توظيف العِرق كعمل سياسي ـ ثقافيّ

العنصرية لا تزال مستمرة رغم التقدم الذي راكمته البشرية

جون ستيوارت - ميشيل فوكو
جون ستيوارت - ميشيل فوكو
TT

توظيف العِرق كعمل سياسي ـ ثقافيّ

جون ستيوارت - ميشيل فوكو
جون ستيوارت - ميشيل فوكو

«إن مفهوم العِرق ليس له أي أساس جيني أو علميّ». كانت تلك كلمات الدكتور جون كريغ فينتر شريك مشروع الجينوم البشري والتي صدّعت قاعات البيت الأبيض ووسائل الإعلام العالميّة في 26 يونيو (حزيران) 2000، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وعدد من ممثلي الدّول الكبرى. لقد حُسِمَ الأمر أخيراً: لا يوجد هناك جين عرقيّ، وأن تلك التوصيفات التي تطلقها مجموعة بشريّة على أخرى ليست إلا هويّات اجتماعيّة مفروضة على تنويعات طبيعيّة للجينات تنتج تاريخياً من التفاعل مع بيئات متنوعة، وتخالط الأنساب. الفرنسيّون بحكم فذلكاتهم الفلسفيّة المعروفة كلّفوا فرقاً من المؤرخين والفلاسفة وعلماء الجينات والطب دراسة إعلان البيت الأبيض والبناء عليه، قبل أن تعلن الحكومة الفرنسيّة عام 2013 أنه لا يوجد بالفعل ثمة عامل موضوعي يمكن على أساسه تصنيف البشر إلى أعراق سوى اعتبار الجنس البشري جميعه عرقاً واحداً، وأن كل صفة عرقيّة أخرى يتم استخدامها لتصنيف البشر إن هي إلا شكل من أشكال العنصريّة المبنيّة على تصورات ثقافيّة محضة. وبناءً عليه استبعدت من القوانين المرعيّة في البلاد أي إشارة إلى العِرق كصيغة رسميّة للتعامل مع الأفراد.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (يونيسكو) قد سبقت الفرنسيين بستين عاماً بإعلانها «عن مفهوم العِرق – 1952» وفيه «أن كل البشر الذين يعيشون اليوم ينحدرون من فصيلة عرقيّة واحدة هي الهوموسابين» مما يجعل أي محاولة للبحث عن أساس –علمي– لفروق عرقيّة مجرّد مضيعة مؤدلجة الطابع للوقت والجهد. وفي الحقيقة أن المحاولات الجادة بهذا الشأن انتهت إلى فشل ذريع، لا سيّما بعد تيقّن علم الجينوم الحديث من وحدة الأعراق وتداخل المجموعات البشريّة على نحو يستحيل معه بناء حدود حاسمة بينها أو تقبل أفكار عمليّة بشأن مفاهيم اجتماعيّة متخيلة مثل الشعب المختار أو العِرق النقيّ، وأيضاً التناقض الأكيد لأي تقسيم يعتمد على تمايز معالم الأجساد شكلاً وأبعاداً (كهُراء حجم الجمجمة، أو شكل الأنف أو لون البشرة أو شكل الأصابع...)، إذ كان دائماً يسهل إثبات العكس تماماً. وحتى تلك الفروق البيولوجيّة المزعومة عن قابليّة مضاعفة للمنحدرين من مناطق جغرافيّة معينة للإصابة بالعلل أكثر من غيرهم –كارتفاع ضغط الدّم، والذّبحات الصدريّة وفقر الدّم المنجلي- تبيّن أنها نتيجة قصور في دراسة أعداد المصابين دون تحليل تأثير العوامل المجتمعيّة والبيئيّة وحتى التاريخيّة التي يمكن أن تنتج مثل تلك الفروقات المحليّة.
ومع ذلك، وكما يعرف الأميركيّون والفرنسيّون -والغربيّون عموماً- اليوم، وكما تشير أرقام الجرائم العنصريّة الطابع لدى قضاء دولهم، فإن تجاهل العنصريّة المبنية على العِرق أو لون البشرة أو امتناع القانون عن الإقرار بها لا يعني بالضرورة انتهاء مفاعيلها في المجتمع، أو انحسار تأثيرها السلبي على حياة كثيرين. ولا بدّ للتعامل معها بفاعليّة الإقرار بوجودها كواقع اجتماعي، وتفكيك جذورها التاريخيّة التي ما برحت حيّة تغذي جوانب مختلفة من الخطاب المعاصر في الثقافة والسياسة والقانون والسلوك المجتمعي والطبّ وعلوم الجريمة وغيرها.
من بدايات التاريخ المكتوب وجد البشر طرائق متفاوتة للتفريق بين الـ«نحن» والـ«هم»: على نسق رومان وبرابرة، عرب وعجم، فراعنة وعامة، لكنّ الصيغة الحاليّة للعنصريّة القائمة حصراً على العِرق ولون البشر لم تُعرف في الحضارات القديمة شرقاً أو غرباً. ونعرف الآن أن تقسيم البشر أعراقاً دعاية مؤدلجة وعلوماً ملفقة بدأ من نقطة محددة في التاريخ ارتبطت بتطوّر النّظام الرأسمالي بصيغته الليبراليّة بدايةً من بريطانيا القرن السابع عشر (وأوروبا على العموم) إلى مآلاته مشروعاً إمبرياليّاً إمبراطوريّاً معولماً، ولاحقاً تلك الحاجة الماسة للأيدي العاملة في المزارع والمصانع في مستعمراتها بالأميركيتين (بعد إبادة أكثر من 90% من سكانهما الأصليين –50 إلى 70 مليون نسمة– وإبعاد البقيّة إلى معازل تستدعي موتها البطيء). وهناك نصّ تاريخي مطبوع يعود لعام 1735 -بموازاة بدايات التوسّع الاستعماري الأوروبي- يصوّر فيه كارل لينايوس نظام الطبيعة بوصف الرجل الأبيض عرقاً سامياً متحضراً رشيداً، فيما السود عرق مستقل تماماً أدنى وأقرب إلى البلاهة والغرائز الأساسيّة، بل وأطلق عليهم اسماً منحولاً «هومو أفري» كنقيض لاسم «هومو سابين» الذي يقتصر بذلك ضمناً على الرجل الأبيض، ليستنّ سنة تبعها بعده مثقفو وعلماء عصره، فسارعوا إلى تلقّف الفكرة ومأسستها لما لاقته من هوى في نفوس النخبة البريطانيّة المهيمنة التي وجدت فيها مخرجاً (أخلاقيّاً) مريحاً لاضطهاد الشعوب الأخرى واسترقاقها عبيداً دون المساس بشعارات الليبراليّة المفرّغة من المضمون عن الحريّة الفرديّة واحترام العقل والحقوق.
وهكذا لم يجد الآباء المؤسسون للولايات المتحدة أي تناقض بينما يعلنون بفخر استقلالهم عن التاج البريطاني وتأسيسهم دولة الحريّة والمساواة، وهم أقاموا تلك الدّولة على جماجم ملايين البشر، وكانوا كأشخاص ملاك عبيد وإماء. وقد وصل هذا المنطق المنحرف إلى خلاصاته فكرياً في نص «عن الحريّة - 1859» لجون ستيوارت ميل (1806 – 1873) الذي كان بمثابة مانيفستو عن الإرادة الحرّة للأفراد وضرورة حمايتها، مع ترك مساحات استثناء فيه تبرر للإمبريالية إمبرياليتها –التي كان ميل شخصياً مستفيداً من ثمارها- عبر اقتصار تلك الحريّة على «البشر الذين نضجت قدراتهم العقليّة، ودائماً دون تلك الفئات التي ترفل بالتخلّف وعدم الرشاد، لا سيّما الأعراق الملونة –غير العِرق الأبيض».
وقد فسّرت المُفكّرة فالغوني شيث في كتابها المفصلي «نحو فلسفة سياسيّة للعرق – 2009» تلك الحالة من الانفصام في النظام الليبرالي بالقول بأن توظيف العِرق كعمل سياسي – ثقافي يبدأ عندما ترى مجموعة مهيمنة في مجموعة ما مصدراً للتهديد أو استعداداً لمقاومة الهيمنة فإنها تحاول وصمها بصور نمطيّة سلبيّة تبرر لها لاحقاً استثناءها من قواعد القانون والعدالة التي تتبانها دولة المهيمنين أولئك. ومن المفهوم لاحقاً أن الأفراد المنتمين للمجموعة المستهدفة بهذا التمييز السلبي مضطرون للخنوع وتقبّل الهيمنة أو مواجهة العواقب. ويشرح ميشيل فوكو (1926 – 1984) في كتابه الشهير «المراقبة والمعاقبة – 1975» كيف أن تلك الهرطقات القانونيّة تفرض في نهاية الأمر على الأفراد في الدّولة سواء من الفئة المستهدفة بالتمييز أو غيرهم، تقبّل تلك الاستثناءات والعمل بموجبها لتجنّب عزلهم اجتماعيّاً من قبل بقيّة مجموعتهم، ومن ثم التحوّل إلى مساجين مرتهنين لها، كما منفذين لأحكامها في ذات الآن، لتتسرّب شيئاً فشيئاً إلى وعيهم وتصبح جزءاً من سلوكهم التلقائيّ.
التساؤل الذي يطرح نفسه بإلحاح هو البحث عن فك شيفرة استمرار الأفكار العنصريّة المبنية أساساً على العِرق ولون البشرة رغم كل التقدّم العلمي والثقافي الذي راكمته البشريّة –والغرب– منذ انقضاء عهود الإمبرياليّة (الكلاسيكية) وإلغاء العبوديّة، وتجريم التمييز ضد الأشخاص على أسسٍ عرقيّة. إذ كيف يُعقل أن إقامة شخص بوثيقة إقامة شرعيّة في أم الديمقراطيّات –بريطانيا- لخمسين عاماً لا تمنع من ترحيله إلى بلاد لا يعرفها ولا يرتبط بها حصراً بناءً على جذوره العِرقيّة، أو كيف يمكن أن يتولى المولجون بتنفيذ القانون والسّهر على العدالة في الولايات المتحدّة -الدّولة العظمى رافعة راية الحريّة وحقوق الإنسان- قتل المواطنين من أصول أفريقيّة علناً في الشوارع خارج القانون؟
ربما انتفت الظروف التاريخيّة التي أنتجت العنصريّة على أساس العِرق، لكنّ منظومة القوة الرأسماليّة التي استخلقت تلك العنصريّة في الغرب عند لحظة معينة ما زالت إلى اليوم ممسكة بخناق المجتمعات دون تغيير يُذكر، وليس من مصلحة تلك المنظومة الآنيّة إسقاط أدوات فصل عنصريّة من جعبتها تمكّنها من تمديد هيمنتها لمزيد من الوقت عبر إشغال المحكومين بخلافات متخيّلة متوهمة خبيثة بينهم، وهي لا شكّ ستبذل غاية الجهد في محاولة امتصاص موجة الغضب الأخيرة -إثر حادثة القتل المؤسف خارج القانون التي نفّذها رجال شرطة أميركيون بحق مواطنهم من أصل أفريقي جورج فلويد- وتمريرها دون تقديم تنازلات جذرية تسمح للمجتمعات بالشفاء من وباء العنصرية. فهل ينجحون مجدداً؟


مقالات ذات صلة

«كيك إت أوت لمناهضة العنصرية»: مالك اليونايتد أساء لسمعة كرة القدم

رياضة عالمية جيم راتكليف (الشرق الأوسط)

«كيك إت أوت لمناهضة العنصرية»: مالك اليونايتد أساء لسمعة كرة القدم

أعربت مؤسسة «كيك إت آوت» الخيرية المناهضة للعنصرية، عن خيبة أملها لعدم اتخاذ أي إجراء تأديبي إضافي ضد جيم راتكليف، أحد ملاك نادي مانشستر يونايتد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية هل وجَّه مشجعون لبنفيكا إهانات عنصرية لفينيسيوس؟ (أ.ف.ب)

بنفيكا يفتح تحقيقاً بسبب العنصرية نحو فينيسيوس

فتح بنفيكا البرتغالي تحقيقاً يستهدف اثنين من مشجعيه ظهَرا في مقطع فيديو متداول على شبكات التواصل الاجتماعي وهما يقومان بحركات تُقلّد القرد.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
رياضة عالمية البلجيكي فنسن كومباني مدرب بايرن ميونيخ (رويترز)

كومباني: مورينيو ارتكب «خطأً فادحاً»

انتقد البلجيكي فنسن كومباني طريقة تعامل البرتغالي جوزيه مورينيو مع الجدل المتعلق بحادثة العنصرية التي طالت المهاجم البرازيلي لريال مدريد فينيسيوس جونيور.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية ليام روسينيور (رويترز)

مدرب تشيلسي: العنصريون مكانهم خارج الملعب

أكد ليام روسينيور مدرب تشيلسي الإنجليزي أن أي شخص في عالم كرة القدم يُدان بالعنصرية «لا ينبغي أن يكون في الملعب».

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية مورينيو الغاضب قال بعد المباراة إن رواية فينيسيوس تختلف عن رواية بريستياني (رويترز)

مورينيو لفينيسيوس: آخر نادٍ يمكن أن تتهمه بالعنصرية في أوروبا... بنفيكا!

اتهم جوزيه مورينيو، مدرب بنفيكا، فينيسيوس جونيور، بإثارة الجماهير، قبل اندلاع أزمة العنصرية التي شهدتها مواجهة فريقه أمام ريال مدريد في ملحق دوري أبطال أوروبا.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
TT

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)

عندما يلتقي موسما الصوم لدى المسلمين والمسيحيين في لبنان، لا يبقى الأمر محصوراً بالطقوس الدينية، بل يتجسّد في تفاصيل الحياة داخل الأحياء المختلطة، حيث تتداخل العادات في مشهد يومي يعكس روح المشاركة.

في مناطق مثل الطريق الجديدة والمزرعة وقريطم والسوديكو، يراعي الجيران بعضهم بعضاً، من تخفيف الضجيج صباحاً إلى مراعاة أوقات الإفطار وتبادل الأطباق المنزلية. فموائد رمضان تصل إلى الجيران المسيحيين، ويبادل هؤلاء أطباقاً تتناسب مع الشهر، ولا سيما المأكولات المحضّرة بالزيت. ومرات تشمل هذه الموائد الحضور الافتراضي للأبناء المهاجرين، فينضمون إلى موائد الإفطار المختلطة عبر اتصال إلكتروني. وغالباً ما تتحوَّل السهرات المسائية إلى لقاءات مشتركة تجمع العائلات حول الشاي أو الحلويات، فيتراجع البعد الطقسي أمام البعد الاجتماعي.

العائلات اللبنانية تجتمع على موائد رمضان (الشرق الأوسط)

وتشير أنيسة مكاوي، التي تسكن في منطقة المزرعة، إلى أن هذه التفاعلات بين المجتمعين ليست طارئة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا على ممارسة هذه التقاليد منذ الصغر، لأننا تربينا عليها. كانت والدتي تُهدي جارتها طبق حساء العدس الأصفر، وبالتالي تردّ لها الجارة الطبق مليئاً بحلوى الصفوف أو النمورة».

هذا الالتقاء بين موسمَي الصوم يعزز روابط الجيرة، وينعكس نبضاً مفعماً بالديناميكية في المدينة ومناطق أخرى. فيجتمع اللبنانيون في المقاهي والأسواق ومعارض رمضان اليدوية، وكذلك ينتظرون قرع الأجراس عند الظهر ورفع أذان المغرب لتبادل عبارة «صوم مبارك».

وتقول نهى، ربّة منزل وجدّة لستة أحفاد، إنّ هذه المناسبة تُعيد إلى أهل المدن وسكان المناطق الجبلية التقاليد الموروثة: «في كل مرة يلتقي فيها زمن الصومين، نحيي عادات تعلّمناها من أمهاتنا وجدّاتنا. فتطفو أواصر العلاقات الاجتماعية من جديد. ويستعيد المجتمع دفئه بفضل هذه التقاليد. نعود إلى زيارات الجيران والأصدقاء والدعوات إلى موائد الإفطار. وتساعد ربّات المنازل بعضهنّ بعضاً في تحضير الأطباق، ونسترجع نبضاً نفتقده في الأيام العادية».

أطباق رمضانية تتبادلها ربات المنازل في زمن الصوم (الشرق الأوسط)

في أحياء كثيرة، تختصر لحظة الغروب مشهد التقاء موسمي الصوم بصورة سمعية وإنسانية معبّرة. بين قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المغرب، يتشكّل إيقاع يومي يذكّر السكان بأنهم يعيشون زمنين روحيين متوازيين في مساحة واحدة. فلا يعود الصوت مجرد إعلان طقس ديني، بل علامة على تقاطع الحياة الاجتماعية. وفي الأحياء المختلطة، يعرف الجيران هذا التزامن ولا يفوتهم، فيضبطون مواعيدهم عليه، ويتبادلون التحيات أو الأطباق، وكأن الصوتين يشكّلان خلفية مشتركة ليومهم.

وتحضر هذه الثنائية السمعية في ذاكرة اللبنانيين بوصفها جزءاً من المشهد اليومي، ليتحوَّل التقاء موسمي الصوم إلى تجربة تتجاوز الرمزية الدينية، وتصبح حالة معيشة حسّية يعيشها أهل الحي الواحد.

كما يقصد بعض اللبنانيين العودة إلى أرض الوطن خلال الشهر الفضيل. فيغادرون أماكن إقامتهم في أوروبا أو كندا ليعيشوا تفاصيل هذه الفترة في بلدهم الأم. وتقول نانسي في هذا السياق: «أحجز تذكرة السفر من ألمانيا إلى لبنان قبل حلول الشهر الفضيل. وغالباً ما أتفق مع صديقات مغتربات على العودة معاً. فشهر رمضان هنا يحمل لنا ذكريات نحب استعادتها بين الجيران والأهل. وله خصوصيته التي لا نجدها في بلاد الاغتراب الأوروبية. هذا اللقاء السنوي أنتظره من عام إلى آخر بفارغ الصبر، وأخطط له قبل أشهر طويلة».


«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.