حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (1)‬

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
TT

حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق

يعرض الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في هذه الحلقة من مذكراته التي تصدر قريباً بعنوان «الرئاسة المقاوِمة» تفاصيل 3 اجتماعات عقدها مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ونائبه عبد الحليم خدام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع، وتتناول ملاحظات الجميل على «الاتفاق الثلاثي» الذي تم توقيعه في دمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 1985 بين رئيس حركة «أمل» الرئيس نبيه بري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وإيلي حبيقة الذي كان في ذلك الوقت قائد «القوات اللبنانية»، ورد القيادة السورية على تلك الملاحظات.
بين ما نص عليه ذلك الاتفاق: إجراء تعديلات أساسية في صيغة الحكم في لبنان تم التفاهم عليها مع القيادة السورية في غياب أي مسؤول لبناني. والحد من صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل السلطة التنفيذية إلى «مجلس وزاري» يتشكل من قادة الميليشيات التي كانت مشاركة في الحرب الأهلية.

- وهنا نص الحلقة الأولى:
صباح 13 يناير (كانون الثاني) 1986 قصدتُ دمشق لعقد القمّة الحادية عشرة مع الرئيس السوري. عقدنا ثلاث جلسات عمل استغرقت في مجموعها عشر ساعات ونصف الساعة. حضر معنا نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع.
أوردُ هنا أجزاء مقتطعة من محاضر الجلسات الثلاث المدوّنة، المتطابقة، لدى رئاستي الجمهورية في البلدين.
بدأت الجلسة الأولى في الثانية عشرة ظهراً، فور وصولي. تحدّثنا أولاً عن أحداث المتن، قبل أن أفتتح المحادثات عارضاً حصيلة مشاوراتي في بيروت، ثم استشارات مراجع قانونية محلية وخارجية تزوّدتها. قلتُ «إن الشعب اللبناني يقدّر جهود سوريا لإنهاء الأزمة، وثمّة اقتناع عند اللبنانيين جميعاً بضرورة الاستفادة من هذه الجهود؛ لأن حرب السنوات العشر لا بدّ من أن تنتهي على أسس وطنية دستورياً وقانونياً».
تحدّثتُ عن تحفّظ أفرقاء لبنانيين عن الاتفاق الثلاثي، إلا أن رفضهم أي خطوة «لا يُعدّ موجّهاً ضدّ سوريا وبخاصة رئيسها. نحن أمام فرصة تاريخية لإيجاد الحلّ الثابت والنهائي للوضع اللبناني أولاً، وللعلاقات اللبنانية - السورية ثانياً». تطرّقتُ إلى رهاني على التعاون اللبناني - السوري، وأوردتُ ملاحظاتي على صيغة الاتفاق التي حملها إليَّ الشرع، وأولها أنه يعيد النظر في التعايش اللبناني بدءاً من إلغاء الطائفية بلا ضوابط، قائلاً: «الجوّ الذي نعيشه في لبنان مشحون بالطائفية، وسوريا نفسها عانته مع الإخوان المسلمين. أنا مع تحرير المجتمع اللبناني من هذه العقدة، لكن يقتضي قبلاً إيجاد ضوابط طبيعية، وأخشى أن تؤدي المعالجة السريعة والفجّة والعقائدية لهذه المسألة إلى عكس الغاية المرجوة. لبنان ليس سوريا التي لا مشكلة مماثلة لديها، وكذلك العراق؛ لأن دين الدولة هو الإسلام. نريد تحرير لبنان من هذه العقدة، من دون الخوض في مغامرة المجهول».
عقّب الأسد: «هذا يعني أن إلغاء النظام الطائفي يُدخلنا في المجهول؟ ما المفهوم من إلغاء الطائفية السياسية؟ البحث إذاً في سلبية إلغائها؟».
قلت: «يجب إيجاد ضوابط فعلية. مخطئ من يزعم أن رئيس الجمهورية يتحكّم في الوضع. في وسع رئيس الحكومة أن يوقف ذلك، وهنا المشاركة الحقيقية. لا مانع لدي من إلغائها، لكن ثمّة عقداً يخلفها هذا الإلغاء».
الأسد: «ما هي هذه العقد؟».
قلت: «لا يمكن القبول ببند إلغاء الطائفية حكماً كما أورده الاتفاق. البعض يعتبر الطائفية امتيازات والبعض الآخر ضمانات، وأنا أعتبرها ضوابط. محصلة النظام السياسي الدستوري في المشروع إنهاء ما يُسمّى الدولة اللبنانية أو الإرادة اللبنانية».
ردّ باستغراب: «إنهاء؟».
قلت: «نعم. إنهاء وتعطيلها تعطيلاً جماعياً. هذا النظام غير موجود في أي مكان آخر في العالم باستثناء كانتونات سويسرا. إذا لم يكن لديك حكم قوي فلا يمكنك تنفيذ الاتفاق. المنطلقات الدستورية المقترحة تعطيل له، أي شخص لا يعجبه لون ربطة عنق جاره يمكنه تعطيل الاتفاق. نحن لا نصوّت في مجلس الوزراء منذ عام 1943. المؤسف أن الذين شاركوا في الاتفاق لم يشاركوا في الحكم مرّة. في أحد بنوده نصّ على صلاحيات المجلس الوزاري الذي يتخذ قراراته بإجماع الحضور، إجماع مَن يتألف منهم. إذا تغيّب أحدهم فماذا تكون النتيجة؟».
الأسد: «على ما أعتقد خلال الفترة الانتقالية».
قلت: «مَن يدري متى تنتهي الفترة الانتقالية! في الاتفاق القرارات الأساسية تتطلّب المجلس الوزاري، والعادية مجلس الوزراء. وزراء الدولة الذين يتألف منهم المجلس الوزاري هم حكماً أعضاء في مجلس الوزراء. بذلك تتداخل الصلاحيات، ويصار إلى تعطيل أجهزة الدولة كلها. ثمّة استحالة لتطبيق الاتفاق الذي سيؤدي إلى عكس غايته وهي توحيد لبنان، بأن يُنشئ كانتونات».
ثم عرضتُ ملاحظات أخرى على بعض بنود الاتفاق، فردّ الرئيس السوري: «المآخذ إذن على إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية أو الإجماعية والمجلس الوزاري!».
رددتُ: «التحفّظ عن الجماعية والإجماعية. نحن في حاجة إلى سلطة قوية لدعم مسيرة البناء الدستوري، وإلى دولة متماسكة. في الاتفاق تعطيل لرأس الدولة، لا أفهم لماذا؟ في الدستور رئيس الجمهورية يتمتّع بصلاحيات كبيرة كأنه ديكتاتور، أما في العُرف فالأمر يختلف كثيراً. منذ حكومة الرئيس رياض الصلح رئيس مجلس الوزراء هو رئيس السلطة الإجرائية. لا مرسوم يمرّ من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، وهذا في الدستور».
خدّام: «لا».
الأسد: «لنكمل المآخذ».
قلت: «إذا أردنا احترام مبدأ الديمقراطية في لبنان، فإن تعيين مجلس الوزراء النواب خطأ كبير، وخصوصاً أننا سنعيّن 200 نائب، بذلك نكون أخضعنا مجلس النواب لإرادة الحكومة وإمرتها».
ثم أوردتُ مأخذاً خامساً، بعد إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية والمجلس الوزاري وتعيين النواب، هو «أن الاتفاق يجعل الدولة حاميها حراميها، فهو يحلّ مشكلة الموقّعين المفاوضين المقاتلين ولا يحلّ مشكلة البلد. إذا تركنا لهم حلّ كل المشاكل فلن نصل إلى حلّ. المقاتلون قالوا لنا ماذا يريدون منا، لكننا نريد أن نقول لهم ماذا نريد منهم؟ شراء الدولة مثلاً أسلحة المقاتلين، هل اشتروها بأموالهم الخاصة ومن أموال آبائهم أم جبوها من أموال المرفأ والمرافق العامة للدولة ومن جيوب المواطنين؟».
الأسد: «اشتروها أنتم ونحن نشتريها منكم».
قلت: «في موضوع العلاقات الثنائية، لمصلحة سوريا ألا تكون بين ثلاثة أطراف بل مع الدولة. أمّا تحفّظي الثاني فعلى تضمين الاتفاق العلاقات الثنائية كما وردت، والتي يكون تحقيقها باتفاقات ثنائية».
الأسد: «لنكن واضحين. إنه إجماع كل الأطراف. منذ عام 1976 لم نطالب بذلك، بل إنه مطلب إجماعي من كل القيادات اللبنانية».
قلت: «نحن موافقون على علاقات ثنائية بين دولة ودولة، ولكننا نتكلّم عن وثيقة دستورية يُفترض ألا تتضمّن هذه المسائل لأنها تُبحث بين وزيري الخارجية في البلدين، وتُعقد اتفاقات، ويُصوّت عليها مجلس النواب».
الأسد: «أي أن العلاقة مع سوريا لا تدخل في هذه الوثيقة؟».
قلت: «يمكن أن يُشار إليها. أما المبادئ التفصيلية، فتأتي في اتفاقات ثانية».
الأسد: «قضية شكلية إذاً؟».
قلت: «سوريا تحترم نفسها ولبنان كذلك. لا هي راكضة لفرض أي علاقة مع لبنان، ولا هو يرغب في ذلك. أنا أول مَن استعمل علاقات مميّزة في جوّ إسرائيلي كان سائداً. الصياغة نراها مع أبو جمال والدكتور فاروق، ولا اختلاف في الجوهر».
الرابعة بعد الظهر رُفعت الجلسة الأولى، ثم استؤنفت في السابعة والربع من مساء اليوم نفسه، 13 كانون الثاني.
استهلها الأسد بالقول: «خلال 11 سنة تحمّلنا الكثير من أجل لبنان، لم نتعامل معه كورقة نمسكها بأيدينا، بل من موقف مبدئي وعاطفي. شعب واحد، بلد واحد. كل الأمّة العربية دولة واحدة والاستعمار هو مَن أوجد هذه الكيانات. لو وضعنا بين أيدينا أي كتاب، لوجدنا أنه هو الذي قسّم هذه الكيانات. في الأحداث الأخيرة بلغ عدد اللبنانيين الذين لجأوا إلى سوريا نحو 500 ألف نسمة...».
الكسم مقاطعاً: «800 ألف نسمة».
الأسد: «اتصلنا بالمقاتلين والميليشيات، وأنت تتذكّر أنني كنت أقول لهم اتفقوا. المقاتلون التقوا، ولا تتصوّر أننا نحن من وضعنا الاتفاق، فلو كنا وضعناه لما كان أعجب حبيقة، ولا برّي، ولا جنبلاط، ولا أمين الجميّل. اتفقوا واختلفوا. رحنا نقوم بالمراسلة فيما بينهم. عبد الحليم خدّام كان يجلس معهم، فلم استحسن أن يجلس نائب رئيس الجمهورية مع ممثلي قياداتهم. اختلفوا، فقلتُ له بأن يجتمعوا في بيروت، وأظن أنهم التقوا هناك. ثم جاءوا إلى هنا وحصل اتفاق لي ملاحظات عليه. أكرّر لك لو أردنا نحن وضعه لما أرضى أحداً. موضوع الطائفية رفضناه منذ زمن في سوريا، فهل في الاتفاق إلغاء فوري لها؟».
خدّام: «لا، بعد مرحلة انتقالية».
الأسد: «الجماعة اتفقوا على ما سمّوه إصلاحات. أي اتفاق ينهي الحرب نحن معه. فيه ما هو جيّد، وما هو غير جيّد. غير الجيّد يصير غداً أو بعده جيّداً. أي محاولة لفرض وجهة نظر تعني أن لا اتفاق، وهذا رأينا سياسياً وعسكرياً. عندما اتفقوا أرسلنا المشروع إليكم، وقلت لك إنك تعرفه لأنني اعتبرت أنك عرفتَ به فعلاً بواسطة أجهزة الدولة وتسريب المعلومات من خلال أشخاص. الاتفاق لا يعبّر عن وجهة نظر رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء ولا الوزراء، ولا (أمل) والقوات والاشتراكي. كل اتفاق يعبّر عن شيء متقارب من ذلك وهو يمثّل القوى المتقاتلة. الرئيس فرنجيه أقرب إلينا منهم، والرئيس الجميّل أصبح في السنوات الثلاث أقرب».
ثم أضاف بعد عرض مسهب عن علاقته بأفرقاء التوقيع، ونظرته إلى الاتفاق وإنهاء الحرب: «سنأخذ ملاحظاتك ونقول لـ(الإخوان) ادرسوها. هذه الملاحظات ألغت الاتفاق كله ولا بدّ من طرح الموضوع عليهم. المآخذ هي نسف من الجذور. نحترم كلمتك وكلمات الآخرين. لا أحمّلك مسؤولية، فأنت حاولتَ فعلاً. رأيي لم يكن متوافقاً مع الآخرين، لا وليد ولا نبيه. المجالس بالأمانات، زعلنا منهما. قبل ثلاثة أيام التقيتُ وليد وقلت له إنك اليوم لا تعطّل الاتفاقات، يعني أنه في الماضي كان يعطّلها. أما أنت يا فخامة الرئيس، فحاولتَ أن تلقي بثقلك عند المسيحيين. سألني الإخوان عن قصة العشرين كتيبة وضعتُها في تصرّفك بعد انتفاضة القوات، فأجبتهم بأن ذلك صحيح، لكن الرئيس الجميّل يريد احتواءها سياسياً. لا نريد أن نحمل العصا، وعلّمتنا تجاربنا أننا ضربنا الكل ولم تُحلّ المشكلة».
قال: «شيخ أمين، ما من رئيس جمهورية مارس سلطته، لا فرنجيه ولا سركيس. أنت مارستَ أكثر منهما لا أحد قادر على تجاهل التداخل التاريخي بين سوريا ولبنان. هم حكوا عن علاقات مميّزة فكيف لا تكون في اتفاق شعبي؟ الله لا يفصل لبنان عن سوريا».
قلت: «في النظام اللبناني يجب تجاوز المادة 95، وهي وُضعت بناءً على طلب المسلمين، ولا مانع لدي من حذفها. كل ما هو مطلوب إيجاد ضوابط للبقاء على لحمة البلد. لا أتشبّثُ بعدم إلغاء الطائفية، وأنا أول مَن كسر الطوق في تعيينات الفئة الأولى. الاتفاق فرّغ رئيس الجمهورية من صلاحياته وأبقاها معلّقة. بغض النظر عن جعل رئيس الجمهورية بلا صلاحيات، قد تأتي حكومة غير متجانسة إن لم نقل عدائية لرئيس الجمهورية، عندها ماذا تعني استشارات نيابية ملزمة؟ لماذا أكون أنا صندوق اقتراع؟ فليكن مجلس النواب. هناك المثالثة ولا أعرف الغاية منها. هل نقاصص طائفة في البلد؟ هل ثمّة قصاص للموارنة لعودتهم إلى الرهان العربي الصادق مع سوريا؟ المرحلة الانتقالية تُطبّق قبل تعديل الدستور أو سيصار إلى تعليقه؟».
خدّام: «الاتفاق يبدأ تنفيذه فوراً. هناك عُرف دستوري، والاتفاق سيُطبّق كعُرف دستوري جديد».
الأسد: «الاتفاق أصبح ميثاقاً».
قلت: «ثلاثة أشخاص يضعون الميثاق؟ كأن هؤلاء أصبحوا هيئة دستورية».
الكسم: «في الظروف الطبيعية هذا لا يجوز. أما في الظروف غير الطبيعية فكل أمر جائز».
قلت: «هل هناك تعليق للدستور؟».
خدّام: «الدستور معلّق أصلاً».
قلت: «هذا لا يجوز إطلاقاً».
الكسم: «هل هناك نصّ في الدستور الحالي يقول إن رئيس الجمهورية ماروني؟».
خدّام: «لا. إنه عُرف».
قلت: «يمكن أيضاً أن يصدر مرسوم بلا توقيع رئيس الجمهورية».
الأسد: «رئيس جمهورية لبنان لا يُحاكم».
خدّام: «في الخيانة العظمى فقط. صلاحيات رئيس الجمهورية في الاتفاق مهمة، فهو رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش، ويعلن الحرب والسلم وحلّ مجلس النواب، وقانون الموازنة والعفو... هذا المشروع حوّل رئيس الجمهورية من حاكم إلى قائد».
الأسد: «أنت تمارس أكثر من رئيس الجمهورية السورية».
خدّام: «الاتفاق يُعرض على مجلس النواب فيوافق عليه ويصبح عُرفاً دستورياً. هذه تسوية سياسية».
قلت: «تعليق الدستور في هذه الفترة عملية خطيرة جداً».
الأسد: «يمكن ألا يُسمّى ذلك تعليقاً للدستور».
قلت: «لا أمانع في أن يذهب إلى مجلس النواب، ما دام أبو جمال يقول إن القصة تنتهي في مجلس النواب».
خدّام: «ثمّة أمران، إما وفاق وإما استمرار القتال. الصراع كان مسيحياً - إسلامياً، والآن تغيّرت طبيعته. إما نقول تسوية أو نقول فئة تنتصر، وهذه كارثة».
قلت: «لنرسل الاتفاق إلى مجلس النواب، وأنا ألتزم ما يُقرّره ما دام أبو جمال لا يرى في المجلس مشكلة».
الأسد: «كم هو عدد النواب المتبقي؟».
قلت: «88 نائباً».
خدّام: «ثمّة نائبان غائبان على نحو دائم، هما ريمون إده وصائب سلام، وهذا يعني أن الاتفاق يحتاج إلى 45 نائباً».
الأسد: «23 نائباً يوافقون على الاتفاق. في حال طرح تعديلات يجب العودة إلى الأفرقاء الموقّعين».
قلت: «الاتفاق تعطيل للمؤسسات الدستورية. هذا رأيي وأتمسّك به. ما أطلبه لرئيس الجمهورية هو إبقاء حدّ أدنى من هذه الدولة. القيادة الجماعية تعني تكريس الكانتونات على الأرض، وإقصاء رئيس الجمهورية عن السلطة الإجرائية يشلّ الدولة».
الكسم: «أي دولة يترأس فيها رئيس الجمهورية مجلس الوزراء؟».
الأسد: «أنت تمارس أكثر مني. أنا لا أستطيع عقد معاهدات».
قلت: «الآن أريد أن أعرف رأيكم في الملاحظات التي تقدّمتُ بها. أبو جمال عاش الجوّ ويمكنه أن يعطي رأياً فيها، وفي مدى قبول الأطراف بها».
رُفعت الجلسة في الحادية عشرة والدقيقة العاشرة قبل منتصف الليل.
التأمت الجلسة الثالثة في الغداة، 14 كانون الثاني، العاشرة والنصف قبل الظهر، واستهلها الرئيس السوري بإيجاز الملاحظات، فرددتُ بالتذكير بوجهة نظري، مشيراً إلى أحد حلّين: «اطلاع موقّعي الاتفاق على ما أدليتُ به، أو إحالته على مجلس النواب عبر اجتماع لمجلس الوزراء».
الأسد: «هم ينتظرون من هذه الجلسة الموافقة عليه أو عدم الموافقة، وليسوا خائفين من مجلس النواب».
قلت: «أنا غير موافق. هذا المشروع هو تعطيل للدولة، وهذا اقتناعي. بصفتي معنيّاً، ولا أستطيع الموافقة من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية».
الأسد: «هل هناك مؤسسات؟ نحن نطلب من فخامة الرئيس. في لبنان لا وجود للمؤسسات. لا درك للدولة ولا جيش، بل جيوش عدّة. نحن لا نفرض شيئاً، ولا نطلب. الجماعة اتفقوا ويعتبرون مَن حضر معهم التوقيع هم لبنان والدولة. لماذا لا نسلّم بهذا الواقع؟ فيهم نحو 80 أو 90 في المائة من المقاتلين، وحضرت شخصيات مرموقة أدت دوراً أساسياً. بحسب معلوماتي، التيّار في لبنان تيّار السلم ما عدا البعض في حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة لحزب الكتائب وبعض رجال الدين عند المسيحيين والمسلمين. شيخ أمين، قد لا تتكرّر الفرصة الحالية، وكلما زاد الدم زاد الشرخ».
رددتُ: «لستُ متمسكاً بأي أمر. يمكن أن يأتي هؤلاء في أي وقت ويتسلّموا الحكم، فلا مانع لديَّ. إذا بحثنا في ملاحظاتي التي أوردتُها البارحة ورأيتم أنها قابلة للتنفيذ، نكون قد خففنا قليلاً من النتائج السلبية للاتفاق. إذا كان ثمّة إحراج لتعديله لألف سبب وسبب، نرسله إلى مجلس النواب وبما يحرّرني من المسؤولية. إذا أحبّ الشباب احتلال بعبدا ولا مانع، تكون عندئذ ثورة. أنا مؤتمن على مهمتي، ولا أتحمّل مسؤولية ما لا أوافق عليه».
الأسد: «إذا وافق مجلس النواب عليه، هل توافق؟».
قلت: «يصبح قانوناً وأنا ملزم تنفيذه».
الأسد: «الآن ثمّة حلان. البحث في الملاحظات مع الشباب، أو إرساله إلى مجلس النواب».
قلت: «أدرسها معكم لأن البحث فيها مع الشباب بلا نتيجة. قد لا يريدون الاتفاق ويحمّلونني المسؤولية، فيعود القصف والقتال».
الشرع: «طرحه على المجلس من دون أن يكون له حقّ التعديل».
الأسد: «إذاً نحن أمام طريقين».
قلت: «أي سياسة تقرّرها أنا مستعدّ».
الأسد: «ليست سياسة بل ميثاقاً. سنعرض الأمر على الإخوان لأن الاتفاق بين أطراف لبنانيين، وليس مع سوريا. سنطرح إمكان إحالته كما هو على مجلس النواب، وما يقرّه يكون نهائياً؛ لأن ثمّة ملاحظات تنسف الاتفاق بكامله».
قلت: «كيف تريدون تفسير نتائج مداولاتنا لتفادي التفسير المزاجي؟».
الأسد: «يُقال طُرحت الملاحظات، والإخوان سيعرضون الأمر على أفرقاء الاتفاق الثلاثي».
خدّام: «أرى أن يُحكى عن الموضوع كما هو».
قلت: «قبل أن أمشي، أحبّ أن أعلن تضامني وعاطفتي نحوكم. أنا لم أتسلّم شيئاً عند انتخابي، والآن أُحاسَب على كل شيء. لا بدّ لنا من أن ننجح. رغم ذلك، ضميري مرتاح لأنني أدّيتُ واجباتي حيال بلدي».
رُفعت الجلسة عند الأولى بعد الظهر. تمنّيتُ على الرئيس الأسد ألا يرافقني إلى المطار بسبب ظروفه الصحّية وسوء الأحوال الجوّية، لكنه أصرّ.
فيما كان يرافقني إلى المطار، اغتنمتُ فرصة وجودنا وحدنا في سيارته كي أؤكد له أنني لستُ ضدّ الإصلاح، شرط أن تحترم الإصلاحات المنشودة مصالح لبنان، وأن تمرّ عبر التفاوض مع سلطة رسمية أكثر تمثيلاً وأكثر شرعية من مجرّد تحالف ميليشياوي.
أصغى إليَّ باهتمام حتى ظننتُ أنني أقنعته بحرصي الشديد على البحث عن حلّ للأزمة، وعلى الحفاظ على علاقات طيّبة بين بلدينا. بيد أن خدّام، الأقلّ مراعاة لأصول اللياقة، صرّح بانفعال لأحد الصحافيين الموجودين على المدرج: «تعديل الاتفاق ليس وارداً، وأصحابه هم أصحاب القرار في لبنان».
ثم أضاف باستفزاز ظاهر: «لن تكون ثمّة قمّة ثانية عشرة ولا ثالثة عشرة».
(غداً الحلقة الثانية)



ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.