«صندوق تضامن» لإنقاذ المؤسسات الثقافية اللبنانية

الفنون مهددة بسبب الضائقة الاقتصادية

جانب من عرض «تذكرة إلى اتلنتس» الممول من {آفاق}
جانب من عرض «تذكرة إلى اتلنتس» الممول من {آفاق}
TT

«صندوق تضامن» لإنقاذ المؤسسات الثقافية اللبنانية

جانب من عرض «تذكرة إلى اتلنتس» الممول من {آفاق}
جانب من عرض «تذكرة إلى اتلنتس» الممول من {آفاق}

الفنون ليست أولوية أحد في المنطقة العربية، وهذا الإهمال سيتسبب بتهديد وجودي لها في الأشهر المقبلة وهي تجتاز أزمتين عصيتين في وقت واحد: الإغلاق بسبب الوباء وما سيستتبعه من بطء للنشاطات قد يمتد طويلًا، تضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية، وهو ما يهدد كثيرًا من المؤسسات الثقافية بالتوقف والفنانين بالبطالة، والكادرات الإبداعية التي هي ثروة بشرية يصعب تعويضها بالتشتت. وإذا كانت المنطقة العربية كلها تعاني، فإن لبنان هو الأكثر وجعاً بسبب توالي الأحداث التي بدأت باندلاع الثورة في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تلاها الانهيارين الاقتصادي والنقدي، ومن ثم ما حملته جائحة كورونا من شلل لمناحي الحياة كافة.
وخشية على العمل الثقافي، الحلقة الأضعف اجتماعياً، بدأت جهات مانحة بالإعلان عن أشكال مختلفة من الدعم والتمويل، في محاولة لاحتواء الأزمة. ففي منتصف الشهر الماضي، أطلق كل من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) ومؤسسة المورد الثقافي برنامج «صندوق التضامن» لدعم المؤسسات الفنية والثقافية في لبنان، وهو التعاون الأول بين المؤسستين الإقليميتين. وفي الصندوق ما يقارب 800 ألف دولار ستمنح لعدد من المؤسسات، قد تصل إلى 16 مؤسسة، قيمة الدعم يبلغ 80 ألف دولار أميركي كحدّ أقصى للمؤسسة الواحد. والهدف هو إعانتها على تجاوز هذا الظرف الذي لم يسبق للبنان أن مرّ بمثيل له، حتى خلال الحرب الأهلية في سبعينيات وثلاثينيات القرن الماضي. ويأتي الدعم لـ«صندوق التضامن» من ممولي آفاق والمورد الثقافي، بما فيهم مؤسسات المجتمع المفتوح ومؤسسة فورد. وينتهي تقديم الطلبات على موقعي المؤسستين في 15 من يونيو (حزيران) الحالي.
ويختلف هذا الدعم عما تتلقاه المؤسسات الثقافية عادة لأنه غير مرتبط بتنفيذ مشاريع محددة، إنما الهدف منه هو إعانتها على الحفاظ على وجودها، وإعادة التفكير بمواردها وأهدافها ونشاطاتها وهيكلتها، وربما إعادة النظر بدورها، أو إمكانية التعاون مع مؤسسات أخرى. بكلام آخر، ما هو مطلوب اليوم هو حماية هذه الكيانات من الانهيار، بعد سنوات خصبة من العمل الإبداعي.
والمخاوف على العمل الثقافي في لبنان لم تبدأ مع كورونا، وإنما باندلاع الثورة اللبنانية في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وثمة نقاشات تمت وتتواصل بين المبدعين أنفسهم، وبينهم وبين الممولين المتبقين، خاصة أن بعض من كانوا يضخون المال في الحياة الثقافية لم يعد لهم وجود، أو باتوا في أزمة، مثل المصارف على سبيل المثال.
وتشرح لنا ريما المسمار، المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، أن «طلبات المتقدمين لمنحة الصندوق ستدرس من قبل لجنة محايدة، مكونة من 3 أشخاص لهم معرفة بالسياق الثقافي والفني وإدارة المؤسسات. وميزة هذه المنحة تحديداً أنها ليست مشروطة، ولا مرتبطة ببرنامج، والأهم أنها ستصل بسرعة لأصحابها، مراعاة للحاجة الداهمة لها. وتترك للحاصلين على المساعدة مهمة التصرف بها بالطريقة التي يرونها مناسبة لهم». وتختم المسمار حديثها بالقول: «الفنانون باتوا يدركون أن دورهم المقبل مختلف عما كان عليه في السابق، ويشعرون أنه بات من الضروري أن يعيدوا ابتكار دورهم، ونتمنى أن تسهم هذه المبالغ التي يتلقونها في مساعدتهم على ذلك».
إيلينا ناصيف، المديرة التنفيذية لمؤسسة المورد الثقافي الشريكة في «صندوق التضامن»، تعد أن المشكلة الرئيسية هي أن «نظام الرعاية للثقافة غير موجود في المنطقة العربية، ولا يوجد أيضاً تقليد من نوع أن يحول الأغنياء جزءاً من أملاكهم للخدمة العامة، كوقف لتمويل الثقافة والمساعدة على إيجاد صروح عريقة لها تاريخ. وهذا أحد أسباب الأزمة العميقة التي تبعت الجائحة، بالنسبة للحياة الثقافية في البلدان العربية بشكل عام. وهو ما جعلنا نفكر بضرورة إيجاد حل لهذا الشح الكبير».
وترفض كل من مسمار وناصيف فكرة أن تكون المؤسسات الغربية المانحة تتوخى تحقيق أهداف من تمويلها في المنطقة العربية، إذ تؤكدان أن هذه المنح تعطى من دون أي إلزام للفنان بأي شرط، بل هي حرة، وتترك لمن يحصل عليها تقدير المكان الأنسب لاستثمارها في عمله.
«لا يوجد من يمكن أن يعطينا إجابات اليوم حول الطريقة التي سيواجه بها الفنانون التحديات الجديدة، سواء كانت فكرية أو إبداعية. لا نعرف ما الأشكال الجديدة التي ستتفتق عنها هذه الأزمة، وأي دور يمكن أن يلعبه الفن»، تقول ناصيف التي تضيف: «نحن أمام مرحلة ضبابية، فيها كثير من اللايقين. لذلك لا نريد أن نسقط رؤيتنا على المبدعين الذين هم أصلاً في مرحلة مخاض ومراجعة. هدفنا أن نتيح لهم فرصة إعادة بناء مشاريعهم ومؤسساتهم، والانطلاق من جديد، وحمايتهم من السقوط».
ومن بين التصورات المحتملة لإنقاذ هذا القطاع التعاون بين العاملين الثقافيين في مجالات مختلفة، ربما توطيد التواصل بين منظمين لمهرجانات أو بين مديري مسارح أو جمعيات، ورؤية إذا ما كان ثمة مشاريع يمكن أن تقام بالتعاون بين فنانين من ميادين مختلفة، كأن يعمل موسيقيون مع ممثلين، أو تشكيليون مع مصورين، وغير ذلك، أو بناء أنشطة تدمج وتوحد، وتخلق رؤى جديدة، وهو ما سيرفع عدد المهتمين بهذه الأنشطة لأنها ستجمع جمهورين أو أكثر.
العمل على هذا النوع من التلاقح الفني بدأ. والسيدتان المسمار وناصيف متفائلتان بسبب ما تريانه من حماسة لدى الفنانين، والحيوية التي بدأت تنمو في أوساطهم.
الذهاب نحو الأعمال المشتركة، وإدراك أن التعاون هو السبيل للخروج سيكون فرصة لم تتح من قبل. وتعد ناصيف أننا أمام «لحظة ذهبية، إن استغلت بالفعل سنرى أعمالاً مبتكرة في مختلف المجالات الفنية، ما كانت لتولد من دون الأزمة والاضطرار للعمل معاً».
وتختصر ناصيف ذلك بالقول: «كانت الأولوية بالنسبة لنا أن تتم المحافظة على المؤسسات، وأن تتمكن كل مؤسسة من الإبقاء على مكاتبها وفريق عملها، من إداريين وفنانين، لأن إعادة جمعهم إذا ما تفرقوا مسألة غير مضمونة على الإطلاق، إذ إن كلاً منهم قد يذهب إلى مهنة أخرى غير فنية يعتاش منها. ثم إن الهدف الثالث هو أن يتمكنوا خلال هذه المرحلة الانتقالية ليس فقط من الإبداع، بل أيضاً ابتداع حضورهم، فهم حاجة مجتمعية، وإن كنا لا نلحظ ذلك في مجتمعاتنا العربية».
الظروف ليست صعبة في لبنان فقط، وإن كان الوضع في بلاد الأرز استثنائياً بسبب توالي المشكلات وتراكمها في وقت واحد. فهشاشة الاقتصاد بعد الإغلاق الطويل بسبب الجائحة يطال الجميع في المنطقة. وثمة دول عانت حروباً طويلة، وأخرى لديها صعوبات ذات صلة بالحريات، لذلك سيكون لـ«آفاق» مبادرة لدعم الفنانين العرب كأفراد لمرحلة تمتد ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر. وذلك من خلال منح حرة، تبلغ قيمتها ثلاثة آلاف دولار للشخص، ستذهب إلى نحو 150 شخصاً تضرروا من الجائحة، وبحاجة لإكمال مشروع توقف، أو لبدء عمل يريدون إنجازه. ولا تشترط المنحة إنجاز عمل بالضرورة، ولا تطلب من الحاصلين عليها تقديم أي نتاج، وإن كانت ترحب بذلك.
وفي مساعدة مشابهة موجهة للأفراد أيضاً سيطلق «المورد» قريباً ضمن مبادرة «كن مع الفن» الموجودة منذ عام 2016 برنامج دعم للفنانين والتقنيين والفاعلين الثقافيين في المنطقة العربية، في صورة منحة تصل إلى خمسة آلاف دولار للشخص. وتأتي هذه المساعدة لمساندة فنانين باتوا يعانون من غياب الضمان الصحي، أو فقدوا عملهم، أو توقفت مشاريعهم، وربما يتمكنون من استكمالها بهذه المنحة.
وهناك مبادرة أخرى من المورد، إنما لدعم المؤسسات العربية المتضررة، من خلال الدعم الفني، ضمن برنامج موجود منذ عام 2011 يحمل اسم «عبّارة»، ستستفيد منه نحو 11 مؤسسة على مدى سنتين تقريباً. والبرنامج ينطوي على ورشات، وتدريب، ومساعدة على التشبيك، وإعطاء النصائح التقنية والخبرات.
وتشرح ناصيف التي تتواصل بحكم عملها مع مؤسسات عربية عدة أن «كثيراً منهم لن يتمكنوا من الصمود إن لم تنتعش الأنشطة بدءاً من هذا الشهر». وهو أمر محزن، لأن الجائحة بينت كم أن حاجة الناس للفنون كبيرة. فالمحجورون لم يجدوا أفضل من الموسيقى والأفلام وزيارة المتاحف والمكتبات للتغلب على محنتهم في عزلتهم. بالتالي، وبعد هذه التجربة المهمة، يجب أن نستخلص العبر، بحيث تصبح النتاجات الثقافية من القطاعات التي تستحق أن تعنى بها الدولة لضمان المصلحة العامة، كالصحة والتعليم.



«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».