منطقة الشرق الأوسط ما زالت تعيش الموجة الأولى من الوباء

إيران وحدها تعيش انتشاراً جديداً لـ«كوفيد ـ 19» بعد تعجّلها في تخفيف القيود

صورة أرشيفية لعملية تعقيم في الجيزة في 25 مارس الماضي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لعملية تعقيم في الجيزة في 25 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

منطقة الشرق الأوسط ما زالت تعيش الموجة الأولى من الوباء

صورة أرشيفية لعملية تعقيم في الجيزة في 25 مارس الماضي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لعملية تعقيم في الجيزة في 25 مارس الماضي (أ.ف.ب)

لا تزال دول إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باستثناء إيران، تعيش بدرجات متباينة مرحلة الموجة الأولى من جائحة فيروس «كورونا المستجد». وفيما وصلت الجائحة في مصر والسعودية، الدولتان الكبيرتان في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى ذروة الموجة الأولى، بدأت أغلب دول الإقليم تشهد انخفاضات ملحوظة في الأعداد، تشير إلى قرب انتهاء تلك الموجة، فيما يمكن عد إيران الدولة الوحيدة التي تعيش الموجة الثانية، بحسب الخبراء والمتابعين.
ووفق تعريف مايك رايان، رئيس حالات الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، للموجة الثانية من الوباء، في مؤتمر صحافي عقد يوم 16 مايو (أيار) الماضي، فإنها تعني عودة حالات الإصابة بالفيروس إلى الارتفاع بعد عدة أشهر من الانخفاض.
والمؤشر الأساسي الذي يدل على أن بلداً يعيش موجة ثانية من الوباء هو حدوث انخفاض في عدد حالات الإصابة بالفيروس أولاً، وهو ما لم يحدث حتى الآن في دولتي مصر والسعودية، إذ لا يزال المنحنى الوبائي في الدولتين على مستوى ثابت من الارتفاع منذ بدأت الجائحة، مشيراً إلى استمرار الموجة الأولى.
وأعلنت د. مها طلعت، المستشارة الإقليمية لمقاومة مضادات الميكروبات بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، في مؤتمر صحافي افتراضي نظم الأربعاء الماضي، أن ارتفاع أعداد الإصابات بمصر منذ أكثر من أسبوع (تراوحت بين 1300 و1400 يومياً) يشير إلى أنها لا تزال تعيش الموجة الأولى من الوباء. وقالت إنه «لا يمكن تحديد موعد الموجة الثانية إلا بعد الانتهاء من الموجة الأولى، واستقرار انخفاض الأعداد»، مشيرة إلى أن دولة إيران تعيش حالياً الموجة الثانية من الوباء. وتسجل إيران منذ يوم الاثنين الماضي زيادة يومية قياسية في عدد حالات الإصابة، تتجاوز 3 آلاف إصابة يومياً، وجاءت هذه الارتفاعات بعد انخفاض في عدد الحالات بشكل مطرد بدأ منذ تم تسجيل 3 آلاف و186 حالة إصابة في 30 مارس (آذار) الماضي، لتبدأ الأعداد في الانخفاض بشكل تدريجي، حتى وصلت في 2 مايو (أيار) إلى 802 حالة، لتعود إلى الارتفاع مجدداً. ويعزو تقرير نشرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي)، في 4 يونيو (حزيران) الحالي، الموجة الثانية من الوباء في إيران إلى «سياسات حكومية خاطئة من ناحية، واستهتار مجتمعي من ناحية أخرى».وتنصح منظمة الصحة العالمية الدول التي تسعى لتخفيف القيود لمحاولة احتواء التداعيات الاقتصادية لإغلاقات كورونا، بأن يتم ذلك بشكل تدريجي، يجرى خلاله تقييم المخاطر بشكل علمي، وأن يتزامن مع ذلك التزام مجتمعي بإجراءات التباعد الاجتماعي، وهو ما لم يحدث في إيران التي بدأت في أبريل (نيسان) الماضي تخفيف القيود، ثم اتخذت في أول يونيو (حزيران) إجراءات أكثر انفتاحاً بإعادة فتح المساجد وإعادة الموظفين كافة، كما تم فتح الحدود مع تركيا لحركة النقل.
ومع ارتفاع عدد الإصابات مجدداً، كانت وزارة الصحة الإيرانية تتحدث عن أن هذه الزيادة ناتجة جزئياً عن التوسع في عدد الاختبارات التي يتم إجراؤها، موضحة أن عدد الوفيات اليومية لم يرتفع بمعدل الإصابات الجديدة نفسه، مما أعطى بعض المصداقية لهذه الحجة، ولكن خبراء استطلعت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية رأيهم، في تقرير نشرته في 4 يونيو (حزيران) الحالي، قللوا من قيمة هذا السبب، وقالوا إنه «قبل 10 أيام فقط، كان عدد الإصابات الجديدة أقل من 2000 حالة، ولا يمكن تفسير الارتفاع السريع في الأيام الخمسة الماضية فقط بسبب الاختبارات واسعة النطاق». ولجأت الصحة الإيرانية بعد ذلك إلى تحميل المسؤولية للمواطنين، إذ عزت ارتفاع الإصابات مجدداً إلى عدم احترام المواطنين للبروتوكولات الصحية. وقال وزير الصحة، سعيد نمكي، في مؤتمر صحافي عقد الثلاثاء، إن «السلطات توسلت إلى الناس لعدم عقد حفلات الزفاف أو الجنازات، لكنهم لم يستمعوا»، وتوقع مزيداً من سوء الأوضاع، إذا لم يحترم الشعب البروتوكولات الصحية. ويواجه المسؤولون الإيرانيون الآن معضلة بشأن ما إذا كانوا سيعيدون فرض الضوابط، وهي خطوة لن تحظى بشعبية، وستضر بالاقتصاد الضعيف بسبب العقوبات.

- زيادة عدد الاختبارات
ومن غير المتوقع أن تواجه دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذه المعضلة، إذ إن معظمها لا تزال ملتزمة بالتخفيف التدريجي للإجراءات الاحترازية. لذلك، فإن أعداد الإصابات المرتفعة بها ليست ناتجة عن موجة ثانية من الوباء، وربما يكون السبب الذي حاولت وزارة الصحة الإيرانية استخدامه لتفسير الزيادة في عدد الإصابات، وهو التوسع في عدد الاختبارات، أكثر ملائمة لتفسير الزيادة بتلك الدول.
وكان د. ريتشارد برينان، مدير الطوارئ الصحية بإقليم شرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، قد عزا زيادة حالات الإصابة في «22 دولة» بالمنطقة إلى زيادة عدد الاختبارات التشخيصية، وذلك خلال مؤتمر صحافي عقد يوم 13 مايو (أيار) الماضي.
وحتى موعد هذا المؤتمر، كانت دول الإقليم قد أجرت 3.3 مليون اختبار تشخيص، استحوذت دول الخليج على العدد الأكبر منها. ويتوافق تصريح برينان مع تفسير د. أحمد العمار، مدير الصحة العامة بمجلس الصحة الخليجي، لأسباب ارتفاع حالات الإصابة بالسعودية، نافياً أن تكون في الموجة الثانية من الوباء. وشهدت السعودية في 11 يونيو (حزيران) الحالي، لليوم الثاني على التوالي، أكبر ارتفاع في حصيلة الإصابات والوفيات بفيروس كورونا المستجد خلال 24 ساعة، وأعلنت عن تسجيل 3733 إصابة جديدة بالوباء، مقابل 3717 إصابة في 10 يونيو (حزيران).
وقال العمار، في مقطع فيديو عبر حسابه بموقع «تويتر»، في 8 يونيو (حزيران)، إن الموجة الثانية من الوباء تحصل في البلدان التي خفّفت إجراءاتها الاحترازية بشكل كامل، ودون تدرّج، مشيراً إلى أن «السعودية لم تخفف إجراءاتها دفعة واحدة، وإنما كانت بالتدريج، مع وجود متابعة مستمرة للأوضاع وتقييم للمخاطر، ومتابعة للمؤشرات». وأضاف: «نحن في السعودية ما زلنا في الموجة الأولى، ومتفائلون جداً بإمكانية التوصل إلى لقاح، وألا يكون هناك موجة ثانية للوباء».
وبينما تعيش السعودية ذروة الموجة الأولى من الوباء، حيث ينطبق عليها المعيار نفسه الذي ذكرته د. مها طلعت، مستشارة منظمة الصحة العالمية، في توصيفها للحالة المصرية، فإن دول الخليج الأخرى وبعض دول الشمال الأفريقي تتجه إلى الانتهاء من تلك الموجة، حيث تسجل انخفاضاً ملحوظاً في أعداد الإصابات. وأعلنت وزارة الصحة الإماراتية، الخميس، تسجيل 479 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا، في انخفاض واضح عن اليوم السابق، وهو 603 إصابات جديدة، بينما أعلنت وزارة الصحة الكويتية تسجيل 683 إصابة جديدة، بانخفاض كبير عن أعلى معدل إصابات في 10 مايو (أيار)، وهو 1065 حالة.
أما المغرب، فسجل، الخميس، 18 إصابة جديدة، بانخفاض كبير عن اليوم السابق، حيث تم تسجيل 71 حالة إصابة، والأمر نفسه في الجزائر التي سجلت، الخميس، 105 إصابات. وأنهت تونس الموجة الأولى من الوباء، حيث لم تسجل، يوم الخميس، أي إصابة جديدة بالفيروس، لليوم الثامن على التوالي، فيما أعلنت وزارة الصحة الأردنية، الخميس، تسجيل 27 إصابة جديدة.
وتحتفظ الدول التي تشهد صراعات في منطقة الشرق الأوسط، مثل اليمن وسوريا وليبيا، بوضع مختلف، يصعب معه تقييم الحالة الوبائية بها.
وعبر د. بيير نيدف، مدير وحدة إدارة المعلومات الصحية عن هذا المعنى، في مؤتمر صحافي نظمه إقليم شرق المتوسط الأربعاء الماضي، حيث قال إنه «مع ضعف الإمكانيات التشخيصية بتلك الدول، وصعوبة الوصول إلى أماكن الرعاية الصحية، فإن الأرقام الصادرة عن تلك الدول قد لا تكون معبرة عن الحالة الوبائية».

- تخفيف تدريجي
وبينما تنتظر الدول التي تعيش ذروة الموجة الأولى حالياً انخفاض الأعداد، فإن الدول التي شهدت هذا الانخفاض تخشى الموجة الثانية، ويرى خبراء أنه لا يجب على الدول التي أنهت الموجة الأولى من الوباء، وسجلت صفر إصابات أو عدداً قليل منها، أن تتسرع في التخفيف الكلي للقيود.
يقول د. أمجد الخولي، خبير الوبائيات بإقليم شرق المتوسط، لـ«الشرق الأوسط»: «يجب رفع قيود الحركة على مراحل لاختبار تأثير كل مرحلة، كما يجب توسيع نطاق الاختبارات للعثور على المصابين وعزلهم، وتحديد الأشخاص المخالطين لهم، بحيث يمكن اختبارهم وعزلهم، إذا لزم الأمر».


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.