حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (1)‬

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
TT

حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق

يعرض الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في هذه الحلقة من مذكراته التي تصدر قريباً بعنوان «الرئاسة المقاوِمة» تفاصيل 3 اجتماعات عقدها مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ونائبه عبد الحليم خدام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع، وتتناول ملاحظات الجميل على «الاتفاق الثلاثي» الذي تم توقيعه في دمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 1985 بين رئيس حركة «أمل» الرئيس نبيه بري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وإيلي حبيقة الذي كان في ذلك الوقت قائد «القوات اللبنانية»، ورد القيادة السورية على تلك الملاحظات.
بين ما نص عليه ذلك الاتفاق: إجراء تعديلات أساسية في صيغة الحكم في لبنان تم التفاهم عليها مع القيادة السورية في غياب أي مسؤول لبناني. والحد من صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل السلطة التنفيذية إلى «مجلس وزاري» يتشكل من قادة الميليشيات التي كانت مشاركة في الحرب الأهلية.

- وهنا نص الحلقة الأولى:
صباح 13 يناير (كانون الثاني) 1986 قصدتُ دمشق لعقد القمّة الحادية عشرة مع الرئيس السوري. عقدنا ثلاث جلسات عمل استغرقت في مجموعها عشر ساعات ونصف الساعة. حضر معنا نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع.
أوردُ هنا أجزاء مقتطعة من محاضر الجلسات الثلاث المدوّنة، المتطابقة، لدى رئاستي الجمهورية في البلدين.
بدأت الجلسة الأولى في الثانية عشرة ظهراً، فور وصولي. تحدّثنا أولاً عن أحداث المتن، قبل أن أفتتح المحادثات عارضاً حصيلة مشاوراتي في بيروت، ثم استشارات مراجع قانونية محلية وخارجية تزوّدتها. قلتُ «إن الشعب اللبناني يقدّر جهود سوريا لإنهاء الأزمة، وثمّة اقتناع عند اللبنانيين جميعاً بضرورة الاستفادة من هذه الجهود؛ لأن حرب السنوات العشر لا بدّ من أن تنتهي على أسس وطنية دستورياً وقانونياً».
تحدّثتُ عن تحفّظ أفرقاء لبنانيين عن الاتفاق الثلاثي، إلا أن رفضهم أي خطوة «لا يُعدّ موجّهاً ضدّ سوريا وبخاصة رئيسها. نحن أمام فرصة تاريخية لإيجاد الحلّ الثابت والنهائي للوضع اللبناني أولاً، وللعلاقات اللبنانية - السورية ثانياً». تطرّقتُ إلى رهاني على التعاون اللبناني - السوري، وأوردتُ ملاحظاتي على صيغة الاتفاق التي حملها إليَّ الشرع، وأولها أنه يعيد النظر في التعايش اللبناني بدءاً من إلغاء الطائفية بلا ضوابط، قائلاً: «الجوّ الذي نعيشه في لبنان مشحون بالطائفية، وسوريا نفسها عانته مع الإخوان المسلمين. أنا مع تحرير المجتمع اللبناني من هذه العقدة، لكن يقتضي قبلاً إيجاد ضوابط طبيعية، وأخشى أن تؤدي المعالجة السريعة والفجّة والعقائدية لهذه المسألة إلى عكس الغاية المرجوة. لبنان ليس سوريا التي لا مشكلة مماثلة لديها، وكذلك العراق؛ لأن دين الدولة هو الإسلام. نريد تحرير لبنان من هذه العقدة، من دون الخوض في مغامرة المجهول».
عقّب الأسد: «هذا يعني أن إلغاء النظام الطائفي يُدخلنا في المجهول؟ ما المفهوم من إلغاء الطائفية السياسية؟ البحث إذاً في سلبية إلغائها؟».
قلت: «يجب إيجاد ضوابط فعلية. مخطئ من يزعم أن رئيس الجمهورية يتحكّم في الوضع. في وسع رئيس الحكومة أن يوقف ذلك، وهنا المشاركة الحقيقية. لا مانع لدي من إلغائها، لكن ثمّة عقداً يخلفها هذا الإلغاء».
الأسد: «ما هي هذه العقد؟».
قلت: «لا يمكن القبول ببند إلغاء الطائفية حكماً كما أورده الاتفاق. البعض يعتبر الطائفية امتيازات والبعض الآخر ضمانات، وأنا أعتبرها ضوابط. محصلة النظام السياسي الدستوري في المشروع إنهاء ما يُسمّى الدولة اللبنانية أو الإرادة اللبنانية».
ردّ باستغراب: «إنهاء؟».
قلت: «نعم. إنهاء وتعطيلها تعطيلاً جماعياً. هذا النظام غير موجود في أي مكان آخر في العالم باستثناء كانتونات سويسرا. إذا لم يكن لديك حكم قوي فلا يمكنك تنفيذ الاتفاق. المنطلقات الدستورية المقترحة تعطيل له، أي شخص لا يعجبه لون ربطة عنق جاره يمكنه تعطيل الاتفاق. نحن لا نصوّت في مجلس الوزراء منذ عام 1943. المؤسف أن الذين شاركوا في الاتفاق لم يشاركوا في الحكم مرّة. في أحد بنوده نصّ على صلاحيات المجلس الوزاري الذي يتخذ قراراته بإجماع الحضور، إجماع مَن يتألف منهم. إذا تغيّب أحدهم فماذا تكون النتيجة؟».
الأسد: «على ما أعتقد خلال الفترة الانتقالية».
قلت: «مَن يدري متى تنتهي الفترة الانتقالية! في الاتفاق القرارات الأساسية تتطلّب المجلس الوزاري، والعادية مجلس الوزراء. وزراء الدولة الذين يتألف منهم المجلس الوزاري هم حكماً أعضاء في مجلس الوزراء. بذلك تتداخل الصلاحيات، ويصار إلى تعطيل أجهزة الدولة كلها. ثمّة استحالة لتطبيق الاتفاق الذي سيؤدي إلى عكس غايته وهي توحيد لبنان، بأن يُنشئ كانتونات».
ثم عرضتُ ملاحظات أخرى على بعض بنود الاتفاق، فردّ الرئيس السوري: «المآخذ إذن على إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية أو الإجماعية والمجلس الوزاري!».
رددتُ: «التحفّظ عن الجماعية والإجماعية. نحن في حاجة إلى سلطة قوية لدعم مسيرة البناء الدستوري، وإلى دولة متماسكة. في الاتفاق تعطيل لرأس الدولة، لا أفهم لماذا؟ في الدستور رئيس الجمهورية يتمتّع بصلاحيات كبيرة كأنه ديكتاتور، أما في العُرف فالأمر يختلف كثيراً. منذ حكومة الرئيس رياض الصلح رئيس مجلس الوزراء هو رئيس السلطة الإجرائية. لا مرسوم يمرّ من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، وهذا في الدستور».
خدّام: «لا».
الأسد: «لنكمل المآخذ».
قلت: «إذا أردنا احترام مبدأ الديمقراطية في لبنان، فإن تعيين مجلس الوزراء النواب خطأ كبير، وخصوصاً أننا سنعيّن 200 نائب، بذلك نكون أخضعنا مجلس النواب لإرادة الحكومة وإمرتها».
ثم أوردتُ مأخذاً خامساً، بعد إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية والمجلس الوزاري وتعيين النواب، هو «أن الاتفاق يجعل الدولة حاميها حراميها، فهو يحلّ مشكلة الموقّعين المفاوضين المقاتلين ولا يحلّ مشكلة البلد. إذا تركنا لهم حلّ كل المشاكل فلن نصل إلى حلّ. المقاتلون قالوا لنا ماذا يريدون منا، لكننا نريد أن نقول لهم ماذا نريد منهم؟ شراء الدولة مثلاً أسلحة المقاتلين، هل اشتروها بأموالهم الخاصة ومن أموال آبائهم أم جبوها من أموال المرفأ والمرافق العامة للدولة ومن جيوب المواطنين؟».
الأسد: «اشتروها أنتم ونحن نشتريها منكم».
قلت: «في موضوع العلاقات الثنائية، لمصلحة سوريا ألا تكون بين ثلاثة أطراف بل مع الدولة. أمّا تحفّظي الثاني فعلى تضمين الاتفاق العلاقات الثنائية كما وردت، والتي يكون تحقيقها باتفاقات ثنائية».
الأسد: «لنكن واضحين. إنه إجماع كل الأطراف. منذ عام 1976 لم نطالب بذلك، بل إنه مطلب إجماعي من كل القيادات اللبنانية».
قلت: «نحن موافقون على علاقات ثنائية بين دولة ودولة، ولكننا نتكلّم عن وثيقة دستورية يُفترض ألا تتضمّن هذه المسائل لأنها تُبحث بين وزيري الخارجية في البلدين، وتُعقد اتفاقات، ويُصوّت عليها مجلس النواب».
الأسد: «أي أن العلاقة مع سوريا لا تدخل في هذه الوثيقة؟».
قلت: «يمكن أن يُشار إليها. أما المبادئ التفصيلية، فتأتي في اتفاقات ثانية».
الأسد: «قضية شكلية إذاً؟».
قلت: «سوريا تحترم نفسها ولبنان كذلك. لا هي راكضة لفرض أي علاقة مع لبنان، ولا هو يرغب في ذلك. أنا أول مَن استعمل علاقات مميّزة في جوّ إسرائيلي كان سائداً. الصياغة نراها مع أبو جمال والدكتور فاروق، ولا اختلاف في الجوهر».
الرابعة بعد الظهر رُفعت الجلسة الأولى، ثم استؤنفت في السابعة والربع من مساء اليوم نفسه، 13 كانون الثاني.
استهلها الأسد بالقول: «خلال 11 سنة تحمّلنا الكثير من أجل لبنان، لم نتعامل معه كورقة نمسكها بأيدينا، بل من موقف مبدئي وعاطفي. شعب واحد، بلد واحد. كل الأمّة العربية دولة واحدة والاستعمار هو مَن أوجد هذه الكيانات. لو وضعنا بين أيدينا أي كتاب، لوجدنا أنه هو الذي قسّم هذه الكيانات. في الأحداث الأخيرة بلغ عدد اللبنانيين الذين لجأوا إلى سوريا نحو 500 ألف نسمة...».
الكسم مقاطعاً: «800 ألف نسمة».
الأسد: «اتصلنا بالمقاتلين والميليشيات، وأنت تتذكّر أنني كنت أقول لهم اتفقوا. المقاتلون التقوا، ولا تتصوّر أننا نحن من وضعنا الاتفاق، فلو كنا وضعناه لما كان أعجب حبيقة، ولا برّي، ولا جنبلاط، ولا أمين الجميّل. اتفقوا واختلفوا. رحنا نقوم بالمراسلة فيما بينهم. عبد الحليم خدّام كان يجلس معهم، فلم استحسن أن يجلس نائب رئيس الجمهورية مع ممثلي قياداتهم. اختلفوا، فقلتُ له بأن يجتمعوا في بيروت، وأظن أنهم التقوا هناك. ثم جاءوا إلى هنا وحصل اتفاق لي ملاحظات عليه. أكرّر لك لو أردنا نحن وضعه لما أرضى أحداً. موضوع الطائفية رفضناه منذ زمن في سوريا، فهل في الاتفاق إلغاء فوري لها؟».
خدّام: «لا، بعد مرحلة انتقالية».
الأسد: «الجماعة اتفقوا على ما سمّوه إصلاحات. أي اتفاق ينهي الحرب نحن معه. فيه ما هو جيّد، وما هو غير جيّد. غير الجيّد يصير غداً أو بعده جيّداً. أي محاولة لفرض وجهة نظر تعني أن لا اتفاق، وهذا رأينا سياسياً وعسكرياً. عندما اتفقوا أرسلنا المشروع إليكم، وقلت لك إنك تعرفه لأنني اعتبرت أنك عرفتَ به فعلاً بواسطة أجهزة الدولة وتسريب المعلومات من خلال أشخاص. الاتفاق لا يعبّر عن وجهة نظر رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء ولا الوزراء، ولا (أمل) والقوات والاشتراكي. كل اتفاق يعبّر عن شيء متقارب من ذلك وهو يمثّل القوى المتقاتلة. الرئيس فرنجيه أقرب إلينا منهم، والرئيس الجميّل أصبح في السنوات الثلاث أقرب».
ثم أضاف بعد عرض مسهب عن علاقته بأفرقاء التوقيع، ونظرته إلى الاتفاق وإنهاء الحرب: «سنأخذ ملاحظاتك ونقول لـ(الإخوان) ادرسوها. هذه الملاحظات ألغت الاتفاق كله ولا بدّ من طرح الموضوع عليهم. المآخذ هي نسف من الجذور. نحترم كلمتك وكلمات الآخرين. لا أحمّلك مسؤولية، فأنت حاولتَ فعلاً. رأيي لم يكن متوافقاً مع الآخرين، لا وليد ولا نبيه. المجالس بالأمانات، زعلنا منهما. قبل ثلاثة أيام التقيتُ وليد وقلت له إنك اليوم لا تعطّل الاتفاقات، يعني أنه في الماضي كان يعطّلها. أما أنت يا فخامة الرئيس، فحاولتَ أن تلقي بثقلك عند المسيحيين. سألني الإخوان عن قصة العشرين كتيبة وضعتُها في تصرّفك بعد انتفاضة القوات، فأجبتهم بأن ذلك صحيح، لكن الرئيس الجميّل يريد احتواءها سياسياً. لا نريد أن نحمل العصا، وعلّمتنا تجاربنا أننا ضربنا الكل ولم تُحلّ المشكلة».
قال: «شيخ أمين، ما من رئيس جمهورية مارس سلطته، لا فرنجيه ولا سركيس. أنت مارستَ أكثر منهما لا أحد قادر على تجاهل التداخل التاريخي بين سوريا ولبنان. هم حكوا عن علاقات مميّزة فكيف لا تكون في اتفاق شعبي؟ الله لا يفصل لبنان عن سوريا».
قلت: «في النظام اللبناني يجب تجاوز المادة 95، وهي وُضعت بناءً على طلب المسلمين، ولا مانع لدي من حذفها. كل ما هو مطلوب إيجاد ضوابط للبقاء على لحمة البلد. لا أتشبّثُ بعدم إلغاء الطائفية، وأنا أول مَن كسر الطوق في تعيينات الفئة الأولى. الاتفاق فرّغ رئيس الجمهورية من صلاحياته وأبقاها معلّقة. بغض النظر عن جعل رئيس الجمهورية بلا صلاحيات، قد تأتي حكومة غير متجانسة إن لم نقل عدائية لرئيس الجمهورية، عندها ماذا تعني استشارات نيابية ملزمة؟ لماذا أكون أنا صندوق اقتراع؟ فليكن مجلس النواب. هناك المثالثة ولا أعرف الغاية منها. هل نقاصص طائفة في البلد؟ هل ثمّة قصاص للموارنة لعودتهم إلى الرهان العربي الصادق مع سوريا؟ المرحلة الانتقالية تُطبّق قبل تعديل الدستور أو سيصار إلى تعليقه؟».
خدّام: «الاتفاق يبدأ تنفيذه فوراً. هناك عُرف دستوري، والاتفاق سيُطبّق كعُرف دستوري جديد».
الأسد: «الاتفاق أصبح ميثاقاً».
قلت: «ثلاثة أشخاص يضعون الميثاق؟ كأن هؤلاء أصبحوا هيئة دستورية».
الكسم: «في الظروف الطبيعية هذا لا يجوز. أما في الظروف غير الطبيعية فكل أمر جائز».
قلت: «هل هناك تعليق للدستور؟».
خدّام: «الدستور معلّق أصلاً».
قلت: «هذا لا يجوز إطلاقاً».
الكسم: «هل هناك نصّ في الدستور الحالي يقول إن رئيس الجمهورية ماروني؟».
خدّام: «لا. إنه عُرف».
قلت: «يمكن أيضاً أن يصدر مرسوم بلا توقيع رئيس الجمهورية».
الأسد: «رئيس جمهورية لبنان لا يُحاكم».
خدّام: «في الخيانة العظمى فقط. صلاحيات رئيس الجمهورية في الاتفاق مهمة، فهو رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش، ويعلن الحرب والسلم وحلّ مجلس النواب، وقانون الموازنة والعفو... هذا المشروع حوّل رئيس الجمهورية من حاكم إلى قائد».
الأسد: «أنت تمارس أكثر من رئيس الجمهورية السورية».
خدّام: «الاتفاق يُعرض على مجلس النواب فيوافق عليه ويصبح عُرفاً دستورياً. هذه تسوية سياسية».
قلت: «تعليق الدستور في هذه الفترة عملية خطيرة جداً».
الأسد: «يمكن ألا يُسمّى ذلك تعليقاً للدستور».
قلت: «لا أمانع في أن يذهب إلى مجلس النواب، ما دام أبو جمال يقول إن القصة تنتهي في مجلس النواب».
خدّام: «ثمّة أمران، إما وفاق وإما استمرار القتال. الصراع كان مسيحياً - إسلامياً، والآن تغيّرت طبيعته. إما نقول تسوية أو نقول فئة تنتصر، وهذه كارثة».
قلت: «لنرسل الاتفاق إلى مجلس النواب، وأنا ألتزم ما يُقرّره ما دام أبو جمال لا يرى في المجلس مشكلة».
الأسد: «كم هو عدد النواب المتبقي؟».
قلت: «88 نائباً».
خدّام: «ثمّة نائبان غائبان على نحو دائم، هما ريمون إده وصائب سلام، وهذا يعني أن الاتفاق يحتاج إلى 45 نائباً».
الأسد: «23 نائباً يوافقون على الاتفاق. في حال طرح تعديلات يجب العودة إلى الأفرقاء الموقّعين».
قلت: «الاتفاق تعطيل للمؤسسات الدستورية. هذا رأيي وأتمسّك به. ما أطلبه لرئيس الجمهورية هو إبقاء حدّ أدنى من هذه الدولة. القيادة الجماعية تعني تكريس الكانتونات على الأرض، وإقصاء رئيس الجمهورية عن السلطة الإجرائية يشلّ الدولة».
الكسم: «أي دولة يترأس فيها رئيس الجمهورية مجلس الوزراء؟».
الأسد: «أنت تمارس أكثر مني. أنا لا أستطيع عقد معاهدات».
قلت: «الآن أريد أن أعرف رأيكم في الملاحظات التي تقدّمتُ بها. أبو جمال عاش الجوّ ويمكنه أن يعطي رأياً فيها، وفي مدى قبول الأطراف بها».
رُفعت الجلسة في الحادية عشرة والدقيقة العاشرة قبل منتصف الليل.
التأمت الجلسة الثالثة في الغداة، 14 كانون الثاني، العاشرة والنصف قبل الظهر، واستهلها الرئيس السوري بإيجاز الملاحظات، فرددتُ بالتذكير بوجهة نظري، مشيراً إلى أحد حلّين: «اطلاع موقّعي الاتفاق على ما أدليتُ به، أو إحالته على مجلس النواب عبر اجتماع لمجلس الوزراء».
الأسد: «هم ينتظرون من هذه الجلسة الموافقة عليه أو عدم الموافقة، وليسوا خائفين من مجلس النواب».
قلت: «أنا غير موافق. هذا المشروع هو تعطيل للدولة، وهذا اقتناعي. بصفتي معنيّاً، ولا أستطيع الموافقة من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية».
الأسد: «هل هناك مؤسسات؟ نحن نطلب من فخامة الرئيس. في لبنان لا وجود للمؤسسات. لا درك للدولة ولا جيش، بل جيوش عدّة. نحن لا نفرض شيئاً، ولا نطلب. الجماعة اتفقوا ويعتبرون مَن حضر معهم التوقيع هم لبنان والدولة. لماذا لا نسلّم بهذا الواقع؟ فيهم نحو 80 أو 90 في المائة من المقاتلين، وحضرت شخصيات مرموقة أدت دوراً أساسياً. بحسب معلوماتي، التيّار في لبنان تيّار السلم ما عدا البعض في حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة لحزب الكتائب وبعض رجال الدين عند المسيحيين والمسلمين. شيخ أمين، قد لا تتكرّر الفرصة الحالية، وكلما زاد الدم زاد الشرخ».
رددتُ: «لستُ متمسكاً بأي أمر. يمكن أن يأتي هؤلاء في أي وقت ويتسلّموا الحكم، فلا مانع لديَّ. إذا بحثنا في ملاحظاتي التي أوردتُها البارحة ورأيتم أنها قابلة للتنفيذ، نكون قد خففنا قليلاً من النتائج السلبية للاتفاق. إذا كان ثمّة إحراج لتعديله لألف سبب وسبب، نرسله إلى مجلس النواب وبما يحرّرني من المسؤولية. إذا أحبّ الشباب احتلال بعبدا ولا مانع، تكون عندئذ ثورة. أنا مؤتمن على مهمتي، ولا أتحمّل مسؤولية ما لا أوافق عليه».
الأسد: «إذا وافق مجلس النواب عليه، هل توافق؟».
قلت: «يصبح قانوناً وأنا ملزم تنفيذه».
الأسد: «الآن ثمّة حلان. البحث في الملاحظات مع الشباب، أو إرساله إلى مجلس النواب».
قلت: «أدرسها معكم لأن البحث فيها مع الشباب بلا نتيجة. قد لا يريدون الاتفاق ويحمّلونني المسؤولية، فيعود القصف والقتال».
الشرع: «طرحه على المجلس من دون أن يكون له حقّ التعديل».
الأسد: «إذاً نحن أمام طريقين».
قلت: «أي سياسة تقرّرها أنا مستعدّ».
الأسد: «ليست سياسة بل ميثاقاً. سنعرض الأمر على الإخوان لأن الاتفاق بين أطراف لبنانيين، وليس مع سوريا. سنطرح إمكان إحالته كما هو على مجلس النواب، وما يقرّه يكون نهائياً؛ لأن ثمّة ملاحظات تنسف الاتفاق بكامله».
قلت: «كيف تريدون تفسير نتائج مداولاتنا لتفادي التفسير المزاجي؟».
الأسد: «يُقال طُرحت الملاحظات، والإخوان سيعرضون الأمر على أفرقاء الاتفاق الثلاثي».
خدّام: «أرى أن يُحكى عن الموضوع كما هو».
قلت: «قبل أن أمشي، أحبّ أن أعلن تضامني وعاطفتي نحوكم. أنا لم أتسلّم شيئاً عند انتخابي، والآن أُحاسَب على كل شيء. لا بدّ لنا من أن ننجح. رغم ذلك، ضميري مرتاح لأنني أدّيتُ واجباتي حيال بلدي».
رُفعت الجلسة عند الأولى بعد الظهر. تمنّيتُ على الرئيس الأسد ألا يرافقني إلى المطار بسبب ظروفه الصحّية وسوء الأحوال الجوّية، لكنه أصرّ.
فيما كان يرافقني إلى المطار، اغتنمتُ فرصة وجودنا وحدنا في سيارته كي أؤكد له أنني لستُ ضدّ الإصلاح، شرط أن تحترم الإصلاحات المنشودة مصالح لبنان، وأن تمرّ عبر التفاوض مع سلطة رسمية أكثر تمثيلاً وأكثر شرعية من مجرّد تحالف ميليشياوي.
أصغى إليَّ باهتمام حتى ظننتُ أنني أقنعته بحرصي الشديد على البحث عن حلّ للأزمة، وعلى الحفاظ على علاقات طيّبة بين بلدينا. بيد أن خدّام، الأقلّ مراعاة لأصول اللياقة، صرّح بانفعال لأحد الصحافيين الموجودين على المدرج: «تعديل الاتفاق ليس وارداً، وأصحابه هم أصحاب القرار في لبنان».
ثم أضاف باستفزاز ظاهر: «لن تكون ثمّة قمّة ثانية عشرة ولا ثالثة عشرة».
(غداً الحلقة الثانية)



رفض عربي لـ«التوغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»

السفير الإسرائيلي يقدم أوراق اعتماده في «أرض الصومال» (مكتب رئاسة إقليم «أرض الصومال»)
السفير الإسرائيلي يقدم أوراق اعتماده في «أرض الصومال» (مكتب رئاسة إقليم «أرض الصومال»)
TT

رفض عربي لـ«التوغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»

السفير الإسرائيلي يقدم أوراق اعتماده في «أرض الصومال» (مكتب رئاسة إقليم «أرض الصومال»)
السفير الإسرائيلي يقدم أوراق اعتماده في «أرض الصومال» (مكتب رئاسة إقليم «أرض الصومال»)

قوبل إعلان إسرائيل عن تقديم أوراق اعتماد سفير لها لدى إقليم «أرض الصومال» الانفصالي برفض عربي، حيث عبَّرت مصر عن رفضها التام لتلك الخطوة، وقالت إنه «لا يترتب عليها أي أثر قانوني، وتؤدي لتقويض الأمن في منطقة القرن الأفريقي»، بينما أصدرت جامعة الدول العربية بياناً، الاثنين، حذر من «نفوذ عسكري وسياسي إسرائيلي قبالة خليج عدن».

وقدّم مايكل لوتيم أوراق اعتماده سفيراً لإسرائيل لدى «أرض الصومال» إلى رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، الأسبوع الماضي، في القصر الرئاسي بمدينة هرجيسا، في خطوة وصفتها وسائل إعلام عبرية بأنها تعزز العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.

وبحسب موقع «i24NEWS» العبري، فقد تضمن حفل تقديم أوراق الاعتماد وضع حجر الأساس لسفارة إسرائيلية مستقبلية في عاصمة الإقليم.

ورد المتحدث الرسمي باسم «الخارجية» المصرية السفير نادر زكي، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» الاثنين، قائلاً: إن «مصر تدعم وحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، وترى أن أي محاولات لفرض أمر واقع ينتقص من هذه السيادة ستكون لها تداعيات على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي».

وأضاف: «مصر تدين إقدام أي طرف على اتخاذ خطوات أو إجراءات أحادية تستهدف المساس بوحدة الأراضي الصومالية، أو تكريس واقع غير قانوني يتعارض مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وترى أن مثل هذه الإجراءات باطلة، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني».

بدوره، أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي «التحرك الإسرائيلي لاعتماد سفير، واعتزام فتح سفارة بأرض الصومال»، مؤكداً في بيان رسمي، الاثنين، أن هاتين الخطوتين «تمثلان انتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها، وتأتيان استمراراً للمساعي المرفوضة والمدانة عربياً ودولياً لإقامة ترتيبات مع السلطات القائمة في شمال البلاد».

وحذر من تقسيم الصومال، واستغلال خلافات أبنائه لتعزيز النفوذ العسكري والسياسي الإسرائيلي قبالة خليج عدن.

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وأوضحت الجامعة في البيان أن «هذه الإجراءات غير الشرعية لا تغير من حقيقة أن إقليم أرض الصومال جزء لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية»، مجددةً رفضها أي تعامل رسمي أو شبه رسمي مع سلطات الإقليم خارج إطار السيادة الوطنية للدولة الصومالية.

وسبق أن أعلن مجلس الجامعة العربية في اجتماع غير عادي في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025، وفي اجتماع خلال دورة عادية في سبتمبر (أيلول) 2026، عن رفض وإدانة للخطوات الإسرائيلية الرامية إلى تقسيم الصومال.

وشددت الجامعة في بيان، الاثنين، «على التضامن الكامل مع جمهورية الصومال الفيدرالية»، ودعمها مؤسساتها الشرعية، محذرةً من «تداعيات استمرار هذه التحركات على الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت إسرائيل تعيين لوتيم سفيراً لها في أرض الصومال، وهو القرار الذي أثار رفضاً وتنديداً واسعاً من الصومال ودول عربية وإسلامية -شملت اعتراضات من 15 دولة ومن الجامعة العربية- حيث عدَّتها مقديشو وعواصم عربية انتهاكاً لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، وتهديداً لأمن منطقة القرن الأفريقي ومضيق باب المندب.

وجاء تعيين السفير بعد أن أصبحت إسرائيل في ديسمبر 2025 أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بإقليم «أرض الصومال» دولة مستقلة، وإعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين «محمد حاجي» سفيراً له لدى إسرائيل، وجرت بعدها زيارات رفيعة المستوى وافتتاح ممثليات، وأعلن الإقليم بعد ذلك اعتزامه فتح سفارته لدى إسرائيل بالقدس المحتلة، وهو ما أثار تنديداً عربياً وإسلامياً كذلك.

وبحسب مراقبين، ترى إسرائيل في هذه الخطوة فرصة لتوسيع توغلها ونفوذها الاستراتيجي في القرن الأفريقي وعلى سواحل خليج عدن، مقابل منح الإقليم دعماً في مساعيه للحصول على مزيد من الاعترافات الدولية.

ويقول خبير الشؤون الأفريقية الدكتور رأفت محمود إن خطوة تقديم السفير الإسرائيلي أوراق اعتماده في إقليم أرض الصومال الانفصالي، وتدشين مقر للسفارة «تُمثّل تطوراً جيوسياسياً خطيراً يمس مباشرة الأمن القومي المصري والعربي».

ويرجح محمود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعمل القاهرة على مواجهة التوغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» عبر 3 مسارات، أولها «الرفض الدبلوماسي القاطع، والتمسك بوحدة الصومال من خلال تشديد الموقف المبدئي القائم على وحدة أراضي الصومال، والتأكيد علناً وفي المحافل الإقليمية والدولية على رفضها التام لأي اعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة».

والمسار الثاني أن تعمل مصر على زيادة وتعزيز الدعم العسكري والأمني للحكومة المركزية في مقديشو من خلال تسريع وتيرة التعاون العسكري، بحيث «تكثف دعمها المباشر للحكومة الصومالية الفيدرالية من خلال تزويدها بمزيد من التجهيزات العسكرية، وبناء قدرات الجيش الصومالي لتمكينه من بسط سيادته».

بينما يتمثل المسار الثالث في «التنسيق مع القوى المتضررة من دول الجوار الإقليمي المتوجسة من هذا التحرك مثل إريتريا وجيبوتي، وكذلك تفعيل المحور العربي - التركي للضغط دبلوماسياً واقتصادياً لتقويض تمدد هذا الاعتراف».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجَّه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

وفي فبراير الماضي، قال السيسي إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وفي نهاية ديسمبر 2024، أعلنت مصر أنها ستسهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال.


استئناف المعارك ضد الحوثيين في محور باب المندب

قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)
قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)
TT

استئناف المعارك ضد الحوثيين في محور باب المندب

قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)
قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)

استؤنفت المعارك العسكرية ضد الحوثيين في محور باب المندب، الاثنين، بالتزامن مع مواجهات عنيفة في جبهات محافظة لحج، وتقدم لقوات العمالقة الجنوبية في مديرية المضاربة ورأس العارة، في حين دفعت القوات الحكومية بتعزيزات عسكرية إلى مديرية المقاطرة شمال لحج لاستعادة المبادرة والمناطق التي سيطر عليها الحوثيون خلال الأيام الماضية، وسط استمرار ثبات القوات الحكومية في جبهات محيط مدينة تعز.

وشهد محور باب المندب تجدداً للمواجهات منذ ساعات الصباح، مع مشاركة قوات العمالقة الجنوبية في عمليات عسكرية أسفرت، وفقاً لمصادر ميدانية، عن استعادة عدد من المواقع والتقدم في مناطق المواجهات، وسقوط قتلى وجرحى في صفوف الحوثيين.

وتزامن استئناف المعارك مع استمرار المواجهات في مديرية المضاربة ورأس العارة غرب لحج، حيث استعادت قوات العمالقة السيطرة على مواقع استراتيجية، بينها جبل سفن وقرن الشماية، في حين تواصل القتال في منطقتي المجزع وزريقة الشام على أطراف المديرية.

القوات الحكومية اليمنية تسعى لطرد بقية الجيوب الحوثية من منطقة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي تطور متصل، نفت قوات العمالقة الجنوبية الأنباء المتداولة عن انسحابها من ذوباب وكهبوب ومواقعها في الساحل الغربي. وقال أصيل السقلدي، مدير المركز الإعلامي للقوات، إن وحداتها لا تزال مرابطة في مواقعها، وإنها لن تنسحب تحت ضغط ما وصفها بالشائعات والأراجيف.

وأضاف السقلدي أن وجود القوات في ذوباب يمثل بداية لمسرح عمليات قال إنه سيمتد حتى صعدة، مؤكداً استمرار المواجهة ضد الحوثيين وعدم التراجع عن العمليات العسكرية.

استعادة المبادرة

في مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، دفعت القوات الحكومية بتعزيزات عسكرية كبيرة من قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن، تسلمت مقر قيادة محور طور الباحة العسكري، وانخرطت مباشرة في خطوط المواجهة مع الحوثيين، في تحرك يستهدف استعادة المناطق التي سيطرت عليها الجماعة خلال الأيام الماضية.

صبي يركب دراجة في صنعاء أمام جدار مغطى بصور قتلى الحوثيين (إ.ب.أ)

وقالت مصادر ميدانية إن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من إفشال محاولات حوثية للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

ويأتي وصول التعزيزات في إطار تحركات عسكرية لاستعادة زمام المبادرة في المديرية، ومنع الحوثيين من توسيع نطاق سيطرتهم على المواقع والمرتفعات التي شهدت مواجهات خلال الفترة الأخيرة.

تعز... ثبات في محيط المدينة

في محافظة تعز، واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية التصدي للهجمات الحوثية في الجبهات المحيطة بالمدينة، مع استمرار المواجهات في المحور الجنوبي الشرقي، حيث تركزت العمليات على إحباط تحركات الجماعة واستهداف تعزيزاتها ومواقعها العسكرية.

وأفاد محور تعز العسكري بأن القوات الحكومية، بمساندة الطيران الحربي، نفذت غارات استهدفت مواقع وتجمعات حوثية في منطقة برداد بسائلة عنقبة في جبل صبر، ودمرت عربة عسكرية، كما استهدفت مواقع أخرى في حصن المخعف ومناطق بمديرية المسراخ جنوب المحافظة.

وأضاف أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرتين مسيَّرتين تابعتين للحوثيين في جبهة صبر، في وقت تتواصل فيه المواجهات على عدد من المحاور، وسط تمسك القوات الحكومية بمواقعها ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات جديدة.

مقاتل من الجيش اليمني في تعز يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي سياق موازٍ، أفادت مصادر محلية بأن الحوثيين اقتحموا منازل شخصيات حكومية وسياسية واجتماعية في مديرية الشمايتين جنوب تعز، واستولوا عليها بالقوة. وشملت الاقتحامات، وفق المصادر، منزل وزير المياه والبيئة توفيق الشرجبي في قرية شرجب، ومنزل القيادي السابق في حزب البعث قاسم سلام، ومنزل العميد عبد الوهاب الشرجبي.

وتأتي هذه الاعتداءات في ظل تصاعد الانتشار الحوثي في عدد من مديريات المحافظة، وسط مخاوف من اتساع عمليات الاستيلاء على الممتلكات الخاصة واستهداف شخصيات حكومية وسياسية واجتماعية.

إسناد جوي وعمليات عسكرية

على المستوى العسكري العام، أعلن الجيش اليمني تنفيذ 1272 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت مساء الأحد، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت تجمعات الحوثيين وتعزيزاتهم وتحصيناتهم ومصادر نيرانهم ووسائل حركتهم وإمدادهم.

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة في مدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسهمت في إلحاق خسائر بقدرات الجماعة وإسناد تقدم القوات الحكومية واستعادة مواقع في محافظة الجوف، مشيراً إلى استمرار العمليات في الجبهات الشمالية ومأرب والبيضاء، إلى جانب الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية.

وأضاف أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 500 من القيادات الميدانية والعناصر الحوثية، وتدمير وإعطاب 169 آلية ومعدة وقطعة سلاح ثقيل، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.


اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.