واشنطن تسعى إلى بناء 9 ألوية جديدة في الجيش العراقي

التركيز على تدريب قوة أصغر عددا بعد اختفاء 4 فرق من الجيش واكتشاف قوائم الجنود الوهميين

متطوعون في (الجهد الشعبي) لدعم القوات العراقية في قتالها ضد «داعش» (أ.ب.ف)
متطوعون في (الجهد الشعبي) لدعم القوات العراقية في قتالها ضد «داعش» (أ.ب.ف)
TT

واشنطن تسعى إلى بناء 9 ألوية جديدة في الجيش العراقي

متطوعون في (الجهد الشعبي) لدعم القوات العراقية في قتالها ضد «داعش» (أ.ب.ف)
متطوعون في (الجهد الشعبي) لدعم القوات العراقية في قتالها ضد «داعش» (أ.ب.ف)

بعد تعلمها دروسا قاسية في خضم محاولاتها بناء قوة مسلحة أجنبية على امتداد السنوات الماضية، أقرت المؤسسة العسكرية الأميركية تحولا في استراتيجيتها ضد «داعش»، حيث اختارت تدريب قوة أقل عددا من الجنود العراقيين، بدلا من محاولة بناء جيش كامل منذ البداية.
يذكر أن عدد القوات العراقية القتالية، التي بذلت واشنطن جهودا هائلة لبنائها وتحمل تكاليفها خلال الحرب العراقية الماضية، بلغ قرابة 400 ألف فرد، وبحلول بدء تقدم «داعش» عبر شمال العراق في يونيو (حزيران)، كانت القوات العراقية قد انكمشت بمقدار النصف، بعد أن استنزفتها سنوات من الفساد والغياب والتردي.
ومع إحكام «داعش» قبضته على الموصل، اختفت 4 فرق من الجيش العراقي وفرقة أخرى من الشرطة الفيدرالية، مما أدى لتناقص القوة القتالية إلى 85 ألف منتسب، تبعا لتقديرات خبراء.
ومع جهود إدارة أوباما للتصدي لـ«داعش»، قرر القادة العسكريون التوقف عن محولة إعادة بناء فرق كاملة اختفت أو اجتذاب مجندين جدد لوحدات تعاني ترديا في مستوى الأداء ونقص العدد عبر مختلف أرجاء البلاد، حسبما أفاد مسؤولون أميركيون.
بدلا من ذلك، أفاد المسؤولون أن الآمال تنعقد على بناء 9 ألوية جديدة بالجيش العراقي ـ بإجمالي قوة تصل إلى 45 ألف جندي مشاة خفيفة ـ بحيث تصبح قوة طليعة يصبح بمقدورها بالتعاون مع المقاتلين الأكراد والشيعة لفك قبضة «داعش» من على ثلث البلاد.
من جهته، قال مسؤول أميركي بارز، رفض الكشف عن هويته مثلما الحال مع الآخرين: «تدور الفكرة في صورتها الأولى على الأقل لبناء جيش عراقي أقل عددا»، إلا أن جهود بناء قوة تعمل بمثابة رأس حربة من غير المحتمل أن تتناول مسألة التردي الأكبر في صفوف قوات ومؤسسات الأمن العراقية، وهي قضية أعقد وذات جذور أعمق تتسبب في تقويض استقرار البلاد، كما أن القوة الجديدة المقترحة غير كافية بمفردها لإعادة بسط السيطرة على مدن استراتيجية مثل الموصل.
وذكر مسؤولون أميركيون وآخرون أن تدريب وحدات أقل عددا وأكبر كفاءة قد يمكن قوات الأمن العراقية من إحراز تقدم كبير في مواجهة «داعش»، بحيث يتم تكميله نهاية الأمر، حسبما يأمل المسؤولون الأميركيون، من جانب «الحرس الوطني» المقترح تشكيله في المحافظات تحت لواء الحكومة الإقليمية.
من جهته، قال حاكم الزاميلي، رئيس لجنة شؤون الأمن والدفاع بالبرلمان العراقي: «قبل أزمة الموصل، كنا نعيش في وهم؛ حيث ظننا أن الجيش بإمكانه الدفاع عن البلاد. لقد وثقنا بهم، لكن ما حدث كشف الحقيقة أمام أعيننا».
ويبدو من غير المحتمل أن تتمكن خطة إدارة أوباما لإصلاح بعض أخطر الأخطاء العسكرية بالعراق، وذلك بتغيير وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل. يذكر أنه داخل البنتاغون، كان هيغل معروفا بكونه أقرب إلى البرامج الإصلاحية والمبادرات المرتبطة بالموازنات عن مقترحات شن حملات عسكرية ضد «داعش».
ويلقي مسؤولون أميركيون باللوم على رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، عن تردي مستوى كفاءة القوات العراقية بعد الانسحاب العسكري الأميركي عام 2011. ويرون أن المالكي، الشيعي، عين القادة العسكريين حسب الانتماءات الطائفية، مما قلص القدرات العسكرية وقوض الروح المعنوية بين القوات.
وفي ظل القيادة الفاسدة، امتلأت قوائم الرواتب بـ«جنود وهميين» وجرى دفع رواتب لجنود قتلوا منذ أمد بعيد، مما أسفر عن نقص أفراد الوحدات العسكرية، وأسهم كذلك في صعوبة تقييم حجم وقوة قوات الأمن.
وتبعا لما ذكره مايكل نايتس، زميل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يعمل على وضع تحليل تفصيلي للوحدات العسكرية العراقية المتبقية، فإن ألوية بالجيش كان يفترض أنها تضم 4 آلاف فرد كانت تحوي في حقيقة الأمر أقل من نصف هذا العدد.
وأكد مسؤول أميركي رفيع المستوى رفض ذكر اسمه، أنه كان هناك «انفصال هائل» بين القوات العسكرية العراقية على الورق وحقيقتها على أرض الواقع.
وخلال هذا الصيف، تكشفت حقيقة المشاكل حتى أمام المشاركين في مبادرة 2011 - 2013 لإعادة بناء القوات العسكرية العراقية، التي تجاوزت تكلفتها 25 مليار دولار. من ناحية أخرى، رغم أن جهود أطول أمدا قد حققت نتائج طيبة في أفغانستان في القتال الدائر ضد «طالبان»، لا تزال القوات الأفغانية تفتقد قدرات عسكرية متقدمة وتعاني من ارتفاع أعداد الضحايا في المعارك.
وبالعودة للعراق نجد أنه من الواضح أن إدارة أوباما تشجعت بالإصلاحات الأولية التي أجرتها حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي تولى المنصب خلفا للمالكي في أغسطس (آب) الماضي، وفي هذا الشهر، سرح العبادي أكثر من 20 من القيادات العسكرية البارزة، كما ألغى مكتب القائد العام الذي استحدثه المالكي لإحكام قبضته على المؤسسة العسكرية، إلا أنه من غير المعروف إلى أي مدى باستطاعة العبادي، الذي يسعى للحفاظ على حكومة وحدة وطنية هشة، المضي قدما في مثل هذه الإصلاحات.
يذكر أنه حتى عندما تنجز ألوية الجيش الـ9 تدريبها المقرر استمراره 9 أشهر، فإن القوات الأعلى كفاءة ستمثل نسبة متواضعة من مجمل الجيش العراقي، الذي يعتقد نايتس أنه يتألف من 36 لواء عاملا فقط بعد هزيمته في الموصل، كما تنوي واشنطن تدريب 3 ألوية من قوات البيشمركة الكردية، وأضاف نايتس أنه «بغض النظر عما كانت خطة التدريب ملائمة أم لا، تبقى هي المتاح الآن».
وقال اللفتنانت جنرال (فريق متقاعد)، جيم دوبيك، الذي ترأس جهود التدريب الأميركية للقوات العراقية بين عامي 2007 و2008، إن «القوات العراقية ستحتاج لبذل جهود مستمرة لتحرير الأراضي التي يسيطر عليها مسلحون، مثلما فعلت القوات الأميركية خلال فترة زيادة أعداد القوات في عهد الرئيس جورج دبليو. بوش، لكن من دون توافر قوات برية أميركية ضخمة داعمة لها»، وأوضح دوبيك أن «هذا الأمر يمكن تحقيقه، لكنه سيحتاج وقتا أطول».
الملاحظ أن قوة الطليعة المقترحة، مثلا، ستكون أصغر مما يلزم لإعادة السيطرة على الموصل؛ حيث تسببت مشاعر كراهية الحكومة التي يقودها الشيعة في تعزيز التأييد للمتمردين. ويأمل مسؤولون في إمكانية شن هجوم لإعادة السيطرة على المدينة خلال الربع الأول من عام 2015.
من جهته، قال جنرال مارتن ديبمسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إن 3 فرق، أو قرابة 80 ألف جندي، ضرورية لشن هجوم لتحرير الموصل.
من جهتهم، يؤدي مسؤولون أميركيون خطة عراقية طويلة الأمد لإعادة هيكلة الجيش، بحيث يتم تحويل قوة كان من المفترض أنها تتألف من 14 إلى 15 فرقة إلى أخرى تتألف من 7 إلى 8 فرق أكبر من المعتاد، وتضم واحدة مدرعة واثنتين ميكانيكية و5 مشاة خفيفة، حسبما ذكر مسؤول بارز بوزارة الدفاع. ويأتي ذلك بجانب القوات العراقية الخاصة التي تحملت العبء الأكبر في عمليات القتال هذا العام.
ويعتمد نجاح خطط بناء جيش أصغر يركز على الدفاع الخارجي على مبادرة ثانية لبناء «حرس وطني» يوفر الأمن للمدن العراقية.
في هذا الصدد، قال الزاميلي إن لجنته «تستعد لدراسة مسودة القانون اللازم لبناء قوة الحرس الوطني، وتكشف نسخة مبكرة من المسودة الأولى، تم تسريبها لوسائل الإعلام العراقية، أن البرنامج يرمي لتجنيد ضباط سابقين من المؤسسة العسكرية في ظل صدام حسين»، الذين يعتقد أن بعضهم يؤيد «داعش».
وتحمل المبادرة أصداء برنامج أطلق عام 2006 - 2007. عندما ساعدت القوات الأميركية في تنظيم رجال القبائل السنة غرب العراق، ثم عبر أرجاء البلاد، لمحاربة «القاعدة»، إلا أن خطط ضمان ولاء السنة للأبد أخفقت عندما لم تتحقق الوعود بتوفير وظائف للكثير من المقاتلين القبليين، مما أجج مشاعر السخط ضد حكومة بغداد، كما أن رجال القبائل المتعاونين مع بغداد يتعرضون للاستهداف على نطاق واسع من قبل المسلحين.
ويقول مسؤولون أميركيون إن «العبادي يعمل هذه المرة على إظهار دعمه للسنة»، وذكر مسؤول أميركي أن «فكرة الحرس الوطني مصممة على عدم تكرار هذا الخطأ».
وقال مسؤول أميركي آخر رفيع المستوى، رفض ذكر اسمه، إن «الحكومة العراقية دمجت مائتين من رجال القبائل في القوات العراقية كجزء من (حل تصالحي) قبل الشروع في بناء الحرس الوطني».
من جهته، أعرب الشيخ نعيم الكعود، أحد شيوخ العشائر في الأنبار، عن تأييده المبدئي للبرنامج، وقال: «يجب أن نحصل على ضمانات بأنه لن يتم التخلي عنا»، ويأمل مسؤولون أميركيون في أن يتمكن البرنامج نهاية الأمر من استيعاب قوات البيشمركة، وبعض الميليشيات الشيعية على الأقل، ويعد هذا الهدف طموحا بالنظر إلى تردد قيادات الميليشيات الكردية والشيعية حيال التنازل عن السلطة للحكومة المركزية، وكذلك عقبة لتمرير المقترح عبر البرلمان المنقسم على ذاته.
من ناحيته، قال فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان، إن «قيادات كردية عراقية منفتحة على فكرة دمج قوات كردية في الحرس الوطني، لكنهم متشككون في قدرة هذه الخطة على الصمود في خضم الأزمة الراهنة، وقال: «الفكرة ليست سيئة، لكن كيف ستتمكن من تنفيذها؟».
ومع تعميق الولايات المتحدة مشاركتها، يبقى الدور المتزايد للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران مصدر قلق لمسؤولين أميركيين.
وقد ساعدت جماعات مثل «عصائب أهل الحق» و«منظمة بدر» في تأجيج الاقتتال الطائفي بالعراق خلال السنوات التي تلت الغزو الأميركي عام 2003، ورغم انحسار النشاطات العسكرية في السنوات الأخيرة، عاود المقاتلون خوض المعارك لكن ضد «داعش» هذه المرة.
وقد لعبت الميليشيات دورا محوريا في بعض النجاحات العراقية القليلة. ويبدو أن رجال الميليشيات الذين يقدر المحللون أعدادهم بعشرات الآلاف، ينسقون مع قوات الأمن العراقية، لكنهم لا يعملون تحت قيادة الحكومة.
وعن ذلك، قال أحد المسؤولين الأميركيين: «نراقبهم عن قرب، ونبعث بإشارات قوية للعبادي مفادها أنه ليس في مصلحة العراق وجود ميليشيات تهاجم المدنيين السنة، وقد وعى هذه الرسالة».
وقد تفاقم قلق الجماعات الحقوقية بسبب تقارير حول عمليات خطف وهجمات طائفية من قبل ميليشيات، بما في ذلك مذبحة وقعت في أغسطس (آب) داخل مسجد سني، ألقت «هيومان رايتس ووتش» اللوم فيها على عاتق قوات الأمن العراقية والميليشيات الشيعية.
ومع ذلك، يحتاج العبادي وواشنطن الميليشيات في الوقت الراهن لتعويض أوجه القصور في القوات العسكرية العراقية، حسبما قال أحمد علي، المحلل لدى معهد دراسات الحرب في واشنطن، إلا أن مسؤولين عراقيين ذكروا أن رئيس الوزراء الجديد قلق مما سيحدث لاحقا ـ عندما ينتهي القتال ضد «داعش».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ{الشرق الأوسط}



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.