كيف نجح تنظيم القاعدة في جعل جندياته سجينات «حقوق مدنية» لا قضايا أمنية؟

أم الرباب وأروى ونجوى.. وجوه نسائية سعودية قاعدية

كيف نجح تنظيم القاعدة في جعل جندياته سجينات «حقوق مدنية» لا قضايا أمنية؟
TT

كيف نجح تنظيم القاعدة في جعل جندياته سجينات «حقوق مدنية» لا قضايا أمنية؟

كيف نجح تنظيم القاعدة في جعل جندياته سجينات «حقوق مدنية» لا قضايا أمنية؟

قبل عشر سنوات من الآن، وتحديدا في 12 مايو (أيار) 2003، دوت انفجارات مفاجئة في شرق العاصمة السعودية (الرياض) وتبيّن بعد لحظات أن الهدف كان ثلاثة مجمعات سكنية، أشهرها مجمع حي الحمراء، يقطنها الكثير من العرب والغربيين وبعض السعوديين، لتحصد الانفجارات «الانتحارية} قتلى وجرحى، وليعلن تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» كما يطلق على نفسه، بداية الحرب العلنية بينه وبين السعودية والسعوديين.
هذه الأيام تمر الذكرى العاشرة لبداية الحرب العلنية في السعودية مع الإرهاب الديني. «الشرق الأوسط» تفتح ملفا تقلب فيه الذاكرة، وتقرأ الحاضر، وتحاول توقع المستقبل، عبر جملة من الأعمال الصحافية المتنوعة، بدايتها في موضوع حول سجينات «القاعدة» من النساء، ومجنداته الموجودات في الخارج، المرأة القاعدية بين خطاب الجهاد ولغة حقوق الإنسان. فإلى أولى قطاف الملف:

في سبتمبر (أيلول) 2004، أطلق تنظيم القاعدة في جزيرة العرب مجلة «الخنساء» لتكون ذراعه في التعامل مع النساء المؤيدات أو المنخرطات في العمل القاعدي. منذ ذلك الحين شكل العنصر النسائي حضورا مؤثرا في سير النشاط القاعدي، سواء على المستوى اللوجيستي، أو على المستوى الدعائي والتحريضي، أو حتى المستوى العملي والتنفيذي. لكن لم يبرز دور النساء بشكل مؤثر في نشاطات الجماعات الإرهابية، ولم تبرز أسماؤهن بشكل صريح إلا منذ نحو السنتين، وكانت أسماء مثل هيلة القصير، ووفاء الشهري، وأروى بغدادي، هي الأكثر ترددا في بعض الأحيان من الأسماء الرجالية في التنظيم.
هذا عن جماعات «القاعدة»، لكن الأمر لم يقتصر على الجماعات «الجهادية» في توظيف النساء، بل تجاوزه إلى الجماعات «المحتسبة»، والتي تشكل في بعض نشاطاتها، وتحشيداتها، نوعا من السند الشعبي حتى لرموز العمل القاعدي، كما حصل في التعبئة العامة على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في الشوارع، مع مسجونات على ذمة قضايا «القاعدة» في السعودية، مثل هيلة القصير، وأروى بغدادي، قبل أن تفر الأخيرة إلى اليمن لتنضم إلى بقية عناصر «القاعدة» هناك بقيادة اليمني ناصر الوحيشي (أبو بصير) والسعودي سعيد الشهري (أبو سفيان الأزدي)، ملبية بذلك نداء السعودية..
وفرت قبلها إلى اليمن وفاء الشهري، التي أطلقت نداء عبر مؤسسة «صدى الملاحم» التابعة لـ«القاعدة» في مايو (أيار) 2010 لنساء «القاعدة» في السعودية محرضة لهن على الهرب إلى اليمن طلبا للأنس مع أزواجهن، عندما وجهت مقالة نشرتها مجلة «صدى الملاحم»، نداء إلى «نساء أرض الحرمين» قالت فيه «إذا عجز الرجال عن الدفاع عنكن والمحافظة عليكن، فتعالين إلى أسود المجاهدين في جزيرة العرب ليكرموكن، ويذودوا عنكن». والحق أن تنظيم القاعدة في السعودية ليس هو الوحيد الذي سن هذه الطريقة في استخدام النساء معه، بكل المجالات العملية واللوجيستية والدعائية، فقد سبقه إلى ذلك تنظيم القاعدة في العراق، بل ونفذ هذا الأمر بشكل متتابع ومنهجي. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 تم تفجير فندق «غراند حياة» في العاصمة الأردنية عمان، من خلال مجموعة إرهابية، وتبين لاحقا أن العراقية ساجدة الريشاوي، المولودة في 1970، كانت ضالعة في الهجوم، وهي انتحارية من العراق؛ لكنها نجت عندما لم ينفجر حزامها.
وفي الوقت نفسه قتل 19 شخصا في ثلاث هجمات هزت بغداد نفذت إحداها انتحارية ترتدي حزاما ناسفا عند أحد مداخل المنطقة الخضراء المحصنة. ووفقا لما أعلنه اللواء قاسم عطا، الناطق الرسمي باسم خطة فرض القانون في بغداد، فإن منفذة العملية الانتحارية هي فتاة «مختلة عقليا» تم تفخيخها بحزام ناسف وجرى تفجيرها عن بعد بواسطة جهاز للتحكم.
وهذا ليس أول استخدام للمختلات عقليا، أو القاصرات في العمر، في عمليات انتحارية، ففي وقت سابق ذكرت الصحيفة الأميركية «واشنطن بوست» أنه طبقا لسجلات الجيش الأميركي فإن أصغر منفذة انتحارية في العراق سنا كانت تبلغ من العمر 13 عاما. وأضافت الصحيفة أنه منذ الغزو في عام 2003، نفذت 53 امرأة عراقية هجمات انتحارية أو ألقي القبض عليهن قبل تنفيذها، طبقا لبيانات الجيش الأميركي. وقتلن في هذه الهجمات ما يزيد على 370 شخصا، وجرحن 650 آخرين. وفي عام واحد فجرت 31 امرأة نفسها، 17 منهن في محافظة ديالى، شمال شرقي العاصمة بغداد.
وتكشف الصحيفة عن أنها أجرت لقاء، في قرية شرق الفلوجة «مع امرأة ملثمة وصفت نفسها بأنها قيادية في كتيبة نسيبة الأنصارية الاستشهادية (وهنا يحسن فتح قوس للإشارة إلى حرص هذه التيارات على تسمية تشكيلاتها النسائية، المقاتلة أو الداعمة للقتال، بأسماء نسائية تراثية لخلق مرجعية شرعية ونفسية للمجندات، مثل اسم: الخنساء، وأم عمارة، وخولة بنت الأزور.. إلخ). وتعرف الصحيفة هذه الجماعة بأنها «مرتبطة بتنظيم دولة العراق الإسلامية الذي يعمل تحت مظلة تنظيم القاعدة في العراق».
وفي الشيشان، جرى استخدام العنصر النسائي أيضا في المواجهات مع الحكومة الروسية، وكان من أشهر هذه العمليات الهجوم على مسرح موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2002، وذكرت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، مثل «بي بي سي» أنه كان ضمن المهاجمين للمسرح ومن فيه من الرهائن، 18 امرأة شيشانية ضمن الـ50 عنصرا، وقد قتلن في مسرح قصر الثقافة. ونقلت الأنباء عن مصادر السلطة الروسية في الشيشان، في حينها، قولها إن كثيرا من النساء اللواتي شاركن في عملية الاختطاف تلك لسن شيشانيات، بل من منطقة الشرق الأوسط، وقد جرى تداول اسم خاص لتلك النسوة الشيشانيات المقاتلات، وهو «الأرامل السود» نظرا لكونهن يحملن حقدا شخصيا على الجانب الروسي، بسبب موت أزواجهن أو إخوانهن أو آبائهن، أو أبنائهن، على يد القوات الروسية في الحرب الشيشانية، وهو ما يسري ربما على نظيراتهن في العالم العربي، حيث نرى كثيرا من النساء الفاعلات في «القاعدة» على صلة قرابة مع عناصر رجالية أخرى في التنظيم، كما يتبين من حالة العراقية ساجدة الريشاوي، منفذة هجوم فندق عمان، والسعوديات أروى بغدادي وحنان سمكري ووفاء الشهري، وغيرهن.
يأتي توظيف النساء في العمل القاعدي أو حتى النشاط «الاحتسابي» المتزمت، بسبب حساسية وضع المرأة في المجتمع العربي، خصوصا في مجتمع مثل المجتمع السعودي، حيث تحاط المرأة بسياج من الوقار، الذي يصل إلى درجة من الغموض، ومحاولة تخليصها دوما من الإشكالات الأمنية والقانونية، مراعاة للتقاليد العامة، التي ترى في المرأة «حرمة» بالمعنى اللغوي لكلمة حرمة، مثل حرمة المال والأرض والعرض، فهي أمر يجب حمايته، والقتال دونه، وإبعاده عن الضوء العام، وقصر المسؤولية قدر المستطاع على العنصر الرجالي، وهو أمر يشكو منه الإعلام، ويشكو منه حتى رجال الأمن، بسبب تقييد حركتهم في التحقيق والاحتجاز والتتبع لعناصر خطرة من النساء، كما قال أحدهم لـ«الشرق الأوسط». لكن المفارقة، كما يذكر هذا الشخص، أن الأجهزة الأمنية الرسمية هي التي تراعي هذا الجانب، وتحاول إحاطة النساء بستار من حجب الأسماء وتضييع الهوية، ومحاولة الإسراع بتخليص القضية، لكن تنظيم القاعدة في السعودية هو من لا يجد غضاضة في ذكر الأسماء النسائية والفخر بهن كمجاهدات، ويكفي للبرهنة على ذلك أن أول من ذكر اسم «هيلة القصير» صراحة لم يكن بيانات الداخلية السعودية، بل بيان «القاعدة» من خلال سعيد الشهري في اليمن، ثم وفاء الشهري في مقالتها عنها، ثم مشعل الشدوخي، أحد عناصر «القاعدة» السعوديين في اليمن، الذين يقفون خلف عملية اختطاف الدبلوماسي السعودي عبد الله الخالدي في اليمن.
من هنا، من الخصوصية الثقافية لوضع المرأة في المجتمعات المسلمة المحافظة، كانت الثغرة الأمنية التي حاولت العناصر الإرهابية توظيفها لصالحها، وكثيرا ما كانت المداهمات لمواقع الجماعات الإرهابية تعثر على ملابس نسائية (عباءة، وغطاء وجه) يتنكر بها المنفذون الرجال التابعون للتنظيم، ومن ذلك عمليات اشتباك كثيرة، خصوصا على الحدود اليمنية، مع عناصر التنظيم، منهم من قتل فيها ومنهم لمن قبض عليه. ويبدو أن هذا الأمر صار سلوكا متبعا، لدى تيارات أخرى، فقد ذكرت مصادر من الجانب السعودي أن بعض عناصر ميليشيا الحوثي اليمنية استخدمت هذا التكنيك في مخادعة رجال حرس الحدود، كما ذكرت صحيفة «عكاظ» في تغطيتها لحرب جبل الدخان مع الحوثيين. وفي يناير (كانون الثاني) 2011، ذكر شاب سعودي اسمه هاني الملا كان من أعضاء التنظيم، وظهر على شاشة التلفزيون السعودي في برنامج «همومنا»، أنه بسبب محاصرة قوات الأمن السعودية لهم، والضربات الاستباقية للتنظيم، فقد تخلخلت مفاصل التنظيم داخل المملكة، وجعلت التنظيم يبدو أشبه ما يكون بالضياع، مبينا أن التضييق الأمني الشديد عليهم جعلهم يتخلون عن الكثير من الأدبيات التي لديهم، ولعل أبرزها التنكر بالأزياء النسائية، وهو أمر مخالف للدين والشريعة، لكنهم استندوا إلى قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، كما يذكر الشاب هاني الملا.
وكان يوسف العييري، وهو أول وأخطر قائد لتنظيم القاعدة في السعودية (قتل في يونيو/ حزيران، 2003، في اشتباك مع قوات الشرطة بالقرب من مدينة حائل شمال وسط السعودية)، قد أشاد في رسالة بعنوان «دور النساء في جهاد الأعداء» بدور النساء في التنظيم، وقال «سبب مخاطبتنا في هذه الورقات للمرأة هو ما رأيناه من أن المرأة إذا اقتنعت بأمر كانت أعظم حافزا من الرجال لأدائه، وإذا عارضت أمرا كانت من أعظم الموانع له»، مستعرضا في رسالته سيرة الكثير من النساء اللاتي شاركن في القتال في أفغانستان. وكان أستاذ العييري، وهو أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، الذي قتلته قوات أميركية خاصة في منزله السري في أبوت آباد، إحدى ضواحي إسلام آباد بباكستان (في مايو 2011) كان قد نوه بأهمية دور النساء، وكان كثيرا ما يتحدث عن مشاركتهن، خصوصا العربيات، في مرحلة «الجهاد الأفغاني»، وكثير ممن يتذكرون ويعون مرحلة التجييش العام في السعودية «للجهاد» في أفغانستان يتذكرون اصطحاب عدد من الشباب لأمهاتهم أو زوجاتهم في «سياحة جهادية» لأفغانستان.

النساء و«القاعدة»
دخول الإسلاميين، خصوصا السلفيين، وأخص منهم الجهاديين السلفيين، على خطاب حقوق الإنسان، ولغة المواثيق العالمية، هو دخول حديث، سبق لحظة الفوضى العربية، أو ما سمي بالربيع العربي، بقليل، وهو دخول يشوبه الكثير من الاستفادة اللحظية والسريعة، دون الالتزام بمضامين الفكر الذي بنيت عليه منظومة حقوق الإنسان، أي قطف ثمرة الخطاب الحقوقي، بمعنى فتح الحرية المطلقة لعمل الجماعات الأصولية في «الاحتساب» والوصاية، على المجتمع، من دون منح هذا الحق في التساوي في المزايا للآخر المختلف.
باندلاع ما سمي بالربيع العربي في ديسمبر (كانون الأول) 2010، ووصوله إلى الذروة في الثلث الأخير من 2011، وتبين أن الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها «الإخوان المسلمون»، هم الطرف المستفيد من مغانم السلطة في الربيع العربي، و«الموضة» العالمية الغربية في التغني بالهبة الديمقراطية العربية، أو ربيع العرب، على غرار «ربيع براغ» الأوروبي، الذي كان للتحرر من الهيمنة السوفياتية الحمراء.. مع هذه المعطيات كلها لانت عريكة الإسلاميين الصقور تجاه فكرة الديمقراطية، لكن عند كثير منهم كآلية استخدامية، نفعية، عملية «تقدر بقدرها» كما تقول القاعدة المعروفة، ولا يتم الالتزام بمنح هذه الحقوق للغير. وقد تجلى هذا الموقف الرافض الحاسم للحل الديمقراطي - كحل نهائي، وأنه مجرد «ضرورة» مرحلية، ولا يجوز التوسع فيه، وأن الحل هو في تطبيق الشريعة فقط، حسب تصورهم - في كلام زعماء السلفيين وبعض وعاظ وخطباء اليمين الإخواني في مصر، مثل وجدي غنيم، ومحمد الظواهري، بل ووصل الحال مع مفتي جماعة الجهاد، السابق، الشيخ سيد عبد العزيز، أو الدكتور فضل كما هو مشهور، إلى «تكفير» النظام الحاكم الحالي في مصر، بقيادة القيادي الإخواني الرئيس محمد مرسي.
لعل خير معبر عن هذا التحول «العملي» الجديد لدى بقية الإسلاميين خارج مصر هو رمز بارز من نجوم «الصحوة» في السعودية، وهو د.ناصر العمر، حيث كتب العمر على موقعه (كما نقل، وشرح، عبد الله الرشيد في جريدة «الشرق الأوسط») مقالا في اليوم المقرر للتصويت على الدستور المصري 15 ديسمبر 2012، أكد فيه أن «الديمقراطية الغربية الليبرالية مناقضة لشريعة الإسلام، لكن البعض يتصور الحال في مصر، وكأن تطبيق الشريعة خيار متيسر فقط يحتاج من القوم دعوة الناس إليه، غافلا عن الكيد السياسي والإعلامي الذي يحرك دهماء الناس نحو قصر الرئاسة، وما يؤازره من مكر إقليمي ودولي». ويؤكد العمر أن «الكفر لا يجوز الإقدام عليه إلا في حال الإكراه، لكن الفقيه هو الذي يفرق بين المفسدتين بالدوس على أدناهما، مدركا أن الكف (عن التصويت) سيكون أشد أثرا في نصرة الباطل». ويلخص العمر الرؤية الصحوية «الاستخدامية» لآلية الديمقراطية ويقول بوضوح مذهل «يمكن الأخذ بالآليات الانتخابية في ظروف معينة، والعمل على أسلمتها بفرض قيود لا تتعداها».
وبمثل هذه الروح «الغنائمية - المرحلية» تم الدخول إلى ملف المعتقلين في السعودية، من بوابة «حقوق الإنسان» وكثير من هؤلاء المعتقلين ينتمون فكرا وسلوكا إلى خطاب القاعدة التفكيري الحاسم، وكثير منهم محبوس على ملاك قضايا تتعلق بـ«القاعدة»، تمويلا، ودعاية، ودعما لوجيستيا، لكن كل هذه الأمور تم التغافل عنها، وفي لحظة لقاء غريبة اجتمعت رغبة أنصار هؤلاء القاعديين، مع رغبة أنصار التيار الحركي الإسلامي، أو «الصحوي» كما يسمى في السعودية، بشكل عام، من جناحه الاحتسابي الاجتماعي، ممثلا بشخص كيوسف الأحمد، إلى جناحه السياسي ممثلا بشخص كسلمان العودة، وتيار الديمقراطية الإسلامية الفكرية، كما في كتابات الشبان النشطاء في موقع «تويتر»، إلى بعض الليبراليين اليساريين، مع بعض النشطاء السياسيين الشيعة، لينضوي الجميع تحت مظلة «حسم»، وهو مسمى لتجمع «جبهوي» حقوقي، يطالب فقط، وبشكل مصمت وشاعري، بالحقوق للجميع، من دون توقف عند الاعتبارات الأمنية، بل وحتى «كفر» من يطالبون بالحقوق له، بمفهوم الحقوق هذا نفسه، في ترديد رومانسي متكرر بكثافة لمقولة تنسب للمفكر والأديب الفرنسي التنويري فولتير الذي توفي 1778 قبل اندلاع الثورة الفرنسية بنحو عقد من السنين، وهي قوله «قد أختلف معك في الرأي، لكنني على استعداد أن أموت دفاعا عن رأيك»، على اختلاف في دقة نسبة هذه المقولة إليه، وفي ملابساتها، لكنها تحولت إلى الكلمة السحرية التي تذوب عندها كل الاختلافات والتناقضات البنيوية العميقة بين من يؤمن بالحرية ومن يحاربها، في المشهد السعودي «التويتري» بشكل خاص.لذلك التقط شخص صحوي معروف بقدراته الكلامية، وثقافته الجيدة، هذا الخيط وركز عليه، وهو إبراهيم السكران، رغم أنه في وقت سابق هاجم تهافت بعض رفاقه الإسلاميين على فكرة «الخطاب المدني»، ومحاولة استدخال فكرة الحرية والديمقراطية إلى نسيج الخطاب السياسي الصحوي في السعودية، قبل موسم الربيع العربي بالطبع، ، وحذر بلغة احتسابية فكرية من «مآلات الخطاب المدني» كما هو عنوان مقالته الإضافية ضد رفاقه من الحقوقيين الصحويين، مخاوف من انحراف هذا النهج عن خطة السلف الصالح، لكنه عاد وضرب بمعول الحقوق المدنية نفسه، مع آلية الاحتساب الشرعي، من أجل نصرة معتقلي وملاحقي الإسلاميين، تحديدا، وركز بشكل أكبر على العنصر النسائي، لنفس الأسباب التي سبق ذكرها حول تأثير التركيز على النساء واستثارة النخوة لهن في المجتمع السعودي.
ففي (14 يوليو/ تموز، 2011) بث إبراهيم السكران على موقع «يوتيوب» خطبة بالصوت والصورة، بعنوان «إلا النساء يا خادم الحرمين» حافلة بالجدال، والمناظرة، مع الإثارة الوجدانية المتكئة على شيمة «النخوة» في ما يخص المحتجزات من النساء على ملاك قضايا أمنية، وكان العنوان الذي اختاره إبراهيم كافيا للدلالة على الغرض من هذه الكثافة الوجدانية والضرب على وتر حساس في المجتمع المتلقي، بصرف النظر عن أن الشريعة نفسها ساوت في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال، إلا ما استثني بنص واضح، وأنه ثمة نساء عوقبن بشتى العقوبات في العهود النبوية والراشدية وما تلاها، ولم يحمهن من ذلك كونهن نساء.
أنشئت عدة حسابات على موقع «تويتر» للحشد من أجل ما سمي بملف المعتقلين، لكن الأمور وصلت لمنعطف جديد بعد التركيز على العنصر النسائي الموقوف أمنيا، وترك التركيز، قليلا، على العنصر الرجالي، وقامت بالتفاعل مع هذه الحسابات أسماء تنتمي، كما ذكرنا قبل قليل، إلى التيار القاعدي، والتيار الاحتسابي الإسلامي السلفي، والتيار الإخواني المعارض، كما التيارات الليبرالية اليسارية، ومعها نشطاء من الشيعة، وكان لافتا للانتباه أن يتعاطف ناشط شيعي معارض للدولة، ومهموم بالقضية الشيعية مثل حمزة الحسن، مع نشطاء سلفيين خلص من القصيم أو الرياض!
اعتصام بريدة
وخطاب «القاعدة»
في مارس (آذار) 2013 دعا إبراهيم الربيش، القيادي السعودي البارز في تنظيم القاعدة باليمن، في تسجيل مصور له، العناصر المفرج عنهم في السعودية لمواصلة العمل المسلح بعد إطلاق سراحهم، وشمل ذلك أيضا المرأة. وجاءت الدعوة بعد يوم واحد من صدور بيان شرطة منطقة القصيم حول القبض على عدد من المتجمهرين أمام مقر هيئة التحقيق والادعاء العام في مدينة بريدة، عاصمة منطقة القصيم، وسط السعودية، ومعهم عدد من النساء والأطفال، بعد رفضهم فض الحشد الممنوع بشكل مطلق، وفق النظام السعودي العام، في ما عرف في الإعلام بقضية «اعتصام بريدة».
خطاب الربيش جاء بعد وصول التعبئة والحشد في «تويتر»، بقيادة رموز من شيوخ الصحوة وبعض «النشطاء» الحقوقيين، إلى الذروة، وبعض الفضائيات مثل قناة «الحوار» من لندن، ذات الصبغة الإخوانية، مع هذه القضية ومحاولة تحويلها إلى «بؤرة» تحفيز سياسي تحت مظلة «الحقوق»، وقد أعادت هذه القضية «الزخم» إلى النشاط السياسي المعارض، وشارك فيها كل الأطياف «الجبهوية» التي أشير إليها في هذا السياق، وكان لافتا دخول د.سلمان العودة، القوي والساخن، على هذه القضية من منطلق حقوقي، ولكن وفي قمة هذه الإثارة، وفي قمة نفي أن يكون الحراك له صلة بأي نشاط قاعدي، أو حتى قريب الصلة به من هنا أو هناك، جاء خطاب القيادي القاعدي إبراهيم الربيش محبطا للنشطاء، حتى تمنى بعضهم لو لم يخلق هذا الخطاب. إبراهيم الربيش، وهو مطلوب أمني معلن عنه في القوائم السعودية، تطرق إلى قضية توقيف نساء من بين المشاركات في الاعتصامات المطالبة بإطلاق سراح متهمين بقضايا على صلة بـ«الإرهاب»، قائلا «ما هو ذنب هؤلاء الأخوات؟ لو تتبعنا قضاياهن لوجدنا هذه ذنبها أن زوجها أو أحد محارمها من المجاهدين»، على حد تعبيره. قبل ذلك هدد تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» في 3 يونيو (حزيران) 2010 بشن عمليات اختطاف تستهدف كبار المسؤولين في السعودية، ردا على اعتقال السلطات السعودية امرأة محكوما عليها من قبل القضاء السعودي بـ15 عاما على ذمة قضايا دعم الجماعات الدينية المسلحة في السعودية، وهي هيلة القصير أو «أم الرباب» كما يعرف بها إعلام «القاعدة»، أو «سيدة القاعدة» كما يعرف بها الإعلام السعودي.
في 28 مارس 2012 اختطف تنظيم القاعدة في اليمن نائب القنصل السعودي عبد الله الخالدي، وذلك في مدينة عدن من أمام منزله «أثناء ممارسته مهامه الوظيفية في منح المواطنين اليمنيين تأشيرات دخول المملكة للحج والعمرة والعمل وزيارة الأهل والأقارب وغيرها»، بحسب بيان الداخلية السعودية حينه.
في 17 أبريل (نيسان) 2012، كشفت السلطات الأمنية السعودية النقاب عن تسجيل لمكالمة هاتفية جرت بين علي الحمدان، السفير السعودي في صنعاء، ومشعل الشدوخي أحد المطلوبين للجهات الأمنية السعودية، والذي أعلن اسمه ضمن قائمة الـ«85» في 2 فبراير (شباط) 2009، تمحورت على تفاصيل «الصفقة» المطلوبة من تنظيم القاعدة للإفراج عن الدبلوماسي السعودي المخطوف، وكان التركيز فيها واضحا على المعتقلين السعوديين على ذمة قضايا أمنية ذات طابع «جهادي»، ويتضح أكثر الاهتمام بمسألة «النساء» من المعتقلات.
ومن الأسماء اللواتي نص عليها مفاوض «القاعدة»، مشعل الشدوخي، بالاسم مع السفير السعودي في اليمن، من أجل الإفراج عن الرهينة الدبلوماسي السعودي: فارس الزهراني، ناصر الفهد، عبد الكريم الحميد، عبد العزيز الطويلعي، سليمان العلوان، وليد السناني، علي الخضير، محمد الصقعبي، خالد الراشد. هذا من الأسماء الرجالية، ومن الأسماء النسائية: هيلة القصير، نجوى الصاعدي، أروى بغدادي (هذه أفرج عنها تحت الرقابة والمحاكمة، ثم فرت لاحقا إلى اليمن)، حنان سمكري، نجلاء الرومي، وهيفاء الأحمدي.
وفي النهاية فإن ما قيل من أدبيات، وما جرى من تحالفات، في جلّه، حول ملف المعتقلين الأمنيين في السعودية، هو تمازج مدهش في مكوناته وأفكاره وحراكه، بين صيحة الجهاد، ونداء الحقوق المدنية الإنسانية، ونذير الاحتساب الشرعي.



«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

في وقت دعم فيه مشاهير مقترحاً برلمانياً مصرياً بشأن تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، تحدث مسؤول حكومي عن أن «القبول المجتمعي» هو إحدى الإشكاليات الكبرى التي تعرقل التبرع بأعضاء المتوفين.

وما زالت أصداء المقترح الذي تقدمت به عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، ودعت فيه إلى «تيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة»، تتواصل وسط انقسام بين مؤيد ومعارض، خصوصاً بعد عودة التباينات حول «التبرع بالأعضاء كاملة» للمشهد.

ورغم صدور تشريع مصري ينظم «زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً فإنه «معطل» بحسب مراقبين.

وطفا مصطلح «القبول المجتمعي» على الواجهة خلال الساعات الماضية، بعدما قال متحدث وزارة الصحة المصرية، الدكتور حسام عبد الغفار، إن «القبول المجتمعي هو إحدى الإشكاليات الكبرى أمام التبرع بالأعضاء». وأضاف في تصريحات متلفزة، مساء السبت، أنه «حتى الآن لم يتم تنفيذ أي حالة تبرع لنقل عضو من شخص متوفى إلى شخص حي».

وأشار إلى أن «القانون الصادر سنة 2010 يبيح نقل الأعضاء من المتوفين إذا ثبتت الوفاة طبياً، وبشرط الموافقة الموثقة».

كما لفت متحدث باسم وزارة الصحة إلى أن «الوزارة تعمل منذ أكثر من عامين على تطوير منظومة متكاملة تشمل مدينة النيل الطبية التي ستضم أكبر مركز لزراعة الأعضاء».

أيضاً الإعلامي المصري، عمرو أديب تحدث عن فكرة «القبول المجتمعي»، حيث قال في برنامجه «الحكاية» على قناة «إم بي سي مصر»، مساء السبت، إن «الشعب المصري لم يتقبل حتى الآن فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، رغم وجود قانون ينظم ذلك».

وأوضح أن «المواطن المصري غير مستوعب لفكرة أن يتبرع بأعضائه»، مؤكداً أنه «حتى الآن لم يُسجل أي مواطن موافقة صريحة على التبرع بأعضائه بعد الوفاة، وأن الكلام يبدو رومانسياً؛ لكن الواقع مختلف تماماً».

وبحسب أديب فإن «المصريين يتحدثون بسهولة عن التبرع في الكلام العام، لكنهم يتراجعون عند الجد»، لافتاً إلى أن «المجتمع تجاوز مرحلة الجدل الديني، لكن العائق الرئيسي يبقى نفسياً وثقافياً»، مشدداً على أن «الفهم الحقيقي يحتاج إلى وقت وتوعية مكثفة».

أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية»، الدكتورة سوسن فايد، ترى أن «القبول المجتمعي» لـ«التبرع بالأعضاء» مرتبط بثقافة المصريين؛ لأنها قضية تتعلق بالوفاة، وهو أمر لدى البعض «الحديث فيه مكروه»، و«يجب عدم الاقتراب من جثمان المتوفى وأخذ أجزاء منه»، كما أنه مرتبط أيضاً باستعداد كل شخص وقدرته على التبرع وشعور أهله بالرضا.

ودعت إلى «العمل على تدشين مشروع ثقافي يوضح للناس أن التبرع بالأعضاء لن يؤثر في المتوفى بعد وفاته، بل إنه سوف يحصل على الثواب»، وهنا «الثقافة الدينية ستلعب دوراً كبيراً، بحيث تجعل الأفكار تتغير بالإقناع».

مواطنون مصريون في منطقة العتبة بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتضيف فايد لـ«الشرق الأوسط»، أن «التبرع بالأعضاء من المسائل التي لم يتم التطرق لها بشكل جيد، حتى يحدث تغيير ثقافي حول القضية». وتفسر: «يتم ذلك عبر مناقشة أبعاد الموضوع لتوسيع الفكر، وقد يتحول شخص رافض له إلى قبوله، وهذا يحتاج إلى جهود وتحركات على الأرض مع الناس وليس على السوشيال ميديا».

وكانت دار الإفتاء المصرية قد حسمت الجدل الفقهي مراراً في وقت سابق، مؤكدة أن «التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعاً، إذا توافرت الضرورة الطبية، والتزم النقل بالضوابط الشرعية والقانونية، وبعيداً عن أي صورة من صور التجارة أو الاستغلال».

أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «القبول المجتمعي حول التبرع بالأعضاء يتوقف على الأسرة والإنسان نفسه، فهناك من يرفض التبرع، وآخر يرحب به ويقبله، لكن ليس هناك توجه موحد يتحدث عن أن التبرع أمر مفيد؛ لأن الفكرة ببساطة هي أن إنساناً يموت وآخر يحتاج إلى عضو يجعله يعيش بشكل أفضل».

وتوضح أننا «لم نتعامل مع قضية التبرع بالأعضاء بشكل ديني واجتماعي كبيرين؛ لذا سنجد من يحرمه أو يؤيده، ولا بد من محاولة تقريب الأفكار في الأمر عبر النقاش، وهذا لم يحدث، فقط ما يحدث هو أن البعض يعلن نيته في التبرع، ويوصى بها، والآخر يرفض ويعترض؛ لذا تحدث البلبلة من وقت لآخر».

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

ودعت خضر إلى «مناقشة القضية بطريقة هادئة أو كحوار مجتمعي بين الأطباء وعلماء الدين الإسلامي والمسيحي ومختصين على مستوى عالٍ في الحوار، عبر طرح وجهتي النظر، وقد نصل وقتها إلى القبول المجتمعي للأمر».

وتشير إلى أنه «يجب حصول توافق ديني ومجتمعي وطبي حول جدوى التبرع، وأنه ممكن أن يسعد شخصاً يعاني»، موضحة أن «التبرع بالأعضاء أمر إنساني مهم، لكننا لم نستطع أن ندخله في دائرة العواطف الإنسانية».

في سياق ذلك، دعم مشاهير مقترح «التبرع بالجلد» وكذا الأعضاء بعد الوفاة، بينما يتواصل الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بين انتقاد «التبرع بالأعضاء» وقبوله بوصفه «سوف ينقذ مرضى».

دعوات للعمل على تدشين مشروع ثقافي يؤصل لـ«التبرع بالأعضاء» (الشرق الأوسط)

وأعلن الإعلامي المصري، أحمد سالم، عبر حسابه على «فسيبوك» استعداده للتبرع بأعضائه بعد وفاته، وقالت الإعلامية والفنانة المصرية، منى عبد الغني، خلال برنامجها إنها «قررت التبرع بأعضائها بعد الوفاة». وكان عدد من الفنانين قد أعلنوا في وقت سابق موافقتهم على التبرع بأعضائهم، من بينهم إلهام شاهين.

كما استغل جراح القلب العالمي، الدكتور مجدي يعقوب، ظهوره في برنامج متلفز، الشهر الحالي، ليدعو إلى «الإسراع بتفعيل وتقنين منظومة زراعة الأعضاء».

وشدد حينها على أن «الخوف السائد من التبرع بعد الوفاة يعود بالأساس إلى هواجس شعبية عن الاتجار بالأعضاء، رغم وجود ضمانات قانونية وطبية صارمة تحول دون أي تلاعب»، مطالباً بضرورة «موافقة المجتمع نفسه بوصفه الطرف المتبرع وصاحب القرار وصاحب المخاوف أيضاً».


إيدي هاو يعاتب نفسه: «لا أقوم بعملي كما يجب»

إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد (رويترز)
إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد (رويترز)
TT

إيدي هاو يعاتب نفسه: «لا أقوم بعملي كما يجب»

إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد (رويترز)
إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد (رويترز)

لم يكن في سانت جيمس بارك ما يوحي بالجِديّة. لا النقاط التي ضاعت من وضعية فوز، ولا الهدف المتأخر الذي هز الشباك، ولا غياب الانسجام، ولا الأداء البطيء للاعبين الذين كلفوا خزائن النادي مبالغ ضخمة الصيف الماضي. كل شيء بدا مألوفاً... ومؤلماً.

وبحسب شبكة «The Athletic»، فإن الهزيمة 3 - 2 أمام برينتفورد كانت فصلاً جديداً في قصة قديمة. صافرات الاستهجان عند نهاية الشوط الأول ومع صافرة النهاية أعادت إلى الأذهان أياماً اعتقد الجميع أنها انتهت، لكن المختلف هذه المرة كان الانهيار العلني لإيدي هاو.

المدرب الذي حوّل نيوكاسل من فريق معتاد على الخسارة إلى مشروع فائز، وقف بعد المباراة يجلد نفسه بلا مواربة: «غاضب من نفسي، ألوم نفسي، أتحمل المسؤولية كاملة... لا أحد غيري. وبصراحة، لا أقوم بعملي على النحو المطلوب».

كلمات ثقيلة من رجل أعاد ضبط ساعة النادي بعد عقود من الإحباط. لكن الواقع الآن يقول إن نيوكاسل يخسر مجدداً... ويخيب الآمال مجدداً.

صحيح أن اسم هاو ظل يُغنّى في المدرجات، لكن صافرات الاستهجان حملت دلالة واضحة: نادٍ بلا ثقة، وفريق لا يعرف من يكون ولا إلى أين يتجه. موسم مزدحم، أداء متقطع، ونتائج تنذر بانفلات كامل.

نيوكاسل يحتل المركز الـ12 في الدوري، بفارق 10 نقاط فقط عن منطقة الهبوط، وبالفارق نفسه عن تشيلسي صاحب المركز الخامس. خرج من كأس الرابطة - اللقب الذي احتفل به الموسم الماضي - ولم يحقق أي فوز في آخر خمس مباريات، خسر أربعاً منها، بينها ثلاث هزائم متتالية في الدوري.

صحيح أن جدول المباريات لم يكن رحيماً (أستون فيلا، باريس سان جيرمان، ليفربول، مانشستر سيتي)، لكن هذه هي الفرق التي يرى نيوكاسل نفسه بينها. المشكلة أنه استقبلوا 13 هدفاً خلال تلك السلسلة.

الخسارة أمام برينتفورد كانت مضاعفة الضرر لأنها المباراة البيتية الوحيدة في سلسلة من ثماني مباريات. والآتي أصعب: توتنهام، أستون فيلا، باكو، وقرة باغ أوروبياً، ثم مانشستر سيتي في الاتحاد. علماً بأن نيوكاسل فاز مرتين فقط خارج أرضه هذا الموسم في الدوري.

هاو حاول التخفيف: إصابات، وإرهاق، وصيف فوضوي بلا مدير رياضي... لكن اعترافه كان واضحاً: «علينا أن نكون أفضل... وأنا أول من يجب أن يكون أفضل».

المثير للقلق أن صفقات كبرى مثل نيك فولتماده، وأنتوني إيلانغا، وجاكوب رامزي (بإجمالي يقارب 164 مليون جنيه إسترليني) جلست على الدكة في مباراة لا تحتمل التفريط. أربع من ست صفقات صيفية خارج التشكيل الأساسي... إشارة ثقيلة.

داخل الملعب، القيادة غائبة. عودة برونو غيمارايش من الإصابة منحت بعض الروح، صنع الهدف الأول، سجل من ركلة جزاء، لكن الفريق ككل ينهار عند الضغط. نيوكاسل فقد 19 نقطة من مراكز متقدمة هذا الموسم – الأعلى في الدوري – واستقبل 11 هدفاً في آخر 10 دقائق من المباريات.

هاو اعترف بالعجز الذهني: «نصبح أسوأ بعد التسجيل... لا أفهم لماذا. المشكلة في العقل».

في المقابل، بدا برينتفورد منظماً، واثقاً، يعرف ماذا يريد. فقد مدربه وقائده وهدافه الصيف الماضي... ومع ذلك يحتل المركز السابع.

نيوكاسل يملك خطة على الورق، وشراكة إدارية جديدة، لكن كل ذلك يحتاج إلى أرضية يبنى عليها. والهزائم ليست أرضية.

عن صافرات الجماهير، قال هاو: «لا ألومها... نحن من صنعنا هذا الشعور».

وعندما سُئل: هل هذه أزمة؟ أجاب بهدوء قاتل: «إنها لحظة صعبة... ولا يمكن إنكار ذلك».


ماذا وراء الزيارة الدرامية لنتنياهو إلى واشنطن فعلاً؟

ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا وراء الزيارة الدرامية لنتنياهو إلى واشنطن فعلاً؟

ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

الإعلان الدرامي الذي أصدره مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ليلة السبت، عن توقّع لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن الأربعاء المقبل، لبحث «المفاوضات مع إيران» وطرح المطالب الإسرائيلية، لا ينطوي فعلياً على تطور حقيقي في هذا الملف. وعلى الأرجح جاء في الأساس لتغطية أهداف نتنياهو الفعلية، وفي مقدمتها اعتبارات داخلية، يرتبط معظمها بمعركة الانتخابات التي دخلت مراحلها العملية في إسرائيل.

ويعزّز هذا التقدير ما ساقه نتنياهو من ذرائع لتبرير تغيير موعد زيارته إلى واشنطن، مستنداً إلى ما وصفه بإلحاح الملف الإيراني.

كما هو معلوم، كان نتنياهو قد طلب قبل أسبوع زيارة واشنطن، وهو ما وافقت عليه الإدارة الأميركية، على أن تتم الزيارة في 18 من الشهر الحالي، لبحث عدد من الملفات، في مقدمتها الملف الإيراني، وخطة الرئيس دونالد ترمب في الشأن الفلسطيني، إضافة إلى مسألة العفو المحتمل عن نتنياهو في قضايا الفساد التي يواجهها. وبما أن ترمب دعا «مجلس السلام» إلى الانعقاد في واشنطن في اليوم التالي، أي في 19 من الشهر ذاته، ساد اعتقاد بأن نتنياهو سيشارك في اجتماع المجلس، علماً بأنه عضو فيه.

غير أن نتنياهو أوضح لاحقاً تشكيكه في احتمال المشاركة في الاجتماع، خشية أن يُطلب منه وقف العراقيل التي يضعها أمام التقدم في الخطة المطروحة. وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن تقديم موعد الزيارة قد يؤدي إلى عدم سفر نتنياهو في 18 من الشهر كما كان مقرراً، وبالتالي عدم مشاركته في اجتماع قادة «مجلس السلام» في واشنطن. وعملياً بدا أن نتنياهو تهرّب من حضور الاجتماع، متجنباً الالتزامات التي كان أعضاء المجلس سيطالبونه بتنفيذها في قطاع غزة.

ويستند هذا التقدير إلى قناعة دولية متزايدة بأن نتنياهو يضع عراقيل ثقيلة أمام تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، بل وحتى المرحلة الأولى، إذ تشير التقديرات إلى أن إسرائيل تخرق الاتفاق ثلاث إلى أربع مرات يومياً. ويُعد معبر رفح مثالاً واحداً على طبيعة ما يجري على الأرض في هذا السياق.

لماذا هذا التحوّل في موقف نتنياهو؟

الادعاء المركزي يتمحور حول الملف الإيراني. فحسب القناة «11»، هيئة البث الرسمية الإسرائيلية، اتخذ نتنياهو صباح السبت، قرار التعجيل بزيارته إلى واشنطن من 18 من الشهر الحالي إلى يوم الثلاثاء المقبل، عقب متابعته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تحدث فيها عن «تقدم إيجابي في مفاوضات عُمان»، وعن «شعور بأن إيران معنية فعلياً بالتوصل إلى اتفاق».

وحسب بيان صادر عن مكتب نتنياهو، جاء قرار تقديم موعد الزيارة على خلفية اعتبار أن إيران «مخادعة» ولا ينبغي تقديم أي تنازلات لها. ولتعزيز هذا الموقف، شدد البيان على أن «أي تفاوض مع طهران يجب أن يتضمن تقييد برنامجها للصواريخ الباليستية ووقف دعمها لما يُعرف بالمحور الإيراني». كما نقل مقرّبون من نتنياهو أنه يعتزم مطالبة ترمب بفرض اعتراف إيراني بإسرائيل باعتباره «دليلاً على نوايا سلام حقيقية».

وأفادت هيئة البث العامة الإسرائيلية (كان 11) بأن تل أبيب تخشى من أن يتراجع الرئيس ترمب عن «نقاط تم الاتفاق عليها مسبقاً مع إسرائيل» قبل انطلاق المفاوضات مع إيران. وفي هذا السياق، فسّرت تقارير إسرائيلية بيان مكتب نتنياهو على أنه بمثابة استعراض للقوة، يهدف إلى إظهار أن إسرائيل لم تقف مكتوفة الأيدي، وأن الهدف من هذه الخطوة هو التأثير في عملية صنع القرار الأميركي قبل فوات الأوان.

ستة مطالب إسرائيلية

ولكي تكتمل عناصر الدراما السياسية، أعلن نتنياهو أن قائد سلاح الجو الإسرائيلي سيرافقه إلى واشنطن، بهدف عرض ما يصفه بضرورة توجيه ضربة لإيران، معتبراً أن ضربة من هذا النوع من شأنها شلّ القدرات الإيرانية وزعزعة ثقتها بنفسها. ودعا نتنياهو إلى عقد اجتماع مع قادة أحزاب الائتلاف الحكومي، إضافة إلى جلسة أخرى للمجلس الوزاري المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، الأحد.

وسيعقد سلسلة اجتماعات يومي الأربعاء والخميس، على أن يعود الجمعة. وتشمل لقاءاته الرئيس الأميركي وعدداً من كبار المسؤولين في إدارته، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والجنرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب المبعوثين المكلّفين بالملف التفاوضي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وتفسّر صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية هذه الزيارة الدرامية بأنها محاولة من نتنياهو لإقناع ترمب بتبنّي ستة مطالب إسرائيلية فيما يتصل بالملف الإيراني. ويتمثل المطلبان الأولان في إدراج ملف الصواريخ الباليستية ضمن المفاوضات، مع تقليص مداها إلى 300 كيلومتر، إضافة إلى وقف الدعم الإيراني لما تصفه إسرائيل بالوكلاء في المنطقة.

أما في الشق النووي، فتطرح إسرائيل أربعة مطالب إضافية، تشمل ضمان الإلغاء الكامل للمشروع النووي الإيراني، وإخراج جميع كميات اليورانيوم المخصّب من إيران، والامتناع عن أي نشاط تخصيب مهما كانت نسبته، فضلاً عن إعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران ومنحهم صلاحيات إجراء زيارات مفاجئة للمنشآت النووية.

لوبي داخل البيت الأبيض

وتقول الصحيفة إن نتنياهو حاول إقناع ويتكوف وكوشنر بهذا الموقف، لكنه يشكك في مدى التزامهما بطرحه خلال مسار المفاوضات، ما يجعله يرى أن الحديث المباشر مع ترمب يبقى الخيار الحاسم. ويعتقد نتنياهو أن لا أحد سواه قادر على إقناع الرئيس.

ويراهن نتنياهو على أن يحظى موقفه بدعم فانس وروبيو، باعتبارهما أكثر تشدداً من بقية أعضاء الفريق الأميركي، في محاولة لبلورة لوبي داخل البيت الأبيض يمكّنه من مواجهة التيار المؤيد للتوصل إلى اتفاق مع إيران.

في المقابل، يؤكد خبراء إسرائيليون أن ملف الصواريخ مطروح بطبيعته ضمن أي مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي، إذ إن إنتاج سلاح نووي سيكون بلا قيمة في غياب صواريخ باليستية متطورة قادرة على حمل رؤوس نووية، وهو أمر يدركه المفاوضون الأميركيون جيداً. وبناءً على ذلك، يرى هؤلاء الخبراء أن حالة الهلع التي تبديها إسرائيل في هذا السياق تبدو مفتعلة إلى حدّ كبير.

والحقيقة، كما عبّر عنها يوفال شتاينيتس، رئيس شركة «رفائيل» للصناعات العسكرية، الذي شغل سابقاً منصب وزير الشؤون الاستراتيجية في حكومة نتنياهو، هي أن إسرائيل لا تريد في الأساس التوصل إلى اتفاق نووي. وترى أن أي اتفاق، مهما كانت شروطه، سيكون سيئاً وسيؤدي إلى تعزيز قوة النظام في طهران، لأنه سيتضمن رفع العقوبات واستئناف تدفق الأموال، التي ستُستخدم، وفق هذا التصور، في دعم وكلاء إيران، من «حزب الله» في لبنان، إلى الفصائل العراقية، و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطينيين، وصولاً إلى الحوثيين في اليمن.

وحسب شتاينيتس، المقرّب من نتنياهو، فإن البديل المطروح يتمثل إما في توجيه ضربة عسكرية، وإما في تجميد الوضع القائم. ويعتبر أن الضربة العسكرية تشكل الحل الأمثل، لأنها من شأنها إضعاف الحكم في إيران والدفع نحو سقوطه، فيما يُعد تجميد الوضع الحالي الخيار الثاني من حيث الأهمية، لأنه يمنع التوصل إلى اتفاق، ويُبقي العقوبات قائمة، بما يؤدي إلى إضعاف النظام اقتصادياً وشعبياً.

وأكد شتاينيتس أن لدى نتنياهو ورقة مهمة في هذا السياق تتعلق بحرب يونيو (حزيران)، مشيراً إلى أنه في تلك المرحلة جرى توجيه ضربات قاصمة من دون أن يُصاب أي جندي أميركي.

وقال شتاينيتس إن نتنياهو، في جميع الأحوال، يسعى إلى الحصول على تأييد ترمب للموقف الإسرائيلي التقليدي القائم على أن إسرائيل ليست طرفاً في أي اتفاق محتمل مع إيران، ولا يُلزمها بشيء. ويستند هذا الموقف، حسب شتاينيتس، إلى قناعة بوجود حاجة ملحّة إلى الإبقاء على سيف التهديد بالحرب مسلطاً على إيران بصورة دائمة.

ويطرح ذلك تساؤلات حول الكيفية التي سيعرض بها نتنياهو هذا الموقف من دون المساس بهيبة ترمب، وما إذا كان سينجح في تشكيل لوبي داخل البيت الأبيض لمواجهة ويتكوف وكوشنر، بما يتيح تقييد هامش حركتهما خلال المفاوضات. كما يثار سؤال آخر حول ما إذا كان نتنياهو يسعى إلى الدفع باتجاه خطوات من شأنها استفزاز القيادة الإيرانية ودفعها إلى الانسحاب من المفاوضات، مقابل ما إذا كان القادة الإيرانيون سيبدون قدراً كافياً من الحكمة لسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو والمضي قدماً نحو اتفاق مع ترمب.

وفي ظل إدراك أن ما يشغل نتنياهو في هذه المرحلة هو وضعه الداخلي المتأزم، مع بدء المعركة الانتخابية عملياً وتراجع حظوظه في استطلاعات الرأي، فإن ما يهمه راهناً هو صدور موقف أميركي يعزز مكانته الداخلية، ويقدمه في صورة من يقف في مواجهة إيران، بل في صورة «المقاتل» أو «البطل»، كما يصفه ترمب.