أمين الجميل: ربطت التزامي الاتفاق مع إسرائيل بتنفيذ انسحابها من لبنان

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (3)‬

لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983
لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983
TT

أمين الجميل: ربطت التزامي الاتفاق مع إسرائيل بتنفيذ انسحابها من لبنان

لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983
لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983

في هذه الحلقة من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل التي تنشرها «الشرق الأوسط» يتناول ظروف توقيع اتفاق 17 مايو (أيار) 1983 بين لبنان وإسرائيل الذي أثار جدلاً كبيراً في لبنان في ذلك الحين، ويقول عنه الجميل: «كان يفترض أن يكون الحدث الأساسي لعهدي». ويذكر أن لبنان كان يسعى من وراء الاتفاق إلى خروج القوات الإسرائيلية التي دخلت بعد غزو عام 1982. لكن إسرائيل حاولت ربط انسحابها بانسحاب القوات السورية، الأمر الذي لم يوافق عليه الجميل وقال للأميركيين: «مفاوضاتنا هي لانسحاب الجيش الإسرائيلي، أما مشكلة الجيش السوري فنحلها بالتعاون مع الدول العربية.
وهنا نص الحلقة الثالثة
يقول الجميل: ما كدنا ننتهي من صوغ آخر بنود اتفاق 17 مايو ونستعد لتوقيعه في الغداة، حتى حدث انقلاب فجائي غيّر الموقف برمته في اللحظة الأخيرة. في 16 مايو طلب رئيس الفريق الأميركي في المفاوضات موريس درايبر مقابلتي على وجه السرعة. أعلمني بوجود «رسالة جانبية» (side letter) ملحقة، طلب الموفد الإسرائيلي من الأميركيين تسليمنا إياها، من المفترض أنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق. نصت الرسالة، المؤرخة 17 مايو - وهو اليوم المفترض للتوقيع - على ثلاثة شروط جديدة غير واردة في النص المتفق عليه بتوقيع ديفيد كيمحي رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض تقول إنها «للتأكيد، يرتكز موقف إسرائيل من تنفيذ المعاهدة بينها ولبنان التي وُقعت اليوم على بنود عدة هي الآتية:
> الحصول على معلومات وافية عن الجنود الإسرائيليين الذين فقدوا في أثناء العملية الإسرائيلية في لبنان، وإعادة الجنود الأسرى الذين تحتفظ بهم سوريا، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية (وهم أسرى حرب)، واستعادة رفات الجنود الذين سقطوا منذ الرابع من يونيو (حزيران) 1982. كشروط أولية لانسحاب إسرائيلي من الأرض اللبنانية كما نصت عليه المعاهدة.
> انسحاب جميع العناصر الفلسطينيين المسلحين من لبنان، وكذلك انسحاب القوات السورية في شكل يتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية. تجدر الإشارة إلى أن انسحاب العناصر الفلسطينيين المسلحين من لبنان يتوافق مع الإشارات التي وردت في هذا الشأن في البند 204 من المعاهدة.
> إذا لم تتم إعادة الجنود الأسرى أو هذه الإعادات والانسحابات وفق الزمن المحدد، فإن إسرائيل تحتفظ بحقها في تعليق تنفيذها البنود الواردة في هذه المعاهدة. في هذه الحال أيضاً، فإن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة الأميركية تتشاور على أساس الظروف المستجدة أو الطارئة. إذا ظلت المسألة من دون حل، تحتفظ إسرائيل بحقها في إعلان المعاهدة لاغية، وتتابع حماية أمنها بطرقها الخاصة».
قال لي موريس درايبر: «أفهم الإحباط الذي تشعرون به، لكننا لن نستسلم مع ذلك. فالوزير شولتز يؤكد لك دعمه، وسوف تبذل واشنطن كل الجهود في إسرائيل وسوريا لحلحلة الوضع. مواقف هذين البلدين ليست نهائية. لدينا كل الأسباب التي تدعونا إلى هذا الاعتقاد».
أجبته: «لا أستطيع إذن المضي في الاتفاق. مفاوضاتنا هي لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، بعدئذ تساعدنا الدول العربية على حل مشكلة الجيش السوري في بلدنا مع دمشق».
إذن، في ضوء «الرسالة الجانبية» هذه، منح أحد الأطراف - وهو إسرائيل - نفسه سلفاً، من جانب واحد، حقّ- الرجوع عن توقيعه ساعة يشاء. بيد أن هذه الهرطقة القانونية لم تفُت وزير الدفاع الأميركي كاسبار واينبرغر الذي ذهب إلى حد الاشتباه في رياء زميله وزير الخارجية. فهو سيكشف، فيما بعد، أنه ما إن أُعلم بوجود الرسالة السرية الملحقة «المقبولة من وزير الخارجية جورج شولتز والمجهولة بحسب الظاهر من أمين الجميل» تبينت له بوضوح أسباب الفشل: «الاتفاق، مع رسالته الجانبية، يمنح الرئيس الأسد حق النقض في شأن أي انسحاب وأي نوع من العلاقات الطيبة التي قد تقيمها إسرائيل مع أحد جيرانها العرب، لبنان. في نظرة ارتجاعية، كان حق النقض هذا يطاول كل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. زد على ذلك أن سوريا سوف تستفيد منه في الحال بعدم الانسحاب من لبنان. أما السبب الذي دفع جورج شولتز إلى وصف مثل هذا الاتفاق لنا بعبارات مفعمة بالحماسة، فما زال بالنسبة إلى سراً خفياً».
أكان يتعين علي صفق الباب استياءً وترك الأمور على حالها؟ كان هذا يعني تعميق إغراقنا في الأزمة وفقدان دعم واشنطن التي سنكون، في كل الأحوال، في حاجة ماسة إليها، أقله لإدارة عواقب فشل محتمل للاتفاق. لذا، آثرتُ مرّة أخرى اعتماد حل «على الطريقة اللبنانية»، يتيح الحفاظ على علاقاتنا مع الأميركيين مع التمسك بحقوقنا الأساسية: إعطاء الوفد اللبناني الإذن بتوقيع الاتفاق عن غير اقتناع طبعاً، إنما مع تحفظات معينة تُصاغ بوضوح في رسالة لبنانية صارمة (side letter)، لبنانية، موازية مؤرخة أيضاً 17 مايو، موقعة من وزير الخارجية إيلي سالم موجهة إلى «العراب» الأميركي.
- نصت الرسالة اللبنانية الجانبية، الملحقة بالاتفاق تماماً، على غرار الرسالة الإسرائيلية الجانبية، على الآتي:
«يؤكد لبنان، ما لم تنسحب إسرائيل تنفيذاً لبنود الاتفاق، أنه سيكون في حل منه ويُعلق كل التزاماته. وفقاً لذلك يتشاور لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل في هذا المستجد. إذا بقي الأمر بلا حل، يعتبر لبنان نفسه حراً في إعلان الاتفاق لاغياً. وسيتابع السعي من أجل استعادة سيادته وانسحاب القوى الأجنبية من أراضيه كاملة بالوسائل المتاحة».
وجه إيلي سالم الرسالة إلى الموفد الأميركي فيليب حبيب، كذلك توجه بها السفير أنطوان فتال إلى السفير موريس درايبر، بالصيغة نفسها التي أقرها لبنان على نحو مشابه للصيغة التي تضمنتها الرسالة الإسرائيلية الجانبية. من ثم راسل درايبر ديفيد كيمحي وأبلغ إليه رسالة فتّال لأخذ العلم بها، كإحدى الوثائق الجديدة الرسمية التي باتت ملحقة بالاتفاق اللبناني - الإسرائيلي. حملت نسخ الرسالة اللبنانية الجانبية كلها تاريخاً واحداً هو 17 مايو، التاريخ نفسه في الرسالة الإسرائيلية الجانبية.
لم نكتفِ بهذا التأكيد، بل طالبتُ الموفد الأميركي، شرطاً لتوقيعنا، بأن يستكمل الوفد الأميركي المشارك في المفاوضات الأمر برسالة تضامنية معنا، يوقعها الرئيس ريغان، تضامناً مع موقفنا وداعماً له في المستقبل.
بناءً على إصرارنا، وافقت الولايات المتحدة على الموقف اللبناني بأن وجه إلى الرئيس ريغان رسالة جانبية ثالثة، مؤرخة بدورها 17 مايو أيضاً، هذا نصها:
«استناداً إلى العلاقات الطويلة والصداقة مع لبنان، شاركت الولايات المتحدة على نحو كامل في التوصل إلى اتفاق بينه وبين إسرائيل، ووقعت بنفسها كشاهد. ستتخذ الولايات المتحدة كل التدابير اللازمة كي تراقب تنفيذ الاتفاق كلياً، وهي تدعم السيادة والاستقلال السياسي ووحدة الأراضي اللبنانية، وستظل تدعم هدف الجمهورية اللبنانية في انسحاب كل القوات الأجنبية. في حال إخفاق القوات الأجنبية في الانسحاب، تجري الولايات المتحدة مشاورات طارئة وتتخذ خطوات أخرى تؤدي على النحو الملائم إلى تحريك خروج كل هذه القوات من لبنان.
تعترف الولايات المتحدة بأن لبنان دخل هذا الاتفاق شرط أن يكون حراً في تعليق تنفيذ التزاماته حياله، في حال عدم انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية بناء على بنوده.
لم يفت ريغان في ختام رسالته تأكيد إدارته أنها «ستدفع إلى الأمام المساعدة الاقتصادية والعسكرية بناء على طلب لبنان، وستدعم بالوسائل المناسبة إعادة البناء الاقتصادي في لبنان، وتطوير قواه العسكرية من أجل مؤازرة الحكومة اللبنانية في الاضطلاع بمسؤولياتها».
بهذه الرسالة احتفظتُ لنفسي، على الأقل بإزاء المستقبل، بشبكة إنقاذ سوف يثبت تطور الأحداث جدواها. احتفظتُ بالحق اللبناني الكامل في السيادة وبالدعم الأميركي الذي من دونه لأصبح لبنان في معركة غير متكافئة إطلاقاً في وجه سوريا وإسرائيل. أصبحت الرسائل الثلاث الملحقة، الإسرائيلية واللبنانية والأميركية (the side letters)، جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق، بل كتباً لاغية له.
- وثيقة مسممة
رغم كل ذلك، تم توقيع الاتفاق من الوفد المفاوض في ذلك اليوم، 17 مايو 1983. من غير أن ينطوي على أي بند سري أو يؤتى به لاحقاً. في 13 يونيو و14 منه، التأم مجلس النواب في جلسة تجلت فيها درجة عالية من التوافق والشعور بالتفاؤل رغم كل الصعاب، صَادَقَ في ختامها على الاتفاق وإجازة إبرامه بأكثرية 64 صوتاً، في مقابل صوتين معارضين وامتناع 4 نواب عن التصويت وتحفظ نائب واحد.
كنت آملُ في أن يحوز الاتفاق ليس الأكثرية الساحقة فحسب، بل الإجماع، كي يمسي موقفنا أقوى وأسلم حيال الدول العربية، ناهيك ببعديه الوطني والدستوري.
أدركتُ حجم العقبات التي تنتظرني، وقد عبّرتُ عن مخاوفي صراحة للرئيس رونالد ريغان من خلال ممثليه المشاركين في التوقيع على الاتفاق. كنت أخشى، لا سيّما بعد إبلاغي الرسالة الإسرائيلية الجانبية، أن بين يدي وثيقة مسممة، فأردت التحسب للمستقبل بأي ثمن.
رحتُ أتساءل عن الأسباب التي تدفع الدولة العبرية إلى ممارسة مثل هذا الضغط علينا، وعلى الإدارة الأميركية لعقد اتفاق تعرف أنه سيولد ميتاً بسبب رسالتها الجانبية. دفنت إسرائيل هذا الاتفاق قبل أي طرف آخر في 17 مايو بالذات، عكس ما راح يدعيه بعض معارضي العهد أنهم هم الذين أسقطوه. إسرائيل أسقطته من خلال الرسالة الجانبية، وأنا ألغيته بعدم إبرامه.
أي مبررات حملت إسرائيل على إهدار كل هذه الشهور والجهود في سبيل اتفاق، قبل أن تقرر نسفه وجعله حبراً على ورق؟ ثم، ألَم ينتقد ديفيد كيمحي نفسه أرييل شارون على طريقته في إدارة المفاوضات مع لبنان؟
جعلت تلّ أبيب من هذا الاتفاق الذي ما عاد أحد مقتنعاً به أحد الرهانات الأساسية لسياستها في لبنان، فجنّدت للدفاع عنه كل الدعم الذي تستطيع توفيره في بلدنا وفي واشنطن. في الواقع، جاءني تفسير ذلك على لسان وزير العلاقات الخارجية الفرنسية كلود شيسون الذي عزاه إلى إسرائيل نفسها.
عندما سألته، حينما زار بيروت في 4 مارس (آذار) 1984. وكانت انقضت أشهر على تجميد الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، كيف يفسر تصرف الدولة العبرية، ضحك وقال: «بحسب معلوماتنا، منذ اليوم الأول، لم تكن إسرائيل تريد الاتفاق. علمتُ أيضاً أننا كنا ضحية مناورات وغش إسرائيلي استخدم فيه لبنان لأهداف أبعد منه. قبل إطلاق عملية «سلامة الجليل» في يونيو 1982، أبلغت إسرائيل إلى واشنطن أن الاجتياح العسكري سيقتصر على مسافة 40 كيلومتراً من الحدود بين البلدين. لكنها توغلت بجيشها حتى العاصمة بيروت، مما أثار غضباً كبيراً في العاصمة الأميركية. بقرار نادر جداً في تاريخ العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، أنزل الكونغرس في حقها عقوبات مالية وعسكرية شديدة، منها تجميد اتفاق بين البلدين، لذا احتاجت إسرائيل إلى اتفاق مع لبنان، أياً يكن، من أجل تبرير رفع الكونغرس هذه العقوبات. استبقت اجتماعه بالإعلان عن الاتفاق كي تؤكد خروجها من لبنان والتراجع من ثم عن العقوبات تلك».
أضاف الوزير الفرنسي: «إذا كان الأميركيون عزموا على اتفاق 17 مايو، فمرد ذلك إلى ما قاله لي شولتز بالذات عندما اجتمعتُ به في يوليو (تموز) الماضي: لم أكن في صدد المرور بلبنان، بل كنت قاصداً الشرق الأوسط. مروري بلبنان من أجل إيصال المفاوضات إلى نتيجة من شأنها فك الحصار عن الطائرات لإسرائيل».
فعلاً، عقب توقيعه، رُفعت العقوبات، وكان ذلك على الأرجح السبب الذي دفع الدولة العبرية إلى التشبث به بادئ ذي بدء، والحرص على منعنا من إبطاله قبل أن يقرر الكونغرس رفع العقوبات. لا شك في أن حكومة ليكود كانت تتطلب أيضاً ذريعة أمام الرأي العام الإسرائيلي بانتصار سياسي يمثله بالنسبة إليها توقيع اتفاق مع بلد عربي، في وقت أخذت الخسائر البشرية لجيش الاحتلال تتضاعف، حتى بات لبنان مشهوراً في صفوف المجندين الإسرائيليين بأنه «وادي الدموع».
في ذلك الاجتماع مع شيسون، في حضور السفير الفرنسي في بيروت فرنان فيبو، كشف لي المزيد من المعلومات: «تدرك إسرائيل تماماً أنها لا يمكن أن تقبل بالتصاق طائفة أو طائفتين بها، وما يهمها الاتفاق مع سوريا. حينما التقيتُ شامير قال لي: لا تصدق أننا في لبنان ندعم هذه الطائفة أو تلك. لدينا اتصال بكل من يمكن أن يساعدنا في الدفاع عن إسرائيل».
خاطبني شيسون بالقول: «الإسرائيليون غير مكترثين بما يحدث للبنانيين، وآمل في أن يدرك مواطنوك ذلك. لا أحد في لبنان يستطيع الاتكال على إسرائيل. قال لي شامير أيضاً إن ما تحتاج إليه حكومته هو اتفاق أمني. اتفاق 17 مايو شأن آخر. معمّر القذافي أكد لي أن اتفاق 17 مايو رديء للغاية، وعلى اللبنانيين مناقشة الأمن مع إسرائيل مباشرة. هي أقوال شامير نفسها».
ما قاله أيضاً إن «في وسع الأميركيين تحويل انسحابهم من لبنان إلى مسائل أخرى، يستطيع الرئيس ريغان أن يفعل ذلك لتغطية فشله في لبنان. عليكم أن تتقبّلوا هذه الحقيقة المحزنة: ما يحدث في لبنان ليس همّاً يومياً للأميركيين. لدي اعتقاد أن لحافظ الأسد مصلحة في إعادة النظام إلى البيت اللبناني. نحن ملزمون بسحب جنودنا في القوة متعددة الجنسيات، ونريد ذلك على نحو هادئ. لم يعد لوجودنا فيها أي معنى، ولذا يقتضي مغادرتنا. لم نرغب مرة في تجربتها، وكان دائماً لدينا قلق مما قد يحدث. خرج منها الأميركيون قبل أن يُكملوا مهمتهم».
كان من المفترض أن يشكل اتفاق 17 مايو 1983 الحدث الأساسي لعهدي، وبذلتُ أقصى جهدي لتفادي الفخاخ، لكن، هل كان يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟ هل كان في الإمكان تفادي هذا الإخفاق؟ ما زلت أطرحُ على نفسي هذا السؤال أكثر من أي وقت مضى، وأكثر من أي شخص آخر. على أي حال، امتنعتُ عن إعطاء الاتفاق الصيغة التنفيذية، فبقي بلا توقيع رئيس البلاد، أي من دون مفعول كأنه لم يكن.
في ظروف كهذه، أحجمتُ عن توقيع الاتفاق وإحالته على النشر في الجريدة الرسمية كي يصبح نافذاً، إدراكاً مني أنه، على الأرجح، وُلِد ميتاً، إلا إذا دفعت واشنطن، على نحو أو آخر، إسرائيل إلى الامتثال لبنوده وأبدت استعداداً لتنفيذه. وهذا ما كنت استبعده.
بمرور الزمن تيقنتُ من أنني أحسنتُ اتخاذ الموقف السليم برفضي التوقيع. رغم حملات الافتراء والتشويش عليَّ، فإن ضميري مرتاح إلى أنني خدمتُ وطني في تلك المرحلة الحرجة من التاريخ، وحفظته في وجه أخطار مدمرة.
رغم اقتناعها بأن اتفاق 17 مايو وُلد ميتاً - وقد امتنعتُ أنا عن توقيعه والعمل على نشره - جعلته سوريا «قميص عثمان»، واتخذت منه كل الأعذار من أجل إطلاق رصاصة الرحمة على لبنان، سيادة ونظاماً. لم تكتفِ بتأليب حلفائها ضدنا، بل أعلنت الحرب صراحة علينا، مهددة على نحو واضح جلي. اندفعت في حملة ترهيب في كل الاتجاهات ضدّ القادة الذين يتجرأون على معارضتها.



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.