محاكمة القرن: براءة جميع المتهمين في قتل المتظاهرين وانقضاء دعوى الفساد

مصادر قضائية لـ(«الشرق الأوسط») : إخلاء سبيل مبارك خلال ساعات بعد احتساب مدة سجنه

أحد أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك يعرب عن فرحته فور نطق المحكمة بقرار براءته في محاكمة القرن في القاهرة أمس (رويترز)
أحد أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك يعرب عن فرحته فور نطق المحكمة بقرار براءته في محاكمة القرن في القاهرة أمس (رويترز)
TT

محاكمة القرن: براءة جميع المتهمين في قتل المتظاهرين وانقضاء دعوى الفساد

أحد أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك يعرب عن فرحته فور نطق المحكمة بقرار براءته في محاكمة القرن في القاهرة أمس (رويترز)
أحد أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك يعرب عن فرحته فور نطق المحكمة بقرار براءته في محاكمة القرن في القاهرة أمس (رويترز)

أصدرت محكمة جنايات القاهرة أمس، حكمها النهائي فيما يعرف إعلاميا بـ«محاكمة القرن»، والذي يقضي ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ونجليه علاء وجمال، ورجل الأعمال حسين سالم (هارب)، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي و6 من كبار مساعديه، من كافة الاتهامات الموجهة إليهم، والتي تتعلق باشتراك العادلي ومساعديه في قتل المتظاهرين السلميين في خلال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، وعدم جواز توجيه الاتهام ذاته إلى مبارك، إضافة إلى براءة مبارك في قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل بأسعار زهيدة، وانقضاء دعوى الفساد المتهم فيها مبارك ونجلاه وحسين سالم.
وحول طبيعة التعامل مع الرئيس الأسبق حسني مبارك الآن، توقعت مصادر قضائية وأمنية رفيعة «صدور أمر نهائي بإخلاء سبيله في خلال ساعات»، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن مبارك سيعود بصورة مؤقتة إلى مقر محبسه في مستشفى المعادي العسكري لحين احتساب موقفه بدقة من السجن لمدة 3 سنوات في قضية «القصور الرئاسية»، والتي تنظر محكمة النقض فيها يوم 13 يناير (كانون الثاني) المقبل. وأوضحت المصادر أن مبارك مكث في محبسه لمدة إجمالية تقدر بنحو عامين ونصف العام، حيث خضع للحبس لمدة عامين منذ أبريل (نيسان) 2011 إلى أبريل 2013، حتى انتهت فترة الحبس الاحتياطي بحقه، خاصة في ظل قبول محكمة النقض للطعن في يناير عام 2013. ثم عاد مبارك إلى محبسه قانونا في نهاية مايو (أيار) الماضي عقب الحكم عليه بالسجن في قضية القصور الرئاسية، وهو ما يمكن معه إخلاء سبيله وفقا لقانون حسن السير والسلوك داخل السجن لقضائه ثلاثة أرباع مدة حبسه.
كما أشارت المصادر إلى عودة كل من نجلي مبارك إلى محبسهما، حيث يؤديان حكما بالسجن لمدة 4 سنوات في قضية «القصور الرئاسية»، لحين الفصل في الطعن. بينما يعود العادلي إلى السجن لإدانته في قضية «سخرة المجندين»، والتي حكم عليه فيها نهائيا بالسجن 3 سنوات، فيما ينتظر إعادة محاكمته في قضية «اللوحات المعدنية» يوم 29 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، ويقضي فيها حكما بالسجن 5 سنوات. كما تنظر محكمة النقض في طعنه على حكم الحبس بتهمة الكسب غير المشروع يوم 18 من ذات الشهر.
ووفقا للحكم، أوضحت المصادر الأمنية أن مساعدي العادلي الستة مخلى سبيلهم، وهم اللواء أحمد رمزي رئيس قوات الأمن المركزي الأسبق، واللواء عدلي فايد رئيس مصلحة الأمن العام الأسبق، واللواء حسن عبد الرحمن رئيس جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق، واللواء إسماعيل الشاعر مدير أمن القاهرة الأسبق، واللواء أسامة المراسي مدير أمن الجيزة الأسبق، واللواء عمر فرماوي مدير أمن السادس من أكتوبر السابق. فيما يظل رجل الأعمال حسين سالم مطلوبا بتنفيذ حكم بالسجن الغيابي لمدة 10 سنوات لاتهامه بالإضرار بالمال العام في قضية أخرى، وتعاد محاكمته في حال القبض عليه أو تسليم نفسه للسلطات المصرية.
من جانبه، أصدر المستشار هشام بركات، النائب المصري العام، قرارا بتكليف المكتب الفني بإعداد دراسة قانونية متكاملة لحيثيات (أسباب) الأحكام التي أصدرتها المحكمة بحق المتهمين تمهيدا للطعن على تلك الأحكام أمام محكمة النقض.
وأشارت مصادر قضائية إلى أن «الطعن أمام محكمة النقض هو آخر درجات التقاضي في القانون المصري، وهو حق مكفول لطرفي النزاع، والتي يمثل المدعين فيها النيابة العامة في هذه القضية». موضحة أن «الطعن يكون في أسباب الحكم فقط، ولمحكمة النقض أن تقضي بصحة الحكم وتثبيته، أو إعادة المحاكمة بنفسها إذا شاب تلك الأسباب ما ترتئي معه عدم صحة الحكم».
وكانت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمود كامل الرشيدي، قد أصدرت أحكاما ببراءة كافة المتهمين بالقضية. وتضمن الحكم براءة مبارك في شأن الاتهام المتعلق بتصدير الغاز المصري لإسرائيل بأسعار زهيدة، وانقضاء الدعوى الجنائية في شأن الاتهام المتعلق بتلقيه ونجليه علاء وجمال مبارك لرشاوى تتمثل في 5 فيلات من رجل الأعمال حسين سالم نظير استغلال النفوذ الرئاسي لصالحه، وذلك بمضي المدة المسقطة للدعوى الجنائية.
وقضت المحكمة كذلك بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية بحق مبارك في شأن الاتهام المتعلق بالاشتراك في وقائع قتل المتظاهرين السلميين إبان ثورة يناير، لصدور أمر ضمني بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية بحقه، وذلك بصدور أمر الإحالة (قرار الاتهام) الأول بإحالة وزير داخليته ومساعديه للمحاكمة قبلها بستين يوما.
وحوكم مبارك والعادلي ومساعدوه الستة في قضية اتهامهم بالتحريض والاتفاق والمساعدة على قتل المتظاهرين السلميين إبان ثورة 25 يناير، وإشاعة الفوضى في البلاد وإحداث فراغ أمني فيها. كما حوكم مبارك ونجلاه علاء وجمال ورجل الأعمال حسين سالم، بشأن جرائم تتعلق بالفساد المالي واستغلال النفوذ الرئاسي في التربح والإضرار بالمال العام وتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار زهيدة تقل عن سعر بيعها عالميا.
وذكر رئيس المحكمة أن الحكم وحيثياته وردت في 1430 صفحة، وأنه أورد بها عدد القتلى والمصابين في 10 محافظات بلغ 238 متوفى، أضيف إليهم متوفى من شمال سيناء، ليصبح بذلك تعداد المحافظات التي سقط فيها القتلى 11 محافظة. موضحا أن هناك كشفا أخيرا ضم أسماء 36 قتيلا هم من قتلوا بالميادين العامة بالمحافظات العشر، إلى جانب 1588 مصابا في تلك الفترة الزمنية، من بينهم 502 أصيبوا بالميادين العامة بتلك المحافظات.
وأشار إلى أن المحكمة سطرت ضمن حيثياتها أقوال الشهود في الجلسات السرية، وعددهم 13 شاهدا في المحاكمة الأولى، إلى جانب 19 شاهدا آخرين في محاكمة الإعادة.
ومن أبرز الشهود الذين استمعت إليهم المحكمة خلال جلساتها المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق، والفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، واللواء محمد فريد التهامي رئيس جهاز المخابرات العامة، وسلفه اللواء مراد موافي، واللواء مصطفى عبد النبي رئيس هيئة الأمن القومي السابق، والدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء الأسبق، وسلفه الدكتور عاطف عبيد، واللواء أحمد جمال الدين وزير الداخلية الأسبق، والمهندس شريف إسماعيل وزير البترول، واللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية العسكرية الأسبق، واللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية الأسبق، والكاتب الصحافي إبراهيم عيسى.
وسبق لمحكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار أحمد رفعت، في المحاكمة الأولى، أن قضت في 2 يونيو (حزيران) 2012 بمعاقبة كل من مبارك والعادلي بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما بعدما أدانتهما بالاشتراك في جرائم القتل المقترن بجنايات الشروع في قتل آخرين خلال أحداث ثورة 25 يناير. وببراءة مساعدي الوزير مما أسند إلى كل منهم من اتهامات وردت في الدعوى الجنائية.
وتضمن حكم محكمة الجنايات الأولى انقضاء الدعوى الجنائية ضد كل من مبارك ونجليه ورجل الأعمال الهارب حسين سالم، بشأن ما نسب إليهم من استغلال النفوذ الرئاسي. كما برأت المحكمة حينها مبارك مما أسند إليه فيما يتعلق بتصدير الغاز إلى إسرائيل بأسعار زهيدة تقل عن سعر بيعها عالميا.
وتقدم دفاع مبارك والعادلي، بطعن أمام محكمة النقض على حكمي الإدانة الصادر ضدهما، كما تقدمت النيابة العامة بطعون على أحكام البراءة الصادرة.



القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
TT

القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)

عززت القوات اليمنية، الثلاثاء، عملياتها العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» على امتداد عدد من الجبهات، في وقت بدأت فيه القوات المهاجمة تثبيت المكاسب التي حققتها في اليوم الأول، بالتزامن مع تسجيل تقدم جديد في محافظة تعز، واستمرار العمليات في مأرب والساحل الغربي، وضربات جوية استهدفت قدرات عسكرية حوثية في صنعاء وصعدة والحديدة.

يأتي ذلك غداة إعلان القوات الحكومية بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في تحول نقل العمليات من محاولة احتواء التقدم الحوثي الأخير إلى هجمات متعددة المحاور. وأكدت القيادة العسكرية أن العملية مستمرة حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي محافظة تعز، أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز أن القوات المسلحة، مسنودة بالمقاومة الشعبية، حققت، الثلاثاء، تقدماً جديداً في مديرية حيفان جنوب المحافظة، بعد تمكنها من تحرير جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، في تطور يوسّع نطاق الضغط على القوات الحوثية في الريف الجنوبي.

وقال المركز إن المعارك اشتدت كذلك في عزلة قدس بمديرية المواسط، حيث تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات مع الحوثيين، في وقت تواصل فيه قوات المحور عملياتها الهجومية ضمن «فجر اليمن».

كانت قوات محور تعز قد نفّذت، الاثنين، خمس عمليات هجومية في جبهات الأربعين شمال المدينة، والأقروض جنوباً، والعنين وجبل حبشي غرباً، والبيرين في أطراف جبهة الكدحة. وقال المركز إن تلك العمليات أسفرت، وفق حصيلته، عن مقتل نحو 100 من عناصر الحوثيين وإصابة 150 آخرين، إلى جانب إسقاط خمس طائرات مسيّرة وتدمير وإعطاب ستة أطقم ودبابة.

وتواصلت العمليات في جبهات جبل حبشي والأقروض والعنين والكدحة، في وقت تحدثت فيه القوات الحكومية عن انتقالها من وضع الدفاع إلى الهجوم، مستفيدةً من نتائج عمليات اليوم الأول.

وفي الأقروض، كانت القوات قد دحرت الحوثيين من مواقع عدة ودمرت دبابة وعربة واستولت على طاقم، بينما نفذت في العنين هجوماً خاطفاً على مواقع الجماعة، وفي البيرين نفذت هجوماً استهدف تجمعات ومعدات عسكرية، وأسفر عن إحراق طقم ومقتل عدد من العناصر وأسر آخرين، وفق المركز الإعلامي لمحور تعز.

جندي من قوات ألوية العمالقة خلال التقدم في جبهة باب المندب (رويترز)

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في العملية الجديدة، بعدما كان الحوثيون قد ضغطوا خلال الأيام السابقة على طرق المدينة ومنافذها الجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق سيطرتهم وعزل تعز عن المناطق الحكومية في اتجاه لحج وعدن. وتقول مصادر عسكرية إن العمليات الحالية تستهدف استعادة زمام المبادرة ومنع تثبيت تلك المكاسب الحوثية.

الساحل تحت الضغط

في الساحل الغربي، واصلت القوات الحكومية تثبيت نتائج الهجوم الذي بدأ الاثنين، بعد العمليات التي قادتها «قوات العمالقة» و«قوات درع الوطن» بدعم جوي من «التحالف».

كانت القوات قد أعلنت السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، مع فرض ضغط على القوات الحوثية الموجودة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التحرك شمالاً باتجاه المخا والحديدة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي (رويترز)

وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية أحكمت سيطرتها على مواقع استراتيجية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، فيما تواصلت التحركات باتجاه المخا، وسط تراجع عناصر حوثية من بعض المواقع.

وتقول مصادر ميدانية إن القوات تتمهل في دخول المخا، إذ تسعى لتأمين خطوط دفاعها شرقاً باتجاه مديرية الوازعية ومنطقة مفرق البرح؛ تجنباً لأي عملية التفاف تتعرض لها.

وتندرج هذه التحركات ضمن محور الساحل الغربي الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية للعملية، إلى جانب تعز ومأرب والجوف وميدي، مع اختلاف مستوى العمليات من جبهة إلى أخرى، حسب الخطط العسكرية.

مأرب تتقدم

في مأرب، واصلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها الهجومية في قطاعات عدة، بعدما تمكنت، وفق مصادر عسكرية، من دحر الحوثيين من مواقع في قطاع البور جنوب المحافظة، عقب مواجهات عنيفة وإسناد مدفعي.

وقالت المصادر إن القوات اخترقت تحصينات حوثية وفككت حقول ألغام، بينما شهد القطاع الشمالي إغارة على مواقع للجماعة تزامنت مع قصف مدفعي استهدف تجمعاتها ومرابض المدفعية والعيارات، مما أدى، حسب الرواية العسكرية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإعطاب معدات وآليات.

وفي القطاع الشمالي الغربي، استهدفت القوات مصادر نيران حوثية وعدداً من العيارات والمعدات، فيما واصل الطيران الحربي والمسيّر غاراته على مخازن أسلحة وتحشيدات ومراكز قيادة في قطاعات مختلفة من المحافظة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم الأول من العملية إطلاق هجمات من محاور متعددة في مأرب، بينها الجبهتان الجنوبية والشمالية الغربية، وتحقيق تقدم في مواقع قالت إنها مهمة، بالتزامن مع غارات على مخازن أسلحة ووسائل محملة بالذخائر.

ضرب القدرات الصاروخية

في تطور موازٍ، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ داخل موقع جبلي في صعدة، قال إن المخزن كان يضم 20 صاروخاً باليستياً.

وقال المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، إن الضربات استهدفت قدرات مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحوثية، في إطار العمليات الجارية بالتزامن مع «فجر اليمن».

قوات الحكومة اليمنية تتقدم بحذر نحو المخا حيث تسعى لتأمين دفاعاتها شرقاً (رويترز)

كما أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة استهدفت، وفق روايته، مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغام بحرية، وقال إن العملية أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر، في إطار مساعي حماية الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهته قال رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، الفريق الركن صغير بن عزيز، إن عملية «فجر اليمن» مستمرة ولن تتوقف حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة والعودة إلى صنعاء، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام الموكلة إليها.


«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».