حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (1)‬

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
TT

حافظ الأسد قال لي: لا وجود للمؤسسات في لبنان وأنت تمارس صلاحيات أكثر مني

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق
الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق

يعرض الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في هذه الحلقة من مذكراته التي تصدر قريباً بعنوان «الرئاسة المقاوِمة» تفاصيل 3 اجتماعات عقدها مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ونائبه عبد الحليم خدام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع، وتتناول ملاحظات الجميل على «الاتفاق الثلاثي» الذي تم توقيعه في دمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 1985 بين رئيس حركة «أمل» الرئيس نبيه بري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وإيلي حبيقة الذي كان في ذلك الوقت قائد «القوات اللبنانية»، ورد القيادة السورية على تلك الملاحظات.
بين ما نص عليه ذلك الاتفاق: إجراء تعديلات أساسية في صيغة الحكم في لبنان تم التفاهم عليها مع القيادة السورية في غياب أي مسؤول لبناني. والحد من صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل السلطة التنفيذية إلى «مجلس وزاري» يتشكل من قادة الميليشيات التي كانت مشاركة في الحرب الأهلية.

- وهنا نص الحلقة الأولى:
صباح 13 يناير (كانون الثاني) 1986 قصدتُ دمشق لعقد القمّة الحادية عشرة مع الرئيس السوري. عقدنا ثلاث جلسات عمل استغرقت في مجموعها عشر ساعات ونصف الساعة. حضر معنا نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، ورئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية فاروق الشرع.
أوردُ هنا أجزاء مقتطعة من محاضر الجلسات الثلاث المدوّنة، المتطابقة، لدى رئاستي الجمهورية في البلدين.
بدأت الجلسة الأولى في الثانية عشرة ظهراً، فور وصولي. تحدّثنا أولاً عن أحداث المتن، قبل أن أفتتح المحادثات عارضاً حصيلة مشاوراتي في بيروت، ثم استشارات مراجع قانونية محلية وخارجية تزوّدتها. قلتُ «إن الشعب اللبناني يقدّر جهود سوريا لإنهاء الأزمة، وثمّة اقتناع عند اللبنانيين جميعاً بضرورة الاستفادة من هذه الجهود؛ لأن حرب السنوات العشر لا بدّ من أن تنتهي على أسس وطنية دستورياً وقانونياً».
تحدّثتُ عن تحفّظ أفرقاء لبنانيين عن الاتفاق الثلاثي، إلا أن رفضهم أي خطوة «لا يُعدّ موجّهاً ضدّ سوريا وبخاصة رئيسها. نحن أمام فرصة تاريخية لإيجاد الحلّ الثابت والنهائي للوضع اللبناني أولاً، وللعلاقات اللبنانية - السورية ثانياً». تطرّقتُ إلى رهاني على التعاون اللبناني - السوري، وأوردتُ ملاحظاتي على صيغة الاتفاق التي حملها إليَّ الشرع، وأولها أنه يعيد النظر في التعايش اللبناني بدءاً من إلغاء الطائفية بلا ضوابط، قائلاً: «الجوّ الذي نعيشه في لبنان مشحون بالطائفية، وسوريا نفسها عانته مع الإخوان المسلمين. أنا مع تحرير المجتمع اللبناني من هذه العقدة، لكن يقتضي قبلاً إيجاد ضوابط طبيعية، وأخشى أن تؤدي المعالجة السريعة والفجّة والعقائدية لهذه المسألة إلى عكس الغاية المرجوة. لبنان ليس سوريا التي لا مشكلة مماثلة لديها، وكذلك العراق؛ لأن دين الدولة هو الإسلام. نريد تحرير لبنان من هذه العقدة، من دون الخوض في مغامرة المجهول».
عقّب الأسد: «هذا يعني أن إلغاء النظام الطائفي يُدخلنا في المجهول؟ ما المفهوم من إلغاء الطائفية السياسية؟ البحث إذاً في سلبية إلغائها؟».
قلت: «يجب إيجاد ضوابط فعلية. مخطئ من يزعم أن رئيس الجمهورية يتحكّم في الوضع. في وسع رئيس الحكومة أن يوقف ذلك، وهنا المشاركة الحقيقية. لا مانع لدي من إلغائها، لكن ثمّة عقداً يخلفها هذا الإلغاء».
الأسد: «ما هي هذه العقد؟».
قلت: «لا يمكن القبول ببند إلغاء الطائفية حكماً كما أورده الاتفاق. البعض يعتبر الطائفية امتيازات والبعض الآخر ضمانات، وأنا أعتبرها ضوابط. محصلة النظام السياسي الدستوري في المشروع إنهاء ما يُسمّى الدولة اللبنانية أو الإرادة اللبنانية».
ردّ باستغراب: «إنهاء؟».
قلت: «نعم. إنهاء وتعطيلها تعطيلاً جماعياً. هذا النظام غير موجود في أي مكان آخر في العالم باستثناء كانتونات سويسرا. إذا لم يكن لديك حكم قوي فلا يمكنك تنفيذ الاتفاق. المنطلقات الدستورية المقترحة تعطيل له، أي شخص لا يعجبه لون ربطة عنق جاره يمكنه تعطيل الاتفاق. نحن لا نصوّت في مجلس الوزراء منذ عام 1943. المؤسف أن الذين شاركوا في الاتفاق لم يشاركوا في الحكم مرّة. في أحد بنوده نصّ على صلاحيات المجلس الوزاري الذي يتخذ قراراته بإجماع الحضور، إجماع مَن يتألف منهم. إذا تغيّب أحدهم فماذا تكون النتيجة؟».
الأسد: «على ما أعتقد خلال الفترة الانتقالية».
قلت: «مَن يدري متى تنتهي الفترة الانتقالية! في الاتفاق القرارات الأساسية تتطلّب المجلس الوزاري، والعادية مجلس الوزراء. وزراء الدولة الذين يتألف منهم المجلس الوزاري هم حكماً أعضاء في مجلس الوزراء. بذلك تتداخل الصلاحيات، ويصار إلى تعطيل أجهزة الدولة كلها. ثمّة استحالة لتطبيق الاتفاق الذي سيؤدي إلى عكس غايته وهي توحيد لبنان، بأن يُنشئ كانتونات».
ثم عرضتُ ملاحظات أخرى على بعض بنود الاتفاق، فردّ الرئيس السوري: «المآخذ إذن على إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية أو الإجماعية والمجلس الوزاري!».
رددتُ: «التحفّظ عن الجماعية والإجماعية. نحن في حاجة إلى سلطة قوية لدعم مسيرة البناء الدستوري، وإلى دولة متماسكة. في الاتفاق تعطيل لرأس الدولة، لا أفهم لماذا؟ في الدستور رئيس الجمهورية يتمتّع بصلاحيات كبيرة كأنه ديكتاتور، أما في العُرف فالأمر يختلف كثيراً. منذ حكومة الرئيس رياض الصلح رئيس مجلس الوزراء هو رئيس السلطة الإجرائية. لا مرسوم يمرّ من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، وهذا في الدستور».
خدّام: «لا».
الأسد: «لنكمل المآخذ».
قلت: «إذا أردنا احترام مبدأ الديمقراطية في لبنان، فإن تعيين مجلس الوزراء النواب خطأ كبير، وخصوصاً أننا سنعيّن 200 نائب، بذلك نكون أخضعنا مجلس النواب لإرادة الحكومة وإمرتها».
ثم أوردتُ مأخذاً خامساً، بعد إلغاء الطائفية والقيادة الجماعية والمجلس الوزاري وتعيين النواب، هو «أن الاتفاق يجعل الدولة حاميها حراميها، فهو يحلّ مشكلة الموقّعين المفاوضين المقاتلين ولا يحلّ مشكلة البلد. إذا تركنا لهم حلّ كل المشاكل فلن نصل إلى حلّ. المقاتلون قالوا لنا ماذا يريدون منا، لكننا نريد أن نقول لهم ماذا نريد منهم؟ شراء الدولة مثلاً أسلحة المقاتلين، هل اشتروها بأموالهم الخاصة ومن أموال آبائهم أم جبوها من أموال المرفأ والمرافق العامة للدولة ومن جيوب المواطنين؟».
الأسد: «اشتروها أنتم ونحن نشتريها منكم».
قلت: «في موضوع العلاقات الثنائية، لمصلحة سوريا ألا تكون بين ثلاثة أطراف بل مع الدولة. أمّا تحفّظي الثاني فعلى تضمين الاتفاق العلاقات الثنائية كما وردت، والتي يكون تحقيقها باتفاقات ثنائية».
الأسد: «لنكن واضحين. إنه إجماع كل الأطراف. منذ عام 1976 لم نطالب بذلك، بل إنه مطلب إجماعي من كل القيادات اللبنانية».
قلت: «نحن موافقون على علاقات ثنائية بين دولة ودولة، ولكننا نتكلّم عن وثيقة دستورية يُفترض ألا تتضمّن هذه المسائل لأنها تُبحث بين وزيري الخارجية في البلدين، وتُعقد اتفاقات، ويُصوّت عليها مجلس النواب».
الأسد: «أي أن العلاقة مع سوريا لا تدخل في هذه الوثيقة؟».
قلت: «يمكن أن يُشار إليها. أما المبادئ التفصيلية، فتأتي في اتفاقات ثانية».
الأسد: «قضية شكلية إذاً؟».
قلت: «سوريا تحترم نفسها ولبنان كذلك. لا هي راكضة لفرض أي علاقة مع لبنان، ولا هو يرغب في ذلك. أنا أول مَن استعمل علاقات مميّزة في جوّ إسرائيلي كان سائداً. الصياغة نراها مع أبو جمال والدكتور فاروق، ولا اختلاف في الجوهر».
الرابعة بعد الظهر رُفعت الجلسة الأولى، ثم استؤنفت في السابعة والربع من مساء اليوم نفسه، 13 كانون الثاني.
استهلها الأسد بالقول: «خلال 11 سنة تحمّلنا الكثير من أجل لبنان، لم نتعامل معه كورقة نمسكها بأيدينا، بل من موقف مبدئي وعاطفي. شعب واحد، بلد واحد. كل الأمّة العربية دولة واحدة والاستعمار هو مَن أوجد هذه الكيانات. لو وضعنا بين أيدينا أي كتاب، لوجدنا أنه هو الذي قسّم هذه الكيانات. في الأحداث الأخيرة بلغ عدد اللبنانيين الذين لجأوا إلى سوريا نحو 500 ألف نسمة...».
الكسم مقاطعاً: «800 ألف نسمة».
الأسد: «اتصلنا بالمقاتلين والميليشيات، وأنت تتذكّر أنني كنت أقول لهم اتفقوا. المقاتلون التقوا، ولا تتصوّر أننا نحن من وضعنا الاتفاق، فلو كنا وضعناه لما كان أعجب حبيقة، ولا برّي، ولا جنبلاط، ولا أمين الجميّل. اتفقوا واختلفوا. رحنا نقوم بالمراسلة فيما بينهم. عبد الحليم خدّام كان يجلس معهم، فلم استحسن أن يجلس نائب رئيس الجمهورية مع ممثلي قياداتهم. اختلفوا، فقلتُ له بأن يجتمعوا في بيروت، وأظن أنهم التقوا هناك. ثم جاءوا إلى هنا وحصل اتفاق لي ملاحظات عليه. أكرّر لك لو أردنا نحن وضعه لما أرضى أحداً. موضوع الطائفية رفضناه منذ زمن في سوريا، فهل في الاتفاق إلغاء فوري لها؟».
خدّام: «لا، بعد مرحلة انتقالية».
الأسد: «الجماعة اتفقوا على ما سمّوه إصلاحات. أي اتفاق ينهي الحرب نحن معه. فيه ما هو جيّد، وما هو غير جيّد. غير الجيّد يصير غداً أو بعده جيّداً. أي محاولة لفرض وجهة نظر تعني أن لا اتفاق، وهذا رأينا سياسياً وعسكرياً. عندما اتفقوا أرسلنا المشروع إليكم، وقلت لك إنك تعرفه لأنني اعتبرت أنك عرفتَ به فعلاً بواسطة أجهزة الدولة وتسريب المعلومات من خلال أشخاص. الاتفاق لا يعبّر عن وجهة نظر رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء ولا الوزراء، ولا (أمل) والقوات والاشتراكي. كل اتفاق يعبّر عن شيء متقارب من ذلك وهو يمثّل القوى المتقاتلة. الرئيس فرنجيه أقرب إلينا منهم، والرئيس الجميّل أصبح في السنوات الثلاث أقرب».
ثم أضاف بعد عرض مسهب عن علاقته بأفرقاء التوقيع، ونظرته إلى الاتفاق وإنهاء الحرب: «سنأخذ ملاحظاتك ونقول لـ(الإخوان) ادرسوها. هذه الملاحظات ألغت الاتفاق كله ولا بدّ من طرح الموضوع عليهم. المآخذ هي نسف من الجذور. نحترم كلمتك وكلمات الآخرين. لا أحمّلك مسؤولية، فأنت حاولتَ فعلاً. رأيي لم يكن متوافقاً مع الآخرين، لا وليد ولا نبيه. المجالس بالأمانات، زعلنا منهما. قبل ثلاثة أيام التقيتُ وليد وقلت له إنك اليوم لا تعطّل الاتفاقات، يعني أنه في الماضي كان يعطّلها. أما أنت يا فخامة الرئيس، فحاولتَ أن تلقي بثقلك عند المسيحيين. سألني الإخوان عن قصة العشرين كتيبة وضعتُها في تصرّفك بعد انتفاضة القوات، فأجبتهم بأن ذلك صحيح، لكن الرئيس الجميّل يريد احتواءها سياسياً. لا نريد أن نحمل العصا، وعلّمتنا تجاربنا أننا ضربنا الكل ولم تُحلّ المشكلة».
قال: «شيخ أمين، ما من رئيس جمهورية مارس سلطته، لا فرنجيه ولا سركيس. أنت مارستَ أكثر منهما لا أحد قادر على تجاهل التداخل التاريخي بين سوريا ولبنان. هم حكوا عن علاقات مميّزة فكيف لا تكون في اتفاق شعبي؟ الله لا يفصل لبنان عن سوريا».
قلت: «في النظام اللبناني يجب تجاوز المادة 95، وهي وُضعت بناءً على طلب المسلمين، ولا مانع لدي من حذفها. كل ما هو مطلوب إيجاد ضوابط للبقاء على لحمة البلد. لا أتشبّثُ بعدم إلغاء الطائفية، وأنا أول مَن كسر الطوق في تعيينات الفئة الأولى. الاتفاق فرّغ رئيس الجمهورية من صلاحياته وأبقاها معلّقة. بغض النظر عن جعل رئيس الجمهورية بلا صلاحيات، قد تأتي حكومة غير متجانسة إن لم نقل عدائية لرئيس الجمهورية، عندها ماذا تعني استشارات نيابية ملزمة؟ لماذا أكون أنا صندوق اقتراع؟ فليكن مجلس النواب. هناك المثالثة ولا أعرف الغاية منها. هل نقاصص طائفة في البلد؟ هل ثمّة قصاص للموارنة لعودتهم إلى الرهان العربي الصادق مع سوريا؟ المرحلة الانتقالية تُطبّق قبل تعديل الدستور أو سيصار إلى تعليقه؟».
خدّام: «الاتفاق يبدأ تنفيذه فوراً. هناك عُرف دستوري، والاتفاق سيُطبّق كعُرف دستوري جديد».
الأسد: «الاتفاق أصبح ميثاقاً».
قلت: «ثلاثة أشخاص يضعون الميثاق؟ كأن هؤلاء أصبحوا هيئة دستورية».
الكسم: «في الظروف الطبيعية هذا لا يجوز. أما في الظروف غير الطبيعية فكل أمر جائز».
قلت: «هل هناك تعليق للدستور؟».
خدّام: «الدستور معلّق أصلاً».
قلت: «هذا لا يجوز إطلاقاً».
الكسم: «هل هناك نصّ في الدستور الحالي يقول إن رئيس الجمهورية ماروني؟».
خدّام: «لا. إنه عُرف».
قلت: «يمكن أيضاً أن يصدر مرسوم بلا توقيع رئيس الجمهورية».
الأسد: «رئيس جمهورية لبنان لا يُحاكم».
خدّام: «في الخيانة العظمى فقط. صلاحيات رئيس الجمهورية في الاتفاق مهمة، فهو رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش، ويعلن الحرب والسلم وحلّ مجلس النواب، وقانون الموازنة والعفو... هذا المشروع حوّل رئيس الجمهورية من حاكم إلى قائد».
الأسد: «أنت تمارس أكثر من رئيس الجمهورية السورية».
خدّام: «الاتفاق يُعرض على مجلس النواب فيوافق عليه ويصبح عُرفاً دستورياً. هذه تسوية سياسية».
قلت: «تعليق الدستور في هذه الفترة عملية خطيرة جداً».
الأسد: «يمكن ألا يُسمّى ذلك تعليقاً للدستور».
قلت: «لا أمانع في أن يذهب إلى مجلس النواب، ما دام أبو جمال يقول إن القصة تنتهي في مجلس النواب».
خدّام: «ثمّة أمران، إما وفاق وإما استمرار القتال. الصراع كان مسيحياً - إسلامياً، والآن تغيّرت طبيعته. إما نقول تسوية أو نقول فئة تنتصر، وهذه كارثة».
قلت: «لنرسل الاتفاق إلى مجلس النواب، وأنا ألتزم ما يُقرّره ما دام أبو جمال لا يرى في المجلس مشكلة».
الأسد: «كم هو عدد النواب المتبقي؟».
قلت: «88 نائباً».
خدّام: «ثمّة نائبان غائبان على نحو دائم، هما ريمون إده وصائب سلام، وهذا يعني أن الاتفاق يحتاج إلى 45 نائباً».
الأسد: «23 نائباً يوافقون على الاتفاق. في حال طرح تعديلات يجب العودة إلى الأفرقاء الموقّعين».
قلت: «الاتفاق تعطيل للمؤسسات الدستورية. هذا رأيي وأتمسّك به. ما أطلبه لرئيس الجمهورية هو إبقاء حدّ أدنى من هذه الدولة. القيادة الجماعية تعني تكريس الكانتونات على الأرض، وإقصاء رئيس الجمهورية عن السلطة الإجرائية يشلّ الدولة».
الكسم: «أي دولة يترأس فيها رئيس الجمهورية مجلس الوزراء؟».
الأسد: «أنت تمارس أكثر مني. أنا لا أستطيع عقد معاهدات».
قلت: «الآن أريد أن أعرف رأيكم في الملاحظات التي تقدّمتُ بها. أبو جمال عاش الجوّ ويمكنه أن يعطي رأياً فيها، وفي مدى قبول الأطراف بها».
رُفعت الجلسة في الحادية عشرة والدقيقة العاشرة قبل منتصف الليل.
التأمت الجلسة الثالثة في الغداة، 14 كانون الثاني، العاشرة والنصف قبل الظهر، واستهلها الرئيس السوري بإيجاز الملاحظات، فرددتُ بالتذكير بوجهة نظري، مشيراً إلى أحد حلّين: «اطلاع موقّعي الاتفاق على ما أدليتُ به، أو إحالته على مجلس النواب عبر اجتماع لمجلس الوزراء».
الأسد: «هم ينتظرون من هذه الجلسة الموافقة عليه أو عدم الموافقة، وليسوا خائفين من مجلس النواب».
قلت: «أنا غير موافق. هذا المشروع هو تعطيل للدولة، وهذا اقتناعي. بصفتي معنيّاً، ولا أستطيع الموافقة من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية».
الأسد: «هل هناك مؤسسات؟ نحن نطلب من فخامة الرئيس. في لبنان لا وجود للمؤسسات. لا درك للدولة ولا جيش، بل جيوش عدّة. نحن لا نفرض شيئاً، ولا نطلب. الجماعة اتفقوا ويعتبرون مَن حضر معهم التوقيع هم لبنان والدولة. لماذا لا نسلّم بهذا الواقع؟ فيهم نحو 80 أو 90 في المائة من المقاتلين، وحضرت شخصيات مرموقة أدت دوراً أساسياً. بحسب معلوماتي، التيّار في لبنان تيّار السلم ما عدا البعض في حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة لحزب الكتائب وبعض رجال الدين عند المسيحيين والمسلمين. شيخ أمين، قد لا تتكرّر الفرصة الحالية، وكلما زاد الدم زاد الشرخ».
رددتُ: «لستُ متمسكاً بأي أمر. يمكن أن يأتي هؤلاء في أي وقت ويتسلّموا الحكم، فلا مانع لديَّ. إذا بحثنا في ملاحظاتي التي أوردتُها البارحة ورأيتم أنها قابلة للتنفيذ، نكون قد خففنا قليلاً من النتائج السلبية للاتفاق. إذا كان ثمّة إحراج لتعديله لألف سبب وسبب، نرسله إلى مجلس النواب وبما يحرّرني من المسؤولية. إذا أحبّ الشباب احتلال بعبدا ولا مانع، تكون عندئذ ثورة. أنا مؤتمن على مهمتي، ولا أتحمّل مسؤولية ما لا أوافق عليه».
الأسد: «إذا وافق مجلس النواب عليه، هل توافق؟».
قلت: «يصبح قانوناً وأنا ملزم تنفيذه».
الأسد: «الآن ثمّة حلان. البحث في الملاحظات مع الشباب، أو إرساله إلى مجلس النواب».
قلت: «أدرسها معكم لأن البحث فيها مع الشباب بلا نتيجة. قد لا يريدون الاتفاق ويحمّلونني المسؤولية، فيعود القصف والقتال».
الشرع: «طرحه على المجلس من دون أن يكون له حقّ التعديل».
الأسد: «إذاً نحن أمام طريقين».
قلت: «أي سياسة تقرّرها أنا مستعدّ».
الأسد: «ليست سياسة بل ميثاقاً. سنعرض الأمر على الإخوان لأن الاتفاق بين أطراف لبنانيين، وليس مع سوريا. سنطرح إمكان إحالته كما هو على مجلس النواب، وما يقرّه يكون نهائياً؛ لأن ثمّة ملاحظات تنسف الاتفاق بكامله».
قلت: «كيف تريدون تفسير نتائج مداولاتنا لتفادي التفسير المزاجي؟».
الأسد: «يُقال طُرحت الملاحظات، والإخوان سيعرضون الأمر على أفرقاء الاتفاق الثلاثي».
خدّام: «أرى أن يُحكى عن الموضوع كما هو».
قلت: «قبل أن أمشي، أحبّ أن أعلن تضامني وعاطفتي نحوكم. أنا لم أتسلّم شيئاً عند انتخابي، والآن أُحاسَب على كل شيء. لا بدّ لنا من أن ننجح. رغم ذلك، ضميري مرتاح لأنني أدّيتُ واجباتي حيال بلدي».
رُفعت الجلسة عند الأولى بعد الظهر. تمنّيتُ على الرئيس الأسد ألا يرافقني إلى المطار بسبب ظروفه الصحّية وسوء الأحوال الجوّية، لكنه أصرّ.
فيما كان يرافقني إلى المطار، اغتنمتُ فرصة وجودنا وحدنا في سيارته كي أؤكد له أنني لستُ ضدّ الإصلاح، شرط أن تحترم الإصلاحات المنشودة مصالح لبنان، وأن تمرّ عبر التفاوض مع سلطة رسمية أكثر تمثيلاً وأكثر شرعية من مجرّد تحالف ميليشياوي.
أصغى إليَّ باهتمام حتى ظننتُ أنني أقنعته بحرصي الشديد على البحث عن حلّ للأزمة، وعلى الحفاظ على علاقات طيّبة بين بلدينا. بيد أن خدّام، الأقلّ مراعاة لأصول اللياقة، صرّح بانفعال لأحد الصحافيين الموجودين على المدرج: «تعديل الاتفاق ليس وارداً، وأصحابه هم أصحاب القرار في لبنان».
ثم أضاف باستفزاز ظاهر: «لن تكون ثمّة قمّة ثانية عشرة ولا ثالثة عشرة».
(غداً الحلقة الثانية)



اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
TT

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

في خطوةٍ تأتي ضمن مسار إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المحافظات اليمنية المحررة، والتي تشرف عليها قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، أعلنت قوات حماية حضرموت اندماجها رسمياً في قوام القوات الحكومية التابعة لوزارة الداخلية، لتكون أول تشكيل مسلح يُنجز هذه الخطوة بشكل كامل، في تطور يُنظر إليه بوصفه مرحلة مهمة في جهود توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة.

وجاءت هذه الخطوة في وقت تواصل فيه قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الإشراف على عملية إعادة الهيكلة، ودمج التشكيلات المختلفة، وتوحيدها تحت سلطة وزارتي الدفاع، والداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت قوات حماية حضرموت، التي يقودها عمر بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل أول المحافظة، تأييدها الكامل، ومباركتها للقرارات الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، وذلك بدعم وتنسيق مع التحالف، وبما يهدف إلى توحيد القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وتعزيز منظومة الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت، ساحلاً، ووادياً.

قوات حماية حضرموت ساهمت في تأمين المكلا خلال الاضطرابات الأخيرة (إعلام عسكري)

القوات التي تشكلت منتصف العام الماضي، ولعبت دوراً مهماً في الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، خصوصاً في تأمين حقول النفط، وعاصمة المحافظة (المكلا)، أعلنت دعمها لخطوات تنظيم ودمج القوات الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة الحضرمية، تحت مظلة وزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد الجهود الأمنية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ورفد الأجهزة الأمنية بالكفاءات المدربة، والمؤهلة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.

ووفق بيان قوات حماية حضرموت، فإنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لتنفيذ عملية الضم، وبالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية العليا، وقيادة التحالف الداعم للشرعية في المحافظة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، على أن تتبعها خطوات ميدانية خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعزز جاهزية القوات الأمنية، ويرسخ دعائم الأمن والاستقرار في مختلف مديريات ساحل ووادي حضرموت.

إشادة بالأداء

أكدت القوات في بيانها أن ما تحقق من إنجازات خلال المرحلة الماضية يعكس مستوى عالياً من الولاء الوطني، والانضباط المؤسسي لدى منتسبيها، حيث قدمت نموذجاً متميزاً في أداء الواجب، وأسهمت بفاعلية في تثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية المنشآت الحيوية في مختلف مراحل العمل الميداني.

قوات حماية حضرموت أول تشكيل مسلح يندمج في إطار القوات الحكومية (إعلام عسكري)

وأضافت أن هذا الرصيد يمثل قاعدة صلبة لمواصلة العمل بروح وطنية مسؤولة في إطار مؤسسات الدولة، وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

كما تعهد هذا التشكيل المسلح بالعمل تحت قيادة الدولة اليمنية، والتحالف العربي، والمضي قدماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه بكفاءة، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويحقق تطلعات أبناء حضرموت في الأمن والاستقرار والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية مستمرة تشهدها البلاد.

ترتيبات لإعادة الانتشار

وفق مصادر محلية، فإن قوام المنطقة العسكرية الثانية، الخاضعة لإشراف وزارة الدفاع، سيشمل لواء الريان، ولواء حضرموت، ولواء شبام، ولواء الدفاع الساحلي، ولواء الأحقاف، بالإضافة إلى لواء بارشيد المرتقب اعتماده، على أن تتمركز هذه القوات خارج المدن لأداء مهامها العسكرية، في إطار فصل المهام بين القوات العسكرية والأمنية.

وبحسب المصادر، سيتم إنشاء قوة أمنية تتبع وزارة الداخلية تكون مساندة للأجهزة الأمنية داخل المدن، وتتولى مهام التدخل السريع، وحفظ الأمن، على غرار قوات الأمن المركزي سابقاً.

قوات حماية حضرموت تولت تأمين حقول النفط (إعلام عسكري)

كما أوضحت أن التشكيلات التي سيتم دمجها ضمن قوات الأمن هي في الأساس وحدات لم تكن تتبع سابقاً قيادة المنطقة العسكرية الثانية، وكانت تعمل خارج هذا الإطار، وتشمل أجزاء من قوات معسكر الربوة، وقوات الدعم الأمني، وقوات حماية حضرموت، حيث سيتم دمجها ضمن الإطار الرسمي لوزارة الداخلية.

وبيّنت المصادر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي سيصدر لاحقاً قرارات بإنشاء عدد من الألوية العسكرية الجديدة من أفراد قوات حماية حضرموت، وقوات أخرى، لتغطية كامل جغرافيا حضرموت ضمن المنطقتين العسكريتين الأولى (وادي حضرموت)، والثانية (الساحل)، والتي تمتد مهامها لتشمل أيضاً محافظتي المهرة، وأرخبيل سقطرى، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانتشار الأمني والعسكري، وتحقيق الاستقرار المستدام.


غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
TT

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

في هذا السياق، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وشملت اللقاءات محافظ البنك المركزي اليمني، ووزراء المالية والنفط والمعادن، إضافةً إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة، في إطار مقاربة شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادي والتقدم السياسي، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

تأتي هذه اللقاءات ضمن زيارة يُجريها المبعوث الأممي إلى عدن، في إطار جهوده المستمرة لدفع عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الحوثيين في صراعات أوسع في المنطقة.

وتسعى الأمم المتحدة -حسب مراقبين- إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.

الضغوط الاقتصادية

في لقائه مع محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، استعرض المبعوث الأممي مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد اليمني نتيجة الحرب والانقسامات المؤسسية.

وناقش الجانبان -وفق المصادر الرسمية- تأثير التطورات الإقليمية، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد اليمني.

غروندبرغ التقى في عدن محافظ البنك المركزي اليمني (سبأ)

وأكد اللقاء أن هذه المتغيرات العالمية تضاعف من معاناة الدول التي تعاني نزاعات طويلة، وعلى رأسها اليمن، حيث تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والوقود، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين. كما جرى تأكيد أهمية تكثيف التنسيق الدولي والإقليمي لاحتواء التوترات في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

واستعرض اللقاء الإجراءات المتخَذة لتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع الأساسية، من خلال اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، لضمان انسيابية تدفق الغذاء والدواء والوقود إلى جميع المحافظات دون استثناء، رغم التحديات اللوجيستية والمالية.

النفط والغاز

في محور آخر، برز قطاع النفط والغاز بوصفه أحد أبرز الملفات التي ناقشها المبعوث الأممي مع وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، حيث تم التأكيد أن هذا القطاع يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني، في وقت لا تزال صادراته متوقفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير.

وأشار الوزير إلى أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية. كما لفت إلى الجهود المبذولة لضمان استقرار إمدادات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في المناطق المحررة، رغم التحديات القائمة.

المبعوث الأممي التقى في عدن وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وتطرّق النقاش إلى الاختلالات السعرية التي تشهدها الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين، وما وصفته الحكومة باستخدام العائدات لأغراض تهدد الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، شدد المبعوث الأممي على أهمية استئناف التصدير بوصفه خطوة محورية لدعم التعافي الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التنسيق لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

إصلاحات مالية وتمكين المرأة

اقتصادياً، ناقش وزير المالية اليمني مروان بن غانم، مع المبعوث الأممي أولويات الحكومة في استعادة الاستقرار المالي، بما يشمل تعزيز الانضباط المالي، وإدارة النقد الأجنبي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما جرى التطرق إلى ملامح موازنة 2026، التي تركز على ترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للرواتب والخدمات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

المبعوث غروندبرغ خلال لقائه وزير المالية في الحكومة اليمنية (سبأ)

وسلَّط اللقاء الضوء على استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي بعد انقطاع دام أكثر من عقد، بوصفها خطوة مهمة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وتعزيز الشفافية المالية.

في سياق متصل، بحثت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، مع المبعوث الأممي، سبل تعزيز تمكين المرأة، بوصفه عنصراً أساسياً في تحقيق التنمية والاستقرار. وشددت على أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، ودعم مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، فيما أكد غروندبرغ التزام الأمم المتحدة بدعم هذا التوجه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.