حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (1)‬

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
TT

حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق

يعرض الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في هذه الحلقة من مذكراته التي تصدر قريباً بعنوان «الرئاسة المقاوِمة» تفاصيل 3 اجتماعات عقدها مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ونائبه عبد الحليم خدام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع، وتتناول ملاحظات الجميل على «الاتفاق الثلاثي» الذي تم توقيعه في دمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 1985 بين رئيس حركة «أمل» الرئيس نبيه بري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وإيلي حبيقة الذي كان في ذلك الوقت قائد «القوات اللبنانية»، ورد القيادة السورية على تلك الملاحظات.
بين ما نص عليه ذلك الاتفاق: إجراء تعديلات أساسية في صيغة الحكم في لبنان تم التفاهم عليها مع القيادة السورية في غياب أي مسؤول لبناني. والحد من صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل السلطة التنفيذية إلى «مجلس وزاري» يتشكل من قادة الميليشيات التي كانت مشاركة في الحرب الأهلية.

- وهنا نص الحلقة الأولى:
صباح 13 يناير (كانون الثاني) 1986 قصدتُ دمشق لعقد القمّة الحادية عشرة مع الرئيس السوري. عقدنا ثلاث جلسات عمل استغرقت في مجموعها عشر ساعات ونصف الساعة. حضر معنا نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع.
أوردُ هنا أجزاء مقتطعة من محاضر الجلسات الثلاث المدوّنة، المتطابقة، لدى رئاستي الجمهورية في البلدين.
بدأت الجلسة الأولى في الثانية عشرة ظهراً، فور وصولي. تحدّثنا أولاً عن أحداث المتن، قبل أن أفتتح المحادثات عارضاً حصيلة مشاوراتي في بيروت، ثم استشارات مراجع قانونية محلية وخارجية تزوّدتها. قلتُ «إن الشعب اللبناني يقدّر جهود سوريا لإنهاء الأزمة، وثمّة اقتناع عند اللبنانيين جميعاً بضرورة الاستفادة من هذه الجهود؛ لأن حرب السنوات العشر لا بدّ من أن تنتهي على أسس وطنية دستورياً وقانونياً».
تحدّثتُ عن تحفّظ أفرقاء لبنانيين عن الاتفاق الثلاثي، إلا أن رفضهم أي خطوة «لا يُعدّ موجّهاً ضدّ سوريا وبخاصة رئيسها. نحن أمام فرصة تاريخية لإيجاد الحلّ الثابت والنهائي للوضع اللبناني أولاً، وللعلاقات اللبنانية - السورية ثانياً». تطرّقتُ إلى رهاني على التعاون اللبناني - السوري، وأوردتُ ملاحظاتي على صيغة الاتفاق التي حملها إليَّ الشرع، وأولها أنه يعيد النظر في التعايش اللبناني بدءاً من إلغاء الطائفية بلا ضوابط، قائلاً: «الجوّ الذي نعيشه في لبنان مشحون بالطائفية، وسوريا نفسها عانته مع الإخوان المسلمين. أنا مع تحرير المجتمع اللبناني من هذه العقدة، لكن يقتضي قبلاً إيجاد ضوابط طبيعية، وأخشى أن تؤدي المعالجة السريعة والفجّة والعقائدية لهذه المسألة إلى عكس الغاية المرجوة. لبنان ليس سوريا التي لا مشكلة مماثلة لديها، وكذلك العراق؛ لأن دين الدولة هو الإسلام. نريد تحرير لبنان من هذه العقدة، من دون الخوض في مغامرة المجهول».
عقّب الأسد: «هذا يعني أن إلغاء النظام الطائفي يُدخلنا في المجهول؟ ما المفهوم من إلغاء الطائفية السياسية؟ البحث إذاً في سلبية إلغائها؟».
قلت: «يجب إيجاد ضوابط فعلية. مخطئ من يزعم أن رئيس الجمهورية يتحكّم في الوضع. في وسع رئيس الحكومة أن يوقف ذلك، وهنا المشاركة الحقيقية. لا مانع لدي من إلغائها، لكن ثمّة عقداً يخلفها هذا الإلغاء».
الأسد: «ما هي هذه العقد؟».
قلت: «لا يمكن القبول ببند إلغاء الطائفية حكماً كما أورده الاتفاق. البعض يعتبر الطائفية امتيازات والبعض الآخر ضمانات، وأنا أعتبرها ضوابط. محصلة النظام السياسي الدستوري في المشروع إنهاء ما يُسمّى الدولة اللبنانية أو الإرادة اللبنانية».
ردّ باستغراب: «إنهاء؟».
قلت: «نعم. إنهاء وتعطيلها تعطيلاً جماعياً. هذا النظام غير موجود في أي مكان آخر في العالم باستثناء كانتونات سويسرا. إذا لم يكن لديك حكم قوي فلا يمكنك تنفيذ الاتفاق. المنطلقات الدستورية المقترحة تعطيل له، أي شخص لا يعجبه لون ربطة عنق جاره يمكنه تعطيل الاتفاق. نحن لا نصوّت في مجلس الوزراء منذ عام 1943. المؤسف أن الذين شاركوا في الاتفاق لم يشاركوا في الحكم مرّة. في أحد بنوده نصّ على صلاحيات المجلس الوزاري الذي يتخذ قراراته بإجماع الحضور، إجماع مَن يتألف منهم. إذا تغيّب أحدهم فماذا تكون النتيجة؟».
الأسد: «على ما أعتقد خلال الفترة الانتقالية».
قلت: «مَن يدري متى تنتهي الفترة الانتقالية! في الاتفاق القرارات الأساسية تتطلّب المجلس الوزاري، والعادية مجلس الوزراء. وزراء الدولة الذين يتألف منهم المجلس الوزاري هم حكماً أعضاء في مجلس الوزراء. بذلك تتداخل الصلاحيات، ويصار إلى تعطيل أجهزة الدولة كلها. ثمّة استحالة لتطبيق الاتفاق الذي سيؤدي إلى عكس غايته وهي توحيد لبنان، بأن يُنشئ كانتونات».
ثم عرضتُ ملاحظات أخرى على بعض بنود الاتفاق، فردّ الرئيس السوري: «المآخذ إذن على إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية أو الإجماعية والمجلس الوزاري!».
رددتُ: «التحفّظ عن الجماعية والإجماعية. نحن في حاجة إلى سلطة قوية لدعم مسيرة البناء الدستوري، وإلى دولة متماسكة. في الاتفاق تعطيل لرأس الدولة، لا أفهم لماذا؟ في الدستور رئيس الجمهورية يتمتّع بصلاحيات كبيرة كأنه ديكتاتور، أما في العُرف فالأمر يختلف كثيراً. منذ حكومة الرئيس رياض الصلح رئيس مجلس الوزراء هو رئيس السلطة الإجرائية. لا مرسوم يمرّ من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، وهذا في الدستور».
خدّام: «لا».
الأسد: «لنكمل المآخذ».
قلت: «إذا أردنا احترام مبدأ الديمقراطية في لبنان، فإن تعيين مجلس الوزراء النواب خطأ كبير، وخصوصاً أننا سنعيّن 200 نائب، بذلك نكون أخضعنا مجلس النواب لإرادة الحكومة وإمرتها».
ثم أوردتُ مأخذاً خامساً، بعد إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية والمجلس الوزاري وتعيين النواب، هو «أن الاتفاق يجعل الدولة حاميها حراميها، فهو يحلّ مشكلة الموقّعين المفاوضين المقاتلين ولا يحلّ مشكلة البلد. إذا تركنا لهم حلّ كل المشاكل فلن نصل إلى حلّ. المقاتلون قالوا لنا ماذا يريدون منا، لكننا نريد أن نقول لهم ماذا نريد منهم؟ شراء الدولة مثلاً أسلحة المقاتلين، هل اشتروها بأموالهم الخاصة ومن أموال آبائهم أم جبوها من أموال المرفأ والمرافق العامة للدولة ومن جيوب المواطنين؟».
الأسد: «اشتروها أنتم ونحن نشتريها منكم».
قلت: «في موضوع العلاقات الثنائية، لمصلحة سوريا ألا تكون بين ثلاثة أطراف بل مع الدولة. أمّا تحفّظي الثاني فعلى تضمين الاتفاق العلاقات الثنائية كما وردت، والتي يكون تحقيقها باتفاقات ثنائية».
الأسد: «لنكن واضحين. إنه إجماع كل الأطراف. منذ عام 1976 لم نطالب بذلك، بل إنه مطلب إجماعي من كل القيادات اللبنانية».
قلت: «نحن موافقون على علاقات ثنائية بين دولة ودولة، ولكننا نتكلّم عن وثيقة دستورية يُفترض ألا تتضمّن هذه المسائل لأنها تُبحث بين وزيري الخارجية في البلدين، وتُعقد اتفاقات، ويُصوّت عليها مجلس النواب».
الأسد: «أي أن العلاقة مع سوريا لا تدخل في هذه الوثيقة؟».
قلت: «يمكن أن يُشار إليها. أما المبادئ التفصيلية، فتأتي في اتفاقات ثانية».
الأسد: «قضية شكلية إذاً؟».
قلت: «سوريا تحترم نفسها ولبنان كذلك. لا هي راكضة لفرض أي علاقة مع لبنان، ولا هو يرغب في ذلك. أنا أول مَن استعمل علاقات مميّزة في جوّ إسرائيلي كان سائداً. الصياغة نراها مع أبو جمال والدكتور فاروق، ولا اختلاف في الجوهر».
الرابعة بعد الظهر رُفعت الجلسة الأولى، ثم استؤنفت في السابعة والربع من مساء اليوم نفسه، 13 كانون الثاني.
استهلها الأسد بالقول: «خلال 11 سنة تحمّلنا الكثير من أجل لبنان، لم نتعامل معه كورقة نمسكها بأيدينا، بل من موقف مبدئي وعاطفي. شعب واحد، بلد واحد. كل الأمّة العربية دولة واحدة والاستعمار هو مَن أوجد هذه الكيانات. لو وضعنا بين أيدينا أي كتاب، لوجدنا أنه هو الذي قسّم هذه الكيانات. في الأحداث الأخيرة بلغ عدد اللبنانيين الذين لجأوا إلى سوريا نحو 500 ألف نسمة...».
الكسم مقاطعاً: «800 ألف نسمة».
الأسد: «اتصلنا بالمقاتلين والميليشيات، وأنت تتذكّر أنني كنت أقول لهم اتفقوا. المقاتلون التقوا، ولا تتصوّر أننا نحن من وضعنا الاتفاق، فلو كنا وضعناه لما كان أعجب حبيقة، ولا برّي، ولا جنبلاط، ولا أمين الجميّل. اتفقوا واختلفوا. رحنا نقوم بالمراسلة فيما بينهم. عبد الحليم خدّام كان يجلس معهم، فلم استحسن أن يجلس نائب رئيس الجمهورية مع ممثلي قياداتهم. اختلفوا، فقلتُ له بأن يجتمعوا في بيروت، وأظن أنهم التقوا هناك. ثم جاءوا إلى هنا وحصل اتفاق لي ملاحظات عليه. أكرّر لك لو أردنا نحن وضعه لما أرضى أحداً. موضوع الطائفية رفضناه منذ زمن في سوريا، فهل في الاتفاق إلغاء فوري لها؟».
خدّام: «لا، بعد مرحلة انتقالية».
الأسد: «الجماعة اتفقوا على ما سمّوه إصلاحات. أي اتفاق ينهي الحرب نحن معه. فيه ما هو جيّد، وما هو غير جيّد. غير الجيّد يصير غداً أو بعده جيّداً. أي محاولة لفرض وجهة نظر تعني أن لا اتفاق، وهذا رأينا سياسياً وعسكرياً. عندما اتفقوا أرسلنا المشروع إليكم، وقلت لك إنك تعرفه لأنني اعتبرت أنك عرفتَ به فعلاً بواسطة أجهزة الدولة وتسريب المعلومات من خلال أشخاص. الاتفاق لا يعبّر عن وجهة نظر رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء ولا الوزراء، ولا (أمل) والقوات والاشتراكي. كل اتفاق يعبّر عن شيء متقارب من ذلك وهو يمثّل القوى المتقاتلة. الرئيس فرنجيه أقرب إلينا منهم، والرئيس الجميّل أصبح في السنوات الثلاث أقرب».
ثم أضاف بعد عرض مسهب عن علاقته بأفرقاء التوقيع، ونظرته إلى الاتفاق وإنهاء الحرب: «سنأخذ ملاحظاتك ونقول لـ(الإخوان) ادرسوها. هذه الملاحظات ألغت الاتفاق كله ولا بدّ من طرح الموضوع عليهم. المآخذ هي نسف من الجذور. نحترم كلمتك وكلمات الآخرين. لا أحمّلك مسؤولية، فأنت حاولتَ فعلاً. رأيي لم يكن متوافقاً مع الآخرين، لا وليد ولا نبيه. المجالس بالأمانات، زعلنا منهما. قبل ثلاثة أيام التقيتُ وليد وقلت له إنك اليوم لا تعطّل الاتفاقات، يعني أنه في الماضي كان يعطّلها. أما أنت يا فخامة الرئيس، فحاولتَ أن تلقي بثقلك عند المسيحيين. سألني الإخوان عن قصة العشرين كتيبة وضعتُها في تصرّفك بعد انتفاضة القوات، فأجبتهم بأن ذلك صحيح، لكن الرئيس الجميّل يريد احتواءها سياسياً. لا نريد أن نحمل العصا، وعلّمتنا تجاربنا أننا ضربنا الكل ولم تُحلّ المشكلة».
قال: «شيخ أمين، ما من رئيس جمهورية مارس سلطته، لا فرنجيه ولا سركيس. أنت مارستَ أكثر منهما لا أحد قادر على تجاهل التداخل التاريخي بين سوريا ولبنان. هم حكوا عن علاقات مميّزة فكيف لا تكون في اتفاق شعبي؟ الله لا يفصل لبنان عن سوريا».
قلت: «في النظام اللبناني يجب تجاوز المادة 95، وهي وُضعت بناءً على طلب المسلمين، ولا مانع لدي من حذفها. كل ما هو مطلوب إيجاد ضوابط للبقاء على لحمة البلد. لا أتشبّثُ بعدم إلغاء الطائفية، وأنا أول مَن كسر الطوق في تعيينات الفئة الأولى. الاتفاق فرّغ رئيس الجمهورية من صلاحياته وأبقاها معلّقة. بغض النظر عن جعل رئيس الجمهورية بلا صلاحيات، قد تأتي حكومة غير متجانسة إن لم نقل عدائية لرئيس الجمهورية، عندها ماذا تعني استشارات نيابية ملزمة؟ لماذا أكون أنا صندوق اقتراع؟ فليكن مجلس النواب. هناك المثالثة ولا أعرف الغاية منها. هل نقاصص طائفة في البلد؟ هل ثمّة قصاص للموارنة لعودتهم إلى الرهان العربي الصادق مع سوريا؟ المرحلة الانتقالية تُطبّق قبل تعديل الدستور أو سيصار إلى تعليقه؟».
خدّام: «الاتفاق يبدأ تنفيذه فوراً. هناك عُرف دستوري، والاتفاق سيُطبّق كعُرف دستوري جديد».
الأسد: «الاتفاق أصبح ميثاقاً».
قلت: «ثلاثة أشخاص يضعون الميثاق؟ كأن هؤلاء أصبحوا هيئة دستورية».
الكسم: «في الظروف الطبيعية هذا لا يجوز. أما في الظروف غير الطبيعية فكل أمر جائز».
قلت: «هل هناك تعليق للدستور؟».
خدّام: «الدستور معلّق أصلاً».
قلت: «هذا لا يجوز إطلاقاً».
الكسم: «هل هناك نصّ في الدستور الحالي يقول إن رئيس الجمهورية ماروني؟».
خدّام: «لا. إنه عُرف».
قلت: «يمكن أيضاً أن يصدر مرسوم بلا توقيع رئيس الجمهورية».
الأسد: «رئيس جمهورية لبنان لا يُحاكم».
خدّام: «في الخيانة العظمى فقط. صلاحيات رئيس الجمهورية في الاتفاق مهمة، فهو رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش، ويعلن الحرب والسلم وحلّ مجلس النواب، وقانون الموازنة والعفو... هذا المشروع حوّل رئيس الجمهورية من حاكم إلى قائد».
الأسد: «أنت تمارس أكثر من رئيس الجمهورية السورية».
خدّام: «الاتفاق يُعرض على مجلس النواب فيوافق عليه ويصبح عُرفاً دستورياً. هذه تسوية سياسية».
قلت: «تعليق الدستور في هذه الفترة عملية خطيرة جداً».
الأسد: «يمكن ألا يُسمّى ذلك تعليقاً للدستور».
قلت: «لا أمانع في أن يذهب إلى مجلس النواب، ما دام أبو جمال يقول إن القصة تنتهي في مجلس النواب».
خدّام: «ثمّة أمران، إما وفاق وإما استمرار القتال. الصراع كان مسيحياً - إسلامياً، والآن تغيّرت طبيعته. إما نقول تسوية أو نقول فئة تنتصر، وهذه كارثة».
قلت: «لنرسل الاتفاق إلى مجلس النواب، وأنا ألتزم ما يُقرّره ما دام أبو جمال لا يرى في المجلس مشكلة».
الأسد: «كم هو عدد النواب المتبقي؟».
قلت: «88 نائباً».
خدّام: «ثمّة نائبان غائبان على نحو دائم، هما ريمون إده وصائب سلام، وهذا يعني أن الاتفاق يحتاج إلى 45 نائباً».
الأسد: «23 نائباً يوافقون على الاتفاق. في حال طرح تعديلات يجب العودة إلى الأفرقاء الموقّعين».
قلت: «الاتفاق تعطيل للمؤسسات الدستورية. هذا رأيي وأتمسّك به. ما أطلبه لرئيس الجمهورية هو إبقاء حدّ أدنى من هذه الدولة. القيادة الجماعية تعني تكريس الكانتونات على الأرض، وإقصاء رئيس الجمهورية عن السلطة الإجرائية يشلّ الدولة».
الكسم: «أي دولة يترأس فيها رئيس الجمهورية مجلس الوزراء؟».
الأسد: «أنت تمارس أكثر مني. أنا لا أستطيع عقد معاهدات».
قلت: «الآن أريد أن أعرف رأيكم في الملاحظات التي تقدّمتُ بها. أبو جمال عاش الجوّ ويمكنه أن يعطي رأياً فيها، وفي مدى قبول الأطراف بها».
رُفعت الجلسة في الحادية عشرة والدقيقة العاشرة قبل منتصف الليل.
التأمت الجلسة الثالثة في الغداة، 14 كانون الثاني، العاشرة والنصف قبل الظهر، واستهلها الرئيس السوري بإيجاز الملاحظات، فرددتُ بالتذكير بوجهة نظري، مشيراً إلى أحد حلّين: «اطلاع موقّعي الاتفاق على ما أدليتُ به، أو إحالته على مجلس النواب عبر اجتماع لمجلس الوزراء».
الأسد: «هم ينتظرون من هذه الجلسة الموافقة عليه أو عدم الموافقة، وليسوا خائفين من مجلس النواب».
قلت: «أنا غير موافق. هذا المشروع هو تعطيل للدولة، وهذا اقتناعي. بصفتي معنيّاً، ولا أستطيع الموافقة من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية».
الأسد: «هل هناك مؤسسات؟ نحن نطلب من فخامة الرئيس. في لبنان لا وجود للمؤسسات. لا درك للدولة ولا جيش، بل جيوش عدّة. نحن لا نفرض شيئاً، ولا نطلب. الجماعة اتفقوا ويعتبرون مَن حضر معهم التوقيع هم لبنان والدولة. لماذا لا نسلّم بهذا الواقع؟ فيهم نحو 80 أو 90 في المائة من المقاتلين، وحضرت شخصيات مرموقة أدت دوراً أساسياً. بحسب معلوماتي، التيّار في لبنان تيّار السلم ما عدا البعض في حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة لحزب الكتائب وبعض رجال الدين عند المسيحيين والمسلمين. شيخ أمين، قد لا تتكرّر الفرصة الحالية، وكلما زاد الدم زاد الشرخ».
رددتُ: «لستُ متمسكاً بأي أمر. يمكن أن يأتي هؤلاء في أي وقت ويتسلّموا الحكم، فلا مانع لديَّ. إذا بحثنا في ملاحظاتي التي أوردتُها البارحة ورأيتم أنها قابلة للتنفيذ، نكون قد خففنا قليلاً من النتائج السلبية للاتفاق. إذا كان ثمّة إحراج لتعديله لألف سبب وسبب، نرسله إلى مجلس النواب وبما يحرّرني من المسؤولية. إذا أحبّ الشباب احتلال بعبدا ولا مانع، تكون عندئذ ثورة. أنا مؤتمن على مهمتي، ولا أتحمّل مسؤولية ما لا أوافق عليه».
الأسد: «إذا وافق مجلس النواب عليه، هل توافق؟».
قلت: «يصبح قانوناً وأنا ملزم تنفيذه».
الأسد: «الآن ثمّة حلان. البحث في الملاحظات مع الشباب، أو إرساله إلى مجلس النواب».
قلت: «أدرسها معكم لأن البحث فيها مع الشباب بلا نتيجة. قد لا يريدون الاتفاق ويحمّلونني المسؤولية، فيعود القصف والقتال».
الشرع: «طرحه على المجلس من دون أن يكون له حقّ التعديل».
الأسد: «إذاً نحن أمام طريقين».
قلت: «أي سياسة تقرّرها أنا مستعدّ».
الأسد: «ليست سياسة بل ميثاقاً. سنعرض الأمر على الإخوان لأن الاتفاق بين أطراف لبنانيين، وليس مع سوريا. سنطرح إمكان إحالته كما هو على مجلس النواب، وما يقرّه يكون نهائياً؛ لأن ثمّة ملاحظات تنسف الاتفاق بكامله».
قلت: «كيف تريدون تفسير نتائج مداولاتنا لتفادي التفسير المزاجي؟».
الأسد: «يُقال طُرحت الملاحظات، والإخوان سيعرضون الأمر على أفرقاء الاتفاق الثلاثي».
خدّام: «أرى أن يُحكى عن الموضوع كما هو».
قلت: «قبل أن أمشي، أحبّ أن أعلن تضامني وعاطفتي نحوكم. أنا لم أتسلّم شيئاً عند انتخابي، والآن أُحاسَب على كل شيء. لا بدّ لنا من أن ننجح. رغم ذلك، ضميري مرتاح لأنني أدّيتُ واجباتي حيال بلدي».
رُفعت الجلسة عند الأولى بعد الظهر. تمنّيتُ على الرئيس الأسد ألا يرافقني إلى المطار بسبب ظروفه الصحّية وسوء الأحوال الجوّية، لكنه أصرّ.
فيما كان يرافقني إلى المطار، اغتنمتُ فرصة وجودنا وحدنا في سيارته كي أؤكد له أنني لستُ ضدّ الإصلاح، شرط أن تحترم الإصلاحات المنشودة مصالح لبنان، وأن تمرّ عبر التفاوض مع سلطة رسمية أكثر تمثيلاً وأكثر شرعية من مجرّد تحالف ميليشياوي.
أصغى إليَّ باهتمام حتى ظننتُ أنني أقنعته بحرصي الشديد على البحث عن حلّ للأزمة، وعلى الحفاظ على علاقات طيّبة بين بلدينا. بيد أن خدّام، الأقلّ مراعاة لأصول اللياقة، صرّح بانفعال لأحد الصحافيين الموجودين على المدرج: «تعديل الاتفاق ليس وارداً، وأصحابه هم أصحاب القرار في لبنان».
ثم أضاف باستفزاز ظاهر: «لن تكون ثمّة قمّة ثانية عشرة ولا ثالثة عشرة».
(غداً الحلقة الثانية)



تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

دخلت واشنطن ولندن على خط الأزمة السياسية الصومالية بتسهيل حوار بين الحكومة والمعارضة، وسط تأزم الموقف المحيط بتمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود عاماً آخر بعد تعديل دستوري تم التصديق عليه مؤخراً.

ذلك الحوار، الذي يركز على مسار الانتخابات المباشرة التي ترفضها قوى معارضة رئيسية، قد يقود تحت ضغوط دولية إلى تهدئة وتفاهم بشأن تمديد فترة ولاية شيخ محمود، بدلاً من انقضائها، غداً الجمعة، وذلك «لقيادة البلاد نحو انتخابات متفق عليها»، بحسب خبراء في الشؤون الصومالية والأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

غير أنهم لفتوا إلى أن هذا سيكون بمثابة «احتواء مؤقت وليس تسوية مستدامة».

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع المعارض البارز شريف شيخ أحمد (وكالة الأنباء الصومالية)

وأفادت وسائل إعلام صومالية، الخميس، بأن حواراً تواصل لليوم الثاني بين الحكومة الفيدرالية وسياسيين من المعارضة، لم يتمكن في يومه الأول من التوصل إلى اتفاق بشأن النقاط الرئيسية المتعلقة بالعملية الانتخابية في البلاد.

وشارك في الاجتماع من جانب الحكومة، رئيس البلاد شيخ محمود ونائب رئيس الوزراء صالح أحمد جامع، بينما قاد المعارضة رئيس بونتلاند سعيد عبد الله ديني والرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد، بحسب ما ذكره الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

وحضر أعضاء من السفارتين الأميركية والبريطانية في بداية الاجتماع، «ولعبوا دوراً في افتتاح المحادثات، ثم غادروا لاحقاً ليتمكن القادة الصوماليون من مواصلة المناقشات مباشرة»، وفقاً لما نشره الموقع الإخباري.

وتمسك كل من الطرفين بموقفه، حيث طالبت المعارضة بمناقشة القضايا الانتخابية، بينما أصرت الحكومة الفيدرالية على انتخابات «صوت واحد لكل شخص» التي بدأتها في بعض المناطق. واتفق الجانبان في النهاية على مواصلة المحادثات والاجتماع الخميس.

القضيتان المطروحتان

صرَّح مصدر مطلع على تفاصيل الحوار لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، بأن جلسة الأربعاء «لم تتوصل إلى أي تفاهمات بين الجانبين، وتم الاجتماع مجدداً الساعة العاشرة صباح الخميس، وكان الخلاف سيد الموقف».

وتابع قائلاً إنه على طاولة الحوار المدعوم دولياً «لا يوجد سوى قضيتين مطروحتين؛ الأولى نوع الانتخابات التي ستُجرى في البلاد، حيث يرغب الرئيس في أن يُدلي الشعب بصوته بنفسه، بينما تُطالب المعارضة بأن يختار شيوخ العشائر والحكومات الإقليمية أعضاء مجلس الشعب؛ والثانية التعديلات الدستورية التي تُطالب المعارضة بإلغائها بالكامل والعودة إلى الدستور القانوني الذي أُقرّ عام 2012».

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أنه «من السابق لأوانه الحديث عن فشل المحادثات»، مضيفاً: «ليس أمام المجتمعين في النهاية سوى التوصل إلى اتفاق داخلياً، أو أن يفرض ضغط المجتمع الدولي اتفاقاً».

ويعتقد الخبير في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن انخراط مسؤولين دوليين، خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا، في الحوار السياسي بالصومال يعكس قلقاً دولياً متزايداً من أن يهدد أي فراغ سياسي أو أمني الاستقرار الهش في البلاد، خاصة مع تعقّد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة.

وهو يرى أنه يمكن للتحركات الدولية أن تُحدث تأثيراً مهماً، خاصة أنها تمتلك أدوات ضغط متعددة، منها الدعم المالي والأمني للحكومة الصومالية، ورعاية التفاهمات وتقديم الضمانات.

مأزق «المدة»

عقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار) الماضي، قال رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، إن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه شيخ محمود، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع سنوات يُفترض أن تنتهي قبل منتصف الشهر الحالي.

بينما قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن ولاية الرئيس تنتهي في 15 مايو (أيار) 2026، وإنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ونهاية أبريل (نيسان) الماضي، هدد رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، بتصعيدٍ حال تم تجاوز المدة.

ونبه إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، إلى أن مدة الولاية قبل التعديل الدستوري تنتهي الجمعة، وبالتالي لن تعتبر المعارضة شيخ محمود رئيساً للبلاد، بل ستطلق عليه لقب «الرئيس السابق»، ومن الضروري إيجاد حل نهائي بشأن العملية الانتخابية والدستور المعدل بهذه الجلسات.

تقريب المسافات

وعلى مدى أكثر من عام ترفض المعارضة مسار الانتخابات المباشرة الذي ينهي عقوداً من النظام القبلي.

ويوم الأحد الماضي، توجهت 13 مديرية في ولاية جنوب غربي الصومال للإدلاء بأصواتها واختيار الحكومات المحلية ومجالس المديريات وممثلي الولايات بنظام الاقتراع المباشر، بينما اتجهت المعارضة لتنظيم مظاهرة دون استجابة لدعوة رئاسية للحوار في 10 مايو الحالي، وفق ما ذكرته وسائل إعلام صومالية.

ووقتها، دعا الرئيس السياسيين الطامحين إلى قيادة البلاد إلى طرح رؤى يمكن أن تحظى بقبول المواطنين، محذراً إياهم من «إثارة الحساسيات والعواطف بين أبناء الشعب»، بحسب وكالة الأنباء الصومالية.

ووسط هذه الخلافات، يرجح إبراهيم «التوصل إلى حل سياسي يرضي الطرفين، على أن تُمدد فترة ولاية الرئيس شيخ محمود لمدة عام لقيادة البلاد نحو انتخابات متفق عليها».

لكن التجربة الصومالية، بحسب جامع بري، «تُظهر أن أي اتفاق لا يحظى بقبول داخلي واسع غالباً ما يكون هشاً أو مؤقتاً. لذلك فالدور الدولي قد ينجح في تقريب المسافات وفتح قنوات الحوار، لكنه لا يستطيع فرض تسوية دائمة إذا استمرت حالة انعدام الثقة بين القوى السياسية».


توافق يمني لأضخم صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين

اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
TT

توافق يمني لأضخم صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين

اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)

أعادت جولة المفاوضات الأخيرة بشأن ملف المحتجزين في اليمن إحياء الآمال بإمكانية تحقيق اختراقات إنسانية في مسار الأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد، بعد الإعلان، الخميس، عن التوصل إلى اتفاق بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية يقضي بالإفراج عن أكثر من 1600 شخص، وفق ما أفاد به بيان أممي.

وجاء الإعلان عن الاتفاق بعد مفاوضات مكثفة استمرت نحو 14 أسبوعاً برعاية الأمم المتحدة في العاصمة الأردنية عمّان، واستندت إلى تفاهمات سابقة بدأت من مسقط أواخر العام الماضي، وشملت لاحقاً جولات تفاوض غير مباشرة في الرياض، قبل أن تُستكمل في الأردن بتوقيع الكشوف وآلية التنفيذ.

وقال المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إن الاتفاق يمثل «لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين الذين طال انتظارهم المؤلم لعودة ذويهم»، مؤكداً أن المفاوضات الجادة أثبتت قدرة الأطراف على تحقيق تقدم في الملفات الإنسانية عندما تتوفر الإرادة السياسية.

رئيس وفد الحكومة اليمنية يصافح رئيس وفد الحوثيين بعد اتفاق تبادل الأسرى في عَمَّان (رويترز)

وأضاف غروندبرغ أن الاتفاق يعكس ما يمكن أن تحققه المفاوضات المستمرة، مشيداً بما وصفه بانخراط الأطراف «بحسن نية» رغم التعقيدات الإقليمية التي رافقت الأشهر الماضية، وداعياً إلى البناء على هذا الإنجاز من خلال تنفيذ عمليات إفراج إضافية، بما في ذلك الإفراجات الأحادية.

وأكد المبعوث تضامن الأمم المتحدة مع جميع المحتجزين تعسفياً وعائلاتهم، بمن فيهم موظفو المنظمة الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزون لدى الحوثيين، مشدداً على أن المنظمة ستواصل الضغط «بعزم لا يلين» من أجل الإفراج عنهم.

كما عبّر غروندبرغ عن تقديره للدور الذي اضطلعت به الأردن في استضافة جولة المفاوضات وتقديم التسهيلات اللازمة لإنجاحها، مشيداً بدعم عمّان المستمر لجهود السلام في اليمن. ووجّه الشكر كذلك إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر على شراكتها في رئاسة اللجنة الإشرافية المعنية بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين، ودورها في تسهيل المسار الإنساني بين الأطراف.

وحسب البيانات الصادرة عن الأطراف، فإن الاتفاق يشمل الإفراج عن مئات المحتجزين من الجانبين، بينهم 7 سعوديون و20 سودانياً، إضافة إلى محتجزين مرتبطين بالنزاع في جبهات مختلفة.

اختراق كبير

أوضح وفد الحكومة اليمنية المفاوض في ملف المحتجزين، أن الاتفاق ينص على الإفراج عن نحو 1750 محتجزاً، بينهم 27 من قوات التحالف العربي، في خطوة وصفها بأنها «تحول حقيقي» في هذا الملف الإنساني المعقد.

وأكد الوفد الحكومي أن المسار التفاوضي بدأ في العاصمة العُمانية مسقط في ديسمبر (كانون الأول) 2025 وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، قبل أن تنتقل المشاورات إلى الرياض لمدة شهر كامل لإرساء الترتيبات الفنية والإجرائية المتعلقة بتبادل الكشوف، وصولاً إلى جولة عمّان التي استمرت نحو 90 يوماً.

وأشار البيان الحكومي إلى أن المفاوضات واجهت «تعقيدات وعقبات كبيرة»، إلا أن الوفد تعامل معها «بروح وطنية وإنسانية» لإنجاح المسار وإعادة المحتجزين إلى أسرهم، مؤكداً أن التوقيع على الكشوف وآلية التنفيذ يمثل انفراجاً ملموساً في أحد أكثر الملفات حساسية.

كما ثمّن الوفد الحكومي الدور السعودي في دعم الملف، مشيداً بجهود الأردن والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر في تيسير المفاوضات وإنجاحها.

ومن أبرز النقاط التي كشف عنها الجانب الحكومي ما يتعلق بالقيادي السياسي اليمني محمد قحطان، الذي تتهم الحكومة الحوثيين بإخفائه منذ سنوات.

وذكرت المصادر الحكومية أن الاتفاق نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرة قحطان، للتوجه إلى صنعاء والتحقق من مصيره واتخاذ الإجراءات اللازمة، بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفة وسيط محايد، وذلك قبل تنفيذ عملية إطلاق سراح المحتجزين.

ويُعدّ ملف قحطان من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في مسار مفاوضات الأسرى، حيث ظل اسمه مطروحاً في جميع الجولات السابقة بصفته أحد أبرز المشمولين بمبدأ «الكل مقابل الكل» الذي نص عليه اتفاق استوكهولم أواخر عام 2018.

كما نص الاتفاق الجديد على تنفيذ زيارات متبادلة للسجون وأماكن الاحتجاز في المرحلة التالية بعد تنفيذ عملية الإفراج، في خطوة يُنظر إليها بصفتها محاولة لتعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الأطراف.

ترحيب حوثي

في المقابل، أعلن رئيس لجنة شؤون الأسرى التابعة للجماعة الحوثية، عبد القادر المرتضى، استكمال جولة المفاوضات بالتوقيع على قوائم الأسرى والمعتقلين.

وقال المرتضى إن الاتفاق يشمل الإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من أتباع الجماعة، مقابل 580 من المحسوبين على الحكومة اليمنية، بينهم سبعة أسرى سعوديين و20 سودانياً، موضحاً أن التنفيذ سيتم بعد استكمال إجراءات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وفي صنعاء المختطفة من قِبل الجماعة الحوثية، بارك رئيس المجلس الانقلابي مهدي المشاط الاتفاق، مدعياً أن الجماعة قدمت «كل التسهيلات» لإنجاز الملف الإنساني والإفراج عن الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل».

وزعم المشاط – وفق إعلام الجماعة- أن ملف الأسرى ظل في صدارة أولويات الجماعة، متعهداً بمواصلة العمل لإطلاق جميع المحتجزين بكل الوسائل الممكنة، في حين وصف المرتضى الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي» للأسرى وعائلاتهم.

ويرى مراقبون أن الاتفاق يمثل اختباراً جديداً لقدرة الأطراف اليمنية على ترجمة التفاهمات الإنسانية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، خصوصاً بعد تعثر جولات سابقة بسبب الخلافات المتعلقة بالأسماء وآليات التنفيذ.

ويستند الاتفاق الحالي إلى اللجنة الإشرافية الخاصة بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين المنبثقة عن اتفاق اتفاق استوكهولم، الذي تعهدت بموجبه الأطراف بالإفراج عن جميع المحتجزين وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، إلا أن التنفيذ ظل جزئياً ومحدوداً خلال السنوات الماضية.

ويأمل الوسطاء الدوليون أن يسهم النجاح في تنفيذ الاتفاق الجديد في خلق مناخ أكثر إيجابية لدفع العملية السياسية المتعثرة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية التي تُلقي بثقلها على الوضع الإنساني في اليمن.

ونجحت جولات التفاوض السابقة برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في إطلاق دفعتين من الأسرى والمعتقلين لدى أطراف النزاع اليمني، حيث بلغ عدد المفرج عنهم في الدفعة الأولى أكثر من 1000 شخص، في حين بلغ عدد المفرج عنهم في الدفعة الثانية نحو 900 معتقل وأسير.

هانس غروندبرغ يتحدث جالساً بجوار كريستين سيبولا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر (رويترز)

وتقول الحكومة اليمنية إنها تسعى إلى إطلاق كل المعتقلين وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، وتتهم الحوثيين بأنهم كل مرة يحاولون إجهاض النقاشات، من خلال الانتقائية في الأسماء أو المطالبة بأسماء معتقلين غير موجودين لدى القوات الحكومية.

وخلال عمليتي الإفراج السابقتين، أطلقت الجماعة الحوثية 3 من 4 من المشمولين بقرار مجلس الأمن الدولي 2216، وهم شقيق الرئيس السابق، ناصر منصور، ووزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي (عضو مجلس القيادة الرئاسي الحالي)، والقائد العسكري فيصل رجب.

ووسط حالة من الغموض، لا تزال الجماعة الحوثية ترفض إطلاق سراح الشخصية الرابعة، وهو السياسي محمد قحطان القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، كما ترفض إعطاء معلومات عن وضعه الصحي، أو السماح لعائلته بالتواصل معه، وسط تضارب التسريبات حول حياته.


اليمن يعزز شراكاته الدولية لدعم التنمية والاستقرار والخدمات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)
TT

اليمن يعزز شراكاته الدولية لدعم التنمية والاستقرار والخدمات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)

كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والتنموية مع شركائها الدوليين، في مسعى لتعزيز الدعم الإنساني والخدمي، والانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مسار التعافي وبناء المؤسسات، بالتزامن مع جهود تستهدف تحسين الخدمات الأساسية، وتمكين السلطات المحلية، وتطوير قطاعات النقل والبنية التحتية، وتسهيل جهود المنظمات الدولية العاملة في البلاد.

وفي هذا السياق، استقبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، في الرياض الممثل المقيم لمنظمة «يونيسف» في اليمن، بيتر هوكينز، حيث ناقش الجانبان تدخلات المنظمة في قطاعات الصحة والتعليم، وحماية الطفولة، ومكافحة سوء التغذية، وبرامج التحصين ضد الأمراض، إضافة إلى مشروعات الإصحاح البيئي، والدعم النفسي، وتنمية قدرات السلطات المحلية في إدارة منظومات المياه.

وأشاد العليمي بالشراكة القائمة بين الحكومة اليمنية ومنظمات الأمم المتحدة، مؤكداً أن «يونيسف» لعبت دوراً محورياً في دعم الأطفال والأسر اليمنية منذ سبعينات القرن الماضي، خصوصاً خلال سنوات الحرب، عبر برامج الإغاثة والتغذية والتعليم والرعاية الصحية.

وأشار رئيس مجلس القيادة إلى أن انقلاب الحوثيين تسبب في انهيار شبكة الحماية الإنسانية، وأدى إلى تحويل ملايين الأطفال إلى ضحايا مباشرين للنزاع، من خلال عمليات التجنيد، وحرمانهم من التعليم واللقاحات الأساسية، إلى جانب تدمير البنية التحتية والخدمات العامة والاقتصاد الوطني.

وأكد العليمي أهمية البناء على الشراكة مع الأمم المتحدة لمضاعفة التدخلات المرتبطة بالأطفال، خصوصاً في مجالات التغذية المدرسية، ومنع التسرب من التعليم، وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، والرعاية الصحية الأولية، وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، مع توسيع نطاق هذه البرامج لتشمل مختلف المحافظات.

توجه نحو التعافي

أعرب رئيس مجلس القيادة اليمني عن تطلع الحكومة إلى الانتقال التدريجي من منطق الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مقاربة أكبر استدامة تقوم على دعم التعافي الاقتصادي وبناء المؤسسات والخدمات الأساسية، عادّاً أن الاستثمار في الأطفال يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل اليمن واستقراره.

كما ثمّن دعم الدول والجهات المانحة لبرامج «يونيسف»، وفي مقدمها السعودية والشركاء الدوليون، الذين يواصلون تمويل البرامج الإنسانية والتنموية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وجدد العليمي التزام الحكومة توفير الحماية والتسهيلات اللازمة للمنظمات الإنسانية والأممية، وضمان بيئة آمنة لعملها، بوصف العمل الإنساني شريكاً رئيسياً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي.

وفي السياق نفسه، جدد رئيس مجلس القيادة اليمني مطالبته بالإفراج عن موظفي الإغاثة والعاملين الأمميين المحتجزين لدى الحوثيين، واصفاً احتجازهم بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي والأعراف الإنسانية.

دعم للإصلاحات والمحلّيّات

في سياق التحركات الحكومية اليمنية، شهدت العاصمة المؤقتة عدن سلسلة لقاءات جمعت مسؤولين بممثلين عن «الأمم المتحدة» و«الاتحاد الأوروبي» و«برنامج الغذاء العالمي»، حيث عكست توجهاً حكومياً لتوسيع الشراكات الدولية، وربط المساعدات الإنسانية بمشروعات تنموية أكبر استدامة، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي فاقمتها الحرب والانقلاب الحوثي.

ووفق الإعلام الرسمي، فقد بحث فريق من وزارة الإدارة المحلية اليمنية، برئاسة الوزير بدر باسلمة، مع سفير «الاتحاد الأوروبي» لدى اليمن، باتريك سيمونيه، ترتيبات عقد «مؤتمر الشراكة بين الحكومة والسلطات المحلية»، المقرر تنظيمه منتصف يونيو (حزيران) المقبل في عدن.

اجتماع يمني في عدن مع مسؤولين من «الاتحاد الأوروبي» (سبأ)

وتناول اللقاء إمكانية عقد الاجتماع الأول لـ«المجموعة الداعمة للاستراتيجية» بالتزامن مع المؤتمر، في خطوة تهدف إلى حشد الدعم الدولي لخطة الحكومة الخاصة بتمكين السلطات المحلية ومنحها صلاحيات أوسع في إدارة الشؤون الخدمية والتنموية.

وأكد الجانبان استمرار دعم «الاتحاد الأوروبي» مسارات التنمية والإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تنفذها الحكومة اليمنية، في وقت ثمّن فيه الجانب الحكومي موافقة «الاتحاد» على تمويل المرحلة الأولى من «الاستراتيجية الوطنية لتمكين السلطات المحلية»، التي تركز على التدريب والتأهيل المؤسسي، عبر «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي».

ويرى مسؤولون يمنيون أن تعزيز قدرات السلطات المحلية يمثل أحد المسارات الرئيسية لتحسين الخدمات العامة، وتقليص الاختلالات الإدارية، وتمكين المحافظات من إدارة الموارد والمشروعات التنموية بصورة أكبر فاعلية.

خطط لتطوير النقل

في ملف آخر، بحث وزير النقل اليمني، محسن العمري، مع السفير «الأوروبي»، باتريك سيمونيه، سبل تعزيز التعاون في مجالات النقل البحري والجوي والبري، ودعم مشروعات البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

واستعرض الوزير اليمني رؤية حكومته لتطوير قطاعات النقل المختلفة؛ بما يسهم في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز الربط بين اليمن والأسواق والممرات الدولية، وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية.

وتطرق العمري إلى خطط تطوير المطارات اليمنية وتحويل بعض المطارات المحلية مطاراتٍ دوليةً، إضافة إلى تحديث خدمات النقل البحري ورفع كفاءتها التشغيلية، إلى جانب إصلاح أوضاع «الهيئة العامة للنقل البري»، و«الشركة اليمنية لأحواض السفن»، و«المؤسسة العامة للنقل البري».

وأكد الوزير أن الحكومة تعمل على تحسين بيئة الاستثمار في قطاعات النقل المختلفة، عبر حزمة من الإصلاحات والتسهيلات الهادفة إلى جذب القطاع الخاص ورؤوس الأموال، بما يساعد على إعادة تأهيل البنية التحتية ورفع الكفاءة التشغيلية للمرافق الحيوية.

من جانبه، أكد السفير «الأوروبي» حرص «الاتحاد» على توسيع مجالات التعاون مع اليمن، خصوصاً في القطاعات الحيوية، وفي مقدمها قطاع النقل، بما يعزز التعاون الاقتصادي ويحسن الربط بين اليمن والمنافذ والأسواق الدولية.

وفي الشأن «الاقتصادي الإنساني»، ناقش محافظ «البنك المركزي» اليمني، أحمد غالب، مع المدير القطري لـ«برنامج الغذاء العالمي» في عدن، الخضر دالون، الترتيبات المالية والتنسيقية مع البنوك اليمنية، وسبل تسهيل أعمال البرامج الإنسانية والإغاثية.

وتناول اللقاء الدور الذي يضطلع به «برنامج الغذاء العالمي» في دعم الفئات الأعلى تضرراً من الأزمة الإنسانية، في ظل اتساع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في البلاد.

وعبّر محافظ «البنك المركزي» اليمني عن تقدير الحكومة الدور الإنساني الذي يؤديه «البرنامج»، مؤكداً استعداد «البنك» والجهات المعنية كافة لتقديم التسهيلات اللازمة لضمان استمرار تنفيذ البرامج الإغاثية بكفاءة وفاعلية، في وقت تواجه فيه البلاد إحدى أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.