فرنسا تتحرك داخل {الأطلسي} لمواجهة النفوذ التركي في ليبيا

فرنسا تتحرك داخل {الأطلسي} لمواجهة النفوذ التركي في ليبيا
TT

فرنسا تتحرك داخل {الأطلسي} لمواجهة النفوذ التركي في ليبيا

فرنسا تتحرك داخل {الأطلسي} لمواجهة النفوذ التركي في ليبيا

من بين الدول الأوروبية كافة التي تنظر بكثير من القلق لتنامي الوجود التركي في ليبيا، تحتل فرنسا المرتبة الأولى، ما يدل على أنها تنظر إليه على أنه يحمل تهديداً لمصالحها في ليبيا وشمال أفريقيا، وامتداداً إلى بلدان الساحل. ولذا، تصدر دورياً عن رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية تصريحات منددة محذرة. وآخر ما استجد تسريبات عن القصر الرئاسي تقرع ناقوس الخطر، وتعكس عزم باريس على التحرك لمواجهته.
بداية، عدت دوائر الإليزيه أن التدخلات التركية في ليبيا «لا يمكن القبول بها»، وأن باريس «لا يمكنها السماح بذلك»، ما يشكل تصعيداً واضحاً بوجه تركيا التي تربطها بها علاقات متوترة بسبب ملفات الهجرات والأكراد السوريين والحدود والإرهاب، وما تعده باريس، بشكل عام، «ابتزازاً» متمادياً من أنقرة للاتحاد الأوروبي.
ويتذكر المهتمون بتطور علاقات البلدين الهجوم غير المسبوق الذي شنه الرئيس إيمانويل ماكرون، بمناسبة «قمة برلين» في يناير (كانون الثاني) الماضي، على تركيا التي تجلب العتاد والسلاح والخبراء، وخصوصاً المرتزقة السوريين للقتال في ليبيا، إلى جانب حكومة فائز السراج، ومحاولة تسخير الحلف الأطلسي لخدمة مصالحها وطموحاتها، إن في سوريا أو في ليبيا ومياه المتوسط.
وترى باريس أن سياسة تركيا «أصبحت أكثر عدوانية وتصلباً، مع نشر 7 قطع بحرية مقابل الشواطئ الليبية، وانتهاك الحظر المفروض على السلاح» إلى ليبيا. وخلاصة تسريبات الإليزيه أن تركيا «تتصرف بشكل غير مقبول عبر استغلال الحلف الأطلسي، ولا يمكن لفرنسا السماح بذلك». ولتحديد طبيعة الرد، أشارت دوائر القصر إلى أن الرئيس ماكرون يقوم بجملة اتصالات، منها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي، وأخرى في الأسابيع المقبلة مع «شركاء الحلف الأطلسي المنخرطين ميدانياً».
وتعد فرنسا أن النفوذ التركي يشكل «تهديداً استراتيجياً للمصالح الفرنسية والأوروبية على السواء»، وأن تركيا، في حال نجحت في مشاريعها، فإنها «ستجذر حضورها في ليبيا، وستجعل منها منصة» للتمدد باتجاه بلدان أخرى تشكل، تقليدياً، مناطق نفوذ فرنسية.
وإذا كان ثمة من تساوره الشكوك لجهة نوايا تركيا، فإن ما كشفت عنه وزارة خارجيتها أمس كافٍ ليقطع الشك باليقين، إذ أفادت عن إجراء محادثات تركية - ليبية من أجل استخدام قاعدة الوطية الجوية (جنوب طرابلس) التي استعادتها قوات حكومة الوفاق مؤخراً من الجيش الوطني الليبي، بدعم تركي، وقاعدة مصراتة البحرية. وبالنظر لضعف حكومة السراج، فمن الواضح أنه ستكون لتركيا الكلمة الفصل في خياراتها، مثلما حصل بالنسبة لرفض مهمة «إيريني» الأوروبية لمراقبة تنفيذ حظر وصول السلاح إلى ليبيا التي رفضتها تركيا، وعجلت حكومة السراج برفضها كذلك.
وفي حال حصلت تركيا على ما تريد، وهو المرجح، فإن حضورها في ليبيا سيكون دائماً، وسيقوى مع الزمن، فيما الحضور الأوروبي - الغربي يتراجع، وبالتالي فإن الدفاع عن المصالح الأوروبية، أكان في موضوع الهجرات والنفط والغاز «في مياه المتوسط» والمصالح الاستراتيجية والسياسية، سيضعف، وستكون باريس، ومعها روما، الخاسرين الأكبرين لأنهما كانتا الأكثر حضوراً أوروبياً في ليبيا.
وما أثار استياء الاتحاد الأوروبي مؤخراً تدخل قطع بحرية تركية، الأربعاء الماضي، لمنع مهمة «إيريني» الأوروبية من تفتيش سفينة تحوم الشبهات حول أنها كانت تنقل أسلحة إلى ليبيا، ما دفع الأوروبيين إلى طلب المساعدة من الحلف الأطلسي. وسيكون ذلك موضع تباحث يومي 17 و18 من الشهر الحالي، بمناسبة اجتماعات عن بعد لوزراء دفاع الحلف.
وفي التسريبات الصادرة عن قصر الإليزيه، هناك إشارة إلى نشر تركيا 7 قطع بحرية مقابل الشواطئ الليبية. وهذه القطع، في الواقع، وفق المعلومات المتوافرة، جزء من مناورة بحرية - جوية كبيرة قامت بها القوات التركية على امتداد 2000 كلم من الشرق إلى الغرب، وشاركت فيها 8 قطع بحرية (بينها 7 فرقاطات)، وطائرات مقاتلة من طراز «إف 16»، وطائرات تنصت ومراقبة جوية. وجاءت هذه المناورة المسماة «أعالي البحار» عقب إعلان وزير الطاقة التركي عن عزم وزارته القيام بعمليات تنقيب في مياه المتوسط، استناداً إلى الاتفاق التركي - الليبي الذي يمنح أنقره، بما يخالف قوانين البحار، مساحات مائية شاسعة تعتزم استغلالها. وبذلك، تريد تركيا فرض أمر واقع جديد يوفر لها ورقة ضاغطة في أي مفاوضات لاحقة. وللتذكير، فإن الاتحاد الأوروبي هدد بفرض عقوبات على تركيا بسبب هذه الخطط التي تفتئت على مصالح بلدين عضوين في الاتحاد، وهما اليونان وقبرص. وتجدر الإشارة إلى أن باريس وأثينا اتفقتا على تعزيز تعاونهما، بما في ذلك العسكري، الأمر الذي فهم على أنه لمواجهة المخططات التركية.
وعندما تقول باريس إنها «لن تسمح» بتنامي النفوذ التركي في ليبيا، فإن السؤال الذي يطرح بشكل آلي هو: ما الأدوات والوسائل والخطط التي ستفعلها فرنسا لهذا الغرض؟ بداية، تتعين الإشارة، وفق مصادر أوروبية، إلى أنه لا أحد يفكر بالعمل العسكري المباشر، أو يدفع نحو مواجهة فرنسية - تركية. لكن ما هو متاح أن تعمد باريس التي كانت أحد الداعمين للمشير خليفة حفتر إلى زيادة انخراطها إلى جانبه، مع الأطراف الإقليمية الداعمة له. والحال أن السياسة الفرنسية - الأوروبية الرسمية تدعو إلى وقف النار، وانسحاب القوات الأجنبية، والعودة إلى طاولة المفاوضات، والوصول إلى حل سياسي؛ وزيادة انغماسها العسكري لا يصب في هذا الاتجاه، إلا أن البيانات شيء والواقع قد يكون شيئاً آخر.
ويبقى هناك العمل السياسي - الدبلوماسي. ويشار إلى أن باريس وروما المتنافستين سابقاً في ليبيا، تسعيان منذ عدة أشهر لتنسيق مواقفهما، لأن النفوذ التركي يضرب مصالح الاثنين معاً. وباستطاعة باريس الارتكاز إلى وحدة الموقف الأوروبي بشأن مياه المتوسط، وحقوق اليونان وتركيا. وبالنسبة للمخاوف المشتركة من أن تتحكم أنقره بملف الهجرات من الشواطئ الليبية، وأن تستخدمه، كما في ملف الهجرات من أراضيها، ورقة ضغط ثانية إضافية على أوروبا. لذا، فإن التلويح بعقوبات أوروبية أمر ممكن.
إلا أن رهان باريس الأول هو على واشنطن، وهي الجهة الأقدر على التأثير على السياسة التركية. والحال أنه لا وضوح في السياسة الأميركية، فثمة من يرى في واشنطن وجود إمكانية لاستخدام الحضور التركي ورقة لمواجهة النفوذ الروسي في ليبيا والمتوسط، حيث إن الطرفين يسعيان للإمساك بهذا الملف، أو بجزء منه على الأقل، من خلال التدخل العسكري المباشر. وثمة تقارير تفيد عن مساع روسية - تركية لإيجاد تفاهم على إقامة «مناطق نفوذ»، وعن «خطوط حمراء» تفصل بين الطرفين، منها سرت والجفراء. وسبق لوزير الخارجية جان إيف لودريان أن حذر من «سورنة ليبيا». وفي لعبة بالغة التعقيد، تبدو باريس الطرف الأقل قدرة على التحكم بمسار الأحداث. لذا، سيكشف الآتي من الأيام ما إذا كانت تسريبات الإليزيه تستند إلى وقائع أم من باب التحذير ليس إلا.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.