطبعة الجديدة للنظام في السودان».

وفي «رؤيته الاستشرافية»، يرى الصادق المهدي أنه «في تقديري، إن تجاربنا في مواجهة الطغيان، وفي مكافحة تمكين الحكم الديمقراطي، مع ما فيها من آلام واضطرابات، لم تذهب سدى، بل أورثتنا دروساً غالية في إدارة التنوع، تناولتها في كتابي (الهوية السودانية بين التسبيك والتفكيك)، وأورثتنا دروساً في ضرورة أقلمة النظام الديمقراطي، ثقافياً واجتماعياً.

الفترة الانتقالية الحالية أشبه ما تكون بحقل تجارب، تنشط فيه جبهتان إسلاموية منكفئة وعلمانوية مستلبة لتخطف المصير الوطني، وتحوم رؤى غالباً وافدة لثورة مضادة أشبه بتلك التي أجهضت كثيراً من ثورات الربيع العربي. ولكن التركيبة العسكرية السودانية بعيدة من هذا الدور، ودون خوض في التفاصيل فهي غير مستعدة لمثل هذا الدور.

المعمعة السياسية السودانية، في تقديري، سوف تسفر عن تغلب نهج سياسي يكفل الحريات وحقوق الإنسان والمشاركة في الحكم والعدل الاجتماعي، ويلبي مطالب السلام العادل الشامل والتوازن في العلاقات الخارجية، بلا محورية. هذا النهج ليس هلامياً، بل مسلح بفكر واضح، وليس فوقياً، بل مجدر بسند شعبي عتيق، ومسنود بقوى شبابية ونسائية جديدة. هذا النهج يطرح ديمقراطية توافقية وفكراً يوفق بين التأصيل والتحديث، وينازل ويغلب التحديات الإسلاموية والعلمانوية والانقلابية، ويمثل في قراءة التاريخ المضاد للثورة المضادة».

وجاء في تقديم الدبلوماسي جمال محمد إبراهيم أنه «حفزت الانتفاضة السودانية في صيغتها المبتكرة، حيث بدأت شعبية واكتملت بوقفة عسكرية إلى جانب الطيف المدني المنتفض، الكاتب الصحافي فؤاد مطر لتأليف كتاب عنها يكمل به ثلاثيته السودانية التي تحمل تسمية (حلو مر السودان.. تاريخ ما لن يهمله التاريخ عن العسكر والأحزاب). وكان أول هذه الثلاثية كتاب (المصالحة الوطنية في السودان انتكسوها أم انتكست)، بتقديم من الصحافي السوداني العريق الراحل محمد الحسن أحمد. ثم جاء الكتاب الثاني بتسمية (سنوات نميري... بحلوها ومرها)، بتقديم من الكاتب السياسي الراحل ربيع حسنين. ولكل من محمد الحسن أحمد وربيع حسنين رؤاه التي لا تخلو من التحفظات الموضوعية على أهل الحكم في السنوات التي شغلها نميري ورفاقه ضباط (ثورة مايو) التي بدأت بيضاء، ثم دخل الدم نتيجة محاولات انقلابية وإعدامات بفعل أحكام متسرعة يصبغ كثيراً من ملامحها.

بالكتاب الجديد المعنون بـ(الحاكم إذا استبد... والشعب إذا انتفض) عنواناً رئيساً، و«مشهدية السودان الخائر.. الثائر.. الحائر» عنواناً فرعياً، يكمل فؤاد مطر ثلاثيته السودانية التي، إلى جانب كتابه المعنون بـ(الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم انتحر) الذي كانت صحيفة (النهار) قد أصدرته في شهر أغسطس (آب) 1971، يكون بها -على حد قوله- في تعريفه لهذه المؤلفات قد أسدى إلى (السودان الوطن والشعب ما هو حق لهما علي كصحافي وكاتب ومؤلف)».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن اهتمام فؤاد مطر بالشأن السوداني بدأ منذ سنواته «النهارية» الثلاثين، ثم من خلال سنواته بصفته واحداً من الكتاب في مجلة «المستقبل» في باريس، تلي ذلك سنواته بصفة ناشر لمجلة «التضامن» في لندن، ثم بصفته أحد كتاب الرأي في صحيفة «الشرق الأوسط»، وفي صحيفة «اللواء» اللبنانية. ويتسم كتاب «الحاكم إذا استبد... والشعب إذا انتفض» بالتحليل الموضوعي للانتفاضة السودانية، وإرفاق التحليل بالمعلومة المؤجل نشْرها المتوفرة في إضبارات أرشيفه الشخصي، وكذلك بالوثيقة التي تدعم التطورات. ولقد توزعت صفحات كتابه اﻟ(462) على (22) مشهداً؛ والمشهد هنا بمعنى الفصل. كما أن الوثائق والصور بين حديثها وقديمها تتوزع على صفحات داخل هذه المشاهد. وهكذا، نرى السودان تحت المجهر من زمن المجلس العسكري، وقائده الجنرال إبراهيم عبود، أي زمن «السودان الخائر» على نحو توصيف الكاتب فؤاد مطر للمراحل التي مرت على السودان. وبعد «السودان الخائر»، نراه يطلق على المرحلة التالية توصيف «السودان الثائر»، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، وهي «السودان الحائر».

وتوضح حالة الحيرة هذه عبارة «من الجهاد الميداني... إلى الاجتهاد البرهاني»، أي اللقاء الصادم الذي تم في أوغندا بين الرئيس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، نتيجة حض من جانب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إتمام هذا اللقاء، تمهيداً -أو شرطاً- لرفع العقوبات الدولية عن السودان، وهو أمر عطلت الفوضى الناشئة عن «كورونا» ليس فقط تنفيذ الوعد أو التعهد به، وإنما حتى تلبية البرهان الدعوة لزيارة واشنطن، والتحادث مع الرئيس ترمب.

وعلى نحو تيسيري لقراءة الكتاب، أوجز فؤاد مطر لكل فصل (أو مشهد) على نحو التسمية التي اعتمدها. كما أنه عزز الفصول والوثائق بعشرات الصور، قديمها وحديثها، وبذلك بدت الصورة توضح معنى النص، أو إن النص يفسر ملامح وجوه الذين باتوا جزءاً من التاريخ المصور للمرحلة.


لبنان كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة