حسب الشيخ جعفر شاعر المكان المنفي والأزمنة المطمورة

«القصيدة المدورة» لا تختزل تجربته وليست علامتها الوحيدة الفارقة

حسب الشيخ جعفر
حسب الشيخ جعفر
TT

حسب الشيخ جعفر شاعر المكان المنفي والأزمنة المطمورة

حسب الشيخ جعفر
حسب الشيخ جعفر

لم يحدث أن التقيت بالشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر سوى مرات قليلة، وفي مناسبات ثقافية متباعدة يعود معظمها إلى مهرجان المربد الشعري، في سبعينيات القرن الفائت وثمانينياته. ولما كانت بعض أعماله المبكرة قد سبقتني إليه، فإن المقارنة التي عقدتها على عجل بين شخصية حسب وبين شعره، كانت تشي بنوع من التكامل والانسجام يصل إلى حد التطابق أو التماهي الكامل. إذ ثمّ قدر من الغموض المحير يلف ملامح الشاعر الذي يؤثر الصمت على الثرثرة، والتواري الخفر على الاستعراضية والادعاء والتباهي المنفر بالنفس.
ورغم حرص الشاعر على أن يظهر بمظهر البشوش والحميم إزاء من يلتقي بهم، فإن ابتسامته البادية لم تكن لتنجح في إخفاء سحابة الحزن المبهمة التي تكتنفها، والمتأتية على الأرجح من عوالم ريفية مثخنة بالعزلة والفقر، ومن المخزون التاريخي الذي لا ينفد لشجن العراق ومكابدات أهله المزمنة. على أن الحزن البادي في عيني حسب وملامحه، لم يكن ليعطي من يتأمله انطباعاً بيأس صاحبه أو نزوعه الرومانسي، بل هو حزن مشوب بالتحدي والغضب والتبرم بالواقع.
وإذا كان لي أن أستعيد تفاصيل لقائي الأول بصاحب «الطائر الخشبي»، فإنني أستطيع القول إن حزنه الغاضب وهدوءه المتوتر، كانا يقعان في مكان وسط بين انكسار السياب وغضب خليل حاوي. لا أعرف على وجه التحديد إذا ما كانت مجموعة حسب الشيخ جعفر الأولى «نخلة الله» الصادرة عام 1969. قد تضمنت بالفعل بواكير شعره، أم أن الشاعر قد تعمد القفز عن البواكير التي لم ير فيها ما يستحق النشر في عمل مطبوع. ذلك أن هذا الديوان لا يحمل سمات البواكير التي تتسم في الأعم الأغلب بالكثير من الارتباك والتعثر الأسلوبي، بل يحمل قدراً غير قليل من النضج والدربة والحساسية الإيقاعية والتعبيرية.
وإذا كان بعض الشعراء قد لجأوا لاحقاً إلى حذف أعمالهم الأولى التي تسرعوا في نشرها بدافع الحماس واستعجال الشهرة، فليس من شأن حسب أن يحذو حذوهم بأي حال. على أن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن الشاعر في عمله الأول لم يكن قد وجد بعد «إيقاعه» الخاص، لا بالمعنى الضيق للكلمة، بل بالمعنى الذي يجعل الإيقاع ناظماً للفرادة في اللغة والأسلوب وسائر أدوات التعبير. واللافت في الأمر أن الانطباع الأولي الذي تكوّن لدي عن تقاطعٍ في الملامح بين الشيخ جعفر وبين كلّ من السياب وحاوي، ما لبث أن انسحب على بواكيره التي حملت ظلالاً واضحة لشجن السياب وترسله الغنائي، وهو ما يجد تمثلاته في قصيدته «جذور الريح» التي يقول فيها:
«قرأنا وجهكِ المهجور في الحفَرِ/ قرأنا وجهكِ المحفور في صخر الفؤاد الجائع العاري/ وأمسكت الأصابعُ والشفاهُ بجرْفك الهاري/ وأرعدت الذرى في القاع واتحدر الهشيم بكل متحدر».
فيما أن نصوصاً أخرى تتقاطع مع مناخات حاوي، المسكونة بالهواجس الحضارية من جهة، والمعتمدة على الضربات المتماثلة للإيقاع المقفى من جهة أخرى. إذ تمة ما يذكّرنا بقصيدة «لعازر» في قول الشيخ جعفر:
«كلما ناديت ذاك الجرف عادْ/ صوتك الخابي مع الريح وأمطار الرمادْ/ لا تدقّ الباب فالباب جدارْ/ ليس خلف الباب إلا ورق الأمس وأكفان الغبارْ». وثمة ما يذكّر بقصيدة «الكهف»، التي تمزج بين النزوع إلى براءة العالم وبين اللغة المحمومة، في قول حسب «أيها الكهف القديمْ/ ها أنا أعوي على بابك كالذئب، طريداً استجيرْ/ في يدي النار التي تنفخ روحاً في الهشيمْ».
على أن قارئ حسب الشيخ جعفر لن ينتظر طويلاً، قبل أن يتلمس مع ثلاثيته الشعرية المتلاحقة «الطائر الخشبي» و«زيارة السيدة السومرية» و«عبر الحائط في المرآة»، المنحى الجديد لتجربة الشاعر التي اتجهت سريعاً نحو مزيد من التميز والخصوصية والتبلور الأسلوبي.
صحيح أن تلك الخصوصية كانت قد ظهرت ملامحها في بعض قصائد عمله الأول، وبخاصة في قصيدته «قهوة العصر»، التي تمتح من خصوبة الريف وتحوّله إلى مادة سحرية غنية ملتبسة الدلالات، ولكن الشاعر بدا في أعماله تلك، أكثر تمكّناً من أدواته، فضلاً عن ذهابه نحو مناطق أكثر عمقاً في استكناه الأسئلة المتعلقة بالذات والوجود.
فهو من ناحية يفيد من عالم التصوف وكشوفه ومعجمه التعبيري، وهو من ناحية أخرى يستند إلى ظهير غير محدود من الأساطير والرموز، سواء تلك المتصلة ببلاد ما بين النهرين، أو التي تجد مرجعيتها في حضارتي اليونان وبلاد فارس، وغيرهما من حضارات العالم. والملاحظ في هذا الإطار أن نصوص هذه الدواوين تنقسم بشكل واضح بين المقطوعات القصيرة والمكثفة، وبين القصائد الطويلة التي يطغى عليها عنصرا الحوار والسرد، وتعتمد ما عُرف لاحقاً بتقنية التدوير. ففي مقطوعة «النار القديمة» تنتقل النار من إطارها الطقوسي المتعلق بمعتقدات المجوس، لتتحد مع حرائق الداخل الإنساني، ومع الصرخات التي ترافق الروح في طريق بحثها عن الخلاص:
«أكلما خبا الصدى والريح/ رأيتُ عينين وحيدتين وامرأه/ توقد ناراً تحت قدْرٍ، والنخيل في الدجى ينوحْ/ ويصرخ البطّ الطريد، والنجوم مطفأه/ أكلما خبا الصدى والريحْ/ وانشقّ قلبي مثل جذع نخلة مجروحْ/ هامت كطيرِ الفلواتِ الروحْ».
في كتابه «أيتام سزمر» يرى الناقد المغربي بنعيسى بو حمالة بأن حسب الشيخ جعفر هو واحد من أبرز الشعراء الأيتام الذين تمكنوا من قتل الأب الرمزي المتمثل بالسياب، على وجه الخصوص، ليقترفوا فعل التمرد والمغامرة الشكلية والتثاقف الحر مع حركة الشعر في العالم.
ويذهب بو حمالة، استطراداً، إلى القول بأن الشيخ جعفر غادر خانة الشعراء التموزيين ليدخل فيما يمكن تسميته بالتراجيديا الأورفية، نسبة إلى أورفيوس الذي كان يفتن الكائنات الحية بموسيقاه الساحرة، والذي فقد حبيبته أوريديس للمرة الثانية، بعد أن تجاهل تحذيرات الآلهة بعدم التفاته نحوها.
والحقيقة أن من يمعن النظر في قصائد حسب، لا بد أن يرى ظلالاً لأوريديس في غير مجموعة من مجموعاته. وسواء أطلق على حبيبته اسم زينا أو أوديت أو ابتهال أو غير ذلك، فإن المرأة عنده لا تحضر بوصفها امرأة من لحم ودم فحسب، بل هي تحضر متداخلة مع عناصر الطبيعة وصوَرها وتجلياتها المختلفة، أو تحضر متماهية مع روح الحضارة القديمة وأماكنها وأطيافها الغاربة.
ولكن ذلك الحضور سرعان ما يتوارى وراء رتلٍ من السراب الخادع «شممت في غرفتها هبّة ريحٍ أتيه/ من مدنٍ مطمورة في غابر الدهورْ/ شممت في غرفتها مجامراً في سرَرٍ/ تقضي سميراميس ليلتها فيها/ كنَمِرٍ جائعٍ حبيسْ/ يلهث ثدياها كخيلٍ متعبه/ مددتُ كفّي نحوها/ نزعتُ عن جبينها النقابْ/ وحينما عانقتها/ طويتُ زندي على ترابْ».
وفي اعتقادي أن تخفف حسب الشيخ جعفر الجزئي من بحري الكامل والرمل، اللذين ألح بعض الرواد على استنفاد احتمالاتهما الإيقاعية، واستثماره اللاحق لإيقاعي المتقارب والرجز، حيث التواشجات الموسيقية المتموجة والأكثر توتراً، قد مكنته من حمل تجربته إلى مناطق ومساحات مختلفة على الصعد النفسية والمعجمية والرؤيوية.
وهو ما ساعده أيضاً على المضي أكثر فأكثر في اجتراح ما سمي بالقصيدة المدورة القائمة على كسر الحواجز بين الأسطر، وتضييق المسافة بين الشعر والنثر، وتهميش التقفية إلى حد الإلغاء، بحيث تصبح القصيدة نوعاً من النص التشكيلي المفتوح على الشعر والسرد والمسرح وغيرها. وإذا كنت لا أحب الأحكام المطلقة في النقد، ولا أجاري فاروق يوسف في ذهابه إلى القول بأن قصيدة حسب «قارة سابعة» هي أعظم ما كُتب في الشعر العربي الحديث، بحيث لم تكن تجارب السياب وأدونيس وخليل حاوي ويوسف الخال إلا تمارين مسرحية ممهدة لتلك القصيدة، فإن ذلك لا يحول دون التنويه بهذا النص العاطفي الطويل الذي تتحول فيه الرغبة الشبقية إلى مثلث متساوي الأضلاع، قوامه اللغة والطبيعة والجسد الأنثوي «وارتحلتُ في انزلاقة اليدين حتى العروة الأخيرة/ اتكأتُ في الظل على انحناءة الشفاه/ فرّ الشعَر الثقيل كالنهرِ،/ ارتمى كالبجع التعبانِ،/ وانهمرتُ في همومه المنهمره/ في شهركِ الثامن مثل الثمره». إلا أن الشاعر، وفق ما أراه، لا ينجح بشكل دائم في إقامة التوازن المطلوب بين مقتضيات التشكيل الإيقاعي وبين متطلبات المعنى. وهو ما يظهر في مجموعته «أنا أقرأ البرق احتطابا» التي تكرر نظامها الثلاثي بشكل رتيب على امتداد مائتين وثمانين صفحة، وبدت ثلاثيات من مثل «جوّفتُ كالقعداء كالكسلى القلمْ/ وقد التقى الرعد القمم/ سلمان للريح النشاره» وكثير غيرها، أقرب إلى التأليف المتعسف منه إلى أي شيء آخر.
من الصعب، أخيراً، أن نختزل تجربة حسب الشيخ جعفر في عبارة أو عنوان بعينهما، وهو الذي لم يتوانَ، في بعض أعماله، مثل «أعمدة سمرقند»، عن توظيف الخرافة في نصوصه، وإقامة حوارات ذات طابع فلسفي بين الحيوانات، على طريقة أحمد شوقي، الذي أهداه الشاعر سونيتاته تلك، على سبيل «الامتنان والذكرى». على أن هاجس حسب في كل ما كتب، هو البحث عن الحياة الغفْل، سواء تجسدت تلك الحياة في مدنٍ غاربة، أو نساء مفقودات، أو لغة متوارية داخل كهوفها المعتمة ودغلها الكثيف.
وهو ما تعكسه بوضوح قصيدته «في أدغال المدن» حيث لا نعثر على فاصل يُذكر بين بهو الفنادق والجذور المجعدة الوجه، أو قصيدة «الإقامة على الأرض»، حيث يرقد طفل من نخيل العراق في مقبرة خلف برلين، ويحتل أسد أشوري مجنح صدارة متاحفها. وحيث وقْع خطى المرأة السومرية، يتردد في أعماق الطرق المجهولة ويخترق الحدود المعروفة للزمن.
وإذ يتخذ الشيخ جعفر من أبي نواس، الباحث عبثاً عن وجه «جنان» السرابي، قناعاً لبحثه المضني عن المرأة المستحيلة، يستعير مرة أخرى قناع أورفيوس التراجيدي ليخاطبه قائلاً: «كلما قيل: آتية، والتفتّ، اختفتْ/ والتلفّت شيمتنا/ فكلّ طيرٍ شاردٍ جنان/ كلّ امرأة عابرة جنان/ والتوسّل الجميل/ والنيازك العمياء في انحدارها/ وكلّ وردة آفلة جنان». ومع أن مظاهر الحنين إلى الطفولة والتشبث بالمكان الأصلي لا تغيب عن نصوص الشاعر، إلا أن هذه النصوص تنفتح في الوقت عينه على أماكن كثيرة، تكتسب عند حسب ألفتها الحميمة التي تتكفل الذاكرة بإبقائها طازجة ونابضة بالحياة. ففي ديوانه «تواطؤاً مع الزرقة» تتحول القصائد إلى رقائم وتعاويذ لمنع النسيان، ولحفظ الوقائع من التسرب بعيداً عن لحظات حدوثها.
كأن حضور الشاعر في العالم هو مزيج من الشجرة والنهر، من الثبات والترحل، من الوطن والمنفى، أو كأنه «خيط مضطرب بين العمارة، مدينته الأم، وبين وموسكو، المدينة التي درس فيها وانعكست ملامحها في كثير من أعماله.
وبين هذه وتلك تنبجس من باطن الذاكرة أصقاع وخرائط وتضاريس، لا يتوانى الشاعر عن تعقّبها في قصائده، أنّى ذهبت به السبل: «عالياً في انحدار الجبال على النهر،/ في الصين/ تبني السنونو بيوتاً لها/ مذ جرى النهر واتحدرتْ بالجروف الجبالْ/ لم أعد أرتجي غير معتزَلٍ في منازلها/ فأصلّي إلى الله/ متّكئاً باليدين إلى الصخر منفرداً/ قائلاً: يا إلهي أعِنّي».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.