حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (1)‬

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
TT

حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق

يعرض الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في هذه الحلقة من مذكراته التي تصدر قريباً بعنوان «الرئاسة المقاوِمة» تفاصيل 3 اجتماعات عقدها مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ونائبه عبد الحليم خدام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع، وتتناول ملاحظات الجميل على «الاتفاق الثلاثي» الذي تم توقيعه في دمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 1985 بين رئيس حركة «أمل» الرئيس نبيه بري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وإيلي حبيقة الذي كان في ذلك الوقت قائد «القوات اللبنانية»، ورد القيادة السورية على تلك الملاحظات.
بين ما نص عليه ذلك الاتفاق: إجراء تعديلات أساسية في صيغة الحكم في لبنان تم التفاهم عليها مع القيادة السورية في غياب أي مسؤول لبناني. والحد من صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل السلطة التنفيذية إلى «مجلس وزاري» يتشكل من قادة الميليشيات التي كانت مشاركة في الحرب الأهلية.

- وهنا نص الحلقة الأولى:
صباح 13 يناير (كانون الثاني) 1986 قصدتُ دمشق لعقد القمّة الحادية عشرة مع الرئيس السوري. عقدنا ثلاث جلسات عمل استغرقت في مجموعها عشر ساعات ونصف الساعة. حضر معنا نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع.
أوردُ هنا أجزاء مقتطعة من محاضر الجلسات الثلاث المدوّنة، المتطابقة، لدى رئاستي الجمهورية في البلدين.
بدأت الجلسة الأولى في الثانية عشرة ظهراً، فور وصولي. تحدّثنا أولاً عن أحداث المتن، قبل أن أفتتح المحادثات عارضاً حصيلة مشاوراتي في بيروت، ثم استشارات مراجع قانونية محلية وخارجية تزوّدتها. قلتُ «إن الشعب اللبناني يقدّر جهود سوريا لإنهاء الأزمة، وثمّة اقتناع عند اللبنانيين جميعاً بضرورة الاستفادة من هذه الجهود؛ لأن حرب السنوات العشر لا بدّ من أن تنتهي على أسس وطنية دستورياً وقانونياً».
تحدّثتُ عن تحفّظ أفرقاء لبنانيين عن الاتفاق الثلاثي، إلا أن رفضهم أي خطوة «لا يُعدّ موجّهاً ضدّ سوريا وبخاصة رئيسها. نحن أمام فرصة تاريخية لإيجاد الحلّ الثابت والنهائي للوضع اللبناني أولاً، وللعلاقات اللبنانية - السورية ثانياً». تطرّقتُ إلى رهاني على التعاون اللبناني - السوري، وأوردتُ ملاحظاتي على صيغة الاتفاق التي حملها إليَّ الشرع، وأولها أنه يعيد النظر في التعايش اللبناني بدءاً من إلغاء الطائفية بلا ضوابط، قائلاً: «الجوّ الذي نعيشه في لبنان مشحون بالطائفية، وسوريا نفسها عانته مع الإخوان المسلمين. أنا مع تحرير المجتمع اللبناني من هذه العقدة، لكن يقتضي قبلاً إيجاد ضوابط طبيعية، وأخشى أن تؤدي المعالجة السريعة والفجّة والعقائدية لهذه المسألة إلى عكس الغاية المرجوة. لبنان ليس سوريا التي لا مشكلة مماثلة لديها، وكذلك العراق؛ لأن دين الدولة هو الإسلام. نريد تحرير لبنان من هذه العقدة، من دون الخوض في مغامرة المجهول».
عقّب الأسد: «هذا يعني أن إلغاء النظام الطائفي يُدخلنا في المجهول؟ ما المفهوم من إلغاء الطائفية السياسية؟ البحث إذاً في سلبية إلغائها؟».
قلت: «يجب إيجاد ضوابط فعلية. مخطئ من يزعم أن رئيس الجمهورية يتحكّم في الوضع. في وسع رئيس الحكومة أن يوقف ذلك، وهنا المشاركة الحقيقية. لا مانع لدي من إلغائها، لكن ثمّة عقداً يخلفها هذا الإلغاء».
الأسد: «ما هي هذه العقد؟».
قلت: «لا يمكن القبول ببند إلغاء الطائفية حكماً كما أورده الاتفاق. البعض يعتبر الطائفية امتيازات والبعض الآخر ضمانات، وأنا أعتبرها ضوابط. محصلة النظام السياسي الدستوري في المشروع إنهاء ما يُسمّى الدولة اللبنانية أو الإرادة اللبنانية».
ردّ باستغراب: «إنهاء؟».
قلت: «نعم. إنهاء وتعطيلها تعطيلاً جماعياً. هذا النظام غير موجود في أي مكان آخر في العالم باستثناء كانتونات سويسرا. إذا لم يكن لديك حكم قوي فلا يمكنك تنفيذ الاتفاق. المنطلقات الدستورية المقترحة تعطيل له، أي شخص لا يعجبه لون ربطة عنق جاره يمكنه تعطيل الاتفاق. نحن لا نصوّت في مجلس الوزراء منذ عام 1943. المؤسف أن الذين شاركوا في الاتفاق لم يشاركوا في الحكم مرّة. في أحد بنوده نصّ على صلاحيات المجلس الوزاري الذي يتخذ قراراته بإجماع الحضور، إجماع مَن يتألف منهم. إذا تغيّب أحدهم فماذا تكون النتيجة؟».
الأسد: «على ما أعتقد خلال الفترة الانتقالية».
قلت: «مَن يدري متى تنتهي الفترة الانتقالية! في الاتفاق القرارات الأساسية تتطلّب المجلس الوزاري، والعادية مجلس الوزراء. وزراء الدولة الذين يتألف منهم المجلس الوزاري هم حكماً أعضاء في مجلس الوزراء. بذلك تتداخل الصلاحيات، ويصار إلى تعطيل أجهزة الدولة كلها. ثمّة استحالة لتطبيق الاتفاق الذي سيؤدي إلى عكس غايته وهي توحيد لبنان، بأن يُنشئ كانتونات».
ثم عرضتُ ملاحظات أخرى على بعض بنود الاتفاق، فردّ الرئيس السوري: «المآخذ إذن على إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية أو الإجماعية والمجلس الوزاري!».
رددتُ: «التحفّظ عن الجماعية والإجماعية. نحن في حاجة إلى سلطة قوية لدعم مسيرة البناء الدستوري، وإلى دولة متماسكة. في الاتفاق تعطيل لرأس الدولة، لا أفهم لماذا؟ في الدستور رئيس الجمهورية يتمتّع بصلاحيات كبيرة كأنه ديكتاتور، أما في العُرف فالأمر يختلف كثيراً. منذ حكومة الرئيس رياض الصلح رئيس مجلس الوزراء هو رئيس السلطة الإجرائية. لا مرسوم يمرّ من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، وهذا في الدستور».
خدّام: «لا».
الأسد: «لنكمل المآخذ».
قلت: «إذا أردنا احترام مبدأ الديمقراطية في لبنان، فإن تعيين مجلس الوزراء النواب خطأ كبير، وخصوصاً أننا سنعيّن 200 نائب، بذلك نكون أخضعنا مجلس النواب لإرادة الحكومة وإمرتها».
ثم أوردتُ مأخذاً خامساً، بعد إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية والمجلس الوزاري وتعيين النواب، هو «أن الاتفاق يجعل الدولة حاميها حراميها، فهو يحلّ مشكلة الموقّعين المفاوضين المقاتلين ولا يحلّ مشكلة البلد. إذا تركنا لهم حلّ كل المشاكل فلن نصل إلى حلّ. المقاتلون قالوا لنا ماذا يريدون منا، لكننا نريد أن نقول لهم ماذا نريد منهم؟ شراء الدولة مثلاً أسلحة المقاتلين، هل اشتروها بأموالهم الخاصة ومن أموال آبائهم أم جبوها من أموال المرفأ والمرافق العامة للدولة ومن جيوب المواطنين؟».
الأسد: «اشتروها أنتم ونحن نشتريها منكم».
قلت: «في موضوع العلاقات الثنائية، لمصلحة سوريا ألا تكون بين ثلاثة أطراف بل مع الدولة. أمّا تحفّظي الثاني فعلى تضمين الاتفاق العلاقات الثنائية كما وردت، والتي يكون تحقيقها باتفاقات ثنائية».
الأسد: «لنكن واضحين. إنه إجماع كل الأطراف. منذ عام 1976 لم نطالب بذلك، بل إنه مطلب إجماعي من كل القيادات اللبنانية».
قلت: «نحن موافقون على علاقات ثنائية بين دولة ودولة، ولكننا نتكلّم عن وثيقة دستورية يُفترض ألا تتضمّن هذه المسائل لأنها تُبحث بين وزيري الخارجية في البلدين، وتُعقد اتفاقات، ويُصوّت عليها مجلس النواب».
الأسد: «أي أن العلاقة مع سوريا لا تدخل في هذه الوثيقة؟».
قلت: «يمكن أن يُشار إليها. أما المبادئ التفصيلية، فتأتي في اتفاقات ثانية».
الأسد: «قضية شكلية إذاً؟».
قلت: «سوريا تحترم نفسها ولبنان كذلك. لا هي راكضة لفرض أي علاقة مع لبنان، ولا هو يرغب في ذلك. أنا أول مَن استعمل علاقات مميّزة في جوّ إسرائيلي كان سائداً. الصياغة نراها مع أبو جمال والدكتور فاروق، ولا اختلاف في الجوهر».
الرابعة بعد الظهر رُفعت الجلسة الأولى، ثم استؤنفت في السابعة والربع من مساء اليوم نفسه، 13 كانون الثاني.
استهلها الأسد بالقول: «خلال 11 سنة تحمّلنا الكثير من أجل لبنان، لم نتعامل معه كورقة نمسكها بأيدينا، بل من موقف مبدئي وعاطفي. شعب واحد، بلد واحد. كل الأمّة العربية دولة واحدة والاستعمار هو مَن أوجد هذه الكيانات. لو وضعنا بين أيدينا أي كتاب، لوجدنا أنه هو الذي قسّم هذه الكيانات. في الأحداث الأخيرة بلغ عدد اللبنانيين الذين لجأوا إلى سوريا نحو 500 ألف نسمة...».
الكسم مقاطعاً: «800 ألف نسمة».
الأسد: «اتصلنا بالمقاتلين والميليشيات، وأنت تتذكّر أنني كنت أقول لهم اتفقوا. المقاتلون التقوا، ولا تتصوّر أننا نحن من وضعنا الاتفاق، فلو كنا وضعناه لما كان أعجب حبيقة، ولا برّي، ولا جنبلاط، ولا أمين الجميّل. اتفقوا واختلفوا. رحنا نقوم بالمراسلة فيما بينهم. عبد الحليم خدّام كان يجلس معهم، فلم استحسن أن يجلس نائب رئيس الجمهورية مع ممثلي قياداتهم. اختلفوا، فقلتُ له بأن يجتمعوا في بيروت، وأظن أنهم التقوا هناك. ثم جاءوا إلى هنا وحصل اتفاق لي ملاحظات عليه. أكرّر لك لو أردنا نحن وضعه لما أرضى أحداً. موضوع الطائفية رفضناه منذ زمن في سوريا، فهل في الاتفاق إلغاء فوري لها؟».
خدّام: «لا، بعد مرحلة انتقالية».
الأسد: «الجماعة اتفقوا على ما سمّوه إصلاحات. أي اتفاق ينهي الحرب نحن معه. فيه ما هو جيّد، وما هو غير جيّد. غير الجيّد يصير غداً أو بعده جيّداً. أي محاولة لفرض وجهة نظر تعني أن لا اتفاق، وهذا رأينا سياسياً وعسكرياً. عندما اتفقوا أرسلنا المشروع إليكم، وقلت لك إنك تعرفه لأنني اعتبرت أنك عرفتَ به فعلاً بواسطة أجهزة الدولة وتسريب المعلومات من خلال أشخاص. الاتفاق لا يعبّر عن وجهة نظر رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء ولا الوزراء، ولا (أمل) والقوات والاشتراكي. كل اتفاق يعبّر عن شيء متقارب من ذلك وهو يمثّل القوى المتقاتلة. الرئيس فرنجيه أقرب إلينا منهم، والرئيس الجميّل أصبح في السنوات الثلاث أقرب».
ثم أضاف بعد عرض مسهب عن علاقته بأفرقاء التوقيع، ونظرته إلى الاتفاق وإنهاء الحرب: «سنأخذ ملاحظاتك ونقول لـ(الإخوان) ادرسوها. هذه الملاحظات ألغت الاتفاق كله ولا بدّ من طرح الموضوع عليهم. المآخذ هي نسف من الجذور. نحترم كلمتك وكلمات الآخرين. لا أحمّلك مسؤولية، فأنت حاولتَ فعلاً. رأيي لم يكن متوافقاً مع الآخرين، لا وليد ولا نبيه. المجالس بالأمانات، زعلنا منهما. قبل ثلاثة أيام التقيتُ وليد وقلت له إنك اليوم لا تعطّل الاتفاقات، يعني أنه في الماضي كان يعطّلها. أما أنت يا فخامة الرئيس، فحاولتَ أن تلقي بثقلك عند المسيحيين. سألني الإخوان عن قصة العشرين كتيبة وضعتُها في تصرّفك بعد انتفاضة القوات، فأجبتهم بأن ذلك صحيح، لكن الرئيس الجميّل يريد احتواءها سياسياً. لا نريد أن نحمل العصا، وعلّمتنا تجاربنا أننا ضربنا الكل ولم تُحلّ المشكلة».
قال: «شيخ أمين، ما من رئيس جمهورية مارس سلطته، لا فرنجيه ولا سركيس. أنت مارستَ أكثر منهما لا أحد قادر على تجاهل التداخل التاريخي بين سوريا ولبنان. هم حكوا عن علاقات مميّزة فكيف لا تكون في اتفاق شعبي؟ الله لا يفصل لبنان عن سوريا».
قلت: «في النظام اللبناني يجب تجاوز المادة 95، وهي وُضعت بناءً على طلب المسلمين، ولا مانع لدي من حذفها. كل ما هو مطلوب إيجاد ضوابط للبقاء على لحمة البلد. لا أتشبّثُ بعدم إلغاء الطائفية، وأنا أول مَن كسر الطوق في تعيينات الفئة الأولى. الاتفاق فرّغ رئيس الجمهورية من صلاحياته وأبقاها معلّقة. بغض النظر عن جعل رئيس الجمهورية بلا صلاحيات، قد تأتي حكومة غير متجانسة إن لم نقل عدائية لرئيس الجمهورية، عندها ماذا تعني استشارات نيابية ملزمة؟ لماذا أكون أنا صندوق اقتراع؟ فليكن مجلس النواب. هناك المثالثة ولا أعرف الغاية منها. هل نقاصص طائفة في البلد؟ هل ثمّة قصاص للموارنة لعودتهم إلى الرهان العربي الصادق مع سوريا؟ المرحلة الانتقالية تُطبّق قبل تعديل الدستور أو سيصار إلى تعليقه؟».
خدّام: «الاتفاق يبدأ تنفيذه فوراً. هناك عُرف دستوري، والاتفاق سيُطبّق كعُرف دستوري جديد».
الأسد: «الاتفاق أصبح ميثاقاً».
قلت: «ثلاثة أشخاص يضعون الميثاق؟ كأن هؤلاء أصبحوا هيئة دستورية».
الكسم: «في الظروف الطبيعية هذا لا يجوز. أما في الظروف غير الطبيعية فكل أمر جائز».
قلت: «هل هناك تعليق للدستور؟».
خدّام: «الدستور معلّق أصلاً».
قلت: «هذا لا يجوز إطلاقاً».
الكسم: «هل هناك نصّ في الدستور الحالي يقول إن رئيس الجمهورية ماروني؟».
خدّام: «لا. إنه عُرف».
قلت: «يمكن أيضاً أن يصدر مرسوم بلا توقيع رئيس الجمهورية».
الأسد: «رئيس جمهورية لبنان لا يُحاكم».
خدّام: «في الخيانة العظمى فقط. صلاحيات رئيس الجمهورية في الاتفاق مهمة، فهو رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش، ويعلن الحرب والسلم وحلّ مجلس النواب، وقانون الموازنة والعفو... هذا المشروع حوّل رئيس الجمهورية من حاكم إلى قائد».
الأسد: «أنت تمارس أكثر من رئيس الجمهورية السورية».
خدّام: «الاتفاق يُعرض على مجلس النواب فيوافق عليه ويصبح عُرفاً دستورياً. هذه تسوية سياسية».
قلت: «تعليق الدستور في هذه الفترة عملية خطيرة جداً».
الأسد: «يمكن ألا يُسمّى ذلك تعليقاً للدستور».
قلت: «لا أمانع في أن يذهب إلى مجلس النواب، ما دام أبو جمال يقول إن القصة تنتهي في مجلس النواب».
خدّام: «ثمّة أمران، إما وفاق وإما استمرار القتال. الصراع كان مسيحياً - إسلامياً، والآن تغيّرت طبيعته. إما نقول تسوية أو نقول فئة تنتصر، وهذه كارثة».
قلت: «لنرسل الاتفاق إلى مجلس النواب، وأنا ألتزم ما يُقرّره ما دام أبو جمال لا يرى في المجلس مشكلة».
الأسد: «كم هو عدد النواب المتبقي؟».
قلت: «88 نائباً».
خدّام: «ثمّة نائبان غائبان على نحو دائم، هما ريمون إده وصائب سلام، وهذا يعني أن الاتفاق يحتاج إلى 45 نائباً».
الأسد: «23 نائباً يوافقون على الاتفاق. في حال طرح تعديلات يجب العودة إلى الأفرقاء الموقّعين».
قلت: «الاتفاق تعطيل للمؤسسات الدستورية. هذا رأيي وأتمسّك به. ما أطلبه لرئيس الجمهورية هو إبقاء حدّ أدنى من هذه الدولة. القيادة الجماعية تعني تكريس الكانتونات على الأرض، وإقصاء رئيس الجمهورية عن السلطة الإجرائية يشلّ الدولة».
الكسم: «أي دولة يترأس فيها رئيس الجمهورية مجلس الوزراء؟».
الأسد: «أنت تمارس أكثر مني. أنا لا أستطيع عقد معاهدات».
قلت: «الآن أريد أن أعرف رأيكم في الملاحظات التي تقدّمتُ بها. أبو جمال عاش الجوّ ويمكنه أن يعطي رأياً فيها، وفي مدى قبول الأطراف بها».
رُفعت الجلسة في الحادية عشرة والدقيقة العاشرة قبل منتصف الليل.
التأمت الجلسة الثالثة في الغداة، 14 كانون الثاني، العاشرة والنصف قبل الظهر، واستهلها الرئيس السوري بإيجاز الملاحظات، فرددتُ بالتذكير بوجهة نظري، مشيراً إلى أحد حلّين: «اطلاع موقّعي الاتفاق على ما أدليتُ به، أو إحالته على مجلس النواب عبر اجتماع لمجلس الوزراء».
الأسد: «هم ينتظرون من هذه الجلسة الموافقة عليه أو عدم الموافقة، وليسوا خائفين من مجلس النواب».
قلت: «أنا غير موافق. هذا المشروع هو تعطيل للدولة، وهذا اقتناعي. بصفتي معنيّاً، ولا أستطيع الموافقة من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية».
الأسد: «هل هناك مؤسسات؟ نحن نطلب من فخامة الرئيس. في لبنان لا وجود للمؤسسات. لا درك للدولة ولا جيش، بل جيوش عدّة. نحن لا نفرض شيئاً، ولا نطلب. الجماعة اتفقوا ويعتبرون مَن حضر معهم التوقيع هم لبنان والدولة. لماذا لا نسلّم بهذا الواقع؟ فيهم نحو 80 أو 90 في المائة من المقاتلين، وحضرت شخصيات مرموقة أدت دوراً أساسياً. بحسب معلوماتي، التيّار في لبنان تيّار السلم ما عدا البعض في حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة لحزب الكتائب وبعض رجال الدين عند المسيحيين والمسلمين. شيخ أمين، قد لا تتكرّر الفرصة الحالية، وكلما زاد الدم زاد الشرخ».
رددتُ: «لستُ متمسكاً بأي أمر. يمكن أن يأتي هؤلاء في أي وقت ويتسلّموا الحكم، فلا مانع لديَّ. إذا بحثنا في ملاحظاتي التي أوردتُها البارحة ورأيتم أنها قابلة للتنفيذ، نكون قد خففنا قليلاً من النتائج السلبية للاتفاق. إذا كان ثمّة إحراج لتعديله لألف سبب وسبب، نرسله إلى مجلس النواب وبما يحرّرني من المسؤولية. إذا أحبّ الشباب احتلال بعبدا ولا مانع، تكون عندئذ ثورة. أنا مؤتمن على مهمتي، ولا أتحمّل مسؤولية ما لا أوافق عليه».
الأسد: «إذا وافق مجلس النواب عليه، هل توافق؟».
قلت: «يصبح قانوناً وأنا ملزم تنفيذه».
الأسد: «الآن ثمّة حلان. البحث في الملاحظات مع الشباب، أو إرساله إلى مجلس النواب».
قلت: «أدرسها معكم لأن البحث فيها مع الشباب بلا نتيجة. قد لا يريدون الاتفاق ويحمّلونني المسؤولية، فيعود القصف والقتال».
الشرع: «طرحه على المجلس من دون أن يكون له حقّ التعديل».
الأسد: «إذاً نحن أمام طريقين».
قلت: «أي سياسة تقرّرها أنا مستعدّ».
الأسد: «ليست سياسة بل ميثاقاً. سنعرض الأمر على الإخوان لأن الاتفاق بين أطراف لبنانيين، وليس مع سوريا. سنطرح إمكان إحالته كما هو على مجلس النواب، وما يقرّه يكون نهائياً؛ لأن ثمّة ملاحظات تنسف الاتفاق بكامله».
قلت: «كيف تريدون تفسير نتائج مداولاتنا لتفادي التفسير المزاجي؟».
الأسد: «يُقال طُرحت الملاحظات، والإخوان سيعرضون الأمر على أفرقاء الاتفاق الثلاثي».
خدّام: «أرى أن يُحكى عن الموضوع كما هو».
قلت: «قبل أن أمشي، أحبّ أن أعلن تضامني وعاطفتي نحوكم. أنا لم أتسلّم شيئاً عند انتخابي، والآن أُحاسَب على كل شيء. لا بدّ لنا من أن ننجح. رغم ذلك، ضميري مرتاح لأنني أدّيتُ واجباتي حيال بلدي».
رُفعت الجلسة عند الأولى بعد الظهر. تمنّيتُ على الرئيس الأسد ألا يرافقني إلى المطار بسبب ظروفه الصحّية وسوء الأحوال الجوّية، لكنه أصرّ.
فيما كان يرافقني إلى المطار، اغتنمتُ فرصة وجودنا وحدنا في سيارته كي أؤكد له أنني لستُ ضدّ الإصلاح، شرط أن تحترم الإصلاحات المنشودة مصالح لبنان، وأن تمرّ عبر التفاوض مع سلطة رسمية أكثر تمثيلاً وأكثر شرعية من مجرّد تحالف ميليشياوي.
أصغى إليَّ باهتمام حتى ظننتُ أنني أقنعته بحرصي الشديد على البحث عن حلّ للأزمة، وعلى الحفاظ على علاقات طيّبة بين بلدينا. بيد أن خدّام، الأقلّ مراعاة لأصول اللياقة، صرّح بانفعال لأحد الصحافيين الموجودين على المدرج: «تعديل الاتفاق ليس وارداً، وأصحابه هم أصحاب القرار في لبنان».
ثم أضاف باستفزاز ظاهر: «لن تكون ثمّة قمّة ثانية عشرة ولا ثالثة عشرة».
(غداً الحلقة الثانية)



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».