هل نجحت الرواية الخليجية في تفكيك الخطاب العنصري؟

نقاد وروائيون خليجيون يشاركون في استفتاء «الشرق الأوسط» حول دور الأدب في رصده وكشفه (1 ـ 2)

فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي
فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي
TT

هل نجحت الرواية الخليجية في تفكيك الخطاب العنصري؟

فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي
فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي

منذ تفّجرت قضية العنصرية مجدداً في الولايات المتحدة، بعد مقتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد أثناء توقيفه في مدينة مينيابوليس، بولاية مينيسوتا، والعالم يتقاسم الحديث بشأن العنصرية، البعض اشتغل بالتصويب على المجتمعات الغربية والمجتمع الأميركي تحديداً، وقلة هم من نظر في المرآة ليكتشف ندوب السلوك العنصري في محيطه.
ومع الإيمان بأن العنصرية هي قضية سياسية أولاً، فإن تجذرها وانتشارها مسألة ثقافية، ولذلك فنحن نبحث في هذا التحقيق (على حلقتين) عن دور الأدب، خصوصاً الأعمال الروائية الخليجية في فضح وكشف خطاب العنصرية، وتفكيكه، والنماذج الجريئة التي تصّدت للعنصرية بأشكالها المقيتة: اللون، والعنصر، والجنسية، والقبلية، والمذهبية، والطائفية، والمناطقية، والطبقية، والجندرية، وكل أشكال التفاضل وانعدام المساواة بين البشر.
منذ أن توسع هامش حرية التعبير في الخليج، توسع اهتمام الروائيين بالقضايا المسكوت عنها، وكلما كان الكاتب جريئاً اقترب من القضايا الأكثر سخونة وحساسية. وأشكال التفرقة العنصرية تأخذ مكانها كحالات فردية غالباً وليست قضايا عامة، وبعض الأعمال كانت حذرة حتى لا تثير سخطاً اجتماعياً.
على أنه يمكن القول إن الرواية كانت من أجرأ الخطابات في مناهضة أشكال التمييز والتصنيفات القبلية والمذهبية المختلفة، وهذا دور تنويري يذكر للرواية دون غيرها من الوسائل الأخرى.

- الناقد السعودي د. حسن النعمي: العنصرية خطاب عام
في كتابه «بعضُ التأويل»، يرى الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور حسن النعمي، أن «الربط بين الرواية والخطاب العنصري يأتي في سياق العلاقة الجدلية بين الرواية والمجتمع. فالرواية هي العين الناقدة والنافذة في طبقات المجتمع، وليست مجرد نص للتوثيق والتأريخ، من هنا تتعقب الرواية الظواهر ذات النزعات الإشكالية، لمساءلة بواعثها ومكوناتها. ومن بين هذه النزعات التي تطفو على سطح المجتمع، التمييز العنصري بين فئات المجتمع. غير أن العنصرية خطاب عام، قبل أن يكون خطاباً خاصاً، فهي خطاب تمتد جذوره إلى بدء أزمة الإنسان مع التصنيف العرقي، هي خطاب عام في الثقافات الإنسانية يقف ضد وحدة الإنسان وفكرة الأصل الواحد.
عن الرواية السعودية، يلاحظ النعمي، أن «الرواية السعودية وجدت في العنصرية مادة مغرية بالتناول، غير أن معظمها اتخذ من تيمة الزواج مدخلاً ملائماً لتناول معضلات العنصرية. ومثلما تباينت الروايات في التناول، تباينت في موقفها من المشكلة. ويتمثل التمييز العنصري في سياق أكبر وهو الموقف من الآخر بكل مستوياته، غير أن أبرز ملامح هذا الخطاب تظهر في تمثيلات سردية تتخذ من الزواج كشفاً للاختلاف، وتأكيداً لرفض التلاقي. والرواية تتخذ من الزواج رمزاً لاختبار قسوة التمييز العنصري بين أبناء المجتمع الواحد، ديناً ولغة وانتماءً، كما تتخذ الرواية من الزواج رمزاً لاختبار إشكاليات التلاقي بين الشعوب والمجتمعات الأخرى، أو ما يمكن أن يدور في فلك السياق الحضاري.
ولا تفرق الرواية بين الرجل والمرأة في الوقوع تحت طائلة التمييز العنصري. فقد نجحت الرواية في التنويع في تقديم أشكال الخطاب المختلفة. فأظهرت تحيز المجتمع ضد الفرد. فالمجتمع سواء في شكله القبلي أو العشائري أو العائلي أو الطائفي أو المذهبي، هو الذي يمارس التمييز بسلطة الأعراف والتقاليد والمعتقدات التي لا تخلو من تحيز مطلق ضد الفرد. ففي رواية «أنثى تشطر القبيلة» لإبراهيم شحبي، يواجه شاهر والد تغريد، الذي قرر أن يزوّجها لفرد من خارج القبيلة، الإقصاء ومقاطعة القبيلة. ولا تسأل القبيلة عن هذا التصرف، إنه العرف العنصري الذي يشكّل تحدياً للجميع.

- الروائي السعودي يوسف المحيميد: غياب الأبعاد التاريخية
تمّثل رواية «القارورة» ليوسف المحيميد، واحدة من بين الروايات السعودية المميزة التي ناقشت موضوع العنصرية، حيث المُغْتَصِبْ يقول لضحيته (فاطمة) التي تطالبه بحفظ كرامتها المهدورة عبر الزواج: «ما بقي إلا أتزوج حساوية». ثم تعرج الرواية إلى فضاء أوسع عبر إيقاع عقاب مخفف للجاني على جريمته.
وفي ردّه على سؤالنا: كيف تناولت الروايات السعودية موضوع العنصرية؟ يجيب: «أعتقد أن الرواية السعودية تناولت العنصرية والمناطقية بشكل واسع، ويمكن القول إنها ركزت على التمايز بين المناطق، وعلى الطبقية أكثر مما يمكن التعارف عليه بالعنصرية، إلا إذا ارتكز التمييز المناطقي على تمييز عنصري على أسس إثنية أو ثقافية، وأظن أن كثيراً من الروايات السعودية تناولت العنصرية، سواء على المستوى القبلي أو العرقي أو الإثني، لكن ذلك من خلال موقف أو سلوك أو جملة ما، وليس من خلال شخصيات تعاني من النبذ والإقصاء، وحتى لو تم ذلك فلا يتناول جذور هذا التمييز، وأبعاده التاريخية».
وعما إذا موضوع ومثله أشكال التمييز والتمايز المختلفة، يجري الاقتراب منها في الأعمال الأدبية والفنية بخجل وسطحية، ونكران، وتمويه أحياناً، وحتى بالتواطؤ... حيث لا نجد أعمالاً تقارب حجم الظاهرة وتجذرها في المجتمع، يقول المحيميد: «بالضبط، لم تعمل الرواية على تجذير وكشف هذه العنصرية بشكل عميق، هي كما أسلفت مجرد مواقف ضبابية وبسيطة، لا تعود إلى الجذور إلا بحدود ضيقة».
بالإضافة إلى رواية «القارورة»، أصدر المحيميد عام 2003 روايته «فخاخ الرائحة»، حيث تناولت العنصرية ضد السود. عن هذه التجربة يقول المحيميد: «تناولت الرواية موضوع العنصرية ضد السود تحديداً، عبر تجارة الرقيق في بدايات القرن الماضي، من خلال شخصية توفيق، ووصفت رحلة الجلابة بخطف الرقيق من أحراش السودان إلى ميناء سواكن ثم بيعهم في جدة، فالرياض. ومع ذلك كانت هذه شخصية واحدة ضمن شخصيات الرواية، ولا يعني أن الرواية التي تفرد كل صفحاتها للأقليات المضطهدة أنها تناولت العنصرية بشكل عميق، فقد يكون التناول سطحياً وغير مقنع. أظن أن العمق النفسي والفلسفي، والقيمة الفنية الجمالية، هي ما يصنع العمل الروائي المميز، وهذه شروط يصعب تحققها في كثير من الأعمال الروائية، ليس السعودية فحسب، وإنما حتى الأعمال الروائية العربية. وأعتقد أن ممارسة العنصرية تكون في أبسط تجلياتها حين تأتي عابرة من أفراد المجتمع المؤسسين على ثقافة عنصرية، وأشرسها حين تأتي من الأنظمة والقوانين التي تميز بين المواطنين».

- الناقد البحريني فهد حسين: العنصرية تفرخ عنصريات
يتحدث الأمين العام السابق لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، الناقد البحريني الدكتور فهد حسين، عن خطاب العنصرية في الأعمال الروائية، قائلاً: «الحديث عن العنصرية لا يقف عند اللون، بل تتخطى العنصرية حواجز كثيرة في المجتمع الإنساني، فهناك عنصرية باسم الديانات، وأخرى تحت مظلة الطائفية أو المناطقية، في حين جذّرت الثقافات والميثولوجيات والحضارات العنصرية تحت شعار الهويات وأفضلية بعضها على بعضها الآخر، وتحركت المعتقدات التي تكرس دونية اللون الأسود ورفعة أصحاب البشرة البيضاء، أو محاربة دين وضعي لدين سماوي والعكس، بل تؤكد لنا بعض الحضارات كيف كانت تسخر الناس البسطاء في خدمة مصالحها، وبناء الأهرامات دليل بارز على هذا. حتى الحضارة العربية لم تكن بعيدة عن المفاضلة، ألم يكن يعاب ويعيّر بلال (رضوان الله عليه) بلونه؟ وألم يكن لون (عنترة) حاجزاً مؤلماً في حياته؟».
وكان الدكتور فهد حسين قد قدم رسالته للدكتوراه عن «صورة المرأة في الرواية النسوية الخليجية الجديدة». وعن تناول الأدب الخليجي عموماً للعنصرية، يقول: «تناولت بعض الأعمال الروائية الخليجية العنصرية تحت موضوعات متعددة، فقد ناقشت ليلى الجهني في رواية (جاهلية) موضوع اللون ونظرة المجتمع إليه، كما ناقشت ليلى العثمان اللون أيضاً في رواية (صمت الفراشات). وناقش العنصرية بعدة أشكال الروائي البحريني الراحل عبد الله خليفة، في أكثر من عمل تحت سياقات الصراع بين ما يعتبر دونية مجتمعية لونية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، وبين علية المجتمع، وكذلك كتب الروائي البحريني فريد رمضان في روايته الأخيرة عن تجارة الرقيق في المنطقة، وكيفية سرقة الفتيات والفتية ذوي الأعمار الصغيرة من بلدان أفريقية وآسيوية».

- الروائي البحريني فريد رمضان: هويات ثقافية
يعدّ الروائي البحريني فريد رمضان، وهو روائي وسينارست ومنتج سينمائي (مواليد المحرق 1961)، من أبرز الروائيين الخليجيين الذين اشتغلوا على تفكيك خطاب العنصرية، عبر اشتغاله بموضوع الهويات الثقافية في البحرين، حتى أطلق عليه نقاد «روائي الهويات».
يبرز هذا الاشتغال في أغلب أعمال رمضان: «البياض» (قصص قصيرة - 1984)، «التنور» (رواية - 1994)، «السوافح ماء النعيم» (2006)، «البرزخ» (2000)، وحتى «تلك الصغيرة التي تشبهك» (نصوص - 1991).
في روايته «التنور؛ غيمة لباب البحرين» يبحث في هويات «الهولة» (العرب القاطنين برّ فارس، حيث هاجروا مجدداً إلى اأاليم عربية في الخليج)، ويتناول تحولاتهم من الساحل الفارسي، حتى استقرارهم في الجانب العربي من الخليج.
وتبحث رواية «المحيط الإنجليزي» بشكل استقصائي في «هجرة البلوش والأفارقة إلى البحرين، وشبه الجزيرة العربية».
وفي رواية «البرزخ»، يتناول فريد رمضان جذور هويات مواطنين بحرينيين من أصول عمانية وعراقية، تمتد في الهجرة والاستيطان في البحرين، أما رواية «السوافح» فتتقصى المجموعات السكانية التي هاجرت من الجنوب العراقي، ومن شرق السعودية.

- الناقد الكويتي فهد الهندال: ضرورة قراءة التاريخ الاجتماعي
ويجيب الناقد والكاتب الكويتي فهد الهندال عن سؤالنا: كيف ظهرت العنصرية في الأعمال الأدبية الكويتية؟ بقوله: «إذا أردنا تشريح موضوع العنصرية المتغلغلة في أي مجتمع إنساني، لا بد أولاً قراءة تاريخه الاجتماعي وعوامل التكوين البشري في قيام هذا المجتمع وظروفه الحياتية. وسنجد أن المجتمع الخليجي ومنه الكويتي، قام على وجود طبقية معينة، نتيجة وجود طبقة الملاك وأصحاب أموال وسلطة، مقابل طبقة كادحة تعتاش على فرص ضئيلة من العمل والحياة».
الكويت بالأصل بلد هجرات، هاجر إليه الناس من جهات مختلفة اجتماعياً وثقافياً وفكرياً واقتصادياً، وجميعها تجمعت في بوتقة واحدة، ولكن هل أسهم ذلك في إذابة الفوارق؟ يجيب الهندال: «طبعاً لا، كأي مجتمع إنساني متعدد، هناك من حافظ على تميّزه ويريد لأن يبقى مميزاً عن غيره. وهذا انعكس على كثير من الأعمال الأدبية الكويتية، منها ما كان قائماً على نبذ خطاب التمييز والكراهية، أو محاولة الحد من الطبقية والفئوية المتحكمة في المجتمع، أو تعزيز الهوية الإنسانية في التعايش السلمي بين مختلف الأعراق والأديان المكونة للحياة الاجتماعية في الكويت، ومنها ما كان يسير نحو إنصاف المهمشين في المجتمع وعلى رأسهم الكويتيون البدون.
ويرى الهندال أن «هناك دوافع عدة واتجاهات مختلفة من الكتابة، حملت رؤى متنوعة وأفكاراً صريحة أو ضمنية في الخطاب الروائي. وهو ما قد لمسناه بأعمال قصصية وروائية لعدد من الأدباء الكويتيين، كإسماعيل فهد إسماعيل، وليلى العثمان، وسليمان الشطي، ووليد الرجيب، وطالب الرفاعي، وفوزية شويش السالم، وناصر الظفيري، وباسمة العنزي، وحمد الحمد، وبثينة العيسى، وسعود السنعوسي، وبسام المسلم، وعبد الله البصيص، ومنى الشمري، وخالد النصرالله، وخالد تركي، وحمود الشايجي، وجميلة سيد علي، وعبد الوهاب الحمادي، وآخرين».



«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

في خضم المشاريع المعمارية التي يدفع بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن العاصمة خلال ولايته الثانية، برز حديثه عن الإرث الذي يريد تركه خلفه، إذ أقرّ بأنه يبني بعض هذه المشاريع، ومنها «قوس النصر»، بوصفها نُصُباً تذكارية مرتبطة به شخصياً، معتبراً أن أحداً لن يقدم على بنائها بعد رحيله، بحسب شبكة «سي إن إن».

ولم ينكر ترمب، خلال مقابلة حديثة، أنه يبني نُصُباً تذكارية لنفسه، إذ قال رداً على سؤال حول هذه المشاريع، ومنها «قوس النصر»: «هذا صحيح. لن يفعلها أحد بعد رحيلي. عندما أغادر، لن يفعلها أحد».

وركّز الرئيس الأميركي بشكل كبير على بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى، خلال ولايته الثانية. وقد أثار هذا التركيز استياء بعض الجمهوريين في الكونغرس، ومستشاري ترمب، الذين قال بعضهم إن الاهتمام بقاعة الاحتفالات قد يضرّ بفرص «الحزب الجمهوري» في انتخابات التجديد النصفي، كما قد يجعل من الصعب عليهم الالتزام بالخطاب الذي يتبنونه.

لكن ترمب دافع عن المشروع، وقال في المقابلة إن «على الشعب أن يكون ممتناً» لقاعة الاحتفالات.

وأضاف الرئيس: «قال لي الكثيرون: لا تُجرِ هذه المقابلة. لكنني فخور بالعمل الذي أقوم به».

نموذج لقوس النصر الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن (رويترز)

كما دافع ترمب عن فكرة أن قاعة الاحتفالات ضرورية للأمن القومي، مشدداً على خطط تتضمن إنشاء مهبط للطائرات على سطح المبنى، وملجأ تحت الأرض، إلى جانب تركيب نوافذ مضادة للرصاص.

وفي الوقت نفسه، من المقرر أن تبدأ الإدارة الأميركية خلال الأسبوعين المقبلين في أعمال بناء القوس، الذي يبلغ طوله 250 قدماً، بالقرب من مقبرة أرلينغتون الوطنية.

لكن في نهاية المطاف، وكما قالت مصادر لشبكة «سي إن إن» في وقت سابق من هذا العام، فإن الأمر برمته يرتبط بإرث الرئيس، وما سيبقى من أثره بعد مغادرته منصبه.

وقال مصدر مقرّب من ترمب لشبكة «سي إن إن» في مايو (أيار): «انظروا إلى حياة دونالد ترمب، انظروا إلى ما أنجزه: لقد بنى أشياءً لن يهدمها أحد أبداً»، مشيراً إلى أنه حتى إذا ألغى خلفاؤه سياساته، فمن المرجح أن تبقى قاعة الاحتفالات قائمة.

وأضاف المصدر: «الشيء الوحيد الذي لن يستطيعوا هدمه هو الجناح الشرقي. هذا هو أثره الدائم. ولهذا السبب يهتم كثيراً: لأنه إرثه».


«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
TT

«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)

في معرض «احكيلي يا جنوب»، المطلوب من زائره أن يُصغي. فالحيطان هنا هي التي تتحدّث، وتروي قصص أهالي الجنوب وذكرياتهم مع قراهم، في رحلة تستعيد علاقة الإنسان بالمكان وما تختزنه من مشاعر وانتماء.

ومن خلال أرشيف بصري وسمعي موزّع على طابقي «بيت بيروت» في منطقة السوديكو ببيروت، يخوض الزائر جولة إنسانية بامتياز، فيستمع ويشاهد ويقرأ حكايات مؤثّرة عن ارتباط أبناء الجنوب بأرضهم. وهي علاقة حبّ متجذّرة بينهم وبين قراهم، بقيت صامدة في مواجهة الحرب.

المعرض من إعداد وتنسيق مشروع «احكيلي» في «بيت بيروت»، بالتعاون مع المصوّر أديب فرحات، ويجمع أعمالاً فنية وبحثية تنطلق من خلفيات وتجارب مختلفة، وتتمحور حول الذاكرة الجماعية لأهالي جنوب لبنان.

ويضم مجموعة متنوّعة من المواد والأعمال، بينها أرشيفات منزلية وصور عائلية من قرى وبلدات الجنوب، إلى جانب أعمال فنّية وبحثية، وأفلام وتجهيزات سمعية وبصرية، فضلاً عن وثائق ورسائل وصور تاريخية نادرة. كما تتناول بعض الأعمال الخرائط والأرشفة الرقمية، فيما خُصّصت مساحات تفاعلية تدعو الزوار إلى مشاركة قصصهم وذكرياتهم وإضافتها إلى المعرض.

ويشارك، إلى جانب أديب فرحات، عدد من الفنانين التشكيليين، هم بتول فاعور، وفرح برّو، ورباب شمس الدين، وروان مازح، وسما بيضون.

يخصّص «احكيلي يا جنوب» مساحة تفاعلية يشارك فيها الزوار حكاياتهم وذكرياتهم (الشرق الأوسط)

ومن اللحظة الأولى لدخول المعرض، يشعر الزائر بأهمية هذا اللقاء مع ذاكرة جماعية موثّقة. فتارة يتفاعل معها من خلال الصورة الفوتوغرافية، وتارة أخرى عبر أدوات منزلية، ومونة، ومفاتيح بيوت، ولوحات مرسومة. ومن خلال الفيديوهات والتجهيزات الفنّية، يخوض رحلة بصرية تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة المكان. فجميع عناصر المعرض جُمعت من أرض الواقع، لتصبح شاهدةً على حكايات أصحابها. وبين حجر ملتوٍ هنا، وكمشة تراب هناك، وفنجان قهوة مكسور، يجد الزائر نفسه أمام تفاصيل صغيرة تختزن حكاية كبيرة، وكأنه يقوم بجولة في قرى جنوب لبنان التي شهدت حروباً متعاقبة، وهو لا يزال في قلب المدينة.

ويغطي المعرض حقبة طويلة من الحروب التي عاشتها المنطقة وأهلها، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم. ويتجوّل الزائر بين ما تبقّى من آثار تلك السنوات، وما نجا من قسوتها وتقلّباتها.

وتبدو محتويات المعرض أشبه بحفنة من آثار حياة مضت، جمعها الناس من بين الركام والدمار واحتفظوا بها، كأنها آخر ما يربطهم بأمكنتهم. أشياء بسيطة في شكلها، لكنها تحمل في تفاصيلها قصص بيوت وقرى، وتختزن لحظات من حياة لم تستطع الحرب محوها بالكامل.

وبين الأقسام، نزور نماذج من بيوت الجنوب، ونقرأ قصاصات من صحف ورسائل جمعها أديب فرحات في أرشيفه الفنّي. وعبر عناوين مختلفة، بينها «خطوط التغريب»، و«بس قرّب موسم الرمان»، و«مفاتيح بلا بيوت»، و«بعد العشاء»، يجول الزائر في حنايا ما تبقّى من الحكايات.

وتمسّك كل فنان مشارك بإبراز علاقته ببلدته وأرضها، انطلاقاً من مراحل عاشها فيها، وترجم هذه العلاقة بصور عائلية فوتوغرافية أو بمائدة عشاء فارغة من أهلها. كما نتوقف عند معنى خسارة الأماكن والبيوت من خلال تجهيزات فنية ضخمة، تتدلى من إحداها مجموعة من المفاتيح، في إشارة إلى بيوت لم يعد أصحابها قادرين على العودة إليها.

تجهيز فني من قسم «مفاتيح بلا بيوت» يستحضر بيوتاً غاب عنها أصحابها (الشرق الأوسط)

وفي زاوية خصّصتها الفنانة رباب شمس الدين لذكرى موسم قطاف الرمان، تستعين بصور فوتوغرافية لأهالي بلدتها وهم يحصدون ثماره، في استعادة لموسم يرتبط بأرضهم وعاداتهم. أما الفنانة فرح برّو فأنشأت غرفة جلوس من أثاث بسيط ومجموعة أدوات وأغراض استقدمتها من منزلها في الجنوب، وأحاطتها بأجواء تستعيد عادات وتقاليد كانت تمارسها يومياً في صبحياتها مع الجيران. ويبرز بينها كوب قهوة عربية مزخرف، وصور لبيتها ذي الواجهة المكلّلة بالقناطر، إلى جانب صور لأكلة «اللحم بعجين» وأشجار الزيتون التي تستحضر بها بلدتها كفركلا.

وفي ركن خاص بالمطبخ الجنوبي، تستوقف الزائر أغراض وأدوات منزلية تستعيد الطابع القروي الذي يميّز مطابخ الضيعة اللبنانية. ومن خزانة «النملية» إلى طناجر الألمنيوم وستارة المجلى المصنوعة من القماش الأصفر، تبدأ رحلة أخرى في تفاصيل الحياة اليومية التي ارتبطت ببيوت الجنوب.

ويتضمّن المعرض جانباً تفاعلياً يتيح للزوار المشاركة مباشرة في بناء الأرشيف، عبر كتابة الحكايات والرسائل وتفاصيل الحياة المرتبطة بقراهم وأماكنهم. ويرافقه برنامج من الجولات واللقاءات والأنشطة الحوارية التي تُعلن تباعاً، بهدف توسيع مساحة المشاركة وإتاحة المجال أمام مزيد من الأصوات والقصص.


«فيل في الدماغ»... دراسة ضخمة تكشف بصمة الفقر على عقول الأطفال

أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)
أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)
TT

«فيل في الدماغ»... دراسة ضخمة تكشف بصمة الفقر على عقول الأطفال

أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)
أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)

بدأت أكبر دراسة أميركية طولية لتصوير أدمغة الأطفال والمراهقين بهدف فهم تأثير المخدرات والكحول على الدماغ النامي. لكن إحدى أكثر نتائجها إثارة للدهشة حتى الآن لا تتعلق بالمخدرات، بل بما يفعله الفقر بالدماغ في سنوات النمو.

دراسة بدأت قبل تعاطي المخدرات

وبحسب تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، بدأت فكرة الدراسة عام 2013 من خلال مبادرة بحثية حول الإدمان في المعاهد الوطنية للصحة الأميركية. وكان الهدف الأول تصوير أدمغة الأطفال قبل أن يجرب معظمهم المواد المخدرة، ثم متابعتهم خلال السنوات التي يرتفع فيها خطر إساءة استخدام المواد.

وفي عام 2015، سجَّلت الدراسة 11 ألفاً و880 طفلاً في 21 مركزاً، تتراوح أعمارهم بين 9 و10 سنوات. وخضع المشاركون لتصوير الدماغ واختبارات معرفية ونفسية، إضافة إلى جمع عينات حيوية وتقييمات تفصيلية لمنازلهم ومدارسهم وأحيائهم وصحتهم وتعرضهم للمواد المخدرة.

وكان من المقرر متابعة هؤلاء الأطفال بشكل متكرر حتى مرحلة البلوغ المبكر، مع إتاحة بيانات الدراسة للباحثين.

وعندما أصدرت المعاهد الوطنية للصحة أول مجموعة كبيرة من بيانات خط الأساس عام 2018، أوضحت نورا فولكوف، مديرة المعهد الوطني لتعاطي المخدرات، أهمية بدء الدراسة قبل تعاطي المواد، إذ أصبح بإمكان الباحثين مقارنة صور أدمغة الأشخاص أنفسهم قبل التعاطي وبعده. وبعد ثمانية أعوام، بدأت هذه الفكرة تؤتي ثمارها.

المفاجأة الأكبر: الفقر يترك بصمته على الدماغ

ربما كانت النتيجة الأكثر إثارة للانتباه في الدراسة لا تتعلق بأي مخدر. ففي عام 2026، قارن سكوت ماريك ونيكو دوسنباخ وزملاؤهما في كلية الطب بجامعة واشنطن 649 متغيراً بيولوجياً ونفسياً واجتماعياً وبيئياً ببنية الدماغ ووظيفته لدى نحو 12 ألف طفل من المشاركين في دراسة ABCD.

ومن بين أقوى 40 متغيراً ارتباطاً بوظيفة الدماغ، كان 37 منها مرتبطاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي. ومن بين أقوى 40 متغيراً ارتباطاً ببنية الدماغ، كان 35 منها كذلك.

وتفوقت عوامل مثل دخل الأسرة وامتلاك المنزل والفقر في الحي ووسائل النقل والموارد المجتمعية على تأثير معدل الذكاء وأسلوب التربية والتاريخ الطبي ومئات المقاييس الأخرى.

ووصف دوسنباخ الظروف الاجتماعية والاقتصادية بأنها أعمق بصمة بين العوامل التي فحصها الفريق، فيما وصفها ماريك بأنها «الفيل في الدماغ». وقد فسرت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية نحو 16 في المائة من الاختلاف في وظائف الدماغ، وهي نسبة كبيرة بصورة لافتة في هذا المجال.

أدمغة الأطفال الفقراء لا تبدو «أقل ذكاء»

لم تبدُ أدمغة الأطفال الذين تقل أمامهم الفرص الاجتماعية والاقتصادية وكأنها «أقل ذكاء»، بل بدت أقرب إلى أدمغة الأطفال المتعبين والمجهدين والذين يعانون من التوتر.

وظهرت أقوى الارتباطات في الأنظمة الحسيَّة والحركيَّة، وهي مناطق تتأثر بفقدان النوم اليومي والتوتر المزمن، وليس فقط في المناطق التي عادة ما توصف بأنها مراكز للذكاء.

وبعد ضبط تأثير الوضع الاجتماعي والاقتصادي، لم تعد نحو 70 في المائة من الارتباطات التي رُصدت سابقاً بين الدماغ ومعدل الذكاء ذات دلالة إحصائية. ويشير ذلك إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه البيئة الاجتماعية والاقتصادية في نمو الدماغ.

وكانت أبحاث سابقة ضمن دراسة ABCD قد ربطت فقر الأسر والأحياء باختلافات في تنظيم المادة البيضاء وزيادة محتوى الماء في بعض المساحات الدماغية، وهو ما قد يرتبط بعمليات التهابية عصبية. كما وجدت دراسة أخرى تفاوتات مرتبطة بالدخل في حجم الحُصين.

الفقر والضغط النفسي... صلة محتملة بالإدمان

لا يعني ذلك أن الفقر يسبب الإدمان، كما أن الثروة لا تمنح حصانة منه. لكن الضغوط المزمنة، واضطراب النوم، وانتشار المخدرات وتوفُّرها في الأحياء، والتوتر الأسري، ومحدودية الوصول إلى العلاج، وقلة البدائل الآمنة، يمكن أن تؤثر جميعها في نمو الدماغ وفي فرص التعرُّض للمواد المخدرة.

وهكذا، قد تكون الظروف الاجتماعية والاقتصادية نفسها التي تترك بصمة قابلة للقياس على الدماغ مؤثرة أيضاً في من يبدأ التعاطي مبكراً، ومن يصعد إلى مستويات أكبر من الاستخدام، ومن يحصل على المساعدة.