أفلام متعددة تتناول بحث السود عن الهوية الخاصة في السينما

المشاكل ذاتها قبل جورج فلويد وبعده

الخوف من المجهول في «اخرج»
الخوف من المجهول في «اخرج»
TT

أفلام متعددة تتناول بحث السود عن الهوية الخاصة في السينما

الخوف من المجهول في «اخرج»
الخوف من المجهول في «اخرج»

تحققت مخاوف كريس واشنطن واكتشف أن هناك من يحاول ابتلاعه حيّاً أو ميّتاً. من يكن له الحقد لمجرد أنه أسود البشرة. وهو مجتمع قائم على مبدأ نحن وهم، وأبناء «نحن» هم الذين يريدون الاستئثار بالمكوّنات الاجتماعية كلها. كريس واشنطن اكتشف ذلك متأخراً.
كريس واشنطن هو اسم الشخصية التي لعبها الممثل دانيال كالويا في فيلم Get Out قبل عامين. شاب أسود مسالم ولطيف تربطه علاقة حب بفتاة بيضاء اسمها روز (أليسون وليامز) التي تريده أن يلبّي دعوة والديها اللذين يريدان التعرّف عليه. يستجيب ويكتشف هناك أن الدعوة كانت كميناً اشتركت فيها صديقته.
«اخرج» ـ الذي كتبه وحققه الأفرو- أميركي جوردان بيل، جسّد مخاوف الرجل الأسود في عالم لا يستطيع البقاء فيه آمناً. عالم قد يسحقه أو قد يبتلعه أو - في أفضل الأحوال- قد يُعيده إلى الطاعة كنسيج جديد من العبودية (الفيلم يحوي مثالاً من هذا النوع لشخص اسمه وولتر).
- الصفعة
في وسط ما تشهده الولايات المتحدة اليوم من عاصفة أمنية تبعاً للحادث العنصري الذي وقع قبل نحو عشرة أيام وأدّى إلى مقتل رجل أسود غير مُسلّح تحت وطأة ركبة شرطي جثمت فوق عنق الضحية حتى النَفَس الأخير، تتبدى معالم الرحلة التي خاضتها السينما الأميركية في كل مرّة تحدّثت عن موضوع شائك يتعلق بالموضوع العنصري.
من فيلم داخل بواباتنا (Within Our Gates) سنة 1920 إلى «اخرج» وما تلاه من أفلام أخرى قادت مواضيعها شخصيات أفرو - أميركية وقام ببطولتها ممثلون من ذوي البشرة الداكنة، تداعت الأفلام التي عبّرت بشكل أو بآخر عن تلك المخاوف التي تعيش في عمق الأفرو - أميركي في الولايات المتحدة وربما في أي منطقة في العالم فيها أقليات تواجه أوضاعاً عنصرية مشابهة.
لكن السينما الأميركية كونها موجهة لخدمة الجمهور الغالب على أي حال، والجمهور الغالب يريد ترفيهاً وليس تفكيراً، فإن الثلاثينات والأربعينات ثم ما تلاهما من عقود، حتى أواخر الستينات والقسم الأكبر من السبعينات، لم تكترث لتقديم أفلام كثيرة لا عن الإنسان الأسود كشخص ولا عن الموضوع العنصري كحالة ماثلة. غالبية ظهور الممثلين السود في أفلام الثلاثينات والأربعينات والخمسينات كانت من تلك التي تقدّمه على أحد نحوين: متخلّف عن الفهم، كسول وجبان (صورته في بعض أفلام سلسلة التحري تشارلي تشاين مثالاً)، أو شخص يمكن الوثوق به لأن طموحاته الشخصية متدنية ولا مطالب له فوق ما وُلد عليه.
في هذا النطاق نجد شخصية الخادمة الوفية للعائلة الجنوبية مامي (هاتي ماكدانيال) في «ذهب مع الريح» (فكتور فلمينغ، 1939) ومثل شخصية عازف البيانو سام (دولي ولسون) في «كازابلانكا» (مايكل كورتيز، 1942). سام هو صديق ملائم وعازف بيانو موهوب لكن بشرته السوداء تبدو كنوع من الزينة في هذا الموقع المغربي في الفيلم.
ربما لم تنطلق تلك الصورة من خارج الواقع حينها، لكن هوليوود حافظت عليها إلى أن بدأ المخرجون يوفرون صورا للرجل الأسود أكثر أهمية من مجرد شخص بسقف معيشي منخفض وبطموحات بسيطة.
شكراً لرواية هاربر لي قام المخرج الجيد (والمهمل من الذكر عادة) روبرت موليغَن بتحقيق «لقتل طائر مقلّد» (To Kill a Mockingbird) في العام 1963 وفيه رجل أسود (بروك بيترز) متهم باغتصاب امرأة بيضاء. فكرة الزواج العابر للعنصر البشري ظهرت في فيلم مصالحة هو «احذر من القادم للعشاء» (ستانلي كرامر، 1967) وفي سنة 1967 أيضاً «في حرارة الليل» (In the Heat of the Night) حيث عرض المخرج نورمان جويسون وضع تحر أسود (سيدني بواتييه) له الفضل في تبرئة متهم أبيض من جريمة قتل. هنا صفع الأسود الرجل الأبيض لأول مرّة على الشاشة… وأين؟ في حكاية تقع في الجنوب الأميركي.
قبل ذلك مناوشات في الموضوع العنصري كما في «المتحديان» لستانلي كرامر (1958) و«حافة المدينة» لمارتن رِت (1957) (كلاهما من بطولة سيدني بواتييه).
- نهاية الوهج
ذلك النصف الثاني من الستينات كان نقطة تحوّل مهمّة من حيث إنها الفترة التي شهدت مفهوم «بلاك باوَر» وصعود حركات مناهضة العنصرية بشقيها المسالم (مارتن لوثر كينغ) وغير المسالم كثيراً (مالكولم أكس) وتأثير هذه الحركات ظهر من العام 1968 ولاحقاً ليشكل ما تم تعريفه بـ Blackexplitaton: وهي أفلام يقودها ممثلون أفرو -أميركيون يؤدون شخصيات بطولية منفردة. ليسوا في المؤخرة ولا في الجوانب ولا حتى من «سنّيدي» البطل الأبيض، بل هم البطل الوحيد.
تم إنتاج أكثر من 150 فيلما من العام 1968 وخلال السبعينات وكثير منها حمل أسماء أبطالها: «شافت»، «سلوتر» «بلاك سيزار»، «سامسون الأسود»، «كوفي»، «كليوباترا جونز»، «شارلستون بلو» و«فوكسي براون».
معظمها أفلام بوليسية يؤدي دور البطل الأسود شخصية التحري الخاص أو الرسمي الذي يواجه عصابة بيضاء (وأحيانا توجد عصابتان واحدة بيضاء والأخرى سوداء) مع ما تتضمنه تلك البيضاء من شخصيات عنصرية. في «شافت» يواجه رتشارد راوندتري هذه المعضلة ولا تفرق معه لون البشرة التي يواجهها. في «سلوتر» يحاول جيم براون معرفة من الذي اغتال صديقه الأبيض. «كليوباترا جونز» (من بطولة تامارا دوبسون) تنتصر هذه المرأة المسلحة بالبراعة والجمال على عصابة شيلي ونترز وتحرق حقول المخدرات التركية التي تستثمرها العصابة. كليوباترا هي التي تعطي الضوء الأخضر للقائد العسكري التركي (وليست قيادته أو مسؤول البنتاغون مثلاً) فيقول بخطأ مقصود Everything is readiness ثم يشير بيده فيتم الحرق.
في الواقع لم يمتلك السود أي موقع سلطوي كهذا إلا مع وصول كولِن باول وكونداليزا رايس وباراك أوباما إلى السُلطة في فترات متقاربة. لكن ما منحته هذه الأفلام للمشاهدين الأفرو - أميركيين شخصيات من الخيال تفرض على المجتمع قوانين جديدة وتشارك الشخصيات البيضاء في أفلام القوّة والحركة التعامل معها.
بعد تقلص وهج تلك الانتفاضة السينمائية في أواخر السبعينات، أصبح معتاداً في أفلام البيض أن يتشارك الأبيض والأسود في البطولة كما حال داني كلوفر ومل غيبسون في سلسلة Lethal Weapon وكما حال إيدي مورفي ونك نولتي في «48 ساعة».
- نقد الواقع
بعيداً عن أفلام القوّة، سوداء أو بيضاء مع شريك أسود مناسب، ظهرت خلال الفترة اللاحقة وإلى اليوم أفلام جادة حول موضوع العلاقات العنصرية. «اخرج» ليس سوى واحد في سلسلة طويلة.
على سبيل المثال وضع المخرج سبايك لي كل ما يملكه من نقد للواقع العنصري في «افعل الشيء الصحيح» (1989) و«حمى الغابة» (1991) وعاد إلى الموضوع في «مالكولم أكس» (1992).
ونقل جون سينغلتون الموضوع إلى الغيتو ثانية في «فتيان الحي» (Boyz N the Hood) في السنة ذاتها. وسخر «أيها البيض الأعزاء» (Dear White People) من (لجوستين سيميَن، 2014) الوضع العنصري ووجهة نظر المحافظين‪.‬
بجانب هذه الأفلام طفت موجة من الأفلام التي تصوّر إما تاريخ العبودية أو ترصد مظاهرات الاحتجاجات التي اشتعلت في أكثر من مكان وزمان في الولايات المتحدة. في ذلك لم يكن «12 سنة عبداً» لستيف ماكوين أول فيلم عن الرق والعبودية من وجهة نظر معادية (هناك الفيلم الجيد والمنسي «ماندينغو» لرتشارد فلايشر سنة 1975 على سبيل المثال) كذلك لم يكن Selma لافا دوفارني إلا واحداً من أعمال تسجيلية كثيرة حول أحداث حقيقية وقعت في إطار الاحتجاجات العنصرية التي عرفتها أميركا في كل مراحلها الزمنية.
لكن في معظم هذه الحالات، فإن ما تشي به الأفلام التي عاينت موضوع العلاقة بين البيض والسود هو بحث الأفرو - أميركيين عن هوية فعلية ذاتية واجتماعية. والبحث سيبقى جارياً…


مقالات ذات صلة

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

يوميات الشرق أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

واصل فيلم «إذما»، الذي يقوم ببطولته أحمد داود وسلمى أبو ضيف، صعوده في شباك التذاكر المصري ليحافظ على المركز الثاني بالإيرادات اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق دياب ورمضان خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

محمد دياب لـ«الشرق الأوسط»: «أسد» ليس وثيقة تاريخية

قال المخرج المصري محمد دياب إن فيلم «أسد» لم يكن بالنسبة له مجرد تجربة سينمائية ضخمة أو محاولة لتقديم عمل ملحمي بصري.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)

الوجه الآخر لماريلين مونرو

كانت أكثر من جسد تلتهمه الكاميرات وتُصدّره إلى الجمهور العريض. كانت موهوبة...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ختم «شاشات الجنوب» فعالياته مع «اللي باقي منك» (متروبوليس)

مهرجان «شاشات الجنوب» يختم فعالياته بفيلم «اللي باقي منك»

يأتي تنظيم هذا المهرجان انطلاقاً من إيمان جمعية «متروبوليس سينما» بضرورة إفساح المجال أمام أفلام الجنوب.

فيفيان حداد (بيروت)

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.


شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
TT

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)

STAR WARS‪:‬ ★★

THE MANDALORIAN

AND GROGU

إخراج: ‪جون فافريو‬

الولايات المتحدة | خيال علمي

الجزء العاشر من السلسلة

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها. طبعاً لا تزال بعض الأفلام الأخيرة، مثل «The Last Jedi» لريان جونسون (2017) و«Rogue One: A Star Wars Story» لغاريث إدواردز خصوصاً، تؤمّن بعض الأفكار الجديدة المنفّذة جيداً.

«ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» ليس من بينها. نعم، يوفر شخصية محارب جديد (الماندالوري أو ماندو في الفيلم) الذي يهب حياته لمعاقبة الأشرار. الحكاية تطول منتقّلة من مهمّة جديدة مسندة إليه (إنقاذ ابن المخلوق جابا الذي اختُطِف إلى كوكب شكاري تمهيداً لاحتلال مملكة أبيه ومنعه من الوراثة).

إذ تنطلق الحكاية على هذا النحو، تتعرّض لمغامرات ماندو المتواصلة مع مخلوق صغير اسمه غروغو، موجود لتسلية الصغار بكلّ السذاجة الممكنة. في الواقع، أمكن غروغو أن يكون كلباً أو قرد شمبانزي، فكلاهما يعجب الأولاد من الجنسين. شخصية ماندو بدورها كان يمكن لها أن تأتي في فيلم مستقلّ تماماً عن السلسلة الشهيرة. كما هي الآن، هي «تفليم» لمسلسل تلفزيوني نال نجاحاً كبيراً. خطوة آمنة أخرى بالنسبة إلى «ديزني» لاستثمار لا «حرب النجوم» وحدها، بل المسلسل التلفزيوني أيضاً.

كل ما سبق كان يمكن تقبّله لو أنّ جديداً فعلياً طرأ على القصة أو شخصياتها بمناسبة نقلها إلى الشاشة الكبيرة على الأقل. الأحداث متتابعة لكنها مُعالجة على هيئة حلقات منفصلة تبعاً لخيال، وليس على شكل إبداع وخَلْق. هو فيلم بلا روح، مليء بمعارك مصنوعة بواسطة الرسوم الحاسوبية شوهدت مراراً قبل ذلك، وباتت مثل مطاردات أفلام الوسترن القديمة حيث البطولة للحصان (على الأقل كان مخلوقاً حيّاً) في مطاردات لا تنتهي. التمثيل، وفق التقليد المتَّبع في أفلام ملؤها المؤثرات والموسيقى (للودفيغ غورانسون)، جيد في حال سماعها للمرة الأولى والثانية، قبل أن تُسبِّب الضجر لتكرارها.

THE HOUSEMAID★★

إخراج: ‫بول فيغ‬

الولايات المتحدة | دراما تشويقية

ثرية تستقبل عاملة منزل وتندم

«تستطيعين مناداتي نينا»، تقول الزوجة (أماندا سيفريد) للشابة ميلي (سيدني سويني) في الثواني الأولى من لقائهما. الأولى ربّة بيت كبير لزوجها الثري أندرو (براندون سكلينار)، والثانية وصلت للتو لتشغل وظيفة الإشراف على شؤون المنزل.

«عاملة المنزل» (ليونزغيت)

إذ تبدأ ميلي عملها سعيدة بالاستقبال الجيد والودود، يضع المخرج، الذي اقتبس فيلمه عن رواية ناجحة لفريدا ماكفادن، الخطّة للانتقال من التأسيس إلى الحبكة المراد بها أن تكون درامية نفسية. نينا ستندم على قبول ميلي بعدما لاحظت تقارباً بين زوجها والعاملة المنزلية، تمهيداً لنهاية تأتي بلا مفاجآت.

الواقع أنّ الفيلم بكامله يخلو من مفاجأة فعلية. المفارقات تتابع كما يتوقّعها المُشاهد. المخرج بول فيغ اعتمد خطاً قصصياً من دون إضافة ظلال مناسبة. بذلك يمضي الفيلم، بعد نحو ساعة من التمهيد وربع ساعة من الاسترجاع، صوب تطوّرات لا يشعر المشاهد حيالها بأي اهتمام، إلا إذا كان مدمناً على أفلام تفتقر إلى الحد الأدنى من الغموض والتشويق.

RUST★★★

إخراج: ‫جوِل سوزا

الولايات المتحدة (2025) | وسترن

الحكاية التي تشبه ما حدث وراء الكاميرا

‫ثمة تشابه مؤسف بين الحكاية التي يسردها الفيلم وما حدث في الواقع. هذا هو الفيلم الذي أطلق فيه الممثل أليك بالدوين النار على مديرة التصوير هالينا هاتشينز معتقداً أنّ المسدس يحتوي على رصاص فارغ. في الفيلم (كما كُتبت حكايته قبل الحادثة) صبي يقتل رجلاً بالخطأ أيضاً. في «رست» (اسم الشخصية التي يؤدّيها بالدوين) رغبة محقّة في توفير فيلم «وسترن» بجماليات المكان الطبيعي والعام. مشاهده مؤطرة بدراية، ولقطاته موحية وجميلة، ولو أنّ ألوانها تنتمي إلى نسق داكن واحد نصف ناجح.‬

أليك بولدوين وباتريك سكوت في «رست» (120DB فيلمز)

‫اهتمام المخرج بتوفير جماليات كلّ لقطة وكيفية تأطيرها لا غبار عليه، سوى أنّ الحكاية تبقى بعيدة عن الاستفادة من هذا المنوال. هناك ثلاثة خطوط قصصية، أحدها عن رست وحفيده، والآخران عن مطارديه وخلفياتهم. تتابع هذه الخطوط بسهولة، لكن المخرج ومونتيره (ديفيد أندالمان) لا يملكان القدرة على تلاحمها على نحو يبعث على التشويق، بل حتى على الاهتمام أيضاً.‬

‫بعد عروض قصيرة وفاشلة في صالات السينما، يمكن الآن مشاهدته عبر المنصات، ولو على حساب الجماليات التي توفرها الشاشة الكبيرة في نطاق سينما الغرب الأميركي.‬

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.