تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً

أنشطة متنوعة لتكريمه في الذكرى الـ150 لغيابه

تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً
TT

تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً

تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً

لو تسنى لك قراءة المقدمة التي كتبها الناقد الإنجليزي جليبرت كيث تشيسترتون (1874 – 1936) للطبعة الشعبية من رواية «كريسماس كارول» لظننت أن تشارلز ديكنز (1812 – 1870) مؤلفها أقرب ما يكون قديساً من العصور الوسطى، في الوقت الذي ذهب فيه ناقد ماركسي التوجهات - توماس ألفرد جاكسون (1879 – 1955) - إلى تصنيفه ثورياً راديكالياً نصيراً للبروليتاريا «فكأنما لو كان ماركسياً». لكن الحقيقة أن هذا الروائي والصحافي الإنجليزي القدير لم يكن لا هذا ولا ذاك، وإنما كان رجلاً موهوباً وظّف طاقاته التعبيرية وغضبه من الأوضاع البائسة التي عانتها قطاعات واسعة من مواطنيه عشية صعود الرأسمالية في بلاده لتقديم نقد اجتماعي متقدم لآثام الرأسمالية عبر سلسلة من أعمال أدبية خالدة، تركت في مجموعها أثراً لا ينكر على إدراك الطبقة البرجوازية أوجاع بعض فئات المجتمع الأقل حظاً، وساعدت بشكل أو بآخر في تهذيب القوانين والسياسات التي استهدفتهم، وأصبحت كلاسيكيات في إطار الأدب الإنجليزي الغاضب، لكن المقبول من الجميع، ودائماً داخل الخطوط الحمراء للمنظومة الليبرالية للمجتمع البريطاني.

معارك متعددة
لا يعرف الكثيرون بأن هذا الروائي الشهير الذي ترك وراءه مجموعة من أهم وأشهر الشخصيات في تاريخ الخيال الأدبي لم يتلق تعليماً منتظماً، واضطر إلى العمل في مراهقته لإنقاذ والده من سجن الغارمين. لكن موهبته في الكتابة فرضت نفسها، فعمل محرراً لصحيفة أسبوعية عشرين عاماً، ونشر 15 رواية طويلة، وخمس قصيرة، ومئات القصص القصيرة والمقالات، وألقى بكلمات وقرأ للعموم من نصوصه بكثافة، وكان صوتاً عالياً في كل دعوة إلى حماية الأطفال من تغول الرأسماليين، وتعميم التعليم وتعديل القوانين لمصلحة الأكثرية.
خاض ديكنز معاركه مع سوءات مجتمعه على جبهات عدة. ففي «أوليفر تويست» التي كتبها نحو عام 1830 ولم يكن وقتها قد أصبح شهيراً أو ثرياً – فتلك أمور تحققت لاحقاً - فتح النار على قانون الفقر الجديد - الذي فرضه البرلمان البريطاني حينها وكان يخير المعدمين بالالتحاق ببيوت العمل القاسية، حيث يمنحون الطعام والملجأ مقابل خضوعهم لمنظومة تشغيل أشبه بالعبودية، أو مواجهة حظوظهم في الشارع دون أي مساعدة - . وقد بدأ حينها نشر فصول مسلسلة لقصة رمزية عن طفل يتعرض لمعاملة منهجية سيئة لقيت رواجاً عظيماً حتى قيل إنها وصلت إلى الملكة فيكتوريا وقرأتها بشغف ملحوظ.
وقد تسببت الفصول المتتالية التي كان ينتظر الكثيرون صدورها بتشوق - وجمعت لاحقاً في الرواية الشهيرة كما نعرفها الآن - بصعوبات جمة للساسة وراء قانون الفقر ذاك، على نحو ألجأهم إلى تنفيذ سلسلة من المحاضرات العامة والخاصة لإزالة السمعة السيئة التي التصقت به على يد ديكنز – وأوليفر بطل روايته - .
وقد تضمنت «أوليفر تويست» وصفاً مفعماً بالحياة لنمط حياة الفقراء في أحياء البؤس المحيطة بالمدن، وأصيب كثير من برجوازيي العاصمة لندن بالصدمة عندما علموا بأن حي «جيكوبس آيلاند» السيء الذي وصفه ديكنز في الرواية كان موجوداً بالفعل على بعد أميال قليلة من قصورهم ومساكنهم الفارهة (قبل أن يزال من الخريطة بالكامل عام 1860).
وقد حذر ديكنز لاحقاً في «قصة مدينتين» من أن تجاهل الحكومات للأوضاع الرثة لسكان تلك الأحياء (باريس ولندن) سيدفعهم آجلاً إلى التمرد والعصيان، وعاجلاً إلى الجريمة والموبقات، مستشهداً بالظروف التاريخية للفترة قبل وأثناء الثورة الفرنسية. وهو في مقالاته الصحافية أيضاً كان يدعم التدخل الحكومي لمنع الفوضى الممكنة، ويدعو إلى نشر التعليم العام كوسيلة لتوجيه الفقراء بعيداً عن السلوكيات السيئة، وتأسيس إصلاحيات بدلاً من السجون للأحداث الذين يتورطون بالجرائم.

مواقف متناقضة
حاول ديكنز تقديم الفقراء بصورة مقبولة ومحببة لمواطنيهم البرجوازيين؛ إذ لا يمكن لأحد مهما قسى قلبه وتعجرف طبقياً ألا يحب عائلة «كراتشيت» في «كريسماس كارول» التي بالكاد تجد ما يبل الرمق بما تحصل عليه من أجور متواضعة، لكن أفرادها مع ذلك مفعمون بالدفء والعواطف. تسبب ذلك له في نقد شديد من روائيين لاحقين أمثال أوسكار وايلد وهنري جيمس وفيرجينيا وولف الذين اتهموه بتسطيح الشخصيات والسذاجة العاطفية. وفي الحقيقة، فإن تصدي ديكنز لقضايا الفقر وأوجاع المجتمع أخذته تالياً إلى مسائل العقوبات والإعدام والسجون، وقد كتب في «بانبري رادج – 1841» مديناً إيقاع عقوبة الإعدام بمرتكبي الاعتداءات البسيطة من خلال رواية تاريخية استلهمت أحداث ما عرف بانتفاضة غوردون (1780) وما استتبعته من أحكام قاسية، كما كتب في «ملاحظات أميركية – 1842» نصوصاً عدة لنقد تجربة ابتدعتها الولايات المتحدة تضمنت تأسيس نظام سجون يقوم على العزل الانفرادي والتوجيه الديني، وذلك على الرغم من مقته الشديد للمجرمين الذين كان يرى «أنه يجب أن يسحقوا كما لو أنهم وحوش بدائية، ويزالوا تماماً من الوجود».
وقد أدى هذا التناقض في المواقف إلى انتقادات مبكرة له منذ منتصف القرن التاسع عشر من قبل المواطنين الفقراء داخل العاصمة لندن (على ما سجله تقرير كتبه محقق اجتماعي من تلك الفترة) اتهموه بأنه كان مفضلاً عندهم قبل أن يهوي بشدة ويخون قضيتهم، في حين اعتبره آخرون ذا وجهين يظهر أحدهما في كتابته، والآخر عبر مواقفه الشخصية. نظام المصانع الحديثة كان الفضاء الآخر الذي وجد في ديكنز أشد المنتقدين. المصانع التي كانت تفرض إيقاع حياة جديداً تماماً في الشمال الإنجليزي من خلال توظيف عشرات آلاف المعدمين لساعات طويلة يومياً في ظروف عمل خطرة مقابل أجور زهيدة - بمن فيهم النساء والأطفال - أصابته بالحنق. وكتب بعد زيارته لعدد منها بمانشستر روايته «ذي أولد كيوريس شوب - 1840» والتي ضمنها وصفاً مروعاً لظروف العيش في بلدة صناعية اضطرت بطلة الرواية للإقامة بها. لكنه ما لبث أن تصالح مع فكرة مؤسسة المصنع بعد زيارته إلى الولايات المتحدة عام، 1842 وعاد ليتحدث عن الإمكانات الهائلة التي يحملها التقدم الصناعي للمجتمع البريطاني.
وفي روايته «هارد تايمز – 1854» صبّ جام غضبه على نظم الإدارة في المصانع لا المصانع ذاتها، واصفاً التأثيرات السلبية لمعاملة العمال كمجرد أرقام ضمن معادلة الإنتاج.
وهو في الرواية كما مقالاته من تلك الفترة أشار إلى أن العمال لا يريدون أجوراً أفضل بقدر ما هم في حاجة إلى وظائف تكسب حياتهم الرتيبة معنى، وتمنحهم مساحات للترفيه واستعادة النشاط. وهو بالفعل كان على رأس منتقدي حركة المتطرفين الدينيين (عام 1836) التي أرادت منع أنشطة الترفيه العام في بريطانيا، واقتصار يوم العطلة الأسبوعية على ممارسة الشعائر الدينية وقداديس الكنائس. ومع ذلك، فإنه وصف معظم الأعمال المسرحية والأنشطة الموجهة إلى الطبقة العاملة بأنها «أكوام من الهراء عديم الجدوى أو الفائدة، فيما تبدو الأعمال الأكثر تعقيداً نخبوية وغير قادرة على مخاطبتها».

حضور دائم
نشر ديكنز معظم أعماله مسلسلة، وقد حظيت منذ أولها «بيكويك بيبرز – 1836» بإقبال غير مسبوق، وتلقف القراء فصولها الأسبوعية أو نسخ المجلات التي تنشرها لدرجة أن الجمهور الأميركي الذي كان يترقب العدد الجديد من مجلة ساعة السيد همفري – التي أصدرها ديكنز وحررها لعامين (1840 – 1841) وكانت ترسل كل أسبوع بحراً إلى نيويورك - اقتحم لدى تأخر رسو السفينة مقر إدارة الميناء وتعارك مع الموظفين. وأعماله اليوم ما زالت رهن الطباعة والتداول بكثافة في بلاده وعبر العالم الأنغلوفوني، وتدرس بالمدارس والجامعات، وتحول أغلبها إلى أعمال سينمائية ومسرحية وغنائية مرات عدة.
وستنظم طوال هذا الشهر مؤسسات وبلديات عدة في لندن أنشطة متنوعة لتكريمه في الذكرى الـ150 لغيابه، وطبعاً عبر المنصات الثقافية بسبب جائحة كورونا.
مهما تعددت الآراء في مجمل أعمال تشارلز ديكنز، ومهما تناقضت التصنيفات التي أسبغها النقاد عليه في المراحل المختلفة وصولاً إلى وقتنا الراهن، فإن هنالك إجماعاً على أن الرجل كان أنموذجاً فريداً في توظيف موهبته الأدبية الفذة لنقد الظواهر الاجتماعية السلبية، فكان ضوء كلماته يبرق في عتمة مواضع الألم التي تمس حياة مواطنيه كجزء من التزام إنساني ووطني لا يتزعزع. فإن لم تكن تلك مهمة الأديب فماذا يمكنها أن تكون؟



«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.


«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
TT

«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)

يحتفي الفنان المصري أحمد رجب صقر في معرضه «ألف وجه ووجه» -المُقام في غاليري «المشهد»- بالقصص والمشاعر العميقة التي ينقلها الوجه البشري، ما دفع المتلقي إلى التساؤل: من هؤلاء الأشخاص؟ ماذا يريد الفنان أن نعرف عنهم؟ إلى أي مدى تكشف عن رؤى الفنان تجاه الوجه الإنساني بوصفه حقلاً للذاكرة والهوية والتعبير الوجودي؟

تزخر لوحاته بوجوه تنبض بتعبيرات متعددة ومشحونة بالحياة، وتحدّق إلينا عيونها، متسعة كانت أم ضيقة، مستديرة أم مربعة أم مستطيلة، مسالمة أم حادة، غائرة أم جاحظة؛ إذ تبدو العيون في أعماله قادرة على التحدّي والتأمل، وعلى الإخفاء والبوح.

جانب من معرض (ألف وجه ووجه)

من هنا تبدو أعماله التي تبلغ نحو 50 عملاً، وكأنها استكشاف بصري لمرونة الإنسان، تلك القوة الهادئة التي تظهر في لحظات الضعف والشجاعة والتحول العاطفي.

ولا تلتقط كل لوحة مجرد تعبير، أو إحساس عابر، بل قصة إنسان يواجه تحديات الحياة بطريقته الخاصة، لكنها في جوهرها تبقى وجوهاً تحتفي بالروح الإنسانية.

ويقول صقر لـ«الشرق الأوسط»: «المعرض ليس مجرد معرض للوجوه، بل هو بمثابة جوقة من الأصوات البصرية التي تُلامس أعماق النفس وتترك أثراً عميقاً في الذاكرة».

ويتشابه مفهوم الوجه عند صقر مع مفهومه عند المفكر وعالم الاجتماع الألماني جورج زيمل؛ الذي رأى أن الوجه هو كيان اجتماعي بالغ الأهمية، ولكنه غامض في الوقت نفسه، فهو كشف لحظي وإخفاء مُتعمد، يقدم لنا لمحة عن تقلبات اللحظة الراهنة، ودواخل الشخص الدائمة؛ ما يجعله محوراً لفهم الفردية وسط غموض الحياة الحضرية.

الفنان المصري أحمد رجب صقر (إدارة الغاليري)

ويقول صقر: «نعم، إن مفهوم الوجه بالنسبة لي يقترب من تصور زيمل؛ إذ يُعدّ الوجه نقطة تماس بين الفرد والمجتمع، فهو ليس مجرد ملامح، بل مرآة للروح ومسرح للتبادل الإنساني، وعنصر لفهم الفرد وتأثير البُنى الثقافية فيه. وقد شكّلت هذه العلاقة الجدلية محفزاً ومحركاً لهذه التجربة الفنية».

ويتابع: «خلال السنوات القليلة الأخيرة نفذت مجموعات من الوجوه بتقنية لصق الرمال البيضاء على خلفيات بلون واحد، تزيد على الألف وجه وقناع، وذات يوم تأملت طويلاً هذه الأعمال، وقارنت البدايات والنهايات؛ فإذا بي أجد أنني قد اتجهت تدريجياً من رسم الوجوه إلى رسم الأقنعة».

دعوة للتأمل في تعددية الوجوه (إدارة الغاليري)

وسمِّ هذه اللوحات ما شئت، وجوهاً أو أقنعة، لكنها في النهاية تُمثل مرايا لشخصيات متعددة؛ إذ إن كل تفصيلة تشريحية فيها، من العينين إلى الأنف والشفتين، تروي الكثير عن شخوص نعرفهم أو لا نعرفهم.

كما أنها تُعد مساحات مكثّفة تختزل الفكرة عبر تركيزه على الجوهر والتكثيف، وتزخر في الوقت ذاته بالنقوش والحروف والرموز والطلاسم والأشكال، التي توحي أحياناً بالغموض وإثارة التساؤلات، وأحياناً أخرى بالتماهي مع التراث والحضارات والرسوم البدائية على جدران الكهوف؛ وهو ما يزوّد المتلقي بطاقات تعبيرية وشحنات وجدانية تولّدها صياغات تشكيلية مجردة وألوان صريحة.

وفي أعماله لا يمكن إغفال البناء المعماري ذي السمة الهندسية الواضحة، والتكوينات التي تجمع في سياقها بين النحت والعمارة، وهنا تكتشف تأثر الفنان بالصروح المعمارية للمعابد والأهرامات.

لقد استوعبها جيداً، واستحضرها وأعادها بإيقاع آخر جديد يجمع بين الخط الصريح المتعامد والمسطح الغني بالتفاصيل والمعالجة العصرية المحملة بالشفرات التي لا يسع المتلقي أمامها سوى محاولة فك أسرارها.

البورتريه في تداخل مع الحروفية (إدارة الغاليري)

وتحمل بعض اللوحات دعوة من الفنان للتأمل في تعددية الوجوه بوصفها انعكاساً لتنوع التجارب الإنسانية، وكأن كل وجه مرآة لوجه آخر. ففي العمل الواحد يقدّم عدة وجوه متكررة، لكل منها حكايتها وانفعالاتها الخاصة، لكنها تلتقي جميعاً في تجسيد روح الإنسانية وجوهرها، من دون أن تقع في رتابة التكرار أو ملل النسخة الواحدة.