«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية

عالية ممدوح في روايتها الأخيرة التي دخلت قائمة «بوكر» القصيرة 2019

«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية
TT

«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية

«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية

تواصل الروائية العراقية المغتربة عالية ممدوح في روايتها الأخيرة «التانكي»، التي وصلت إلى القائمة القصيرة في مسابقة البوكر للرواية العربية لعام 2019، الانطلاق من بنية مكانية صغيرة، لكنها مؤثرة وفاعلة، هي بنية المشفى أو المركز الصحي، حيث نجد بطلة الرواية عفاف ترقد في مشفى في باريس.
وهذا التواتر على اختيار المشفى بنية مكانية روائية في 3 روايات من روايات عالية ممدوح، هي: «التشهي» و«المحبوبات» و«التانكي» يدفعنا للحديث عن تشكل ثلاثية روائية في ثلاث روايات من روايات عالية ممدوح، تتمحور حول بنية المكان الصغير المتمثل في المشفى الطبي، حيث تدور معظم الأحداث الروائية حول هذا المشفى أو داخله، وتستقطب شخصية المريض اهتمام السرد والحدث الروائي برمته. كما أن هذه الروايات لا تتوقف عند الحالة المرضية للمريض فقط، بل تتعالق بطريقة واضحة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية في العراق من خلال العقود الأربعة الأخيرة، مع تركيز خاص على فترة حكم صدام حسين والسنوات العشر الأولى التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. وتبدو الحالة المرضية في أغلب الروايات صدى سيكولوجياً وروحياً لتدهور أوضاع الفرد العراقي، وغياب الحريات وتدمير القيم المدنية واستشراء الاستبداد والعنف والتوتر الطائفي في العراق خلال هذه الفترة.
في هذه الرواية تكشف الروائية عالية ممدوح أيضاً عن نزعة نسوية Feminist واضحة من خلال جرأتها في كسر التابوات العرفية والاجتماعية والسياسية، ودفاعها عن حرية المرأة في خياراتها الثقافية والأيروسية، وهي كما يبدو تحاول أن تكتب تاريخاً للمرأة متحرراً من هيمنة المنظور الذكوري المتسلط على الثقافة، وكأنها أرادت أن تطبق دعوة هيلين سيكسو للنساء «بالتفكير في تاريخهن على نحو مختلف وأنه لا بد للنساء أن يخترعن تاريخاً آخر يكون خارج روايات السلطة واللامساواة والاضطهاد. (عالية ممدوح جريدة «الرياض» بالسعودية، 20 ديسمبر «كانون الأول»، 2014).
ويخيل لي أن منحى الروائية عالية ممدوح لاختيار المشفى بنية مكانية غير بعيد عن أجواء رواية «المريض الإنجليزي» The English Patient الصادرة عام 1992، التي تحولت إلى فيلم سينمائي ناجح عام 1996، إذْ تُستهل هذه الرواية بمشهد الممرضة الكندية الشابة (هانا)، وهي تقوم على رعاية شخص محترق كلياً بسبب سقوط طائرته خلال الحرب العالمية الثانية، في فيلا مخربة في الريف الإيطالي مجاورة لأحد الأديرة الإيطالية، حيث تكتشف أن المريض فقد ذاكرته، ونسي اسمه، وراح يهذي، ويتحدث عن وقائع وقصص غير مترابطة. ولأن الممرضة تجهل اسمه فقد أطلقت عليه اسم «المريض الإنجليزي».
ويبدو أن هذه البنية المكانية، وأعني بها بنية المشفى، راحت تستهوي عدداً من الروائيين العالميين كما نجد ذلك في رواية «المريضة الصامتة» Silent Patient تأليف ألكس ميكايليديس، الصادرة حديثاً، وهي عن رسامة معروفة هي اليشا بيرتسون، تطلق النار على زوجها في ظرف غامض، وترفض بعدها الحديث، حيث تمضي ست سنوات في السجن دون أن تنطق بكلمة، حيث يتدخل بعدها معالج نفسي فيقرر أن يخوض تجربة استنطاقها وإخراجها من عزلتها.
في ثلاثية عالية ممدوح ذات البؤر المكانية المشتركة المتمثلة في المشفى، نجد فيضاً من المشاعر الإنسانية المكبوتة، ومعاناة كبيرة، من جانب المرأة في الغالب، وهلوسات ونحيب وصرخات صامتة تتطلب تعاطفاً إنسانياً خاصاً من لدن القارئ، الذي تبدو له مثل هذه الروايات وهي تجمع بين التحليل النفسي، والبحث البوليسي المنقب عن المسكوت عنه، والمغيب في سيرة المريض الحاضر - الغائب. ونجد في هذه الروايات الثلاث حضوراً ضاغطاً وأحياناً مدمراً للواقع السياسي والاجتماعي الخارجي على الحالة النفسية السريرية للمرضى.
وتثير بنية المشفى، التي وجدنا لها أمثلة في الرواية العربية إلى ثنائية الداخل - الخارج التي تحدث عنها باشلار في كتاب «شعرية الفضاء» Poetics of Space الذي ترجمه غالب هلسا إلى «جماليات المكان»، كما أن هذه البنية تحيل أيضاً إلى ثنائية فلسفية كبيرة هي ثنائية (الهنا - والهناك). (فالهنا) هو بنية المشفى، أما (الهناك) فتشير إلى الأسرة أو المدينة أو العالم الخارجي. إذ إن المشفى يمثل من الجانب الآخر (الداخل) بوصفه بنية مكانية مغلقة ومحدودة وضيقة، في مقابل (الخارج) الذي يمثل بيت الأسرة والمدينة والفضاء اللامحدود، وهو مفتوح ومتسع ولا نهائي (جماليات المكان، غاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا، بيروت، ص 192).
وقد فحص الفيلسوف ميشيل فوكو بنية المشفى أو العيادة الطبية دلالة بنية المشفى أو ما يسميها بالعيادة الطبية في المجتمع المعاصر، إذ يرى (فوكو) أن نقل المريض من بيئته الطبيعية، أي البيت، والأسرة، إلى المشفى، يجعل المريض تحت تأثير سلطة جديدة. إذْ كان الجسد المريض يلتزم في العادة بيته، وكانت مهمة الأسرة احتواءه والعناية به، إلا أنه مع ظهور المستشفى كبينة حضارية جديدة جرى استبدال الأسرة بالمستشفى.
ويخيل لنا أن انعطاف الروائيين نحو بنية المشفى في الرواية الحداثية، يعود إلى جملة عوامل، منها انتقال الروائي من مكانية الأسرة، في «الدراما الأسرة» حيث تتمحور الصراعات والإشكاليات داخل أسرة معينة، إلى مكانية المشفى، في الرواية الحديثة بما توفره من أجواء من التواصل الإنساني والحميمية بين مجموعة أفراد يتحلقون حول مريض ما، في محاولة للتعبير عن التعاطف الإنساني، وفي الوقت ذاته لتحقيق تواصل تفاعلي بين (الخارج) المتمثل بالأسرة وفضائها المفتوح و(الداخل) المتمثل في المشفى، بوصفه بنية مغلقة ومحدودة، شبيهة إلى حد كبير بالسجن أو القوقعة التي تحيط بمحدودية الداخل - المشفى.
وفي استقرائي المستقبلي، أعتقد أن البؤرة المكانية للمشفى، التي كانت عالية ممدوح رائدة بالتبشير بها، ستكون بؤرة مركزية في روايات ما بعد جائحة كورونا، وذلك للدور الكبير الذي لعبته في حياة الناس بعد حالات الإغلاق والحظر في حياة المجتمعات البشرية. وستولد من رحم هذه البنية المكانية المولدة شخصيات وحبكات وثيمات وبنيات جديدة، دون أن نفترض غياب البنيات المكانية والزمانية الأخرى.
وإذا ما عدنا إلى رواية عالية ممدوح، فسوف نجدها تركز أساساً على بنية المشفى - الداخل الذي يفترض أن ترقد فيه الفنانة التشكيلية العراقية عفاف، التي اختفت أو ضاعت بين المصحات والمشافي في باريس، مما دفع بأسرتها بصورة جماعية لتحشيد مجهوداتها للبحث عنها، ومعرفة سبب انقطاع أخبارها عنهم. وبهذا فإن بنية الداخل - المشفى هي التي تجذب إليها بنية الخارج - الأسرة والمدينة بصفتها بنية جاذبة Centrifugal. ولكن علينا الاستدراك هنا إلى أن رواية «التانكي» قد كشفت عن بنيات مكانية بغدادية أليفة منها دار العائلة في حي الصليخ بالأعظمية ببغداد وامتداداتها إلى بيت الطفولة في الوزيرية، بوصفه المكان الأليف، لدى بطلة الرواية (عفاف).
ومن الجانب الآخر، يمكن أن نلاحظ أن (الهنا) المتمثل بالمشفى هو الذي يستحضر (الهناك) إلى فخ الحاضر، بعد أن كانت عفاف قبيل رقودها في المستشفى في باريس تدرك أنها كانت بين - بين، أي بين هنا وهناك في آنٍ واحد:
ففي حوار لها تخاطب المهندس المعماري معاذ الآلوسي، مصمم المكعب قائلة:
«أنا مادة خام موجودة، وأتحرك ما بين هنا، أو هناك، الأرض والسماء» (ص 48).
إذ نجد أفراد أسرة (أيوب آل)، وقد اجتمعوا جميعاً، وكأنهم يلتقطون صورة تذكارية مشتركة لطاقم الفيلم ويعلنون بصوت جماعي، عبر ضمير الجماعة (نحن) عن عزمهم على البحث عن ابنتهم «عفاف» التي غادرت العراق إلى باريس للدراسة عام 1979، كما ستكتشف لاحقاً، أنهم قد خولوا السيد صميم بمهمة متابعة، قضيتها، وجمع المعلومات الضرورية التي أدت إلى تدهور حالتها النفسية، والاتصال بالدكتور (كارل فالينو) الذي كان يشرف على علاجها النفسي في مشفاه في باريس قبل أن تغيب وتنقطع أخبارها.
وهكذا يضطلع السيد صميم بدور الراوي الرئيس للرواية، فضلاً عن الرواة الآخرين، لأنه مخول قانونياً من أفراد أسرة آل أيوب بجمع كل البيانات الضرورية والاتصال بالأشخاص ذوي العلاقة وتدوين شهاداتهم.
وتتضح الطبيعة الميتا سردية، والبوليفونية (تعدد الأصوات) في كل النسيج الروائي من خلال قصدية الكتابة والتدوين، واستخدام الكاميرا.
وتستمر المؤلفة في الحركة السردية الأولى من حبكة الرواية الأولى التي استغرقت أربعة فصول والتي تمثل الصعود نحو الذروة Climax، في التمهيد في انتظار استجابة الدكتور فالينو الذي بدأ بمعالجة الآنسة عفاف منذ عام 1986 في عيادته الخاصة بباريس: إذ يبدأ الدكتور (كارل فالينو) في الفصل الخامس من الرواية، وهي الحركة السردية الثانية في الحبكة الروائية بالرد على تساؤلات أسرة (عفاف) التي تمثل كما يخيل للقارئ بداية انحسار الذروة الروائية، لكننا سنكتشف لاحقاً أن الذروة الروائية تستمر في التصاعد حتى النهاية، لتشكل نصاً مفتوحاً على تأويلات لا نهائية.
وتتعامل الرواية مع التاريخ بحذر خوفاً من تزويره من قبل «ثعالب» التاريخ: «أظن ليس جميع ما نقرأه أو نحصل عليه من معلومات يبقى فوق مستوى الشبهات، ستبقى الثعالب، وهي تسرد أحداث التاريخ تزور وتلفق». (ص 25).
ولذا فهي تعمد إلى تقديم قراءتها الخاصة للمدونة التاريخية، وربما محاولة كتابة تاريخ اجتماعي وحضاري بديل انطلاقاً من منظورات ما بعد الحداثة والنزعة النسوية.
- ناقد عراقي



بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست
TT

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟ هو السؤال الذي يجيب عليه كتابٌ جديدٌ بعنوان «مائة رسالة غير منشورة» صادر عن دار «أونوري شامبيون»، وهو يضمّ مائة وثيقةٍ غير منشورة، أغلبها مسوّدات، إلى جانب رسائلَ تلقّاها الكاتب الفرنسي مارسيل بروست من محيطه القريب، وكلّها تنتمي إلى مجموعةٍ نادرة جمعها الكاتب بنفسه وحافظ عليها في أوراقه الخاصة، تم العثور عليها بعد وفاته. وقد دخلت هذه المراسلات إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، لتُكمل ما يُوصف بـ«مجموعة الرسائل الفريدة التي جمعها بروست بنفسه».

تغطّي هذه الرسائل فترةً تمتدّ من 1886 إلى 1922، أي من صبا بروست حتى رحيله. وتتنوّع طبيعتها تنوّعاً مذهلاً: من البرقيات القصيرة الموجّهة إلى الخدم، إلى الرسائل الطويلة المكرَّسة لأسئلةٍ لغوية وأدبية عميقة. وتكشف هذه الوثائق، في طيّاتها، عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب، كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة، إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة. وتبرز من هذه المراسلات شخصيةُ والدة بروست، السيدة جان ويل - بروست، وهي المُخاطَبة الرئيسية والمُحاوِرة الفكرية الأولى له. كان يتبادل معها رسائل شبه يومية رغم أنهما كانا يعيشان في البيت نفسه لكن لم يكونا يستيقظان في الساعات ذاتها، فكان يفتتح رسائله إليها بعبارة «أمّي الصغيرة العزيزة»، كتب في إحداها: «هل تحفظين لي هذه الورقة الصغيرة لأنني أسجّل فيها في لحظةٍ بعض الأفكار... على عجلٍ... ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل». وهذا الطلب بالذات يكشف كيف كان بروست يعدّ حياته اليومية كمادة أدبية قيد التشكّل. وكان يشكو لأمه صعوبة النوم، إذ كتب لها قائلاً: «الحادية عشرة والربع، ولم أبدأ بعدُ حتى بالتفكير في النوم؛ ربما كان السبب القهوة أو الدواء، لكني لم أتعرض لأزمة ربو اليوم. ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل».

لكنّ المفاجآت الحقيقية تكمن في الأصوات الهامشية التي تستعيد حضورها. فهناك صوت «أوجيني المسكينة»، وهي على الأرجح أوجيني ليميل، إحدى خادمات بيت بروست، ولا يعرف منها سوى هذه الكلمات الوحيدة الباقية في كلّ ما وصلنا من أرشيف بروست، إذ تُشكّل رسالتها إليه الأثرَ الخطّيَّ الوحيد المنسوب إليها. وهناك صوت سيليست ألباريت، مدبّرة البيت الوفيّة التي رافقت بروست حتى عتبة الموت. ففي رسالةٍ كتبتها سيليست إلى أخيه روبرت بروست في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، أي قبل أيامٍ قليلة من وفاة الكاتب، تقول: «سيّدي الأستاذ، لقد أمضى سيّدي مارسيل ليلةً فظيعةً، وكذلك النهار... سُعالاتٌ كثيرة تخنقه بشدّة. وهو أكثرُ من أيّ وقتٍ مضى مصمّمٌ على ألّا يُعالَج، وألّا تُوقَد النارُ في غرفته المتجمّدة. إنّي يائسةٌ من أن يستطيع أحدٌ ما أن يُمارس عليه شيئاً من التأثير». وتضيف الخادمة الوفية أنّ الكاتب كان يطلب منها منع الزيارات حتى يتفرّغ للكتابة، وكان يشرب كوباً من نقيع أعواد الكرز قبل أخذِ دواءٍ مهدِّئٍ للسُّعال.

تكشف الرسائل عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة

إلى جانب الحياة الشخصية، تقدّم هذه المراسلات إضاءاتٍ على تاريخ تشكّل العمل الروائي للكاتب. فنكتشف أنّ بروست عرض الجزء الأول من روايته «البحث عن الزمن المفقود» على أكثر من ناشرٍ قبل أن يستقرّ به المطاف عند «غاليمار». كما نعثر، في رسالةٍ مذهلة موجّهة إلى باحثٍ لغوي، على تحقيقٍ مطوّل في الأسماء الجغرافية المُختلَقة لمدينة كومبراي التي تخيّلها مارسيل بروست في روايته «من جانب منزل سوان»، وتُصاحب هذه الرسالة وحدها سبعُ صفحاتٍ من الملاحظات، وكأنّها سَبرٌ لغويٌّ منهجيّ يدلّ على أنّ بروست لم يخترع أسماءه اعتباطاً، بل كان ينقّب في المعاجم الطوبوغرافية وفي أصول الكلمات اللاتينية والنورماندية حتى يمنح «كومبراي» المتخيَّلة نسباً لغوياً متيناً يجعلها تبدو وكأنها بلدةٌ اقتُطعت من خريطة فرنسا الحقيقية.

ومن أطرف ما يُكشف عنه في هذه المراسلات تفاصيلُ الحياة العاطفية لمارسيل بروست. فنجد قصيدةً نثرية موجّهة إلى صديقه الحميم رينالدو هان، وهو ملحّنٌ وعازفُ بيانو جمعته ببروست قصةُ حبٍّ دامت سنتين، وهي من أهمّ علاقات الكاتب الفرنسي، ورسالةُ قطيعةٍ موجّهة إلى ألفريد أغوستينيلي، مساعده الخاص والحبيب الذي فقدَه في حادثة تحطّم طائرة، الذي يُقال إنه ألهم بروست شخصية «ألبرتين» في «البحث عن الزمن المفقود». كما نقرأ رسالةً لاذعةً إلى شابٍّ قابله بروست في بلدة كابور عام 1909 ثم أخلف موعداً معه، فردّ عليه بروست بسلسلةٍ من التوبيخات، إذ يكتب له: «لقد أوشكت أن تصادف فرصة شهيرة للصداقة»، ثم يصفه بأنه «ماءٌ عاديٌّ... لا يَثبت أبداً، سريع الانصباب كما هو سريع الانسكاب». ويرى نقّاد أنّ مقاطعَ من هذه الرسالة غذّت لاحقاً توبيخ «سوان» المرير لـ«أوديت» في الرواية.

وتُطالعنا أيضاً في هذه المجموعة أصواتٌ نادرة من مراسلي بروست، كالكاتب والرسّام لوسيان دوديه، ابن الروائي ألفونس دوديه، الذي كان بروست معجباً به، وكان السبب في إنهاء علاقته العاطفية برينالدو هان، الذي ظلّ بالرغم من ذلك صديقاً لبروست.

ويقدّم الباحث الأميركي فيليب كولب، الذي أصدر 21 مجلداً ضمّت أكثر من خمسة آلاف وثلاثمائة رسالة معروفة لبروست، استعارةً بليغةً تصلح مفتاحاً لفهم قيمة هذه المراسلات، إذ يكتب أنّ رسائل بروست، إذا قُورنت بروايته، تشبهها «في حدود ما يشبه ظهرُ القماشة وجهَها: تتميّز فيها كلّ الخيوط وكلّ الألوان، لكن ما ينقصها هو وضوحُ الرسم وإتقانه، أي الفنّ بعينه»، ويضيف: «في رسائل بروست نجد كثيراً ممّا وضعه في عمله، لكننا نراه في ضوءٍ أقلّ شاعريةً وأكثر صدقاً».

أمّا الناقد تييري مولنييه، فقد رأى في رسائل بروست «نداءً للهواء»، وهو التعبير الذي استخدمه في تقديمه لكتاب «رسائل مارسيل بروست إلى أنطوان بيبيسكو». ويرى مولنييه أنّ الكتابة عند بروست كانت ضرورةً يفرضها المريضُ المهدَّد بالاختناق. فحتى في أقصر الرسائل وأكثرها تفاهةً، يتجلّى قلقٌ خفيّ، واستعجالٌ، ونفادُ صبرٍ، وشكوى. وهنا يكمن التحليل الأعمق: فبروست لم يكن مجرّد «سيّد الزمن المُستعاد»، بل كان أيضاً رجلاً يصارع يومياً الألمَ، والانتظارَ، لذا كانت مراسلاته وسيلتَه الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي من غرفته المغلقة، وللتحكّم في المكان، ولفتح أبواب الخيال على مصراعيها. ولعلّ أعمق ما تُلمح إليه هذه المراسلات هو أنّ الفصل بين «الحياة» و«الأدب» كان وهماً عند بروست. فالرسائل التي يكتبها إلى أمّه ليشكو لها الأرق، أو إلى خادمته ليطلب كوباً من نقيع أعواد الكرز، ليست هامشاً للعمل، بل هي مادّتُه الخام. إنها ظهرُ القماشة الذي يحمل في خيوطه المتشابكة وعدَ الوجه القادم. وكأنّ الزمن، في لحظته الأخيرة، لا يُستعاد إلا بالكتابة، ولو كانت بضع كلمات.


دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر
TT

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

صدر أخيراً في القاهرة، عن دار «أم الدنيا» للدراسات والنشر، كتاب «احتفاليات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية والباحثة المصرية مروة الشريف، التي تقدم قراءة نقدية تفتح بها آفاقاً واسعة لفهم التجربة الشعرية للشاعر الراحل محمد عفيفي مطر، أحد أبرز رموز الشعر العربي المعاصر.

يعتمد الكتاب على أدوات النقد الإدراكي والتحليل الأنطولوجي، ليأخذنا في رحلة عميقة لاستكشاف البنية الشعرية متعددة المستويات، وتداخل اللغة بالوعي والذاكرة والرموز التراثية والشعبية. كما يتتبع حضور الجسد والموت والأسطورة بوصفها أنساقاً معرفية تتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد فلسفية إنسانية أعمق، فاتحاً باباً جديداً ومختلفاً لفهم عالم مطر الشعري، وتحولاته الدلالية.

يتكون الكتاب، فضلاً عن المقدمة والخاتمة، من ثلاثة فصول رئيسية، يركز الأول على اختلافات مفهوم الصورة الشعرية بين البلاغيين العرب القدامى والعلماء الغربيين المعاصرين. أما الفصل الثاني فيدرس الروافد البيئية والتراثية والفلسفية والدينية والفنية للاستعارة في «احتفالية المومياء المتوحشة». ويدرس الفصل الثالث التشخيص والكناية في الديوان.

وتشير الباحثة في المقدمة إلى أن الديوان لم يقع في فخ الوصف التقليدي، والتقريرية الزاعقة، والبكاء على ما حدث؛ بل اتخذ منطلقاً تجريبياً واضحاً، طوراً يعكس منجزات القصيدة الجديدة من درامية وتعدد للأصوات، واستخدم تقنيات المسرح، والمونتاج السينمائي، وتوظيف الموروث، والانطلاق في الكتابة من شعرية الموقف الفكري لا شعرية الغرض، إضافة إلى ابتكاره مجموعة من التقنيات التي تفرّد بها كالنحت اللغوي والإغراق في البيئية، وتبني المضامين الفلسفية والتيمات الشعبية، موضحة أن تجربة السجن- موضوع هذا الديوان- أتاحت له أن يُحلق في آفاق شعرية متفردة، وأن يسلك بإبداعه طرقاً جديدة.

وتوضح أن الشاعر الراحل كتب الديوان في ظروف مأساوية، حيث وُلِدَت كلماته من رَحِم المُعاناة، في الفترة: (2/ 3/ 1991 - 13/ 4/ 1991)، كما دوَّن هو في هوامش قصائده، مضيفاً المكان بجانب الزمان: (لاظوغلي وطُرة ورملة الأنجب... إلخ)، والحدث الذي يُفصِح عنه هو الرصد التراجيدي لما لاقاه الشاعر المُكَبَّل المعصوب العينين، والديوان بطابعه المنتمي إلى جنس اليوميات، يُعبِر عن صورة فوتوغرافية كبرى من ألبوم الماضي تفتح نافذتها على مصراعيها لمشاهدة صور فوتوغرافية صغرى، تمثل العصر الذي عاش فيه، تتجاور جنباً إلى جنب مكونةً ومُجمعة الصورة الكبرى التي تَرصُد وقائع الاحتفالية المتوحشة.

ومروة الشريف باحثة أكاديمية صدر لها من قبل تحقيق كتاب «شفاء الأسقام ودواء الآلآم» لخضر الأيديني، كما أعدت «معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية» الحاصل على جائزة أفضل كتاب تراثي في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2024.


روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

روزي جدي
روزي جدي
TT

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

روزي جدي
روزي جدي

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة من واقع تاريخ أفريقيا في علاقتها بالغرب وبمحيطها العربي في الوقت نفسه.

صدرت له أخيراً «ثلاثية أنجمينا» التي تستكمل تجربة لافتة استهلها بـ«زمن الملل» التي فازت بجائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، ثم توالت أعماله ومنها «ارتدادات الذاكرة» و«التاريخ السري المعلن لآدم وحواء»... هنا حوار معه:

> في روايتك الأحدث «ثلاثية أنجمينا» لماذا تبدو الشخصية الرئيسية مشدودة إلى قدر العودة إلى موطن رأسها بعد سنوات من التحقق في فرنسا رغم أنها تعلم أنها تغامر بترك الرفاهية والعودة إلى الأزمات؟

- الحنين إلى الوطن هو الذي دفعه إلى العودة لبلاده، هذا ما يبدو لأول وهلة وما تدّعيه الشخصية، لكن الحقيقة أنه قرر العودة بعد أن شعر بأنه ليس فرنسياً كما اعتقد طوال حياته. اليمين المتطرف صعّد خطابه المناهض ضد المهاجرين وشعر صاحب الجذور التشادية بأنه لا ينتمي إلى هذا المكان، إضافة إلى سقوطه في براثن الاكتئاب بعد أن خسر حبيبته التي انضمت لليمين ورأت أخيراً أنه أسمر.

صحيح أن بركاي قرر العودة إلى الأزمات لكنه لم يكن يدري، ولهذا رجته أمه بعدم الذهاب في بداية الرواية، لكنها عودة حتمية مثل عودتنا إلى البيت دائماً حتى حين يكون البيت برميلاً من المشاكل.

> تبدو صورة العاصمة التشادية في الرواية وكأنها أرض منذورة للحرب والتوتر والخوف والخيبة وانكسار الأحلام... ألم تكن قاسياً إلى حد ما في تبني تلك الرؤية؟

- لم أكن قاسياً، بل كنت واقعياً. هي أرض منذورة للحرب حقاً، وعشنا فيها حروباً أهلية بلا توقف، وخسرنا أحباباً وأصدقاء؛ أعتقد أن الشرط الأول للكتابة هو قول الحقيقة. الصورة التي رسمتها لمدينتي تبدو قاسية لكنها حقيقية.

> هل يمكن النظر للرواية في إطار رصد العلاقة بين الشرق والغرب ولكن من منظور أفريقي شديد الخصوصية؟

- يمكن ذلك، وهذه أمور يراها النقاد ويشعر بها القراء. حين قررت كتابة «ثلاثية أنجمينا» أردتُّ كتابة مدينتي أنجمينا وسعيت لتأريخها بوصفها مكاناً شهد أحداثاً جسيمة أثرت على الملايين وشكلت الحياة السياسية في البلد بأكمله. ربما يجد فيها المرء هذه المقاربة لكنها رواية عن تشاد والتشاديين، وفي الوقت نفسه تعبر عن الحياة والمشاكل والقضايا في دول الساحل وبعض الدول العربية، إلا أنني لم أفكر في الغرب أبداً في أثناء الكتابة.

> ما الهاجس الأساسي الذي يعد المحرك الفعلي لأعمالك الإبداعية؟

- هي هواجس عديدة لكنّ على رأسها فكرة الموت، هاجس أناني لكنه قلق وجودي؛ تخيفني فكرة الموت والذهاب بكل هذه الحكايات، ولذا أكتب كي لا أموت بكل هذه القضايا، هذا ما أقوله مع نفسي، بيد أنّ أعمالي تقول إن هاجسي هو الإنسان التشادي وهو يعبر التاريخ المثقل بالحروب والانقلابات والتحولات السياسية، ويحاول رغم ذلك أن يحافظ على ذاكرته وكرامته وقدرته على الحلم.

تشغلني مدينة أنجمينا، الابتعاد عنها، والمنفى، والهوية، وتأثير قرارات السلطة على حياة الناس، وما تفعله الأحداث الكبرى بحياة الأفراد العاديين. أحاول في رواياتي أن أكتب تشاد من الداخل، لا بوصفها هامشاً بعيداً، بل بوصفها فضاء إنسانياً كاملاً، مليئاً بالتناقضات والأسئلة.

> تكتب عن أفريقيا باللغة العربية... كيف ترى الأمر خصوصاً حين يجد البعض صعوبة في تصنيف تجربتك أو العثور على مدخل مناسب للتعامل معها نقدياً؟

- أنا أفريقي يكتب باللغة العربية لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ أكتب باللغة العربية عن قضايا ومواضيع دولة أفريقية؛ لكن هذه المشكلة ليست جديدة وعانى منها معظم الكتاب الأفارقة، فنحن كتبنا بالفرنسية والسواحلية والإنجليزية والعربية والإسبانية والبرتغالية.

لكني لا أجد أي صعوبة في تصنيف تجربتي؛ فالعبرة بلغة الكتابة وليس بعِرق الكاتب. ما أكتبه يثري الأدب العربي ويعبر عن تنوعه، كما أن تشاد دولة لها حدود مع دولتين عربيتين هما ليبيا والسودان.

وأعتقد أن تشاد لو انضمت إلى جامعة الدول العربية لاعتبرتُ كاتباً عربياً رغم أنه مجرد قرار سياسي. في الحقيقة تشاد أكثر عروبة من دول هي تُعدُّ الآن عربية، وذلك لوجود كبير للمكون العربي فيها واعتبارها اللغة العربية لغة وطنية بنص الدستور ومعمول بها منذ الاستقلال.

> هل تعاني بوصفك أديباً من أزمة هوية بشكل أو بآخر؟

- شخصياً، لا أعاني من أزمة هوية لكني أعالج أسئلة الهوية في أعمالي وأعود إليها مراراً؛ لأننا في تشاد لدينا أزمة هوية. مثلاً في روايتي الأولى «زمن الملل» تقول إحدى شخصياتها: «أنا أفريقي في عيني العربي، وعربي في عيني الأفريقي»، فنحن بين بين. لسنا عرباً كفاية ولسنا أفارقة بما يكفي، لكن هذه معضلة يعاني منها معظم سكان دول الشريط الساحلي.

أعتقد أن سؤال الهوية ظل يرافقني منذ وقت مبكر. أنا تشادي، أنتمي إلى فضاء أفروعربي شديد التنوع، وأكتب بالعربية، وأتحرك ثقافياً بين أكثر من عالم، لذلك كان طبيعياً أن أسأل نفسي أحياناً: أين أقف بالضبط؟

لكن مع الوقت، لم أعد أتعامل مع الأمر بوصفه أزمة، بل بوصفه جزءاً من تكويني. هذا التعدد، وما فيه من تناقضات وأسئلة، هو نفسه الذي منحني كثيراً من موضوعاتي وشخصياتي. ربما أنا لا أبحث عن هوية واحدة مغلقة بقدر ما أحاول أن أفهم كيف يمكن للإنسان أن يحمل داخله أكثر من انتماء، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صوت.

> فازت روايتك «زمن الملل» بجائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، والعمل يتمتع بوصف مسهب لحياة الفراغ والعبث واللامبالاة لبطل تشادي... هل نحن هنا بإزاء حالة استثنائية أم رصد لحالة عامة؟

- لا أعتقد أنها حالة عامة لكل الشعب التشادي، بقدر ما هي رصد لمرحلة محددة ولجيل بعينه. الرواية تتحدث، في جانب كبير منها، عن سنوات ما بعد التخرج في الجامعة، ومن الطبيعي أن يعتمد الروائي في أعماله الأولى على حياته وعالمه وما اختبره بنفسه.

لكن التجربة لم تكن فردية تماماً؛ كانت تصف حالة جيل كامل تقريباً، جيلنا نحن مواليد التسعينات. في تلك السنوات عاشت البلاد أزمة اقتصادية قاسية، دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى البطالة، وانسدت الآفاق، وغادرت شركات كثيرة، وازداد الفقر، وانهارت الطبقة الوسطى... تخيلي جيلاً كاملاً عاش جزءاً كبيراً من عشريناته وهو يشعر بالعجز.

> فازت كذلك روايتك «ارتدادات الذاكرة» التي ترصد حقبة الاستعمار الفرنسي لتشاد، بجائزة «التميز الأدبي» التي تمنحها وزارة الثقافة التشادية...تُرى ما الذي يخطر على بال المثقف التشادي حين «ترتد ذاكرته» إلى تلك الحقبة؟

- عدت في هذا العمل إلى أحداث تاريخية مهمة شهدتها بلادي وأثرت في البلاد والعباد، لكنها بدت مع الوقت كأنها تنسحب إلى هامش الذاكرة. كنت أشعر بأن بعض ما حدث أكبر من أن يُترك للنسيان؛ لأن سقوط مملكة مثل انهيار دولة، وهذه الأشياء لا تحدث بسبب عامل خارجي وحده، بل لا بد دائماً من شقوق داخلية، ومن أخطاء وسقطات تمهد للسقوط.

لذلك، لم أكن أريد أن أكتب عن الاستعمار الفرنسي باعتباره قوة جاءت من الخارج فقط، بل أردت أن أنظر أيضاً إلى ما كان يحدث داخل المجتمع والدولة آنذاك، إلى الصراعات، والهشاشة، والانقسامات التي تجعل لحظة الانهيار ممكنة. التاريخ في نظري لا يصنعه طرف واحد، ولا يمكن فهمه إذا اكتفينا بتوزيع الأدوار بين ضحية وجلاد. وحين ترتد ذاكرة المثقف التشادي إلى تلك الحقبة، فهي لا تعود إلى ماضٍ مغلق، بل إلى شيء لا تزال ظلاله معنا. بعض آثار تلك المرحلة بقي في السياسة، وفي الثقافة، وفي علاقتنا بالسلطة وبالآخر، وربما حتى في طريقتنا في فهم أنفسنا.

لهذا كانت «ارتدادات الذاكرة» بالنسبة إليّ محاولة لاستعادة جزء من ذاكرة تشاد، لا من أجل تمجيد الماضي أو البكاء عليه، بل من أجل النظر إليه بوضوح أكبر؛ لأن الأمم التي تنسى الطريقة التي سقطت بها قد تكرر السقوط نفسه بأسماء جديدة.

> دراستك للقانون وعملك بالسلك القضائي... كيف انعكسا على تجربتك الإبداعية؟

- أنا قانوني هرب من الصرامة إلى رحابة الأدب، واستفدت من دراستي له أشياء كثيرة خاصة في خلق الشخصيات؛ فالقانون يعلّمنا أن نشك، وأن نحلل ونقارن ونبحث عن التفاصيل، وأن الحقيقة لها أوجه عديدة. كل هذه الأشياء يستفيد منها المرء دون وعي.

كما قرّبني العمل القضائي من الناس في لحظات شديدة الحساسية، تتجلى فيها الخصومة، والخوف، والندم، والشعور بالظلم، والطمع، والانكسار. وتترك هذه التجارب الإنسانية أثراً عميقاً في الكاتب، حتى عندما لا ينقلها مباشرة إلى أعماله الروائية.

> أخيراً... تقول إنك بوصفك روائياً من تشاد لا تمتلك رفاهية تبنّي مقولة «الفن للفن» وفي الوقت نفسه تقول ينبغي ألا يكون الإبداع بياناً سياسياً... كيف تحل تلك المعادلة الصعبة؟

- أعتقد أننا في تشاد لدينا الكثير من المواضيع والقضايا التي تستحق الكتابة، بلادنا حديثة، وُلدتْ قبل ستين سنة فقط لكنها غنية من ناحية الثقافة والأحداث والتاريخ السياسي العنيف والقضايا الشائكة التي تستحق المعالجة وطرح التساؤلات حولها. ومن ذلك المنطلق، أردد بأنني مبدئياً لا أملك ترف اللعب بالكلمات بقدر ما لديّ أشياء مهمة يجب قولها وتساؤلات ملحّة ينبغي طرحها. لكني لا أفرض هذا على غيري بل حتى عليّ شخصياً، كتبت قصصاً من أجل متعة الكتابة فقط. في المقابل، أؤمن أنه لا ينبغي تحويل الأدب إلى كيس مليء بالأفكار الأيديولوجية أو السعي لتصفية الحسابات السياسية، كما أنني ضد أن يعمل الأدب في صالح السلطة؛ أياً كان شكل هذه السلطة.